النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١
كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالزَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
=
الحديث، وقال هنا: ((لست لها))، وفي موضع آخر: ((لست هناكم)) (١)،
وأسقط هنا ذكر نوح وزاد فأقول: ((أنا لها))، وزاد هنا فيقول: (يا رب
أمتي أمتي)) وليس (هو) (٢) في أكثر الروايات، قال الداودي: ولا أراه
محفوظًا؛ لأن الخلائق اجتمعوا واستشفعوا ولو كانت هذِه الأمة لم
تذهب إلى غير نبيها، وأول هذا الحديث ليس متصلًا بآخره من قوله:
(اشفع تشفع))، مع ذكر أكثر أمور (الآخرة)(٣)، وإنما أتى فيه بأول
الأمر وآخره، بقي فيه: لتذهب كل أمة مع من كانت تعبد(٤). وبقي
حديث النجوى، وحديث: يؤتى بجهنم(٥)، وحديث ذكر الموازين
والصراط وسائر الصحف، والخصام بين يدي الرب جل جلاله،
وأكثر أمور يوم القيامة هي فيما بين أول هذا الحديث وآخره، وزاد:
((فأقول: يا رب أئذن لي فيمن يقول لا إله إلا الله))
وقوله: (لو مررنا بالحسن وهو متوارٍ) أي: مستتر.
وقوله: (هيه) هي كلمة استزادة للكلام، عن صاحب ((العين)) (٦)،
قال ابن التين: قرأناه بكسر الهاء من غير تنوين، ومعناه: زد من هذا
الحديث، والهاء بدل من الهمزة كما أبدلت في هراق وأصله أراق.
وقال الجوهري عن ابن السري: إذا قلت: إيه يا رجل -يريد بكسر
الهاء غير منونة- فإنما تأمره أن يزيدك من الحديث المعهود، كأنك
(١) سلف برقم (٤٤٧٦، ٦٥٦٥، ٧٤١٠).
(٢) من (ص١).
(٣) في (ص١): القيامة.
(٤) سلف بنحوه برقم (٤٥٨١)، ورواه مسلم (١٨٣) من حديث أبي سعيد الخدري.
(٥) سيأتي برقم (٧٤٤٠).
(٦) ((العين)) ١٠٣/٤.

٤٦٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
قلت: هاتِ الحديث، وإن نونت كأنك، قلت: هات حديثًا لأن التنوين
(بكسرها)(١) أسكته قلت: إيْهًا عنَّا، وإذا أردت (التفسير)(٢) قلت: أيهًا
بفتح الهمزة بمعنى هيهات(٣).
وأما قول ذي الرمة:
وقمنا فقلنا إيه عن أم سالم وما نال تكليم الديار البلاقع
فإنه أراد إذًا التنكير فتركه للضرورة، وقيل: إنما تركه (لأنه) (٤) نوى
الوقف. وقوله: (وهو جميع) (أي: مجتمع) (٥) أراد أنه كان حينئذٍ شابًّا،
قال الجوهري: الرجل المجتمع الذي بلغ أشده، ولا يقال ذلك
للأنثى(٦).
وقوله: (منذ عشرين سنة)، مذ و منذ یصح أن یکونا (حرفا)(٧) جر،
ويصح أن يكونا أسمين؛ فيرفع ما بعدهما على التاريخ أو على التوقيت،
تقول في التاريخ: ما رأيته منذ يوم الجمعة، أي: أول أنقطاع الرؤية يوم
الجمعة، وفي التوقيت: ما رأيته مذ سنة، أي: أمد ذلك سنة، وناس
يقولون: منذ في الأصل كلمتان: مِنْ إِذْ، جعلناها واحدة، ولا دليل
على صحة ذلك، كما قاله في ((الصحاح)) (٨).
(١) كذا صورتها بالأصل، وفي ((الصحاح)) ٢٢٢٦/٦: (تنكير).
(٢) كذا بالأصل، وفي ((الصحاح)): (التبعيد).
(٣) ((الصحاح)) ٢٢٢٦/٦.
(٤) في الأصل: (لا)، والمثبت من (ص١).
(٥) من (ص١).
(٦) ((الصحاح)) ١١٩٨/٣. مادة (جمع).
(٧) كذا بالأصل، وورد بهامشه: صوابه: (حرفي).
(٨) ((الصحاح)) ٢/ ٥٧٠-٥٧١، مادة (منذ).

٤٦٣
كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
فصل :
قوله: ( ((رجل يخرج حبوًا))). قال الجوهري: حبا الصبي على
ركبتيه إذا زحف (١) وليس هذِه الكلمة في أكثر الأحاديث، ورويناه
منونًا على أنه مصدر.
فصل :
وقوله: ( ((وينظر أشأم منه)) ) أي: أيسر وهو ذات الشمال،
وقوله: (ثم يهزهن) هي بيده. أي: يحركن بيده ، يقال: هزهزه أي
حرکه، فهزهز.
وروي: ( فيهزهن) أي: يحركهن، والنواجذ بين الناب والضرس،
قاله ابن فارس. قال: وقيل: الأضراس كلها نواجذ(٢).
وقال الهروي: اختلف فيها، فقال الأصمعي: هي الأضراس، وقال
غيره: هي المضاحك، قال أبو العباس: الأنياب أحسن ما قيل في
النواجذ؛ لأن الخبر أنه القيّ كان جل ضحكه التبسم(٣).
وفي ((الصحاح)): الناجذ آخر الأضراس قال: وللإنسان أربعة نواجذ
في أقصى الأسنان بعد الأرحاء ويسمى ضرس الحلم؛ لأنه ينبت
(بعد) (٤) البلوغ وكمال العقل(٥).
(١) ((الصحاح)) ٦/ ٢٣٠٧ مادة: (حبا).
(٢) ((مقاييس اللغة)) ص٩٧٦ مادة: (نجذ).
(٣) سبق برقم (٦٠٩٢) كتاب: الأدب، باب: التبسم والضحك، من حديث عائشة
قالت: ما رأيت النبي ◌َّل مستجمعًا قط ضاحكًا حتى أرى منه لهواته، إنما كان
یتبسم.
(٤) من (ص١).
(٥) ((الصحاح)) ٢/ ٥٧١ مادة (نجذ).

٤٦٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وقوله: (فلقد رأيت النبي ◌َّله يضحك حتى بدت نواجذه تعجبًا
وتصديقًا لقوله). يعني: قول الحبر. قال الخطابي: قوله: (تصديقًا
لقوله) هو ظن وحسبان، وقد روي هذا الخبر عن غير واحد من
أصحاب عبد الله من غير طريق عبيدة، فلم يذكروا فيه (تصديقًا) لقول
الحبر، قال: والضحك يدل على الرضا وعلى الإنكار أحرى، والآية
محتملة الوجهين ليس فيها للأصبع ذكر، وقد ثبت قوله العفيها:
((لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بما أنزل الله من
کتاب))(١).
والاستدلال بالتبسم والضحك في مثل هذا الأمر الجسيم غير سائغ
مع تكافؤ وجهي الدلالة المتعارضين فيه، ولو صح الخبر لكان ظاهر
اللفظ منه متأولًا على نوع المجاز وضرب من المثل قد جرت عادة
الكلام بين الناس في عرف تخاطبهم، فيكون المعنى في ذلك مثل
﴿مَطْوِيَّتْ بِيَمِينِهِ،﴾ [الزمر: ٦٧] أي: قدرته على طيها وسهولة الأمر
في جمعها، بمنزلة من جمع شيئًا في كفه فاستخف حمله، فلم يشتمل
عليه، بجميع كفه عليه لكنه نقل ببعض أصابعه، وقد يقول الإنسان في
الأمر الشاق إذا أضيف إلى القوة أنه يأتي عليه بأصبع، أو أنه نقله
بخنصره.
ويؤيد ما ذهبنا إليه حديث أبي هريرة : ((يقبض الله الأرض ويطوي
السموات بيمينه، ثم يقول: أنا الملك))(٢) وليس فيه ذكر الأصبع،
وتقسيم الخليقة على أعدادها، ودل أن ذلك من تخليط اليهود
(١) سبق برقم (٤٤٨٥) كتاب: التفسير، باب ﴿قُولُواْ ءَامَنَا بِالَِّ﴾.
(٢) سبق برقم (٤٨١٢) كتاب: التفسير، باب: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ﴾.

٤٦٥
:
= ڪِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
وتحريفهم، وأن ضحكه الكليّ إنما كان على معنى التعجب له والنكير،
وقيل: الأصبع خلق من خلق الله تعالى(١) .
فصل :
ومعنى: ( ((يدنو أحدكم من ربه))) أي: يقرب من رحمته، وهذا
سائغ في اللغة أن يقال: إن فلانًا قريب من فلان، ويراد به قريب
المنزلة، وعلى هذا يقال: الله قريب من أوليائه، بعيد من أعدائه(٢)،
ويدل على ذلك قوله: (فيضع كنفه عليه)) لأن لفظ الكنف إنما يستعمل
في مثل هذا المعنى، ومن رواه كتفه (بالتاء) (٣) فهو تصحيف من الراوي
كما نبه عليه جمع من العلماء.
(١) انتهى من ((أعلام الحديث)) ٣/ ١٩٠٠.
وليعلم أن صفة اليدين واليمين والإصبع من الصفات الثابتة للرب جل جلاله،
ومذهب أهل السنة في إثباتها أنها على حقيقتها وعلى ظاهر لفظها، كما قال
الله وقال رسوله وَ له ولا حاجة لنا إلى التأويل، فهي ثابتة له سبحانه على الوجه
اللائق به.
ولينظر تعليقنا ص ٢٠٩، ١٩١، ١٨٦ .
(٢) ساق شيخ الإسلام في ((مجموع الفتاوى)) ١٨٤/٤- ١٨٥ جملة من أحاديث
الصفات، منها هذا الحديث، فقال: وقوله: (يدنو أحدكم من ربه حتى يضع كنفه
عليه). إلى غيرها من الأحاديث هالتنا أو لم تهلنا، بلغتنا أو لم تبلغنا، اعتقادنا
فيها، وفي الآي الواردة في الصفات: أنا نقبلها ولا نحرفها ولا نكيفها ولا نعطلها
ولا نتأولها، وعلى العقول لا نحملها، وبصفات الخلق لا نشبهها ولا نعمل رأينا
وفكرنا فيها، ولا نزيد عليها ولا ننقص منها، بل نؤمن بها ونكل علمها إلى عالمها
كما فعل ذلك السلف الصالح، وهم القدوة لنا في كل علم. اهـ
(٣) من (ص١).

٤٦٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٣٧- باب قَوْلِ اللّه تعالى:
﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]
٧٥١٥- حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ بُكَثٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا عُقَيْلٌ عَنِ ابن شِهَابٍ،
حَدَّثَنَا ◌ُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ قَالَ: ((احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى،
فَقَالَ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الذِي أَخْرَجْتَ ذُرِّيَّتَكَ مِنَ الجَنَّةِ. قَالَ آدَمُ: أَنْتَ
مُوسَى الذِي أَصْطَفَاَكَ اللهُ بِرِسَالَاتِهِ وَكَلَامِهِ، ثُمَّ تَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِّرَ عَلَيَّ
قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ. فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى)). [انظر: ٣٤٠٩ - مسلم: ٢٦٥٢ - فتح: ١٣ / ٤٧٧].
٧٥١٦ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهَ: ((يُجْمَعُ المُؤْمِنُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيَقُولُونَ: لَوِ أُسْتَشْفَعْنَا
إِلَى رَبِّنَا، فَيُرِيحُنَا مِنْ مَكَانِنَا هذا. فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ لَهُ: أَنْتَ آدَمُ أَبُو
البَشَرِ ، خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ وَأَسْجَدَ لَكَ المَلَائِكَةَ وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ ، فَاشْفَعْ
لَنَا إِلَى رَبِّنَا حَتَّى يُرِيحَنَا. فَيَقُولُ لَهُمْ: لَسْتُ هُنَاكُمْ. فَيَذْكُرُ لَهُمْ خَطِيئَتَهُ التِي
أَصَابَ)). [انظر: ٤٤ - مسلم: ١٩٣ - فتح: ١٣ / ٤٧٧].
٧٥١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللهِ
أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ ابن مَالِكِ يَقُولُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللهِ وَ مِنْ مَسْجِدِ الكَغْبَةِ أَنَّهُ
جَاءَهُ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ وَهُوَ نَائِمٌ فِي المَسْجِدِ الَحَرَامِ، فَقَالَ أَلُهُمْ: أَيُّهُمْ هُوَ؟
فَقَالَ أَوْسَطُهُمْ: هُوَ خَيْرُهُمْ. فَقَالَ آَخِرُهُمْ: خُذُوا خَيْرَهُمْ. فَكَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَلَمْ
يَرَهُمْ حَتَّى أَتَوْهُ لَيْلَةً أُخْرِى فِيمَا يَرىُ قَلْبُهُ، وَتَنَامُ عَيْنُهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ، وَكَذَلِكَ الأَنَّبِيَاءُ
تَنَامُ أَعْيُنُهُمْ وَلَا تَنَامُ قُلُوبُهُمْ، فَلَمْ يُكَلِّمُوهُ حَتَّى أَحْتَمَلُوهُ، فَوَضَعُوهُ عِنْدَ بِثْرِ زَمْزَمَ،
فَتَوَلَّاهُ مِنْهُمْ جِبِيلُ، فَشَقَّ جِبْرِيلُ مَا بَيْنَ نَحْرِهِ إِلَى لَبَّتِهِ حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَدْرِهِ
وَجَوْفِهِ، فَغَسَلَهُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ بِيَدِهِ، حَتَّى أَنْقَى جَوْفَهُ، ثُمَّ أُقَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيهِ
تَوْرٌ مِنْ ذَهَبٍ تَحْشُوًّا إِيمَانًا وَحِكْمَةً، فَحَشَا بِهِ صَدْرَهُ وَلَغَادِيدَهُ - يَغْنِي: عُرُوقَ حَلْقِهِ-

٤٦٧
= ڪِتَابُ التّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
ثُمَّ أَطْبَقَهُ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى الشَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَضَرَبَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِهَا فَنَادَاهُ أَهْلُ السَّمَاءِ:
مَنْ هذا؟ فَقَالَ: جِبْرِيلُ. قَالُوا: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مَعِي ◌ُحَمَّدٌ. قَالَ: وَقَدْ بُعِثَ؟ قَالَ:
نَعَمْ. قَالُوا: فَمَرْحَبًا بِهِ وَأَهْلًا. فَيَسْتَبْشِرُ بِهِ أَهْلُ السَّمَاءِ، لَا يَعْلَمُ أَهْلُ السَّمَاءِ بِمَا
يُرِيدُ اللهُ بِهِ فِي الأَرَضِ حَتَّى يُعْلِمَهُمْ، فَوَجَدَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا آدَمَ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ:
هذا أَبُوكَ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ. فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، وَرَدَّ عَلَيْهِ آدَمُ وَقَالَ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا بِابْتِي، نِعْمَ
الأَبْنُ أَنْتَ. فَإِذَا هُوَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا بِنَهَرَيْنِ يَطَّرِدَانِ، فَقَالَ: ((مَا هَذَانِ النَّهَرَانِ يَا
چِبْرِيلُ؟)).
قَالَ: هذا النِّيلُ وَالْفُرَاتُ عُنْصُرُهُمَا. ثُمَّ مَضَى بِهِ فِي السَّمَاءِ فَإِذَا هُوَ بِنَهَرٍ آخَرَ
عَلَيْهِ قَصْرٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ وَزَبَرْجَدٍ، فَضَرَبَ يَدَهُ فَإِذَا هُوَ مِشْكٌ قَالَ: ((مَا هذا يَا جِبْرِيلُ؟))
قَالَ: هذا الكَوْثَرُ الذِي خَبَأَ لَكَ رَبُّكَ. ثُمَّ عَرَجَ إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، فَقَالَتِ المَلائِكَةُ لَهُ
مِثْلَ مَا قَالَتْ لَهُ الأُولَىَ: مَنْ هذا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قَالُوا: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ وَ.
قَالُوا: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالُوا: مَرْحَبًّا بِهِ وَأَهْلًا. ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ
الثَّالِثَةِ وَقَالُوا لَهُ مِثْلَ مَا قَالَتِ الأُولَى وَالثَّانِيَةُ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى الرَّابِعَةِ، فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ
ذَلِكَ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الَخَامِسَةِ، فَقَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى [السَّمَاءِ]
الشَّادِسَةِ، فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ.
كُلُّ سَمَاءٍ فِيهَا أَنْبِيَاءُ قَدْ سَمَّاهُمْ، فَأَوْعَيْتُ مِنْهُمْ إِذْرِيسَ فِي الثَّانِيَةِ، وَهَارُونَ فِي
الرَّابِعَةِ، وَآخَرَ فِي الَخَامِسَةِ لَمْ أَخْفَظِ أَسْمَهُ، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّادِسَةِ، وَمُوسَى فِي السَّابِعَةِ
بِتَفْضِيلِ كَلَامِ اللهِ، فَقَالَ مُوسَى: رَبِّ لَمْ أَظُنَّ أَنْ يُرْفَعَ عَلَيَّ أَحَدٌ. ثُمَّ عَلَا بِهِ فَوْقَ ذَلِكَ
بِمَا لَا يَغْلَمُهُ إِلَّ اللهُ، حَتَّى جَاءَ سِدْرَةَ المُنْتَهَى، وَدَنَا الَجَبَّارُ رَبُّ الِزَّةِ، فَتَدَلَّى حَتَّى
كَانَ مِنْهُ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى، فَأَوْحَى اللهُ فِيمَا أَوْحَى إِلَيْهِ: خَمْسِينَ صَلَاةً عَلَى أُمَّتِكَ
كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةِ.
ثُمَّ هَبَطَ حَتَّى بَلَغَ مُوسَى، فَاحْتَبَسَهُ مُوسَى فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مَاذَا عَهِدَ إِلَيْكَ
رَبُّكَ قَالَ: (عَهِدَ إِلَى خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ)). قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ

٤٦٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ذَلِكَ، فَارْجِغْ فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ رَبُّكَ وَعَنْهُمْ. فَالْتَفَتَ النَّبِيُّ ◌َ إِلَى جِبْرِيلَ كَأنَّهُ
يَسْتَشِيرُهُ فِي ذَلِكَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ جِبْرِيلُ: أَنْ نَعَمْ إِنْ شِئْتَ. فَعَلَا بِهِ إِلَى الْجَبَّارِ فَقَالَ وَهُوَ
مَكَانَهُ ((يَا رَبِّ، خَفِّفْ عَنَّا، فَإِنَّ أُمَّتِي لَا تَسْتَطِيعُ هذا)). فَوَضَعَ عَنْهُ عَشْرَ صَلَوَاتٍ،
ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مُوسَى فَاخْتَبَسَهُ، فَلَمْ يَزَلْ يُرَدِّدُهُ مُوسَى إِلَى رَبِّهِ حَتَّى صَارَتْ إِلَى
خَمْسِ صَلَوَاتٍ، ثُمَّ أَحْتَبَسَهُ مُوسَى عِنْدَ الَخَمْسِ فَقَالَ: يَا يُحَمَّدُ، والله لَقَدْ رَاوَدْتُ بَنِي
إِسْرَائِيلَ قَوْمِي عَلَى أَدْنَى مِنْ هذا، فَضَعُقُوا فَتَرَكُوهُ، فَأُمَّتُكَ أَضْعَفُ أَجْسَادًا وَقُلُوبًا
وَأَبْدَانًا وَأَبْصَارًا وَأَسْمَاعًا، فَارْجِغْ فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ رَبُّكَ كُلَّ ذَلِكَ يَلْتَفِتُ النَّبِيُّ ◌َّهِ إِلَى
جِبْرِيلَ لِيُشِيرَ عَلَيْهِ وَلَا يَكْرَهُ ذَلِكَ جِبْرِيلُ، فَرَفَعَهُ عِنْدَ الْخَامِسَةِ فَقَالَ: «يَا رَبِّ إِنَّ
أُمَِّي ضُعَفَاءُ أَجْسَادُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ وَأَسْمَاعُهُمْ وَأَبْدَانُهُمْ فَخَفِّفْ عَنَّ)).
فَقَالَ الْجَبَّارُ: يَا مُحَمَّدُ. قَالَ: ((لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ)). قَالَ: إِنَّهُ لَا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدى،
كَمَا فَرَضْتُ عَلَيْكَ فِي أُمَّ الِكِتَابِ - قَالَ - فَكُلُّ حَسَنَةٍ بِعَشْرٍ أَمْثَالِهَا، فَهْيَ ◌َمْسُونَ فِي
أُمّ الكِتَابِ وَهْيَ خْسٌ عَلَيْكَ. فَرَجَعَ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: كَيْفَ فَعَلْتَ؟ فَقَالَ: ((خَفَّفَ
عَنَّا أَعْطَانَا بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا)).
قَالَ مُوسَى: قَدْ والله رَاوَدْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ فَتَرَكُوهُ، أَرْجِغْ
إِلَى رَبِّكَ فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ أَيْضًا. قَالَ رَسُولُ اللهِ وَالَ: «يَا مُوسَى، قَدْ والله أَسْتَحْيَيْتُ
مِنْ رَبِِّي مِمَّا أَخْتَلَفْتُ إِلَيْهِ)). قَالَ: فَاهْبِطْ بِاسْمِ اللهِ. قَالَ: وَاسْتَيْقَظَ وَهُوَ فِي مَسْجِدِ
الحرامِ. [انظر: ٣٥٧٠ - مسلم: ١٦٢ - فتح: ١٣ /٤٧٨].
ذكر فيه حديث أبي هريرة أن رسول الله وَّه قال: ((احْتَجَّ آدَمُ
وَمُوسَى .. )). الحديث.
وقد سلف في ذكر الأنبياء في باب: وفاة موسى الطَّيْرا(١).
(١) سلف برقم (٣٤٠٩) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: وفاة موسى وذكره بعدُ.

٤٦٩
كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
ثم ذكر حديث قَالَ: قَالَ النبي ◌ََّ: ((يَجْتمَعُ المُؤْمِنُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ
فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا .. )). الحديث.
وحديثه أيضًا في الإسراء مطولًا، وقد بوب البخاري لحديث أنس
في كتاب الأنبياء، باب: كان النبي ◌َّ تنام عينه ولا ينام قلبه(١).
وبوب له في تفسير القرآن، باب: قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّغْيَا الَّتِىّ
أَرَيْنَكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ (٢) الآية [الإسراء: ٦٠].
استدل البخاري على إثبات كلام الله تعالى وإثباته متكلمًا بقوله
تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اُللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] وأجمع أهل السنة
على أن الله ◌َ كلم موسى بلا واسطة ولا ترجمان، وأفهمه معاني
كلامه وأسمعه إياها، إذ الكلام مما يصح سماعه، فإن قال قائل من
المعتزلة أو من غيرهم: فإذا سمع موسى كلام الله بلا واسطة فلا يخلو
أن يكون من جنس الكلام المسموع المعهود فيما بيننا، أو لا يكون من
جنس الكلام المسموع المعهود فيما بيننا. قال: فإن كان من جنسه فقد
وجب أن يكون محدثًا ككلام المحدثين، وإن لم يكن من جنسه، فكيف
السبيل إلى إسماعه إياه وفهم معانيه؟
فالجواب: أنه لو لزم من حيث سمعه منه تعالى وفهم معانيه أن
يكون كسائر المحدثين قياسًا عليه؛ للزم أن يكون تعالى بكونه فاعلًا
وقادرًا وعالمًا وحيًّا ومريدًا، وسائر صفاته من جنس جميع الموصوفين
بهُذِه الصفات فيما بيننا، فإن قالوا: نعم. خرجوا من التوحيد، وإن
أبوا نقضوا دليلهم واعتمادهم على قياس الغائب على حكم الشاهد.
(١) سلف برقم (٣٥٧٠) كتاب: المناقب.
(٢) سلف برقم (٤٧١٦) كتاب: التفسير، باب: وما جعلنا الرؤيا.

٤٧٠
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
ثم يقال لهم: لو وجب أن يكون كلامه من جنس كلام المخلوقين،
من حيث اشترك كلامه تعالى وكلامهم في إدراكهما بالأسماع
لوجب إذا كان الباري تعالى موجودًا وشيئًا أن يكون من جنس
الموجودات وسائر الأشياء المشاهدة لنا، فإن لم يجب هذا لم يجب
ما عارضوا به.
وقد ثبت أنه تعالى قادر على أن يعلمنا اضطرار كل شيء يصح أن
يعلمناه استدلالًا ونظرًا، وإذا كان ذلك كذلك فواجب أن يكون تعالى
قادرًا على أن يعلم موسی معاني كلامه -الذي لا يشبه كلام المخلوقين،
الخارج عن كونه حروفًا متضمنة وأصواتًا مقطعة اضطرارًا - وينتخب
له دليلًا إذا نظر فيه أداه إلى العلم بمعاني كلامه، وإذا كان قادرًا على
الوجهين جميعًا زالت شبهة المعتزلة.
وقال ابن التين: اختلف المتكلمون في سماع كلام الله تعالى، فقال
الشيخ أبو الحسن: كلام الله القائم بذاته الذي ليس بحرف ولا صوت
يسمع عند تلاوة كل تالٍ، وقراءة كل قارئ. والقاضي يقول: لا يسمع
وإنما تسمع التلاوة دون المتلو والقراءة دون المقروء.
ويحمل قوله تعالى ﴿حَقََّ يَسْمَعَ كَمَ اَللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] على أنه مجاز،
والمعنى: حتى يسمع تلاوة كلام الله وقراءته، والطائفة الأولى تحمل
ذلك على الحقيقة، ويقولون: الفرق بيننا وبين موسى وبين نبينا
عليهما السلام أنَّا نحن نسمع كلام الله بواسطة الكلام، وذلك سامعه
بلا واسطة. والقاضي يقول: مخالفة كلام الله لكلام الخلق أشد من
اختلاف الأصوات التي ندركها، فلما لم ندرك ذلك دل على بطلان
مقالة من ادعى أنه مسموع، وأن المسموع التلاوة والقراءة دون المتلو
والمقروء.

٤٧١
كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
-
فصل :
قال المهلب: في إفهام الله تعالى موسى من كلامه ما لا عهد له
بمثله بتنوير قلبه له، وشرحه لقبوله، لا يخلو أن يكون ما أفهم الله
سليمان من كلام الطير ومنطقها هو مثل كلام سليمان، أولا يشبه
كلامه، فإن كان يشبه كلام سليمان وبني جنسه فلا وجه لاختصاص
سليمان وداود بتعليمه دون بني جنسه، ولا معنى لفخره التقلي بالخاصة
وامتداحه بقوله: ﴿عُلِّمْنَا مَنطِقَ الَطَّيْرِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ
اٌلْمُبِينٌ﴾ [النمل: ١٦] أن يكون منطق الطير الذي فهمه سليمان وآله وبني
جنسه، فقد أفهمه الله ما لم يفهمه غيره من كلام الهدهد، وكلام
النملة التي تبسم والر ضاحكًا من قولها؛ لفهمه عنها ما لم يفهمه غيره
منها .
فصل :
وإنما ذكر حديث أبي هريرة(١) في الشفاعة مختصرًا لما في الحديث
الطويل من قول إبراهيم: ((ولكن ائتوا موسى عبدًا آتاه الله التوراة وكلمه
تكليمًا))، وكذلك حديث أنس في الإسراء: فوجد موسى في السماء
السابعة، بتفضيل كلامه رَك.
وهذا يدل على أن الله تعالى لم يكلم من الأنبياء إلا موسى،
بخلاف ما زعم الأشعريون، ذكروا عن ابن عباس رضي الله عنهما
وابن مسعود ﴾ أن الله كلم محمدًا بقوله: ﴿فَوْحَىّ إِلَى عَبْدِهِ، مَآ أَوَحَى
(١) في هامش الأصل: صوابه أنس. وهو الصواب؛ لأن حديث أبي هريرة في
المحاجة وحديث أنس في الشفاعة.
قلت: ولعل الذي أوقعه في ذلك نقله من ((شرح ابن بطال)) أو ممن نقل من ((شرح
ابن بطال)) ففيه ٥٠٩/١٠ قال: وإنما ذكر حديث أبي هريرة.

٤٧٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
[النجم: ١٠] وأنه رأى ربه وم وأعظمت(١) فرية من أفترى فيه على الله(٢)،
وقد أسلفناه مع رده.
فصل :
وأما قول موسى الشَّه إذا علا جبريل بمحمد وَله: ( ((يا رب لم أظن
أن ترفع علي أحدًا)))، فأعلم الله موسى أن الله لم يكلم أحدًا من البشر
في الدنيا غيره، إذ بذلك أستحق أن يرفع إلى السماء السابعة، وفهم من
قول الله: ﴿إِنِى أَصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِسَلَكِ وَبِكَمِى﴾ [الأعراف: ١٤٤] أنه
أراد البشر كلهم، ولم يعلمه، والله تعالى أعلم أن الله تعالى فضل
محمدًا عليه بما أعطاه من الوسيلة والدعوة المقبولة منه، شفاعته لأمته
من شدة موقفهم يوم الحشر حين أحجم الأنبياء عن الوسيلة إلى ربهم
لشدة غضبه تعالى وفضله بالإسعاف بالمقام المحمود الذي وعده في
كتابه، فبهذا رفع الله محمدًا (فوق)(٣) موسى عليهما أفضل الصلاة
والسلام.
فصل :
وقوله: (((فحج آدم موسى))). أي: غلبه بالحجة، قال الداودي:
إنما حجه في قوله: ((أخرجت ذريتك من الجنة)) ليس في الذنب،
وقال أبو عبد الملك: ظاهر الحديث أن لا لوم في المعاصي؛ لأنه
قد تيب عليه، فكيف تلومني على ذلك وأنت تعلم أن من تيب عليه
لا يلام، فلا لوم عليه، قال: وقوله: ((أخرجت ذريتك من الجنة))
(١)
في هامش الأصل: لعله سقط: عائشة رضي الله عنها.
(٢) سبق برقم (٣٢٣٤) كتاب: بدء الخلق، باب: إذا قال أحدكم: آمين.
(٣) في (ص١): على

٤٧٣
= كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
أي: فعلت ما أخرجك فتناسلوا منه بعد خروجك، وقول آدم: ( ((أتلومني
على أمر قدر عليَّ قبل أن أخلق))) يريد: قدر الله أن أسكن الأرض ويكون
مني فيها الولد.
وقيل: إن آدم إنما جاوبه عند قوله: ((أخرجت الناس من الجنة))،
وهو معنى قوله: (((أتلومني على أمر قدر الله قبل أن أخلق))) فاحتج
أنه خلق ليسكن الأرض.
فصل :
حديث أنس # سلف الكلام عليه، وقول شريك أنه قال: (سمعت
أنس بن مالك يقول: ليلة أسري برسول الله وَ له من مسجد الكعبة أنه
جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام، فقال
أولهم: أيهم هو؟) يدل أنه الظَّه كان معه غيره.
وقوله: (فكانت تلك الليلة فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى) من
الليلتين سبع أو ثمان أو تسع أو عشر، أقوالٌ، والصلاة فرضت قبل
الهجرة بثلاث سنين أو سنتين أو سنة، أقوال.
واختلف فيما أقام بمكة بعد أن أوحي إليه، هل هو عشر أو ثلاث
عشرة؟ كما سلف، وهذا الحديث يدل أن شق بطنه قبل أن يوحى إليه،
وتُكُلِّم في شريك بسببه، فإنه كان وهو غلام أو عندما نبئ وقيل: إنه كان
نبئ، وقد أسلفنا ذلك مبسوطًا، وقوله: (فلم يرهم) يدل أنه أول ما نبئ؛
لأن جبريل لم ينقطع عند كل كلمة.
فصل :
وقوله: (حتى أتوه ليلة أخرى فيما يرى قلبه، وتنام عينه ولا ينام
قلبه، وكذلك الأنبياء عليهم السلام تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم) وقال

٤٧٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
الداودي: إنه يريد في بعض الأوقات؛ بدليل حديث الوادي قال: وقيل:
إنما يدرك بقلبه وعيناه مغلقتان، فلا يدرك الوقت كذلك؛ لأنه إنما يدرك
بحاسة البصر.
وقوله (ما بين نحره إلى لبته). قال الداودي: إلى عانته؛ لأن اللبة:
العانة، قال ابن التين: وهو الأشبه. والتور: إناء يشرب فيه، قاله
الجوهري(١).
وقال: (فحشا صدره ولغاديده) يعني: عروق حلقه، وفي
((الصحاح)): هي اللحمات التي بين الحنك وصفحة العنق، واحدها :
لغدود(٢).
فصل :
وقوله: ((مرحبًا وأهلًا)) أي: أتيت سعة ورأيت أهلًا، فاستأنس
ولا تستوحش.
وقوله: (بنهرين يطردان) أي: يجريان فالنيل ينزل ماؤه إلى أرض
السودان، فيجري إلى مصر، فإذا الخريف فنزل الغيث زاد، فكانت
الزيادة التي يريد.
وقوله: (عنصرهما). أي: أصلهما، بضم الصاد وفتحها، والزبرجد
هو بفتح الجيم: (جوهر)(٣) معروف.
وقوله: (مسك أذفر) أي: زكي الرائحة، وكذلك إذا أنتن يقال: أذفر
أيضًا؛ لأن الذفر كل ريح زكية من طيب أو نتن.
(١) ((الصحاح)) ٢/ ٦٠٢.
(٢) ((الصحاح)) ٥٣٥/٢.
(٣) من (ص١).

٤٧٥
= كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالزَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
وقوله: (هذا الكوثر) ويروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه
قال: الكوثر: الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه (١)، وروي عنه الَّئل؟
أنه قال: ((دخلت الجنة فإذا أنا بنهر حافتاه خيام (اللؤلؤ)(٢) فضربت
يدي في مجرى مائه فإذا مسك أذفر، فقال جبريل: هذا الكوثر الذي
أعطاه))(٣). والكوثر في اللغة: فوعل من الكثرة(٤).
فصل :
وقوله: (كل سماء فيها أنبياء قد سماهم فأوعيت منهم إدريس في
الثانية، وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه،
وإبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله). ذكره
في الثانية إدريس وهمٌ، إنما هو في الرابعة، روي عن أبي سعيد
[مريم: ٥٧]
الخدري ﴾ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَهُ مَكَنًا عَلِيًّا (@)﴾
قال: السماء الرابعة (٥) .
وروي عن هلال بن يساف قال: كنا عند كعب الأحبار إذ أقبل ابن
عباس رضي الله عنهما، فقال: هذا ابن عم نبيكم، فوسعنا له، فقال:
(١) رواه الطبري في ((التفسير)) ٧١٧/١٢ (٣٨١٤٩).
(٢) في (ص١): (الكوثر).
(٣) رواه أحمد ١٠٣/٣، والنسائي في ((الكبرى)) ٥٢٣/٦-٥٢٤ (١١٧٠٦)، والطبري
في («تفسيره)) ١٢/ ٧٢٠ (٣٨١٧٢)، والحاكم ٧٩/١ -٨٠ كلهم من طرق عن حميد
الطويل، عن أنس، به. وصححه الحاكم على شرط الشيخين، وقال: ولم يخرجاه
بهذا اللفظ. اهـ
قلت: والحديث سبق بنحوه برقم (٦٥٧١) كتاب: الرقاق، باب: في الحوض،
من طريق قتادة، عن أنس.
(٤) ((الصحاح)» ٨٠٣/٢.
(٥) رواه الطبري في ((التفسير)) ٣٥٣/٨ (٣٣٧٧٤).

٤٧٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
يا كعب، ما معنى: ﴿وَرَفَعْنَهُ مَكَنَا عَلِيًّا ﴾﴾؟ فقال کعب: كان لإدريس
صديق من الملائكة، فأوحى الله إليه: إني أرفع لك كل يوم مثل عمل
أهل الأرض، فقال إدريس للملك: كلم لي ملك الموت حتى يؤخر
قبض روحي، فحمله الملك تحت طرف جناحه، فلما بلغ السماء
الرابعة لقي ملك الموت فكلمه، فقال: أين هو؟ فقال: ها هو ذا،
فقال: من العجيب! إني أمرت أن أقبض روحه في السماء الرابعة!
فقبضها هناك(١) .
قال الداودي: واتفقت الأخبار كلها أن إدريس في الرابعة، وهارون
في الخامسة، واختلفت في إبراهيم وموسى، فقيل: إبراهيم في السابعة
وموسى في السادسة. وقيل عكسه وعيسى ويحيى في الثانية، ويوسف
في الثالثة. وجاء حديث بذلك أخرجه ابن وهب عن يعقوب بن
عبد الرحمن الزهري، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن هاشم بن عتبة بن
أبي وقاص، عن أنس، فذكر حديث الإسراء: فوجد آدم في السماء
الدنيا، وفي الثانية عيسى ويحيى بن زكريا -ابني الخالة- وفي الثالثة
يوسف، وفي الرابعة إدريس، وفي الخامسة هارون، وفي السادسة
موسى، وفي السابعة إبراهيم بَ له.
فصل :
وقوله: (فدنا الجبار) أي: قربت رحمته وعطفه وفضله لا دنو مسافة
ونُقلةِ، لاستحالة الحركة والنقلة على الله تعالى، إذ لا تحويه الأمكنة؛
لأنه من صفات المحدث، وليس هذا في أكثر الروايات(٢).
(١) رواه الطبري في ((التفسير)) ٣٥٢/٨ (٢٣٧٦٨).
(٢) مذهب أهل السنة هو إثبات صفات الله . كما جاءت في القرآن، والسنة
بلا تعطيل، ولا تشبيه، ولا تكييف. كما سبق بيانه، وانظر التعليق ص ٢٢٥ .

٤٧٧
كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
=
فصل :
وقوله: (حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى)، وقالت عائشة رضي
الله عنها: إنما كان قاب قوسين من جبريل القليهي(١).
وبه جزم ابن بطال فقال: هو جبريل الذي تدلى فكان من الله أو من
مقداره على مقدار ذلك، عن الحسن: ﴿فَأَوْحَىَ إِلَى عَبْدِهِ، مَا أَوْحَى
١٠
إلى جبريل (٢) وكتب القلم حتى سمع محمد ◌ّ﴾ صريفه في كتابه، وبلغ
جبريل محمدًاً مَّه وهو عند سدرة المنتهى، قيل: إليها تنتهي أرواح
الشهداء .
﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَ ﴾﴾ قال ابن عباس: رأى محمد ربه بقلبه(٣).
وعن ابن مسعود: رأى جبريل (٤).
وهو قول عائشة رضي الله عنها - كما سلف- وقتادة.
وقال الحسن: ما رأى من مقدور الله (وملكوته)(٥).
﴿أَفَتُنُوْنَهُ عَلَى مَا يَرَى ﴾﴾ هو محمد رأى جبريل في صورته التي
خلقه الله عليها، له سبعمائه جناح رفرفًا أخضر سد ما بين الخافقين
ولم يره قط في صورته التي هو عليها إلا مرتين، وإنما يراه في صورة
كان يتشكل عليها من صورة الآدميين، وأكثرها صورة دحية الكلبي،
وفي قوله: ﴿أَفَتُرُونَهُ﴾ دليل على أن العيان أكبر أسباب العلم ولا يتمارى
(١) سبق برقم (٣٢٣٥) كتاب: بدء الخلق، وانظر ((تفسير الطبري)) ٥٠٨/١١.
(٢) رواه الطبري في ((التفسير)) ٥٠٩/١١ (٣٢٤٥٥).
(٣) رواه الطبري في ((التفسير)) ٥١٠/١١ (٣٢٤٥٩).
(٤) رواه الطبري في ((التفسير)) ٥١٣/١١ (٣٢٤٨٠ - ٣٢٤٨١).
(٥) في الأصل: (ماكونه)، والمثبت من (ص١).

٤٧٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
فيه، ولذلك قال القَيّا: ((ليس الخبر كالمعاينة))(١).
فصل :
إن قلت: ما وجه الحكمة في لقاء الشارع الأنبياء في السموات دون
عليين، والأنبياء مقرهم في ساحة الجنة ورياضها تحت العرش، ومن
دونهم من العرش هناك، فما وجه لقائهم في سماء سماء؟ قلت:
وجهه أنهم تلقوه كما يتلقى القادم، يتسابق (الناس)(٢) إليه على قدر
سرورهم بلقائه (٣) .
فصل :
قوله: (فرفعه -يعني: جبريل- عند الخامسة) قال: الداودي: رفعه
بعد الخامسة ليس بثابت، والذي في الروايات: ((أستحيي من ربي
فنودي: أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي، وجعلت الخمسة بعشر
أمثالها)»(٤) .
وقوله: (ارجع إلى ربك فليخفف عنك) أيضًا، كذا وقع هنا بعد أن
قال: (لا يبدل القول لدي) قال الداودي: هي لا تثبت؛ لأن الروايات
تواطأت على خلافه، وما كان موسى ليأمره بالرجوع بعد أن قال الله
لنبيه: (لا يبدل القول لدي) ولم يرجع بعد الخمس.
(١) رواه أحمد ٢١٥/١، وابن حبان في ((صحيحه)) ٩٦/١٤ (٦٢١٣) والطبراني
في ((الأوسط)) ١٢/١ (٢٥) كلهم من حديث ابن عباس وقد تقدم تخريجه
باستفاضة.
(٢) من (ص١).
((شرح ابن بطال)) ٥١٠/١٠-٥١١.
(٣)
(٤) سلف بنحوه برقم (٣٨٨٧) كتاب: مناقب الأنصار، باب: المعراج، ورواه أحمد
٤/ ٢٠٧ - ٢٠٨.

٤٧٩
كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
=
فصل :
وقوله: قال: (فاهبط باسم الله). قال: واستيقظ وهو في المسجد
الحرام.
ادعى الداودي أن الذي قال له: (اهبط باسم الله) جبريل، وظاهر
ما في الكتاب خلافه، قال: وقوله: (فاستيقظ) أي: فارقه الوحي،
وما كان يأخذه عند الوحي؛ لاشتغاله بالوحي وعظمته في نفسه وثقله
عليه .
فصل :
وقوله: (وهو في المسجد الحرام) قد أسلفنا اختلاف الناس في
مسراه، هل کان بجسده ونفسه أو بروحه دون جسمه؟ وروي الأول
عن ابن عباس رضي الله عنهما، والضحاك، وسعيد بن جبير،
وقتادة، وإبراهيم ومسروق، ومجاهد، وعكرمة.
ثم قالت طائفة منهم: إنه صلى بالأنبياء ببيت المقدس ثم عرج به
إلى السماء، فأوحى الله تعالى إليه وفرض عليه الصلاة، ثم رجع إلى
المسجد الحرام من ليلته فصلى به صلاة الصبح. روى ذلك الطبري
في حديث الإسراء عن أنس ﴾(١).
ذكر من حديث أبي سعيد الخدري ﴾ أنه صلى التقلي ببيت المقدس،
ولم يذكر أنه صلى خلفه أحد(٢).
وقالت أخرى منهم، أنه يدخله، ولم يصل فيه، ولم ينزل عن البراق
حتى رجع إلى مكة، روي ذلك عن حذيفة، قال في قوله: ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ
(١) رواه الطبري في ((التفسير)) ٥/٨ (٢٢٠١٨).
(٢) رواه الطبري في (التفسير)) ٨/ ١٢ (٢٢٠٢٣).

٤٨٠
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ الآية [الإسراء: ١]. قال: لم يصل فيه، ولو صلى (فيه)(١)
لكتبت عليكم الصلاة كما كتبت الصلاة عليكم عند الكعبة(٢).
وروي القول الثاني -أعني أن الإسراء كان بروحه دون جسده عن
عائشة ومعاوية بن أبي سفيان والحسن البصري (٣)، وذكر ابن فورك
عن الحسن قال: عرج بروح رسول الله وَّطهر وجسده في الأرض، وهو
اختيار ابن إسحاق.
حجة الأولين ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله
تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّغْيَا الَّتِىَّ أَرَيْنَكَ إِلَّا فِتْنَةُ لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] قال:
هي رؤيا عين أريها رسول الله وَّليه ليلة أسرى به إلى بيت المقدس،
وليست رؤيا منام. رواه ابن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة، عنه(٤)
قالوا: (ولو) (٥) أسري بروحه فقط وكان الإسراء منامًا لما أنكرت
ذلك قريش من قوله؛ لأنهم (كانوا)(٦) لا ينكرون الرؤيا، ولا ينكرون
أن أحدًا يرى في المنام ما هو على مسيرة سنة، فكيف ما هو على
مسيرة شهر أو أقل.
ومن حجة الذين قالوا: إنه بالروح فقط ، قول أنس # في حديث
الإسراء، قال: (حين أسري به جاءه ثلاثة نفر وهو نائم في المسجد
الحرام). وذكر الحديث إلى قوله: (ثم أتوه في ليلة أخرى فيما يرى
(١) من (ص١).
(٢) رواه الطبري في ((التفسير)) ١٥/٨ (٢٢٠٣٠).
(٣) رواه عنهم الطبري في (التفسير)) ١٦/٨ (٢٢٠٣٢ - ٢٢٠٣٤).
(٤) سبق برقم (٤٧١٦) في التفسير، باب ﴿وَمَا جَعَلْنَا اُلُّؤْيَا الَّتِىّ أَرَيْنَكَ إِلَّا فِتْنَةٌ لِلنَّاسِ﴾.
(٥) في الأصل: (ولم) والمثبت من (ص١) وهو الصواب.
(٦) من (ص١).