النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالزَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ = وفسدت جميع هذا الأقوال بقيام الدليل على حدوث ذلك كله وافتقاره إلى محدث؛ لاستحالة وجود محدَث لا محدث له كاستحالة وجود مضروب بلا ضارب له، وكتاب الله شاهد بصحة هذا وهو قوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَلِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣] فنفى خالقًا سواه، وقال تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَةَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ﴾ [الرعد: ١٦]، وقال عقب ذلك ﴿فَتَشَبَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ [الرعد: ١٦] ثم قال لنبيه: ﴿قُلِ اَللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ اُلْوَجِدُ الْقَهَّرُ﴾ [الرعد: ١٦] ودل على ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤] على قدرة الله ووحدانيته، فوجب أن يكون الخلاق العليم بجميع صفاته من القول والأمر والفعل والسمع والبصر والتكوين للمخلوقات كلها خالقًا غير مخلوق الذات والصفات، وأن القرآن صفة له غير مخلوق، ووجب أن يكون الخالق مخالفًا لسائر المخلوقات (ووجه)(١) خلافه لها أنتفاء قيام الحوادث عند الدالة على حدث من تقوم به، ولزم أن يكون سواه من مخلوقاته التي كانت عن قوله وأمره وفعله وتكوينه مخلوقات له، هذا موجب العقل . فصل : قوله في حديث ابن عباس رضي الله عنهما: (فتحدث رسول الله وَالجلد مع أهله، ثم رقد). ظاهره أن هذا الحديث كان (قبل)(٢) صلاة العشاء ويبعد أن يكون (بعدها)(٣)؛ لصحة النهي عنه، لكن محله إذا لم يكن فيه مصلحة، أما حديثه مع الأهل ونحو ذلك فمطلوب غير داخل في النهي. (١) في الأصل: (ووجب)، والمثبت من (ص١). (٢) في (ص١): (بعد). (٣) في (ص١): قبلها. ٣٦٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وقوله: ((فتوضأ واستن)) أي: تسوك. (قال الجوهري: استن بمعنى: أستاك، قال: وسننت الماء على وجهي: أرسلته من غير تفريق)(١) فإذا فرقته (بالعنف)(٢) قُلْتَهُ بالشين المعجمة(٣)، وقوله: (ثم صلى إحدى عشرة ركعة). كذا هنا، وقد سلف رواية إحدى عشرة ركعة (٤)، وخمس عشرة ركعة، فراجعه. (١) زيادة من (ص١). (٢) من (ص١) وهو بياض في الأصل بمقدار كلمة، وقبل البياض (في). (٣) ((الصحاح)) ٢١٤٠/٥، ٢١٤١. (٤) البخاري (٤٥٦٩) كتاب: التفسير، باب: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ومسلم (٧٦٣) كتاب: صلاة المسافرين، باب: الدعاء في صلاة الليل وقيامه. = كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ ٣٦٣ ٢٨- باب ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَنْنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ [الصافات: ١٧١] ١٧ ٧٤٥٣- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَغْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ لَّهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ بَلَ قَالَ: ((لَمَّا قَضَى اللهُ الخَلْقَ كَتَبَ عِنْدَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي)). [انظر: ٣١٩٤ - مسلم: ٢٧٥١ - فتح: ١٣ / ٤٤٠]. ٧٤٥٤- حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، حَدَّثَنَا الأَغْمَشُ، سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ، سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ ﴾: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِلَيهِ وَهْوَ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ: ((إِنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَهُ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَهُ، ثُمَّ يُبْعَثُ إِلَيْهِ المَلَلُكَ فَيُؤْذَنُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ فَيَكْتُبُ: رِزْقَهُ، وَأَجَلَهُ، وَعَمَلَهُ، وَشَقِيٍّ أَمْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ، حَتَّى لَا يَكُونُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ إِلَّ ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُ النَّارَ، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلٍ أَهْلِ النَّارِ، حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ إِلَّ ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ، فَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا)). [انظر: ٣٢٠٨ - مسلم: ٢٦٤٣ - فتح: ١٣ / ٤٤٠]. ٧٤٥٥- حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَخْيَى، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ ذَرِّ، سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ سَعِيدٍ ابْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ قَالَ: «يَا جِبْرِيلُ، مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَزُورَنَا أَكْثَرَ مِمَّا تَزُورُنَا؟)). فَنَزَلَتْ: ﴿وَمَا نَتَغَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكٌ لَهُ مَا بَيْنَ أَيَدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ [مريم: ٦٤] إِلَى آخِرِ الآيَةِ. قَالَ: هذا كَانَ الَجَوَابَ لَمُحَمَّدٍ وَلِّ. [انظر: ٣٢١٨- فتح: ١٣ / ٤٤٠] . ٧٤٥٦- حَدَّثَنَا يَجْيَى، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللهِ وَجَهَ فِي حَرْثٍ بِالْدِينَةِ وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى عَسِيبٍ، فَمَرَّ بِقَوْمٍ مِنَ الْيَهُودِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ٣٦٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == لَا تَسْأَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ. فَسَأَلُوهُ، فَقَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى العَسِيبِ وَأَنَا خَلْفَهُ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ فَقَالَ: ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوَجَّ قُلِ الزُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّ وَمَآ أُوِتُم مِّنَ اْعِلْمِ [الإسراء: ٨٥] فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: قَدْ قُلْنَا لَكُمْ لَا تَسْأَلُوهُ. [انظر: إِلَّا قَلِيلًا ذَا﴾ ١٢٥- مسلم: ٢٧٩٤ - فتح: ١٣ / ٤٤٠]. ٧٤٥٧- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عَنِ الأَغْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ◌ِِّ قَالَ: (تَكَفَّلَ اللهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ - لَا يُخْرِجُهُ إِلَّ الجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ وَتَصْدِيقُ كَلِمَاتِهِ - بِأَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، أَوْ يَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الذِي خَرَجَ مِنْهُ مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرِ أَوْ غَنِيمَةٍ)). [انظر: ٣٦- مسلم: ١٨٧٦- فتح: ١٣ / ٤٤١]. ٧٤٥٨- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبي مُوسَى قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ◌ِّ فَقَالَ: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ حَمِيَّةً، وَيُقَاتِلُ شَجَاعَةً، وَيُقَاتِلُ رِيَاءَ، فَأَيُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ قَالَ: ((مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا فَهْوَ فِي سَبِيلِ اللهِ)). [انظر: ١٢٣ - مسلم: ١٩٠٤ - فتح: ١٣ / ٤٤١]. ذكر فيه (ستة)(١) أحاديث: أحدها: حديث أبي هريرة # السالف (٢): ((إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي)). ثانيها: حديث ابن مسعود : ((إِنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أَمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً)) . ثالثها: حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه العَيْهِ قَالَ: ((يَا جِبْرِيلُ، مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَزُورَنَا أَكْثَرَ مِمَّا تَزُورُنَا؟)). فَنَزَلَتْ: ﴿وَمَا نَتَغَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرٍ (١) من (ص١). (٢) سلف برقم (٧٤٢٢) باب: قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ, عَلَى الْمَآءِ﴾. ٣٦٥ كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ = رَبِّكَ﴾ [مريم: ٦٤] الآيَةِ. قَالَ: (هُذَا كَانَ)(١) الجَوَابَ لِمُحَمَّدٍ وَ. رابعها: حديث علقمة عن عبد الله به في سؤال اليهود عن الروح، وقد سلف. خامسها: حديث أبي هريرة : ((تَكَفَّلَ اللهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ - لَا يُخْرِجُهُ إِلَّ الِهَادُ فِي سَبِيلِهِ وَتَصْدِيقُ كَلِمَاتِهِ- بِأَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، أَوْ يَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الذِي خَرَجَ مِنْهُ مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ)). سادسها: حديث أبي موسى ضه قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رسول الله فَقَالَ: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ حَمِيَّةً، وَيُقَاتِلُ شَجَاعَةٌ، وَيُقَاتِلُ رِيَاءً، فَأَيُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ قَالَ: ((مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا فَهْوَ فِي سَبِيلِ اللهِ». الشرح : الكلمة السابقة هي كلمة الله بالقضاء المتقدم منه قبل أن يخلق خلقه في أم الكتاب الذي جرى به العلم للمرسلين أنهم لهم المنصورون في الدنيا والآخرة، كما نبه عليه المهلب، وقد سلف في كتاب القدر ما يتضمن هذا الباب منه. ومعنى هذا الباب: (إثبات)(٢) الله تعالى متكلمًا، وذا كلام خلافًا لمن يقول من المعتزلة: (أنه)(٣) تعالى غير متكلم فيما مضى، وكذلك هو فيما بقي، وهذا كفر قد نص الله تعالى على إبطاله بقوله: ﴿وَلَقَدْ [الصافات: ١٧١] في آيات أخر. سَبَقَتْ كَلِمِنْنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ وقد نص الشارع على بيان هذا المعنى في أحاديث هذا الباب (١) في الأصل: كان هذا. (٢) من (ص١). (٣) كذا في الأصل وفي (ص١) الله. ٣٦٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = فقال: ((كتب عنده فوق العرش))، وقال: ((ثم يبعث الله إليه ملكًا فيؤذن بأربع كلمات يوحيها (الله)(١) إلى الملك، فيكتبها في أم الكتاب))، وقال: ((فيسبق عليه الكتاب)) بالقضاء المتقدم في سابق علمه، والكتاب يقتضي كلامًا مكتوبًا، ودل ذلك على أنه تعالى لم يزل عالمًا بما سيكون قبل كونه خلافًا لمن يقول أنه لا يعلم الأشياء قبل كونها، ووجه مشاكلة حديث ابن عباس رضي الله عنهما للترجمة هو أن الذي ينزل به جبريل هو كلام الله تعالى ووحيه. وكذلك قوله في حديث ابن مسعود: ﴿قُلِ الزُوعُ مِنْ أَمْرِ رَبِ﴾ يريد: أن الروح خلق من خلقه تعالى خلقه بقوله: کن، و(کن) كلامه الذي هو أمره الذي لم يزل ولا يزال. وقوله في حديث عبد الله : ﴿وَمَآ أُوتِتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] (فيه)(٢) دليل على أنه لا يبلغ حقيقة العلم بالمخلوقات فضلًا عن العلم بالخالق سبحانه، وأن من العلم ما يلزم التسليم فيه لله رقمالد، ويجب الإيمان بمشكله، وأن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويل المتشابه كما يزعم المتكلمون، إذ قد علمنا الله تعالى أن السؤال عن الروح ابتغاء ما لم نؤته من العلم، مع أنه تعالى وصف قلوب المتبعين ما تشابه منه بالزيغ وابتغاء الفتنة، ووصف الراسخين في العلم بالإيمان به، وأن كله من عند ربهم مستعيذين من الزيغ الذي وسم الله تعالى به من أتبع تأويل المتشابه، داعين إلى الله لا يزيغ قلوبهم بابتغاء تأويله بعد إذ هداهم إلى الإيمان به. (١) من (ص١). (٢) من (ص١). ٣٦٧ - كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ وأما قوله: ( ((كتب عنده أن رحمتي سبقت غضبي))) فهو - والله أعلم- كتابه في أم الكتاب الذي قضى به وخطه القلم، فكان من رحمته تلك أن أبتدأ خلقه بالنعمة بإخراجهم من العدم إلى الوجود، وبسط لهم من رحمته في قلوب الأبوين على الأبناء من الصبر على تربيتهم ومباشرة أقدارهم ما إذا دبر مدبر أيقن أن ذلك من رحمته تعالى، ومن رحمته السابقة أنه يرزق الكفار وينعمهم ويدفع عنهم الآلام، ثم ربما أدخلهم الإسلام رحمة منه لهم، وقد بلغوا من التمرد عليه والخلع لربوبيته غايات تغضبه، فتغلب رحمته ويدخلهم جنته، ومن لم يتب عليه فقد رحمه مدة عمره بتراخي عقوبته عنه (١)، وقد كان له أن لا يمهله بالعقوبة ساعة كفره به ومعصيته له، لكنه أمهله رحمةً له، ومع ذاك أن رحمة الله السابقة أكثر من أن يحيط بها الوصف. فصل : قوله: ( ((لما قضى الله الخلق)) ) أي: خلقهم وكل (صنعة)(٢) محكمة متقنة فهي قضاء، قاله أبو عمرو، ومنه ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ [آل عمران: ٤٧]. وقوله: ( ((فوق عرشه)) ) قال بعض العلماء: فوق بمعنى: دون استعظامًا أن يكون شيء من المخلوقات فوق العرش، واحتج بقوله: ﴿بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦]. أي: فما دونها، وذكر غيره في فوقها قولين : أحدهما: فما فوقها في الصغر؛ لأنه المراد من الكلام. (١) من (ص١). (٢) من (ص١) وفي الأصل: صفة. ٣٦٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = والثاني: أنها زائدة كقوله تعالى: ﴿فَأَضْرِبُواْ فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال: ١٢] أي: الأعناق فما فوق، وقد سلف ذلك أيضًا. فصل : قوله في حديث ابن مسعود : ( ((إن خلق أحدكم يجمع)) ) الخلق هنا: بمعنى المخلوق، واختلف في الوقت الذي يعرج به الملك، ففي الكتاب بعد مائة وعشرين (يومًا)(١)، وقيل: بعد أربعين ليلة، وقيل: إذا عرج الملك بالنطفة بعد آخر أربعين ليلة تلقى من يده إلى الأرض التي يصير إليها إذا مات ثم يأخذها الملك فيعرج بها . فصل : قوله: ( ((فيؤذن بأربع كلمات)) ) أي: يُعلَم فيكتب الكلمات الأربع (٢) المذكورة، قال الداودي: فقد أخبر أنه يكتب عمله الذي يجازى به عليه، قال: وفي هذا دليل أن الأمر على خلاف من قال: إن الله سبحانه لم يزل متكلمًا بجميع كلامه، فهل يقول الأربع كلمات قبل أن يرجع إليه بما في الرحم؛ ويرد قول من قال: إنه سبحانه لو شاء لعذب الخلق، وليس من صفة الحلم أن يتبدل علمه، قد علم في (الأول)(٣) من يرحم ومن يعذب. وهذا من الداودي خلاف ما قاله أهل السنة؛ لأنهم يقولون: إنه تعالی لم یزل متکلمًا بجمیع کلامه، وإنه لو شاء عذب الناس جميعًا، واتفق أهل الحق أن كلامه تعالى كلام لنفسه، واختلف هل هو أمر لنفسه ونهي لنفسه، وهو تعالى في الأزل آمرٌ وناهٍ. (١) وردت هذه الكلمة في الأصل وفوقها: (لا. إلى). (٢) من (ص١). (٣) في (ص١): الأزل. ٣٦٩ كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ وقال القاضي وغيره: إنه أمر ونهي للإفهام، وأن الكلام واحد والأمر منه هو النهي وهو الخبر وإنما يسمعه السامع، فإذا خلق الله له الفهم بأنه أمر كان أمرًا، وإذا أفهمه النهي كان (كلامه)(١) نهيًا، فعلى هُذا لا يكون (آمرًا ولا ناهيًا)(٢) في الأزل(٣). فصل : قال الداودي: وقوله: ( ((ثم ينفخ فيه الروح))) فإنما ذلك؛ بأن يقول الله له: كن، فيكون قال: وهذا يؤيد ما قلناه؛ لأن النفخ بكلامه، والكلام الذي نفخ فيه لو وقف لم يكن قبله ولا يكون بعده. وقوله: ( ((إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة)) ) الحديث، ذكر عن عمر بن عبد العزيز أنه أنكر هذا، قال: كيف يصح أن يعمل العبد عمره طائعًا ثم لا يدخل الجنة، كذا حكاه عنه ابن التين، وهو عجيب منه إن صح. فصل : المراد بـ ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ في الآية في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أمر الآخرة وب﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾ أمر الدنيا ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ البرزخ بين الدنيا والآخرة، قاله سعيد بن جبير. وقوله: ( ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾)، قيل: لم ينسك وإن تأخر عنك الوحي، وقيل: هو عالم بكل شيء حافظ له لم ينسه ولا شيئًا منه. (١) من (ص١) وفي الأصل (الكلام). (٢) في (ص١): أمرًا ولا نهيًا. (٣) هذا قول الأشاعرة في صفة الكلام، وسبق الكلام على هذِه المسألة في أول شرح کتاب التوحید فراجعه. ٣٧٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = فصل : (قوله)(١) في حديث ابن مسعود : (كنت أمشي مع رسول الله وَيل في حرث). أي: زرع، قاله الجوهري(٢). وقال الداودي: يعني خارج المدينة. قال: والعسيب: هو القضيب. والمخصرة: هو القضيب وربما كان من جريد، قال: (واشتقاق القضيب)(٣) لما يجد من ثقل الوحي، وقد سلف ذلك مع الكلام على الروح. وقوله: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]، إن قلت: كيف قيل لليهود ذلك، وقد أوتوا التوراة؟ وجوابه: أن قليلًا وكثيرًا إنما يعرفان بالإضافة إلى غيرهما، فإذا أضيفت التوراة إلى علم الله تعالى كانت قليلًا من كثير، ألا ترى قوله: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَتِ رَبِ﴾ الآية [الكهف: ١٠٩]. وقوله: ((فظننت أنه يوحى إليه))، قال الداودي: قد أيقنت، (قال: )(٤) والظن يكون يقينًا وشكًا وهو من الأضداد، ويدل على صحة هذا التأويل أن في الحديث الذي بعد هذا في باب ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ﴾: فعلمت (أنه)(٥) يوحى إليه، ويصح أن يكون (هذا)(٦) الظن على بابه، ويكون ظن ذلك، ثم تحققه وهو أظهر؛ لأن في الحديث الآخر: فحسبت أنه یوحی إلیه. (١) من (ص١). (٢) ((الصحاح)) ٢٧٩/١. (٣) كذا العبارة بالأصول، ولعل الصواب: واتكاؤه على القضيب. (٤) من (ص١). (٦) من (ص١). (٥) في (ص١): إنما. ٣٧١ كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ = فصل : قوله: ( ((تكفل الله لمن جاهد في سبيله)) ) أضاف الكفالة إلیه تعالى؛ لأنه أوفى كفيل في سبيل التعظيم (للجهاد)(١) والتصحيح لثواب من جاهد في سبيله، وقال: ((لا يخرجه إلا الجهاد في سبيله)) يريد إخلاص ذلك لله تعالى لا يشوبه طلب الغنيمة، ولا التعصب للأهل والعشير غير أن تكون كلمة الله هي العليا، وإذا كانت بنية الجهاد فلا ينتقص من أجره، ولا ينتقض عهده بما نال بعد من غنيمة، وإنما يكره أن تكون نيته وسبب خروجه للغنيمة. وقوله: ( ((وتصديق كلماته)) ) قيل: (يريد)(٢) به الأمر بالقتال في سبيل الله، وما وعد عليه الثواب، ويحتمل أن يريد به الشهادتين، وأن تصديقه بها يثبت في نفسه عداوة من كذبهما والحرص على قتله. وقوله: ((بأن يدخله الجنة)) (يريد إن أصيب بموت أو قتل لأن في اللفظ ما يختص بالقتل دون غيره، ويحتمل أن يريد: يدخله الجنة)(٣) بإثر قتله، ويكون هنا خصوصًا للشهداء كما خصوا بأنهم يرزقون، ويحتمل أن يريد أن يدخلها بعد البعث في الآخرة، وتكون فائدة تخصيصه أن ذلك يكون كفارة لجميع خطاياه وإن كثرت إلا ما خصه الدليل فإنه لا (موازنة) (٤) بين ما أكتسب من الخطايا وبين ثواب جهاده إذ لم يرجع. (١) في (ص١): من الجهاد وفوقها في الأصل: إلى. (٢) من (ص١). (٣) من (ص١). (٤) في (ص١): (موازنة). ٣٧٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ويؤيد هذا التأويل حديث أبي قتادة : أرأيت إن قتلت صابرًا محتسبًا مقبلا غير مدبرٍ أيكفر الله عني خطاياي؟ فقال الشيخ: ((نعم)) ثم قال بعد أن رد عليه: ((إلا الدين، كذلك قال لي جبريل)) (١). وقوله: ((مع ما نال من أجر أو غنيمة)) يريد: مع الذي نال منها، إن أصاب غنيمة فله أجر وغنيمة، وإن لم يصبها أوجر على كل حال، فتكون (أو) بمعنى الواو كما في قول جرير: نال الخلافة أو كانت له قدرًا كما أتى ربَّه موسى على قدر وفي الحديث: ((ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون غنيمة إلا تعجلوا ثلثي أجرهم من الآخرة ويبقى لهم الثلث، فإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم))(٢)، وطعن في هذا الحديث بعضهم فقال: رواه أبو هانئ حميد بن هانئ وليس بمشهور، ولو ثبت لكان معناه: أن يصيبوا غنيمة على غير وجهها أو يكونوا خرجوا قاصدين لها مع إرادة الجهاد، ولا يصح حمله على عمومه؛ لأن أهل بدر أفضل الغزاة وقد غنموا . وروي أن جبريل قال لرسول الله وَله: ((ما تعدون أهل بدر فيكم؟)) قال: ((من أفضل المسلمين -أو كلمة نحوها- قال: وكذلك من شهد (١) رواه مسلم (١٨٨٥) كتاب: الإمارة، باب: من قتل في سبيل الله كفرت خطاياه إلا الدين. (٢) رواه مسلم (١٩٠٦) كتاب: الإمارة، باب: بيان قدر ثواب من غزا، وأبو داود (٢٤٩٧) كتاب: الجهاد، باب: في السرية تخفق، والنسائي ١٧/٦ - ١٨ كتاب: الجهاد: باب: ثواب السرية التي تخفق، وابن ماجه (٢٧٨٥) كتاب: الجهاد، باب: النية في القتال، وأبو عوانة في ((مسنده)) ٤٩٠/٤ (٧٤٤٤) باب: بيان صفة الجهاد، جميعًا من حديث عبد الله بن عمرو. ٣٧٣ = كِتَابُ التّوحِيدِ وَالزَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ بدرًا من الملائكة))، فقال الَيْئاً: نعم، وما يدريك لعل الله أطلع على أهل بدر فقال: أعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم))(١). (١) سبق برقم (٣٩٩٢) كتاب: المغازي، باب: شهود الملائكة بدرًا، من حديث رافع بن خديج، دون قوله ◌َّة ((نعم وما يدريك لعل الله .. ))، فهو حديث آخر تقدم برقم (٣٠٠٧) كتاب: الجهاد، باب: الجاسوس. من حديث علي بن أبي طالب. ٣٧٤ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٢٩- باب قَوْلِ اللّهِ رَلَّ: (إِنَّمَا أمرنا لشيءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ) الآية(١) ٧٤٥٩- حَدَّثَنَا شِهَابُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َ يَقُولُ: (لَا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي قَوْمٌ ظَاهِرِينَ عَلَى النَّاسِ، حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللهِ)). [انظر: ٣٦٤٠ - مسلم: ١٩٢١ - فتح: ١٣ / ٤٤٢]. ٧٤٦٠- حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم، حَدَّثَنَا ابن جَابِرِ، حَدَّثَنِي عُمَيْرُ بْنُ هَانِئٍ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَ يَقُولُ: (لَا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي أُمَّةٌ قَائِمَةٌ بِأَمْرِ اللهِ، مَا يَضُرُّهُمْ مَنْ كَذَّبَهُمْ وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ)). فَقَالَ مَالِكُ بْنُ يُخَامِرَ: سَمِعْتُ مُعَاذَا يَقُولُ: (وَهُمْ بِالشَّأَمِ)). فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: هذا مَالِكٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاذَا يَقُولُ: ((وَهُمْ بِالشَّأَمِ)). [انظر: ٧١ - مسلم: ١٠٣٧- فتح: ١٣ / ٤٤٢]. ٧٤٦١- حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: وَقَفَ النَّبِيُّ ◌ََّ عَلَى مُسَيْلِمَةَ فِي أَصْحَابِهِ فَقَالَ: ((لَوْ سَأَلْتَنِي هذِهِ القِطْعَةَ مَا أَعْطَيْتُكَهَا، وَلَنْ تَعْدُوَ أَمْرَ اللهِ فِيكَ، وَلَئِنْ أَدْبَرْتَ لَيَعْقِرَنَّكَ اللهُ)). [انظر: ٣٦٢٠ - مسلم: ٢٢٧٣ - فتح: ١٣ / ٤٤٢]. ٧٤٦٢- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَبْدِ الوَاحِدِ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ (١) كذا بالأصول، والصواب ﴿إِنَّمَا قَوْلْنَا﴾ كما سيشير المصنف بعدُ. قال الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) ٤٤٣/١٣: زاد غير أبي ذر ((أن نقول له كن فيكون)) ونقص ﴿إِذَا أَرَدْنَهُ﴾ من رواية أبي زيد المروزي قال عياض: كذا وقع لجميع الرواة عن الفربري من طريق أبي ذر والأصيلي والقابسي وغيرهم، وكذا وقع في رواية النسفي، وصواب التلاوة ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا﴾ وكأنه أراد أن يترجم بالآية الأخرى ﴿وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر، وسبق القلم إلى هذه. اه. ٣٧٥ كِتَابُ التّوحِيدِ وَالزَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ = حَ له في بَعْضٍ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنِ ابن مَسْعُودٍ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ حَرْثِ المَدِينَةِ وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَسِيبٍ مَعَهُ، فَمَرَزْنَا عَلَى نَفَرٍ مِنَ اليَّهُودِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَسْأَلُوهُ أَنْ يَجِيءَ فِيهِ بِشَىءٍ تَكْرَهُونَهُ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَنَسْأَلَنَّهُ. فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَالَ: يَا أَبَّا القَاسِمِ، مَا الرُّوحُ؟ فَسَكَتَ عَنْهُ النَّبِيُّ ◌َّةَ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ، فَقَالَ: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتُوا مِنَ العِلْمِ إِلَّ قَلِيلًا). قَالَ الأَغْمَشُ: هَكَذَا فِي قِرَاءَتِنَا. [انظر: ١٢٥- مسلم: ٢٧٩٤ - فتح: ١٣ / ٤٤٢]. كذا هو في الأصول(١) وفي كتاب ابن بطال(٢) وغيره، والتلاوة ﴿إِنَّمَا قَوْلْنَا لِشَىْءٍ﴾ بدل (أمرنا) وفي ﴿يسّ ﴾﴾: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ، إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾﴾ [يس: ٨٢] ومعنى الآية: إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نخرجه من العدم إلى الوجود. أي: نكونه، فخوطبوا على ما يعرفون من أنه إنما يكون الشيء عندهم بقول وتكوين، وقيل: معناه: من أجله، وقيل: لما كان عند الله معلومًا أنه سيكون كان بمنزلة الموجود، قال سيبويه: أي: فهو يكون، وقال الأخفش: هو معطوف على (نقول) أي: إنما نقول له: کن، فیکون. ثم ساق في الباب حديث المغيرة : (لَا يَزَالُ مِنْ أَمَّتِي قَوْمٌ ظَاهِرِينَ عَلَى النَّاسِ، حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللهِ)) . (١) جاء في هامش الأصل: وفي بعض أصولنا الدمشقية في الأصل: قولنا، وفي الهامش: أمرنا، وعليها علامة نسخة [قلت: قال الحافظ في ((الفتح)) ١٣/ ٤٤١ : وقع في نسخة معتمدة من رواية أبي ذر ﴿إِنَّمَا قَوْلْنَا﴾ على وفق التلاوة وعليها شرح ابن التين، فإن لم يكن من إصلاح من تأخر عنه، ولولا فالقول ما قاله عياض]. (٢) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٤٧٦/١٠. ٣٧٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وحديث معاوية : «لَا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي أُمَّةٌ قَائِمَةٌ بِأَمْرِ اللهِ (لا يضرهم من كذبهم (ولا من خذلهم)(١) ولا من خالفهم)(٢)، وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ)). وفي إسناده ابن جابر: وهو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الأزدي الشامي، مات سنة ثلاث وخمسين ومائة، أتفقا عليه(٣)، فَقَالَ مَالِكُ بْنُ يُخَامِرَ: سَمِعْتُ مُعَاذَا يَقُولُ: وَهُمْ بِالشَّامِ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ ﴾: هذا مَالِكُ بن يخامر يَزْعُمُ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاذًا يَقُولُ: (َوَهُمْ بِالشَّامِ)). وحديث ابن عباس رضي الله عنهما في ذكر مسيلمة: ((لَوْ سَأَلْتَنِي هذِه القِطْعَةَ مَا أَعْطَيْتُكَهَا)). وحديث (ابن مسعود ) (٤) في سؤال اليهود عن الروح، وقد سلف غير مرة، وفي آخره: (وَمَا أُوتُوا مِنَ العِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا). قَالَ الأَعْمَشُ: مَكَذَا فِي قِراءتنا . وغرضه في هذا الباب: الرد على المعتزلة في قولهم: إن أمر الله تعالى الذي هو كلامه مخلوق، فأراد أن يعرفك أن الأمر هو قوله للشيء إذا أراده: (كن) فيكون بأمره، وأن أمره وقوله في معنى واحد، وذلك غير مخلوق، وأنه سبحانه يقول: (كن) على الحقيقة (١) كذا في (ص١). (٢) من (ص١). (٣) هو أبو عتبة السلمي الدمشقي الداراني، أخو يزيد بن يزيد بن جابر، ووالد عبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وثقه يحيى بن معين والعجلي وابن سعد والنسائي. وانظر ترجمته في: ((الطبقات الكبرى)) ٤٤٦/٧، (التاريخ الكبير)) ٣٦٥/٥ (١١٥٥)، ((الجرح والتعديل)) ٢٩٩/٥ - ٣٠٠ (١٤٢١)، ((تهذيب الكمال)) ٥/١٨ (٣٩٩٢)، ((تذكرة الحفاظ)) ١٨٣/١ (١٧٨). (٤) وقع بالأصول: (ابن عباس رضي الله عنهما) خطأ، ولعله سبق قلم. والله أعلم. ٣٧٧ كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ = قلّ وأن الأمر غير الخلق؛ لقوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] ففصل بينهما بالواو، وهو قول جميع أهل السنة. وزعمت المعتزلة أن وصفه تعالى نفسه بالأمر وبالقول في هذه الآية مجاز واتساع على نحو ما تقول العرب: (مال الحائط فمال)(١) وامتلأ الحوض وقال: قطني، وقولهم فاسد؛ لأنه عدول عن ظاهر الآية وحملها على غير حقيقتها، وإنما وجب حمل الآية على ظاهرها وحقيقتها إثبات كونه تعالى حيًا، والحي لا يستحيل أن يكون متكلمًا . فصل : قوله: ( (على الناس)))، وفي رواية أخرى ((على الحق))(٢) وهما واحد، وقد قال البخاري فيما مضى أنهم أهل العلم، ومثله الحديث: ((يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله))(٣) وقال هنا في رواية معاوية: ((أمة قائمة))، وقال مرة: ((قوم))، وقال أخرى: ((طائفة من أمتي))(٤) وهم واحد. ومعنى: ((يأتيهم أمر الله)) يعني: الساعة. فصل : ووقوفه التَّف على مسيلمة يبلغه ما أرسل به، وكان مسيلمة تزوج بالمدينة وأتى بطائفة كبيرة من قومه، وأوفى النبي ◌َّ، لم يتمكن (١) كذا من (ص١) وفي الأصل (فمال الحائط). (٢) رواه مسلم (١٩٢٠) كتاب: الإمارة، باب: قوله وَّل: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين الحق على لا يضرهم من خالفهم)) من حديث ثوبان. (٣) سبق تخريجه. (٤) رواه البخاري (٧٣١١) كتاب: الاعتصام، باب: قول النبي وَل: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين)». ٣٧٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - (له)(١) في الوقت إلا القول، فبلغ حسب طاقته، وقد يحتمل أن له مدة سيبلغها . وقوله: ( ((ولن تعدُ أمر الله فيك)) ) كذا وقع في الأصول، وهي لغة شاذة في الجزم بلن. ومعنى: ((لن تعدوَ أمر الله فيك)). أي ما قد أمر به فيك من الشقاء أو السعادة. وقوله: ((لئن أدبرت (ليعقرنك)(٢) الله)) يحتمل أن يكون الشارع حينئذٍ لم يعلم أنه يتمادى على أمره، ويحتمل أن يكون علم إلا أن الشارع (لتقوم)(٣) له الحجة، قال تعالى: ﴿لَّيِن لَّمْ يَهِ الْمُنَفِقُونَ﴾ [الأحزاب: ٦٠] وقد علم من ينتهي ومن لا ينتهي. فصل : وقوله: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبٍِّ﴾ [الإسراء: ٨٥] أي: من أمره المتقدم بما سبق في علمه من القضاء المحتوم الذي أمر به الملك أن يكتب في بطن أمه قبل نفخ الروح فيه. (١) من (ص١). (٢) في (ص١): (ليعذبنك). (٣) كذا في الأصول. ولعل الصحيح (لم تقم). ٣٧٩ = كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ ٣٠- باب قَوْلِ اللّهِ رَّ: ﴿ قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَتِ رَبٍِّ﴾ الآية وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِى الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَهٌ﴾ الآية. [لقمان: ٢٧]، وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِ سِنَّةٍ أَتَّامٍ ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ الآية. [الأعراف: ٥٤]. ٧٤٦٣- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ بِِّ قَالَ: ((تَكَفَّلَ اللهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ - لَا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَّ الجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ وَتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ- أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، أَوْ يَرُدَّهُ إِلَى مَسْكَنِهِ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ)). [انظر: ٣٦- مسلم: ١٨٧٦ - فتح: ١٣ /٤٤٤]. ثم ساق حديث أبي هريرة # السالف في باب: ﴿ولقد سبقت كلمتنا﴾: (تَكَفَّلَ اللهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ .. )). الحديث قال مجاهد: ﴿قُل لَّوْ كَانَ اٌلْبَحْرُ مِدَادًا﴾ للقلم يستمد منه للكتاب ﴿لِكَلِمَتِ رَبِ﴾ أي: لعلم ربي (١)، وقال قتادة: لنفد ماء البحر قبل أن ینفد کلام الله وحکمه(٢). وقوله: ﴿وَلَوْ جِثْنَا بِمِثْلِهِ، مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩] يعني: مدادًا، وقيل: هو من نحو قوله: نحن مدد له، وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما : (مِدَادًا). (١) رواه الطبري في ((تفسيره) ٢٩٩/٨ (٢٣٤٢١ - ٢٣٤٢٢)، وعزاه السيوطي في ((الدر المنثور)) ٤٥٨/٤ لابن المنذر وابن أبي حاتم. (٢) رواه الطبري ٢٩٩/٨ (٢٣٤٢٣)، وعزاه السيوطي في ((الدر المنثور)) ٤٥٨/٤ لابن أبي حاتم. ٣٨٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وربما قال: كلمات على سبيل التعظيم، وإنما هو في الحقيقة كلام واحد(١). والآية الثالثة قوله: ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ خلق الأرض في يومين الأحد والإثنين، وخلق السماوات في يومين، وأوحى في كل سماء أمرها في ذينك اليومين، ودحا الأرض بعد ذلك في يومين، فانقضى الخلق يوم الجمعة . وقوله: ﴿يُغْشِى الَّيْلَ النَّهَارَ﴾ [الأعراف: ٥٤] أي: ويغشي النهار الليل ثم حذف؛ لعلم السامع، أي: يدخل هذا في هذا وهذا في هذا. وقوله: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَاَلَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] ففرق بينهما، فدل أن كلامه غير مخلوق، وهو قوله: كن، وقيل: هو مثل قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا [الرحمن: ٦٨]، وهذا ليس مذهب أهل السنة وهو ٦٨ فَكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُقَانٌ قول المعتزلة. وقيل المعنى: وتصريف الأمر ثم حذف، وقال النقاش: الخلق كل مخلوق، والأمر قضاؤه في الخلق الذي في اللوح المحفوظ، وقيل: الخلق والأمر الآخرة، ومعناه لله تعالى الدنيا والآخرة. ومعنى هذا الباب: الكلام لله تعالى صفة لذاته، وأنه لم يزل متكلمًا، ولا يزال، كمعنى الباب الذي قبله، وإن كان قد وصف الله تعالى كلامه بأنه كلمات فإنه شيء واحد لا يتجزأ ولا ينقسم، ولذلك يعبر عنه بعبارات مختلفة تارة عربية وتارة سريانية، وبجميع الألسنة (١) هذا الكلام هو ما استقرت عليه الأشعرية أن كلام الله كلام واحدٌ وليس بصواب، وإنما اعتقاد أهل السنة والجماعة في ذلك أن هذه المقالة لابد من تفصيلها كالتالي: أن كلام الله تعالى قديم النوع حادث الآحاد؛ لا يزال متكلمًا، بما شاء، متى شاء. أنظر: ((شرح لمعة الاعتقاد)) لابن عثيمين ص ٤٠.