النص المفهرس
صفحات 541-560
٥٤١ = كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ ٥١- باب مَا يَجُوزُ مِنْ تَفْسِيرِ التَّوْرَاةِ وَغَيْهَا مِنْ كُتُبِ اللّهِ بِالْعَرَبِيَّةِ وَغَيْهَا لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَأَتُواْ بِالتَّوْرَثَةِ فَتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣]. ٧٥٤١ - وَقَالَ ابن عَبَّاسِ: أَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَزْبٍ أَنَّ هِرَقْلَ دَعَا تَرْجُمَانَهُ، ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ النَّبِيِّ ◌َ فَقَرَأَهُ: ((بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم. مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ، وَ: ﴿يَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْ إِلَى كَلِمَةِ سَوَلْءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾)) [آل عمران: ٦٤] الآيَةَ. [انظر: ٧ - مسلم: ١٧٧٣ - فتح ١٣ / ٥١٦]. ٧٥٤٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا عَلَيّ بْنُ المُبَارَكِ، عَنْ يَخْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الكِتَابِ يَقْرَءُونَ الثَّوْرَاةَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ، وَيُفَسِّرُونَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ لأَهْلِ الإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَالَ: ((لَا تُصَدَّقُوا أَهْلَ الكِتَابِ، وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ وَ: ﴿قُولُواْ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٨٤])). [انظر: ٤٤٨٥ - فتح ١٣ / ٥١٦]. ٧٥٤٣- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: أَنَّ النَّبِيُّ وَهَ بِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ مِنَ الْيَهُودِ قَدْ زَنَيَا، فَقَالَ لِلْيَهُودِ: ((مَا تَصْنَعُونَ بِهِمَا؟)). قَالُوا: نُسَخِّمُ وُجُوهَهُمَا وَنُخْزِيهِمَا. قَالَ: ((﴿فَأْتُواْ بِالتَّوْرَنَةِ فَتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾)) [آل عمران: ٩٣] فَجَاءُوا، فَقَالُوا لِرَجُلٍ مِمَّنْ يَرْضَوْنَ: يَا أَغْوَرُ، آقْرَأْ. فَقَرَأَ حَتَّى أَنْتَهَى عَلَى مَوْضِعٍ مِنْهَا فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، قَالَ: ((ارْفَعْ يَدََ)). فَرَفَعَ يَدَهُ، فَإِذَا فِيهِ آيَةُ الرَّجْمِ تَلُوحُ، فَقَالَ: يَا نُحَمَّدُ، إِنَّ عَلَيْهِمَا الرَّجْمَ. وَلَكِنَّا نُكَاِمُهُ بَيْنَنَا. فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا، فَرَأَيْتُهُ يُجَانِئُ عَلَيْهَا الِحِجَارَةَ. [انظر: ١٣٢٩ - مسلم: ١٦٩٩ - فتح ١٣/ ٥١٦] . وقال ابن عَبَّاسٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ أَنَّ هِرَقْلَ دَعَا ٥٤٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح تَرْجُمَانَهُ، ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ النَّبِّ وََّ فَقَرَأَهُ: ((بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ، وَ﴿يَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَآَ بَيْنَنَا وَبَيْنَگُزْ﴾)» وهذا قد سلف مسندًا أول الكتاب(١). ثم ساق حديث أبي هريرة رضى الله عنه: كَانَ أَهْلُ الكِتَابِ يَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ، وَيُفَسِّرُونَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ لأَهْلِ الإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلّه: ((لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الكِتَابِ، وَلَا تُكَذَّبُوهُمْ وَ: ﴿قُولُوَاَ ءَامَنَا بِلَّهِ وَمَآ أُنْزِلَ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٨٤])). وحديث ابن عمر رضي الله عنهما: أنه نَّوَ أتِيَ بِرَجُلِ وَامْرَأَةٍ مِنَ اليَهُودِ قَدْ زَنَيَا .. الحديث بإحضار التوراة، ووضع الأعور يده على آية الرجم، ولا شك أن تفسير كتب الله بالعربية جائز، وقد كان وهب بن منبه وغيره يترجمون كتب الله، إلا أنه لا يقطع على صحتها؛ لقوله العقلية: ((لا تصدقوا أهل الكتاب)) فيما يفسرونه من التوراة بالعربية؛ لثبوت كتمانهم لبعض الكتاب وتحريفهم. واحتج أبو حنيفة بحديث هرقل، وأنه دعا ترجمانه وترجم له كتابَ رسول الله وَ* بلسانه حتى فهمه، فأجاز قراءة القرآن بالفارسية، وقال: إن الصلاة تصح بذلك، وخالفه سائر الفقهاء وقالوا: لا تصح الصلاة بها . وقال أبو يوسف ومحمد: إن كان يحسن العربية فلا تجزئه الصلاة، وإن كان لا يحسن أجزأه(٢). (١) سلف برقم (٧) كتاب: بدء الخلق، باب: كيف كان بدء الوحي. (٢) انظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٢٦٠/١، و((المبسوط)) ٣٧/١. ٥٤٣ كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ من حجة أبي حنيفة أن المقروء يسمى قرآنًا وإن كان بلغة أخرى إذا بين المعنى ولم يغادر منه شيئًا، وإن أتى بما لا ينبئ عنه اللفظ نحو الشكر مكان الحمد لم يجز، واستدلوا بأن الله تعالى حكى قول الأنبياء (بلسانهم)(١) بلسان عربي في القرآن كقول نوح: ﴿يَبُنَّ أَرْكَب مَّعَنَا﴾ [هود: ٤٢]، وأن نوحًا قال هذا بلسانه، قالوا: وكذلك يجوز أن يحكي القرآن بلسانه، وقال تعالى: ﴿وَأُوْحِىَ إِلَّ هَذَا الْقُرْءَانُ﴾ [الأنعام: ١٩] فأنذر به سائر الناس، والإنذار إنما يكون بما يفهمونه من لسانهم، فقراءة أهل كل لغة بلسانهم حتى يقع لهم الإنذار به، وإذا فسر لهم بلسانهم فقد وقع الإنذار به، وإذا فسر لهم بلسانهم فقد بلغهم، وسمي ذلك قرآنًا، وكذلك الإيمان يصح أن يقع بالعربية وبالفارسية. وحجة (العلماء)(٢) غيرِه، قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢]، فأخبر تعالى أنه أنزله عربيًّا، فبطل أن يكون القرآن الأعجمي منزلاً، ويقال لهم: أخبرونا إذا قرأ (القارئ)(٣) بالفارسية هل تسمى فاتحة الكتاب أو تفسيرها؟ فإن قالوا: الثاني. قلنا لهم: قد قال التكليف: ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)) (٤) ولم يقل: إلا بتفسيرها. ألا ترى أنه لو قرأ تفسيرها بالعربية في الصلاة لم يجز؛ فتفسيرها بالفارسية أولى بأن لا يجوز، وقولهم: إن الله حكى قول الأنبياء (١) من (ص١). (٢) في (ص١): الفقهاء. (٣) في (ص١): الفارسي. (٤) رواه البخاري (٧٥٦) كتاب: الأذان، باب: وجوب القراءة للإمام والمأموم، من حديث عبادة بن الصامت. ٥٤٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = الذي بلسانهم بلسان عربي في القرآن، كقول نوح السالف، وأن نوحًا قال هذا بلسانه فكذلك (يجوز)(١) أن يحكي القرآن بلسانهم. فالجواب: أنَّا نقول ما نطقوا إلا بما حكى الله عنهم كما في القرآن، ولو قلنا ما ذكروه لم يلزمنا نحن أن نحكي القرآن بلغة أخرى؛ (لأنه)(٢) يجوز أن يحكي الله قولهم بلسان العرب، ثم يتعبدنا نحن بتلاوته على ما أنزله، فلا يجوز أن نتعداه، ويحتجون به أنه في الصحف الأولى، ومن قوله: ﴿وَأُوْحِىَ إِلَىَّ هَذَا الْقُرْءَانُ لِأُنْذِرَّكُمْ بِهِ، وَمَنْ بَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] فأنذر به على لسان كل أمة، فالجواب: أن العرب إذا حصل عندها أن ذلك معجز وهم أهل الفصاحة، كان العجم أتباعًا لهم كما كانت العامة أتباعًا للسحرة في زمن موسى، وأتباعًا للأطباء في زمن عيسى الكلية، فقد تمكن العجم أن ينقلوه بلسان العرب. وأما قولهم: إن الإيمان يصح أن يقال بالفارسية. فالجواب: إن الإيمان يقع بالاعتقاد دون اللفظ؛ فلهذا جاز اللفظ بالشهادتين بكل لغة؛ لأن المقصود منه يحصل؛ إذ أصله التصديق بالشريعة، وإذا قرئ بالفارسية سقط المعجز الذي هو النظم والتأليف، (فإن قيل)(٣): إنهم (يجيزونه) (٤) بالفارسية إذا لم يقدر على العربية فينبغي ألا يفترق الحكم، قيل: إنما أُجيز للضرورة، وليس كل ما جاز في حال الضرورة يجوز مع القدرة، ولو كان كذلك لجاز التيمم مع وجود الماء ، ولجاز ترك الصلاة مع القدرة؛ لأنه يسقط مع العذر، مع أننا لا نقول بجوازه والحالة هذه. (١) من (ص١). (٢) في الأصل: (لأنه لا)، والمثبت من (ص١)، وانظر ((شرح ابن بطال)) ٥٤٠/١٠. (٤) في (ص١): يجوزونه. (٣) مكررة في الأصل. ٥٤٥ = ڪِتَابُ التّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ فصل : قيل: أما ما فسره من التوراة فكان موافقًا للقرآن صدق؛ لتصديق القرآن إياه، وكذلك هرقل فيما يحكيه كان ذلك موجودًا في النبي وَّر، وما لم يصدق القرآن ولم يكذبه حمل على قول النبي وقال: ((لا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله)). فصل : قوله في الزانيَيْنِ: (نسخم وجوههما): هو بالخاء المعجمة أي: نسودهما، وإنما أتوا إليه؛ (لأنهم)(١) قالوا: هذا نبي أرسل بالتسهيل فامضوا إليه، فإن حكم فيها بغير الرجم احتججتم بذلك عند الله، وقلتم: هو حكم نبي من أنبيائك. فلما أتوا بهما دعا بالتوراة. ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُ التَّوْرَنَةُ﴾ [المائدة: ٤٣] فحكم بما فيها؛ لقوله: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ﴾ [المائدة: ٤٤]. فصل : وقوله: (فأمر بهما فرجما). فيه حجة على مالك في عدم رجمهما، وقال في ((المدونة)): لم يكن لهم يومئذٍ ذمة(٢). وفي غيرها: وأما اليوم فيردون إلى أساقفتهم ولا يرجمان؛ لأن نكاحهم ليس بإحصان، وخالف الشافعي فقال: نكاحهم يحصن ويحل. فصل : وقوله: يجنأ أي: بالجيم، أي: يكب. (١) من (ص١). (٢) ((المدونة)) ٣٨٦/٣. ٥٤٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = يقال: جنا الرجل على الشيء، وجاناً عليه، وتجاناً عليه إذا أكب(١)، وروي بالمهملة، أي: يحني عليها ظهره، أي: يعطفه. يقال: حنوت العود: عطفته، وحنيت لغة. وقد سلف أوضح من ذلك بزيادات. (١) أنظر: ((القاموس المحيط)) ٤٦/١ [جنا]، و((لسان العرب)) ٦٩/١ [جناً]. ٥٤٧ كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ = ٥٢- باب قَوْلِ النَّبِيّ صلى الله : وَسَلم (الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ الكِرَامِ البَرَّرَةِ)) وَ(«زَيِّنُوا القُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ)) ٧٥٤٤ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنِي ابن أَبِي حَازِمٍ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ◌َّهَ يَقُولُ: ((مَا أَذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيِّ حَسَنِ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ)). [انظر: ٥٠٢٣- مسلم: ٧٩٢ - فتح ١٣ / ٥١٨]. ٧٥٤٥- حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ بُكَثِرِ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابن شِهَابٍ، أَخْبَنِي عُزْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ، وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ حَدِيثٍ عَائِشَةَ حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ مَا قَالُوا،- وَكُلٌّ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنَ الحَدِيثِ، قَالَتْ: فَاضْطَجَعْتُ عَلَى فِرَاشِي، وَأَنَا حِينَئِذٍ أَعْلَمُ أَّ بَرِيئَةٌ وَأَنَّ اللهَ يُبَرُِّنِي، ولكن والله مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ اللهَ يُنْزِلُ فِي شَأْنٍ وَحْيًا يُثْلَى، وَلَشَأْنِي فِي نَفْسِي كَانَ أَحْقَرَ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللهُ فِيَّ بِأَمْرٍ يُثْلَى، وَأَنْزَلَ اللهُ رَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُو بِالْإِفْكِ﴾ [النور: ١١] العَشْرَ الآيَاتِ كُلَّهَا. [انظر: ٢٥٩٣ - مسلم: ٢٧٧٠ - فتح ١٣ /٥١٨]. ٧٥٤٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، أُرَاهُ عَنِ البَرَاءِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌ِّ يَقْرَأُ فِيِ العِشَاءِ: ﴿وَالِيْنِ وَالزَُّونِ [التين: ١] فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا أَحْسَنَ صَوْتَا أَوْ قِرَاءَةً مِنْهُ. [انظر: ٧٦٧ - مسلم: ٤٦٤- فتح ١٣ / ٥١٨]. ٧٥٤٧- حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َ ◌ِّ مُتَوَارِيَا بِمَكَّةَ، وَكَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ، فَإِذَا سَمِعَ المُشْرِكُونَ سَبُّوا القُرْآنَ وَمَنْ جَاءَ بِهِ، فَقَالَ اللهَ وَّ لِنَبِيِّهِ إِلَّ: ﴿وَلَا ء تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠]. [انظر: ٤٧٢٢ - مسلم: ٤٤٦- فتح ١٣ / ٥١٨] . ٥٤٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ٧٥٤٨ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَغْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا سَعِيدِ الْخُدْرِيَّ ◌َ، قَالَ لَهُ: ((إِنِّي أَرَاَ تُحِبُّ الغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ، فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ أَوْ بَادِيَتِكَ فَأَذَّنْتَ لِلصَّلَاةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدِى صَوْتِ المُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ وَلَا شَىءٍ إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ)). قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَلِّ. [انظر: ٦٠٩ - مسلم: ٦٠٩ - فتح ١٣ /٥١٨]. ٧٥٤٩- حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ وَِّ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَرَأْسُهُ فِي حَجْرِي وَأَنَا حَائِضٌ. [انظر: ٢٩٧ - مسلم: ٣٠١- فتح ٥١٨/١٣]. ثم ساق ستة أحاديث : أحدها : حديث أبي هريرة ﴾: ((مَا أَذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِّ حَسَنِ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ)). ثانيها : حديث عائشة رضي الله عنها في قطعة من الإفك: وَلَشَأُنِي فِي نَفْسِي كَانَ أَحْقَرَ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللهُ فِيَّ بِأَمْرٍ يُتْلَى، وَأَنْزَلَ اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُو بِلْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور: ١١]. ثالثها : حديث البراء: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَ يَقْرَأُ فِي العِشَاءِ: بالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ، فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا أَحْسَنَ صَوْتًا أَوْ قِرَاءَةً مِنْهُ. رابعها : حديث ابن عباس رضي الله عنهما: كَانَ رسول الله وَّهِ مُتَوَارِيًا ٥٤٩ = ڪِتَابُ التَّوحِيدِ وَالزَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ بِمَكَّةَ، وَكَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ، فَإِذَا سَمِعَه المُشْرِكُونَ سَبُّوا القُرْآنَ وَمَنْ جَاءَ بِهِ . الحدیث سلف قريبًا . خامسها : حديث أبي سعيد الخدري : ((إِنِّي أَرَالَكَ تُحِبُّ الغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ .. )). الحديث سلف في الأذان سادسها : حديث عائشة رضي الله عنها: كَانَ النَّبِيُّ وَّهِ يَقْرَأُ القُرْآنَ وَرَأْسُهُ فِي حَجْرِي وَأَنَا حَائِضٌ. (الشرح)(١) : ترجمة البخاري أخرج القطعة منه مسلم (٢) من حديث قتادة عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله وَله: ((الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة)»(٣) . ثم قال: حسن صحيح(٤). وقوله: ( ((زينوا القرآن بأصواتكم)) ) أخرجه أبو داود عن عثمان بن أبي شيبة، عن جرير، عن الأعمش، عن طلحة، عن عبد الرحمن بن (١) في الأصل: فصل. والمثبت من (ص١). ورد في هامش الأصل: لعله سقط الترمذي من هنا أو بعده ولا بد منه لقوله: (٢) وقال: حسن صحيح. (٣) ورد في هامش الأصل: حاشية: حديث الماهر بالقرآن أخرجه الجماعة. (٤) سبق برقم (٤٩٣٧)، ورواه مسلم (٧٩٨) كتاب: الصلاة، باب: فضل الماهر في القرآن. وقول (حسن صحيح) هو قول الترمذي (٢٩٠٤). التوضيح لشرح الجامع الصحيح == عوسجة، عن البراء بن عازب مرفوعًا(١)، فذكره وأخرجه أيضًا معه (النسائي وابن ماجه(٢))(٣) كما أسلفناه في موضعه، وروي مقلوبًا كما ستعلمه في الباب واضحًا مع البحث عنه. فصل : قوله: ((ما أذن الله لشيء)) استمع. ويقال: اشتقاقه من الأذن؛ لأن السماع يقع بها لذوي الآذان، قال الشاعر : صمُ إذا سمعوا خيرًا ذكرت به وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا فصل : وقوله: ( ((زينوا القرآن بأصواتكم)) ) أي: بالمد والترتيل ليس التطرب الفاحش الذي يخرج إلى حد الغناء. فصل : قال الداودي: وفي حديث عائشة رضي الله عنها أن الله تكلم ببراءة عائشة رضي الله عنها حتى أنزل ما أنزل، لا كما قال بعض الناس: إن الله لم يتكلم بكلامه، وهذا عظيم منه؛ لأنه يلزمه أن يكون تكلم بكلام حادث فتحل فيه الحوادث -تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا- وإنما أراد بقوله: ((أنزل الله)) أي: أنزل الله إلينا المحدث، وهو عبارة عن القديم (١) أبو داود (١٤٦٨) كتاب: الوتر، باب: استحباب الترتيل في القرآن. وصححه الألباني في تعليقه على ((المشكاة)) (٢١٩٩). (٢) النسائي في ((الكبرى)) ٢١/٥ (٨٠٤٧) وابن ماجه (٣٧٧٩). (٣) ملحقة من هامش الأصل حيث قال في الحاشية: سقط - ولابد منه- النسائي وابن ما جه. ٥٥١ كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالزَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ = ليس أن الكلام القديم نزل الآن(١). فصل : وكان القليفر حسن الصوت. ويقال: إنه والخط أول نعم الله على العباد وكلما زاد في العبد من طول أو غيره لم يخرج (عن)(٢) جملة الناس، وقال الحسن: الزيادة في الجنة من نعم الله وقرأ (وزاده بسطه في العلم والجسم) [البقرة: ٢٤٧] قال القليهما: ((سهل الله لداود القرآن وكان يأمر بدابته لتسرج فلا يفرغ من ذلك حتى يقرأ القرآن)) (٣) يعني: الزبور، وسمع قراءة أبي موسى الأشعري ﴾ وكان حسن الصوت، فقال: ((قد أوتي صاحبكم مزمارًا من مزامير آل داود)) (٤). فصل : قال المهلب: المهارة بالقرآن: جودة التلاوة له بجودة الحفظ فلا يتلعثم في قراءته ولا يغير لسانه فيشكل في حرف أو قصة مختلفة النص، وتكون قراءته سمحة بتيسير الله تعالى له كما يسره على الملائكة الكرام البررة، فهو معها في مثل حالها من الحفظ وتسهيل التلاوة، وفي درجة الأجر إن شاء الله تعالى، فيكون بالمهارة عند الله کریمًا برًّا. (١) سبق أن قررنا أن كلام الله من صفاته، وأنه صفة ذاتية باعتبار جنسه، فعلية باعتبار آحاده، وأنه سبحانه يتكلم بما شاء، متى شاء، أينما شاء، لمن شاء. (٢) في (ص١): به على. (٣) سبق برقم (٣٤١٧) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قوله تعالى: ﴿وَءَاتَّيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ من حديث أبي هريرة. (٤) رواه النسائي ٢/ ١٨٠، وابن ماجه (١٣٤١)، وأحمد ٣٥٤/٢ كلهم من حديث أبي هريرة مرفوعًا، وقد سبق برقم (٥٠٤٨) من حديث أبي موسى. ٥٥٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == فصل : يحتمل - كما قال القاضي- أن يكون معنى كونه مع الملائكة أن له في الآخرة منازل يكون فيها رفيقًا للملائكة السفرة؛ لاتصافه بصفتهم من حمل كتاب الله، قال: ويحتمل أن يكون المراد به عامل عملهم وسالك مسلکھم(١). وقد أسلفنا ذلك أيضًا في تفسير سورة عبس. فصل : وكأن البخاري -رحمه الله - أشار بهذه الترجمة وما ضمنها من الأحاديث في حسن الصوت، إلى أن الماهر بالقرآن هو الحافظ له مع حسن الصوت (به)(٢) ألا تراه أدخل بإثر (ذلك)(٣) الماهر قوله التليف: ((زينوا القرآن بأصواتكم)) فأحال على الأصوات التي تتزين بها التلاوة في الأسماع لا الأصوات التي تمجها الأسماع؛ لإنكارها وجفائها على حاسة السمع وتألمها بفزع الصوت المنكر، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ أَنكَرَ اٌلْأَصْوَتِ لَصَوْتُ الْصِيرِ﴾ [لقمان: ١٩]؛ لجهارته - والله أعلم- وشدة قرعه للسمع، وفي إتباعه أيضًا بهذا المعنى قوله: ((ما أذن الله لشيء)) ما يقوي قولنا ويشهد له. وقد تقدم معناه في كتاب: فضائل القرآن ونزيده هنا وضوحًا، فنقول: إن الجهر المراد بقوله: ((يجهر به)). هو إخراج القرآن في التلاوة عن مساق المحادثة بالأخبار بإلذاذ أسماعهم بحسن الصوت (١) ((إكمال المعلم)) ١٦٦/٣. (٢) من (ص١). (٣) هكذا في الأصل، وفي ((شرح ابن بطال)) ٥٤٢/١٠: ذكر. ٥٥٣ كِتَابُ التّوحِيدِ وَالزَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ - وترجيعه لا الجهر المنهي عنه الجافي على السامع، كما قال تعالى لنبيه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ﴾ الآية [الإسراء: ١١٠]، كما قال تعالى في نبيه: ﴿وَلَا تَجْهَرُواْ لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات: ٢]. وقوله: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَلُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢] دليل على أن رفع الصوت على المكالم بأكثر من صوته من الأذى، والأذى (حظه)(١)، ويدل على أن المقاومة لمقدار أصوات المتكلمين معافاة من الخطأ إلا في رسول الله وَّر وحده، فمنع الله تعالى من مقاومته في الآية توقيرًا له وإعظامًا . وقد أسلفنا حديث عائشة رضي الله عنها في طبق ترجمة القرآن. وتأويل قوله: ((أجران)) فيه (٢)، والله أعلم، يفسره حديث ابن مسعود ـه: ((من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات))(٣)، فيضاعَفُ الأجر لمن يشتد عليه حفظ القرآن، فيُعطى لكل حرف عشرين حسنة. وأجر الماهر أضعاف هذا إلى ما لا يعلم مقداره؛ لأنه مساو للسفرة الكرام البررة؛ لأنهم ملائكة. وفي هذا تفضيل الملائكة على بني آدم، وقد سلف ما فيه، وكذلك لم يسند البخاري قوله العفيها: ((زينوا القرآن بأصواتكم)) وقد أسندناه، وهو تفسير قوله: ((ليس منا من لم يتغن بالقرآن)» (٤)؛ لأن تزيينه بالصوت لا يكون إلا بصوت يطرب سامعيه (١) هكذا في الأصل، وفي ((شرح ابن بطال)) ٥٤٣/١٠: (خطيئة). (٢) كذا بالأصل، والمعنى يستقيم بدونها. (٣) رواه الترمذي (٢٩١٠) بلفظ: ((من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها .. )) وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. (٤) سبق برقم (٧٥٢٧) كتاب: التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وَأَسِرُواْ قَوْلَكُمْ أَوِ أَجْهَرُواْ ٥٥٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == ويلتذون بسماعه، وهو (التغني)(١) الذي أشار إليه الشارع [و](٢) هو الجهر الذي قيل في الحديث، يجهر به بتحسين الصوت الملين للقلوب من القسوة إلى الخشوع، وهذا التزيين الذي أمر به القيئها. وإلى هذا أشار أبو عبيد بمجمل الأحاديث التي جاءت في حسن الصوت بالقرآن، إنما هو من طريق التحزين والتخويف والتشويق، وقال: إنما نهى أيوبُ شعبةَ أن يحدث بحديث: ((زينوا القرآن بأصواتكم))، لئلا (يتأول)(٣) الناس فيه الرخصة من رسول الله وَخلال في هُذِهِ الألحان المبتدعة (٤). وفسر الخطابي الحديث على القلب، فقال: معناه: زينوا أصواتكم بالقرآن، على مذهبهم في قلب الكلام، وهو كثير، يقال: عرضت الناقة على الحوض، أي: عرضت الحوض على الناقة. وإنما تأولنا الحديث على هذا المعنى؛ لأنه لا يجوز على القرآن وهو كلام الخالق أن يزينه صوت مخلوق، وقال شعبة: نهاني أيوب أن أحدث بهذا الحديث(٥). وكذا رواه سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة ﴾، عن النبي ◌َّم قال: ((زينوا أصواتكم بالقرآن)). والمعنى: اشتغلوا بالقرآن، والهجوا بقراءته، واتخذوه شعارًا، ولم يرد تطريب الصوت والتزين له؛ إذ ليس ذلك في وسع كل أحد، لعل من (١)، في الأصل: المعنى. (٢) زيادة يقتضيها السياق، من ((شرح ابن بطال)). (٣) في (ص١): يتناول. (٤) ((غريب الحديث)) ٢٨٢/١-٢٨٣ بتصرف. (٥) في حاشية الأصل: تقدم هذا قريبا. ٥٥٥ كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ = الناس من يريد التزيين له فيفضي به ذلك إلى التهجين (١). وهُذا معنى قوله التَّه: ((ليس منا من لم يتغن بالقرآن)). إنما هو أن يلهج بتلاوته كما يلهج الناس بالغناء والطرب عليه، وكذلك فسره أبو سعيد بن الأعرابي سأله عنه إبراهيم بن فراس، فقال: كانت العرب تتغنى بالركباني -وهو النشيد بالتمطيط والمد- إذا ركبت الإبل وإذا جلست في الأفنية وعلى أكثر أحوالها، فلما نزل القرآن أحب الَّ أن يكون القرآن هجيرهم مكان التغني بالركباني(٢). قال ابن بطال: والقول الأول الذي عليه الفقهاء، وعليه تدل الآثار، وما أعتل به الخطابي أن كلام الله لا يجوز أن يزينه صوت مخلوق، فقد نقضه بقوله: وليس التزيين في وسع. إلى آخره، فقد نفى عنه التزيين وأثبت له التهجين. وهذا خلف من القول، ولو كان من باب المقلوب كما زعمه هذا القائل لدخل في الخطاب من كان قبيح الصوت وحسنه، ولم يكن للصوت الحسن فضل على غيره، ولا عرف للحديث معنى، ولما ثبت أنه العَّ قال لأبي موسى الأشعري حين سمع قراءته وحسن صوته: ((لقد أوتي مزمارًا من مزامير آل داود)»(٣). وثبت أن عقبة بن عامر # كان حسن الصوت بالقرآن، فقال له عمر بن الخطاب : أقرأ سورة كذا، فقرأها عليه، فبكى عمر وقال: ما (كنت)(٤) أظن أنها نزلت. (١) في حاشية الأصل: التهجين: التقبيح. (٢) ((معالم السنن)) ٢٥٢/١-٢٥٣ بتصرف. (٣) سبق تخريجه. (٤) من (ص١). ٥٥٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = فدل ذلك أن التزيين للقرآن إنما هو تحسين الصوت به؛ ليعظم موقعه في القلوب وتستميل مواعظه (من النفوس)(١)، ولا ينكر أن القرآن يزين صوت من أدمن قراءته، وآثره على حديث الناس، غير أن جلالة موقعه من القلوب والْتذاذ السامعين به لا يكون إلا مع تحسين الصوت به (٢). واعترض ابن التين فقال: ظن الشارح -يعني ابن بطال- أن غرض البخاري إثبات حكاية قراءة القرآن بتحسين الصوت، وليس كذلك، وإنما غرضه الإشارة إلى ما تقدم من وصف التلاوة بالحسن والتحسين، والرفع والخفض، ومقارنة الحالات البشرية؛ لقولها: (قرأ القرآن في حجري وأنا حائض). فهذا كله يحقق أن القراءة فعل القارئ، ومتصفة بما تصف به الأفعال، ومتعلقة بالظروف المكانية والزمانية. فصل : وقوله في حديث أبي سعيد : ((ارفع صوتك بالنداء)): فيه دليل أن رفع الصوت وتحسينه بذكر الله في القرآن وغيره من أفعال البر؛ لأن في ذلك تعظيم أمر الله والإعلان بشريعته، وذلك يزيد في التخشع وترقيق النفوس. فصل : وأما حديث عائشة رضي الله عنها ففيه معنى ما ترجم به من المهارة بالقرآن؛ لأنه العلنيئا كان قد يسر الله (عليه)(٣) قراءته حتى كان يقرؤه على كل أحواله لا يحتاج أن يتهيأ له بقعود ولا بإحضار حفظ، لاستحكامه فيه (١) كذا بالأصل، وفي ((شرح ابن بطال)): النفوس. (٢) (شرح ابن بطال)) ١٠/ ٥٤٢-٥٤٦. (٣) في الأصل: (على)، والمثبت هو المناسب للسياق. ٥٥٧ = ڪِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ فلا يخاف عليه توقفا؛ فلذلك كان يقرؤه راقدًا وماشيًا وقاعدًا ونائمًا، ولا يتأهب لقوة حفظه ومهارته الطفيفة . وفيه: أن المؤمن لا ينجس كما قال العَيْه(١)، وأن وصف المؤمن بالنجاسة إنما هو إخبار عن حال مباشرة الصلاة ونقض غسله ووضوئه، ألا ترى سماع عائشة رضي الله عنها قراءته وهي حائض، والسماع عمل من أعمال المؤمنين مدخور لهم به الحسنات ورفع الدرجات. (١) سلف برقم (٢٨٣) كتاب الغسل، باب: عرق الجنب وأن المسلم لا ينجس. من حديث أبي هريرة. ٥٥٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == ٥٣- باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْرَءُ واْمَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾ [المزمل: ٢٠] ٧٥٥٠- حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ بُكَثِرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي عُزْوَةُ، أَنَّ المِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ القَارِيَّ حَدَّثَاهُ أَنَّهُمَا سَمِعَا عُمَرَ بْنَ الَطَّابِ يَقُولُ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الفُرْقَانِ فِي حَيَاةِ رَسُولٍ اللهِ وَّةِ، فَاسْتَمَعْتُ لِقِرَاءَتِهِ، فَإِذَا هُوَ يَقْرَأُ عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِتْنِهَا رَسُولُ اللهِ وَثّ، فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ فِي الصَّلَاةِ، فَتَصَبَّرْتُ حَتَّى سَلَّمَ، فَلَبَبْتُهُ بِرِدَائِهِ، فَقُلْتُ: مَنْ أَقْرَأَكَ هذِه السُّورَةَ التِي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ؟ قَالَ: أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللهِ وَلِّ. فَقُلْتُ: كَذَبْتَ، أَقْرَأَنِيهَا عَلَى غَيْرِ مَا قَرَأْتَ. فَانْطَلَقْتُ بِهِ أَقُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللهَِّ، فَقُلْتُ: إِّ سَمِعْتُ هذا يَقْرَأُ سُورَةَ الفُزْقَانِ عَلَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِتْنِيهَا. فَقَالَ: ((أَرْسِلْهُ، أَقْرَأْ يَا هِشَامُ)). فَقَرَأَ القِرَاءَةَ التِي سَمِعْتُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ إِلَه: ((كَذَلِكَ أَنْزِلَتْ)). ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ : ((اقْرَأْ يَا عُمَرُ)). فَقَرَأْتُ التِي أَقْرَأَنٍ، فَقَالَ: ((كَذَلِكَ أَنْزِلَتْ، إِنَّ هذا القُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ)). [انظر: ٢٤١٩ - مسلم: ٨١٨ - فتح ١٣ / ٥٢٠]. ذكر فيه حديث عمر : سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيم يَقْرَأُ سُورَةَ الفُرْقَانِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَاسْتَمَعْتُ لِقِرَاءَتِهِ، فَإِذَا هُوَّ يَقْرَأُ عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِتْنِهَا رَسُولُ اللهِ نَّهِ. الحديث وفيه: ((إِنَّ هذا القُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ)). وقد سلف في فضائل القرآن(١)، وسلف ما للعلماء فيه، وتأويل السبعة أحرف فراجعه. (١) سلف برقم (٥٠٤١) باب: من لم ير بأسًا أن يقول .. ، ورواه مسلم (٨١٨) كتاب: صلاة المسافرين، باب: بيان أن القرآن على سبعة أحرف. ٥٥٩ = كِتَابُ التّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ معنى الآية: ما تيسر على القلب حفظه من آياته وعلى اللسان من لغاته وإعراب حركاته كما فسره الشارع في هذا الحديث، فإن قلت: فإذا ثبت أن القرآن نزل على سبعة أحرف، فكيف ساغ للقراء تكثير (الآيات)(١) وإقراؤهم بسبعين رواية وأزيد (من مائة)(٢)؟ الجواب: أن عثمان ﴾ لما أمر بكتابة المصاحف التي بعث بها إلى البلدان أخذ كل إمام من أئمة القراء في كل أفق نسخة، فما أنفك (له)(٣) من سوادها وحروف مدادها مما وافق قراءته التي كان يقرأ، لم يمكنه مفارقته لقيامه في سواد (الخط)(٤)، و(أنه)(٥) كان عنده (فيه)(٦) رواية إلى أحد من الصحابة مع أنه لم تكن النسخ التي بعث بها عثمان مضبوطة بشكل لا يمكن تعديه، ولا تحقيق هجاء بعض معانيه؛ إذ كانوا يسمحون في الهجاء بإسقاط الألف من كلمه لعلمهم بها استخفافًا (لكثرة)(٧) تكريرها كألف العالمين والمساكين، وكل ألف هي في المصحف ملحقة بالهمزة. قال يزيد الرقاشي: كان في المصحف: كانوا: كنوا وقالوا: قلوا، فزدنا فيها ألفًا. يريد جماعة القراء حين جمعهم الحجاج، وكذلك ما زادوا في الخط، وقد كان في المصحف (ماء غير يسن) فردها (١) كذا بالأصل، وفي ((ابن بطال)): الروايات. (٢) من (ص١). (٣) من (ص١). (٤) كذا بالأصل، وفي ((ابن بطال)): الحفظة. (٥) في الأصل: إن، والمثبت من ((شرح ابن بطال)). (٦) في الأصل: في. (٧) في الأصل: لثكرة، وهو خطأ. ٥٦٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح الحجاج مع جماعة القراء ﴿ءَاسِنٍ﴾، وفي الزخرف: (معايشهم) فردها ﴿مَعِيشَتَهُمْ﴾، فكلٌّ تأول من ذلك الخط ما وافق قراءته، كيفما كان من طريق الشكل وحركات الحروف مما (يدل) (١) المعنى. وقد يجوز أن يكون ذلك من ذهل الأقلام، ويدل على ذلك استجلاب الحجاج مصحف أهل المدينة ورد مصاحف البصرة والكوفة إليه وإبقاء ما لا يغير معنى وما له وجه جائز من وجوه ذلك المعنى. وصار خط مصحف أهل المدينة سنة متبعة لا يجوز فيه التغيير؛ لأنها القراءة المنقولة سمعًا، وأن الستة المتروكة قطعًا لذريعة الاختلاف ما وافق منها المنفك من (شواهد)(٢) الخط لأهل الأمصار، فتواطئوا عليها، جوز لهم تأويلهم فيه بما وافق روايتهم عن صحابي؛ لخشية التحزب الذي منه هربوا، (ولكثرة)(٣) من أتبع القراء في تلك الأمصار من العامة غير (المأمور به)(٤) عند منازعتها، فهذا وجه تجويز العلماء أن يقرأ بخلاف أهل المدينة وبروايات كثيرة. وأما ما ذكر من قراءة ابن مسعود فهو تبديل كلمة بأخرى كقوله: صَيْحَةٌ وَحِدَةً﴾ [يس: ٤٩] قرأها: (زقية واحدة) و﴿بَيْضَّةَ لَذَّةٍ لِلشَّرِبِينَ﴾ [الصافات: ٤٦] قرأها: (صفراء لذة للشاربين) فهذا تبديل اللفظ والمعنى. وكذلك أجمعت الأمة على ترك القراءة بها، ولو سمح في تبديل السواد لما بقي منه إلا الأقل، لكن الله تعالى حفظه علينا من (١) كذا في الأصل، وفي ((شرح ابن بطال)): يبدل. (٢) كذا بالأصل، وفي «ابن بطال)): سواد. (٣) في الأصول: وأنكره، والمثبت من ((شرح ابن بطال)). (٤) في ابن بطال (المأمونة).