النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
كِتَابُ التّوحِيدِ وَالرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
=
والغبرات: البقايا كما تقدم، وغبر الشيء: بقيته، و(عزير) اسم
منصرف لخفته وإن كان أعجميًا مثل نوح ولوط؛ لأنه تصغير عَزْرٍ ،
وعزیر وعيسى(١).
وقوله: ( ((ويبقى من كان يسجد لله رياءً وسمعة)) ) هم المنافقون.
وقوله: ( (فيذهب كيما يسجد فيعود (ظهره)(٢) طبقًا واحدًا)) أي:
لا يطبق أي ينعطف ولا ينحني.
وفي رواية أخرى: ((تصير ظهورهم طبقًا واحدًا كأن فيها
السفافيد))(٣)، وهذا استدل به من أجاز تكليف ما لا يطاق وهو
مذهب الأشعرية. قالوا: جائز في حكم الله تعالى أن يكلف عباده
ما لا يطيقون، واحتجوا على ذلك بأن الله تعالى قد كلف أبا لهب
بالإيمان، مع إعلامه له أنه لا يؤمن وأنه يموت على الكفر الذي له
سيصلى نارا ذات لهب، ومنع الفقهاء من ذلك، وقالوا: لا يجوز أن
يكلف الله عباده ما لا يطيقون، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ
اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قالوا: وهذا خبر لا يجوز أن يقع
بخلاف مخبره.
(١) ورد بهامش الأصل: سقط من هنا. ولعله كان يقصد أن عزير وعيسى اشتركا في أن
كلا منهما أدعى قومه أنه ابن الله.
(٢) من هامش الأصل.
(٣) رواه الطبراني ٩/ ٣٥٤ (٩٧٦١)، والحاكم ٤٩٦/٤ -٤٩٨، ٥٩٨-٥٩٩.
كلاهما من طريق سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الزعراء، عن
ابن مسعود، به موقوفًا. وصححه الحاكم على شرط الشيخين، وتعقبه الذهبي
بأنهما لم يحتجا بأبي الزعراء.
وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٣٣٠/١٠: رواه الطبراني، وهو موقوف مخالف
للحديث الصحيح، وقول النبي ◌ُّ: ((أنا أول شافع)).

٣٤٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقالوا: ليس في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] حجة
لمن خالفنا؛ لأنهم إنما يدعون له تبكيتًا لهم إذ أدخلوا أنفسهم
(بزعمهم)(١) في جملة المؤمنين الساجدين في الدنيا، وعلم الله منهم
الرياء في سجودهم فدعو في الآخرة إلى السجود، كما دعي المؤمنون
المحقون فتعذر السجود عليهم، وعادت ظهورهم طبقًا واحدًا، فأظهر
الله عليهم نفاقهم، فأخبرهم وأوقع الحجة عليهم، فلا حجة في مثل
هُذِهِ الآية لهم، ومثل هذِه من التبكيت قوله تعالى للكفار: ﴿أَرْجِعُواْ
وَرَآءَكُمْ فَالْتَمِسُواْ نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ﴾ [الحديد: ١٣] ليس في هذا شيء من
تكليف ما لا يطاق، وإنما هو خزي وتوبيخ، ومثله قوله العملية: ((من
كذب في حلمه كلف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين وليس بعاقد
بينهما))(٢)، فهذِه عقوبة وليس من تكليف ما لا يطاق، قلت:
والمختار إذا قلنا أنه جائز أنه غير واقع.
فصل :
قوله: ((فيقال لهم: ما يحبسكم وقد ذهب الناس؟، فيقولون:
فارقناهم ونحن أحوج منا إليه اليوم)). [لا يخرج](٣) معناه: إلا أن
يكون بمعنى: محتاجين.
وهذا موجود في القرآن، قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ
سَبِيلِهٌِ﴾ [النحل: ١٢٥] بمعنى: عالم. فيسقط هذا التأويل شيئًا من تقدير
الكلام.
(١) من (ص١).
(٢) سبق برقم (٧٠٤٢) كتاب: التعبير، باب: من كذب في حلمه. بلفظ ((من تحلم
بحلم لم يره .. )).
(٣) ليست بالأصول، وأثبتناها من ((شرح ابن بطال)) وبدونها لا يستقيم السياق.

٣٤٣
كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالزَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
ومعناه: ((فارقناهم)) يريد من لم يعبد الله ((ونحن أحوج ما كنا إليه))،
يعنون الله ، نبه عليه ابن بطال (١).
فصل :
قوله: ( ((ثم يؤتى بالجسر)) ). هو بفتح الجيم وكسرها، حكاهما ابن
(٢)
السكيت والجوهري
وقوله: ( ((مدحضة))) أي: (مزلقة)، وقال الداودي: مائلة، واقتصر
ابن بطال على الأول(٣)، فقال: يقال: دحضت رجله دحضًا: زلقت.
والدحض ما يكون عنه الزلق، ودحضت الشمس عن كبد السماء:
زالت. ودحضت حجتهم: بطلت.
((مزلة)) أي: تزل فيها لزلقها وميلها، وعبارة ابن بطال: المزلة:
موضع الزلل، زلت الأقدام: سقطت.
وقال الجوهري: زلقت بكسر اللام وفتحها لمكان الدحض(٤)، وهو
موضع الزلل يقال: زل، إذا زل في طين أو مطر.
قال ابن التين: رويناه بكسر الزاي، وذكر عن الخليل أنها بالكسر:
المكان الدحض، وبالفتح: الزلل فيه والدحض(٥).
وقوله: ((مفلطحة لها شوكة عقيفاء)). المفلطح: كل شيء عريض.
قال الأصمعي: واسعة الأعلى دقيقة الأسفل.
((شرح ابن بطال)) ١٠ / ٤٦٧.
(١)
(٢)
((الصحاح)) ٢/ ٦١٣.
((شرح ابن بطال)) ١٠ / ٤٧٠.
(٣)
((الصحاح)) ٤ / ١٤٩١.
(٤)
(٥) ((العين)) ٣٤٩/٧.

٣٤٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقال ابن دريد: (فلطحت)(١) العود إذا بريته ثم عرضته، وفطح
الأنف بكسر الطاء فطحًا: لصق بالوجه، والبقر كلها فطح وخنس.
وقال الداودي: معنى ((مفلطحة)): بعود(٢).
وقوله: ((عقيفاء)). هو بقاف أولا ثم فاء، أي: مفتوحة(٣) يقال:
عقفت الشيء فانعقف أي: عطفته فانعطف، والتعقيف: التعويج،
وأعرابي أعقف. أي: جاف.
فصل :
وقوله: ( ((المؤمن عليها كالطرف وكالبرق وكالريح وكأجاويد الخيل
والركاب)). الطرف -بفتح الطاء -: تحريك الجفون في النظر، وبكسرها
الطرف: الكريم (من الخيل) (٤)، وهو نعت للذكر خاصة. وقال
الداودي: يعني كالنظرة (حين)(٥) تبلغ تكون خطوة. والأجاويد: قال
الجوهري: جاد الفرس فهو جواد: صار رائعًا، للذكر والأنثى، من
خيل جياد وأجاويد قال: والأجياد: جبل بمكة، سمي بذلك لموضعٍ
خيلٍ تبعٍ، وسمي فيعقعان(٦) لموضع سلاحه(٧).
والركاب: الإبل التي يسار عليها، الواحدة راحلة ولا واحد من
لفظها، والجمع: ركب مثل: كتب.
(١) كذا بالأصل، والذي في مطبوع ((الجمهرة)) و((شرح ابن بطال)) فطحت. بدون لام.
(٢) كذا بالأصول.
(٣) ورد بهامش الأصل: لا تحتاج إلى تقييدها بالفتح؛ لأن بعدها ألفًا.
(٤) من هامش الأصل، كتب: سقط: من الخيل.
(٥) كذا بالأصول، ولعل الأفصح: حیث.
(٦) كذا بالأصل، وفي ((الصحاح)): قُعَيْقِعَان.
(٧) ((الصحاح)) ٢/ ٤٦١.

٣٤٥
كِتَابُ التّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
=
وقوله: ( ((وناج مخدوش ومكدوس في نار جهنم)) ) مخدوش أي:
أصابه خدوش، ومكدوس، لعله يرید: جمعت يداه ورجلاه، والتكردس :
الانقباض وجمع بعضه إلى بعض، والكردسة: مشي المقيد. ذكره
الجوهري أجمع(١). وقال الداودي: مكردس أي: ملقى فيها.
وقوله: ( ((حتى يمر آخرهم يسحب سحبا))): قال الداودي: فيه
تقديم وتأخير؛ لأن الذي يسحب: يُجر.
وقال الخطابي: المكردس: المدفوع في جهنم، يقال : مكردس
على رأسه إذا دُفع من ورائه فسقط، والتكدس في سير الدواب أي:
ركب بعضها على بعض (٢). وعليه أقتصر ابن بطال عن حكاية صاحب
(العين)) بزيادة: والتكدس: ما يجمع من طعام وغيره(٣).
فصل :
وقوله: ( ((فما أنتم بأشد لي))). إلى آخره، قال الداودي: هذا يرد
قول من قال: إن الله لو شاء لعذب العباد جميعًا؛ لأنه رب غير مربوب،
وآمر غير مأمور، قال: والله أعدل وأكرم مما أجاز هذا القائل أن يكون
من صفاته، والرب أحق بالفضل والكرم.
فإن قالوا: لأنه يقول: ﴿لَا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ
٢٣
[الأنبياء: ٢٣]، وذهبوا إلى أن الله لا يسأله أحد من خلقه عن فعله،
وليس الأمر على ما ذهب إليه، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسِ
تُحَدِلُ عَن نَّفْسِهَا﴾ [النحل: ١١٦]، وقال حكاية عن الملائكة: قالوا:
(١) ((الصحاح)) ٣/ ٩٧٠-٩٧١ (كردس).
(٢) ((أعلام الحديث)) ٤/ ٢٣٥٧.
(٣) ((شرح ابن بطال)) ١٠/ ٤٧٠.

٣٤٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ﴾ [البقرة: ٣٠]، وقال حكاية عن
موسى: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَآءُ مِنًَّ﴾ [الأعراف: ١٥٥]. ولو كان قوله:
﴿لَا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ خبرًا ما وجد خلافه؛ لأن الله تعالى أصدق قائل،
ولو كان نهيًا ما كان ما وقع من كلام الملائكة والأنبياء والمؤمنين في
المعاد، ومنه قول أبي سعيد الخدري : اقرءوا إن شئتم ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا
يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ هذا كلامه.
وهو خلاف قول أهل السنة؛ لأن الله تعالى هو خالق العباد
وملكهم، يفعل ما يشاء، يعذب الطائع وينعم العاصي، هذا جائز في
حقه، وأما من باب ما يتفضل به وأخبر أنه يعذب العاصي وينعم على
الطائع فقوله الحق ووعده لا يخيب.
فصل :
(قوله)(١) ( ((فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون)) )، فيه حجة لأهل
السنة في إثباتهم الشفاعة - لا حرمناها- وقد سلف إيضاحه.
قال الداودي: يحتمل أن يكون النبي إذا دعا وشفع يشفع معه
الملائكة والنبيون والمؤمنون، فتؤمر الملائكة أن يخرجوا إليهم من
يخرجون كما يأمر الجبار أن يخرجوا ثم من يخرجوا من أراد الله
نجاته .
وقوله: ( ((فيقول الجبار: بقيت شفاعتي)) ) خرج على معنى المطابقة
لمن تقدمه من الشفاعات؛ لأن الله تعالى يخرجهم تفضلًا منه من غير أن
یشفع إلى أحد.
(١) من (ص).

٣٤٧
كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
وقوله: ( ((فيخرجون كأنهم اللؤلؤ، فيجعل في رقابهم الخواتيم
فيدخلون الجنة، فيقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الرحمن، أدخلهم
الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه)) ).
جاء في بعض الأخبار أنها تنزع فلا يبقى معهم شيء يكرهونه،
ويحتمل أن يريد بقوله: ((هؤلاء عتقاء الرحمن)) من في قلبه أقل من
ذرة من إيمان -وهو اليقين- لأن الجنة محرمة على من كفر.
فصل :
قوله: في حديث أنس : ( ((وأسجد لك ملائكته))). قال
الداودي: يحتمل أن يأمرهم الله بالسجود إذ خلق آدم، ويكون ذلك
أيضًا معنى قوله في يوسف الثَّئة: ﴿وَخَرُواْ لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف: ١٠٠] أن
يكونوا سجدوا لله شكرًا على ما أولاهم وجمعهم.
وقول آدم: ((ولكن أنتوا نوحًا أول نبي بعثه الله إلى أهل الأرض)).
قال الداودي: واختلف في أمره، جاء في بعض الخبر أنه أول
مرسل، وجاء أنه رسول غير نبي. وقيل: عبد صالح ليس برسول
ولا نبي. وهذا الذي قاله الداودي(١) فيه غير صحيح؛ لأن الرسالة
متضمنة للنبوة؛ فلا يكون الرسول إلا نبيًّا، وكذلك قوله: ((نوح أول
نبي بعثه الله)). هو مثل قوله: أول رسول؛ لأن النبي إذا بعث كان
رسولًا، والنبوة أعم والرسالة أخص، وكل رسول نبي، وليس كل نبي
رسولًا .
(١) جاء في هامش الأصل ما نصه: الذي قاله الداودي مصادم للقرآن والسنن، وكان
ينبغي لشيخنا ألا يذكر هذا الخلاف، ولا ينبغي للداودي أيضا ذكره، وهو شيء
فاسد شاذ لغو مطرح، فلا ينبغي أن تسود به الأوراق. والله أعلم.

٣٤٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
فصل :
وقول إبراهيم عليه أفضل الصلاة والسلام: ( ((ولكن ائتوا موسى،
عبدًا آتاه الله التوارة، وكلمه وقربه نجيًّا)) ) روي عن ابن عباس: أنه أدني
حتى سمع صريف القلم (١) .
وقوله في عيسى: ( ((روح الله وكلمته)) )، هو من قوله تعالى:
﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُوحِنَا﴾ [التحريم: ١٢] نفخ جبريل الروح الأمين في
جيب مريم ثم توصلت النفخة إلى الرحم، وكان منها عيسى الشَّيلا،
قال تعالى له: كن، فكان، فسماه كلمة؛ لأنه كان لقوله: كن.
فصل :
قوله: ( ((فأستأذن على ربي (٢) فيؤذن لي))) يريد: أنه العمليه يستأذن
وهو في الجنة، فنسبت الجنة إلى الله كما قيل في الكعبة: بيت الله،
وسميت دارًا؛ لأنه دورها لأوليائه، ومثله روح الله، على سبيل
التفضيل له على سائر الأرواح، ولا تعلق فيه للمجسمة؛ لأن الله
تعالى ليس في مكان؛ لأن هذِه الإضافة -وهي: ((داره))- لله تعالى
إضافة فعل كسائر ما أضافه إلى نفسه تعالى من أفعاله، ويحتمل أن
يكون راجعًا إلى نيته، تأويله: وأستأذن على ربي وأنا في داره. لقيام
الدليل على استحالة حلوله تعالى في المواضع.
وقوله: ( ((فإذا رأيته وقعت ساجدًا فيدعني ما شاء الله أن يدعني،
فيقول: محمد، أرفع(٣))). ذكر الإسماعيلي أن هذِه السجدة مقدار
(١) رواه ابن أبي شيبة ٣٣٨/٦ (٣١٨٣٦)، والحاكم ٣٧٣/٢، وقال: صحيح
الإسناد، ولم يخرجاه.
(٢) بعدها في الحديث ((في داره)) وأسقطها المؤلف، على الرغم من أنه تكلم على تأويلها.
(٣) ورد في الأصل بعدها: رأسك، وفوقها: (لا. إلى).

٣٤٩
كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
=
جمعة من جمع الدنيا، والمقام المحمود، قيل: هذا. وقيل: أن يكون
النبي أقرب من جبريل، وفي الأصول: قال قتادة: سمعته. يعني أنسًا:
(حتى ما يبقى في النار إلا من حبسه القرآن)) أي: وجب عليه الخلود،
قال: ثم تلا هُذِه الآية: ﴿عَسَ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ قال: وهذا
المقام المحمود الذي وُعِدَه نبيكم .
فصل :
وقوله في حديث أنس : ( («فإني على الحوض)) ) فيه: إثبات
حوضه الكريم خلافًا لمنكريه من المعتزلة وغيرهم ممن يدفع أخبار
الآحاد، وجمهور الأمة على خلافهم يؤمنون بالحوض على ما ثبت
في السنن الصحاح.
فصل :
والتهجد في حديث ابن عباس سلف الكلام عليه في موضعه،
وحاصل ما فيه ثلاثة أقوال: السهر، الصلاة ليلًا، الإيقاظ من النوم،
وهو ظاهر الحديث.
فصل :
قد أسلفنا الكلام أيضًا على القيوم، ويروى عن ابن عباس أنه الذي
لا يموت(١). وقرأ علقمة: القيم، فهذا مع ما ذكره البخاري في الأصل
ثلاث قراءات، قال ابن كيسان: القيوم: فيعول من القيام، وليس
بفعول؛ لأنه ليس في الكلام فعول من ذوات الواو، وأصل القيوم
عند البصريين: قيوم. وقال الكوفيون: قويم. وقال ابن كيسان: لو
كان ذا في الأصل ما جاز التغيير، كما لا يجوز في طويل وسويق.
(١) عزاه السيوطي في ((الدر المنثور)) ١/ ٥٧٥ إلى الطبراني في ((السنة)).

٣٥٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
فصل :
الترجمان الذي في حديث عدي بن حاتم عه بفتح التاء وضمها،
والجمع تراجم، وهو: الذي يفسر الكلام بلسان آخر، وفيه إثبات
الرؤية له تعالى وإثبات كلامه لعباده ورفع الحجاب بينه تعالى وبين
خلقه، وهو تجليه لهم، وليس ذلك بمعنى الظهور والخروج من
سواتر وحجب حائلة بينه وبين عباده؛ لأن ذاك من أوصاف الأجسام،
وهو مستحيل على الله تعالى، وإنما رفع الحجاب بمعنى: إزالته
الآفات عن أبصار خلقه المانعة لهم من رؤيته، فيرونه لارتفاعها عنهم
بخلق ضدها فيهم، وهي الرؤية، بخلاف هذا وصف الله تعالى
الكفار، فقال: ﴿كَلَّ إِنَّهُمْ عَن رَّتِهِمْ يَوْمَيِذٍ لََّحْبُوبُونَ ﴾﴾ [المطففين: ١٥]،
فالحجاب هنا الآلة المانعة لهم من رؤيته التي لو فعل تعالى ضدها
فيهم لرأوه، وهي التي فعل في المؤمنين(١).
فصل :
قوله في حديث أبي موسى : ( ((وما بين القوم وبين أن ينظروا
إلى ربهم إلا رداء الكبر على وجهه في جنة عدن)) ) لا تعلق فيه
للمجسمة في إثبات الجسم والمكان لما تقدم من استحالة كونه جسمًا
أو حالًّا في مكان، فوجب أن يكون تأويل الرداء مصروفًا إلى أن
المراد به (الآلة)(٢) المانعة من رؤيته تعالى الموجودة بأبصارهم،
وذلك فعل من أفعاله تعالى يفعله في محل رؤيتهم له بدلًا من فعله
(١) هذا من تأويلات الأشاعرة وكذلك ما سيأتي بعده، وراجع التعليق المتقدم ص
١٨٥-١٨٨، ٢١٩-٢٢١.
(٢) في (ص١) و((شرح ابن بطال)) (الآفة).

٣٥١
كِتَابُ التّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
=
الرؤية، فلا يرونه ما دام ذلك المانع (المسمى رداءً موجودًا بمحل
رؤيتهم له، فإذا (فعل) (١) الرؤية انتفى ذلك المانع)(٢) لهم من رؤيته،
وسماه رداء مجازًا واتساعًا إذ منزلته في المنع من رؤيته منزلة الرداء،
وسائر ما يحتجب به، والله تعالى لا تليق به الحجب والأستار إذ
ذلك من صفات الأجسام.
وقوله: ((على وجهه)) المراد به أن الآفة المانعة لهم من رؤية وجهه
تعالى الذي هو صفة من صفات ذاته كأنها على وجهه؛ لكونها في
أبصارهم ومانعة لهم من رؤيته فعبر عن هذا المعنى بهذا اللفظ،
والمراد به غير ظاهره إذ يستحيل كون وجهه محجوبًا برداء أو غيره
من الحجب إذ ذاك من صفات الأجسام.
وقوله: ((في جنة عدن)) ليس بمكان له تعالى، وإنما هو راجع إلى
القوم، كأنه قال: وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم وهم في
جنة عدن إلا المانع -المخلوق في محل رؤيتهم له- من رؤيته،
فلا حجة لهم فيه.
فصل :
معنى استدارة الزمان في حديث أبي بكرة : استدارة الحج إلى أن
صار في ذي الحجة وكانوا حملوه، فجعلوا يحجون (عامين)(٣) في ذي
القعدة وعامين في ذي الحجة، كذا ذكر الداودي، وذكر عن بكر أنهم
نقلوا الحج إلى سائر أشهر السنة.
(١) من ((شرح ابن بطال)) والذي في (ص١): رفع.
(٢) من (ص١).
(٣) من (ص١).

٣٥٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقيل: أراد هيئته في تحريم المحرم عاد كهيئته، وذلك أنهم كانوا
يؤخرونه إلى صفر؛ لأنه كان يشق عليهم توالي ثلاثة أشهر حرم،
فيؤخرون المحرم إلى صفر ويحلون المحرم.
وقوله فيه: ( ((رجب مضر الذي بين جمادى وشعبان)) هو تأكيد له
وبيان، يريد أنه غيِّر، تنقل رجبًا إلى غيره من الشهور، وإن لم يكن
تنقله مضر نقلته ربيعة إلى رمضان فجعلوا رمضان رجبًا، وكانت مضر
تعظمه دون غيرها، والغرض المذكور فيه، قال الداودي: يقع على
السنين والآباد على ما يصاب به الإنسان في جسده، وما يصاب من
الكلام.
١٠١

٣٥٣
كِتَابُ التّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
-
٢٥- باب مَا جَاءَ في قَوْلِ اللَّهِ رَّ:
﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]
٧٤٤٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، عَنْ أَبِي
عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ قَالَ: كَانَ ابنِ لِبَعْضِ بَنَاتِ النَّبِيِّ نَّهَ يَقْضِي، فَأَزْسَلَتْ إِلَيْهِ أَنْ
يَأْتِيَهَا، فَأَرْسَلَ: ((إنَّ اللهَ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ إِلَى أَجَلِ مُسَمَّى، فَلْتَصْبِرْ
وَلْتَحْتَسِبْ)). فَأَزْسَلَتْ إِلَيْهِ، فَأَقْسَمَتْ عَلَيْهِ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ بَلهِ، وَقُمْتُ مَعَهُ، وَمُعَاذُ
ابْنُ جَبَلٍ، وَأُبَى بْنُ كَعْبٍ، وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، فَلَمَّا دَخَلْنَا نَاوَلُوا رَسُولَ اللهِ
الصَّبِيَّ وَنَفْسُهُ تُقَلْقَلُ فِي صَدْرِهِ - حَسِبْتُهُ قَالَ: كَأَنَّهَا شَنَّةٌ - فَبَكَى رَسُولُ اللهِ
صَلىالله
فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: أَتَبْكِي؟ فَقَالَ: ((إِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ)). [انظر:
١٢٨٤ - مسلم: ٩٢٣ - فتح: ١٣ / ٤٣٤].
٧٤٤٩- حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِنْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ
صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ الأَغْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بَ قَالَ: ((اخْتَصَمَتِ
الجَنَّةُ وَالنَّارُ إِلَى رَبِّهِمَا، فَقَالَتِ الجَنَّةُ: يَا رَبِّ، مَا لَهَا لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا ضُعَفَاءُ
النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ. وَقَالَتِ النَّارُ - يَغْنِي :- أُوْثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ. فَقَالَ اللهُ تَعَالَى
لِلْجَنَّةِ أَنْتِ رَحْمَتِي، وَقَالَ لِلنَّارِ: أَنْتِ عَذَابِي، أُصِيبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ، وَلِكُلِّ
وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا - قَالَ :- فَأَمَّا الجَنَّةُ فَإِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا، وَإِنَّهُ
يُنْشِىُّ لِلنَّارِ مَنْ يَشَاءُ، فَيُلْقَوْنَ فِيهَا، فَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ ثَلَاثًا، حَتَّى يَضَعَ
فِيهَا قَدَمَهُ فَتَمْتَلِىُ، وَيُرَدُّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ وَتَقُولُ: قَطْ قَطْ قَطْ)). [انظر: ٤٨٤٩-
مسلم: ٢٨٤٦ - فتح: ١٣ / ٤٣٤].
٧٤٥٠- حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ ﴾، عَنِ
النَّبِيِّ نََّ قَالَ: ((لَيُصِيبَنَّ أَقْوَامًا سَفْعٌ مِنَ النَّارِ بِذُنُوبٍ أَصَابُوهَا عُقُوبَةً، ثُمَّ
يُدْخِلُهُمُ اللهُ الجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ يُقَالُ لَهُمُ الجَهَنَّمِيُّونَ)). وَقَالَ هَمٌَّ حَدَّثَنَا

٣٥٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
قَتَادَةُ حَدَّثَنَا أَنَسْ، عَنِ النَّبِيِّ
. [انظر: ٦٥٥٩ - فتح: ١٣ / ٤٣٤].
وَئِيَّام
ذكر فيه حديث أسامة : ((إِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ)). وقد
سلف(١).
وحديث أبي هريرة # في اختصام الجنة والنار، وقد سلف(٢).
وحديث أنس أن النَّبِيَّ نَِّ قَالَ: ((لَيُصِيبَنَّ أَقْوَامًا سَفْعٌ مِنَ النَّارِ
بِذُنُوبِ أَصَابُوهَا عُقُوبَةً، ثُمَّ يُدْخِلُهُمُ اللهُ الجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ يُقَالُ لَهُمُ
الجَهَنَّمِيُّونَ)).
وَقَالَ هَمَّامٌ: عن قَتَادَةَ، ثَنَا أَنَسٌ عَتِهِ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ.
الشرح: إنما أتى بمتابعة همام؛ لتصريح قتادة فيه بالتحديث،
وقال: ﴿قَرِيبٌ﴾، ولم يقل: قريبة لأوجه؛ لأنه أراد بالرحمة الإحسان،
ولأن ما لا يكون تأنيثه حقيقيًّا يجوز تذكيره وتأنيثه، وقال الفراء: إذا
كان القريب في معنى المسافة يذكر ويؤنث، وإن كان في معنى
النسب فيؤنث، فلا اختلاف إذًا .
وفي بعض الأخبار أنه قال: ((يا رب، إذا كان رحمتك قريب من
المحسنين فمن العاصين؟ قال: أنا بنفسي تبارك وتعالى)).
والرحمة قسمان: صفة ذات، وصفة فعل:
فالأول: يرجع بها إلى إرادته إثابة المحسنين كما قلنا، وإرادته به
صفة ذاته، ومثله قوله العليها: ((إنما يرحم الله من عباده الرحماء)) معناه:
إنما يريد إثابة الرحماء لعباده من خلقه، ويحتمل أن تكون صفة فعل،
فالمعنى: إن نعمة الله على عباده ورزقه لهم بنزول المطر وشبهه قريب
(١) سبق برقم (١٢٨٤)، كتاب: الجنائز، باب: يعذب الميت ببكاء أهله عليه.
(٢) سبق برقم (٤٨٤٩)، كتاب: التفسير، باب: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ نَّزِيدٍ﴾.

٣٥٥
كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالزَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
=
من المحسنين، فسمى ذلك رحمة له؛ لكونه بقدرته وعن إرادته مجازًا
واتساعًا؛ لأن من عادة العرب تسمية الشيء باسم مسببه وما يتعلق به
ضربًا من التعلق، وعلى هذا سمى الله الجنة رحمة (فقال)(١): أنت
رحمتي، فسماها مع كونها رحمة، إذ كانت حادثة بقدرته وإرادته
تنعيم الطائعين من عباده(٢).
فصل :
واختصام الجنة والنار يجوز أن يكون حقيقة وأن يكون مجازًا،
كما قال المهلب بأن يخلق الله فيها حياة وفهما؛ لقيام الدليل على
كونه تعالى قادرًا على ذلك، أو على ما تقول العرب من نسبة الأفعال
إلى ما لا يجوز وقوعها منه في تلك الحال، كقوله: امتلأ الحوض
وقال: قطني، فالحوض لا يقول، وإنما ذلك عبارة عن امتلائه، أو أنه
لو كان ممن يقول لقال ذلك، وقولهم: قالت الضفدع، وعلى هذين
التأويلين يُحمل قوله تعالى: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِن ◌َّزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠] واختصامهما
هو افتخار بعضهما على بعض ممن يسكنهما، فالنار تتكبر بمن ألقي
فيها من المتكبرين وتظن أنها أبر بذلك عند الله من الجنة، وفي
أصول البخاري: ((وقالت النار)) ولم يذكر القول، وزيد في بعض
النسخ: ((أوثرت بالمتكبرين)) فادعى ابن بطال أنه سقط قول النار من
هذا الحديث في جميع النسخ، وهو محفوظ(٣).
((وقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين)) رواه ابن وهب عن
(١) من (ص١)، وهي في الأصل: قالت. ولعل الصواب ما أثبتناه.
(٢) تقدم القول في إثبات صفة الرحمة لله من، وانظر التعليق ص ١٨٦، ١٩١.
(٣) ((شرح ابن بطال)) ١٠/ ٤٧٢.

٣٥٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة له من رواية
الدارقطني. وتظن الجنة ضد ذلك؛ لقولها: ((ما لي لا يدخلني
إلا ضعفاء الناس وسقطهم)). فكأنما أشفقت من إيضاع (المسألة)(١)
عند الرب تعالى، فحكم (تعالى للجنة)(٢) بأنها رحمة لا يسكنها
إلا الرحماء من عباده، وحكم للنار بأنها عذابه يصيب بها من يشاء
من المتكبرين، وأنه ليس لإحداهما فضل من طريق من يسكنها الله من
خلقه، إذ هما اللتان للرحمة والعذاب، ولكن قد قضي لهما بالملء
من خلقه .
فصل :
قوله: ( ((وينشئ للنار خلقًا)) ) يريد: من قدمنا أن يلقى فيها ممن قد
سبق له الشقاء ممن عصاه أو كفر به، قاله المهلب. وقال غيره: ينشئ الله
لها خلقًا لم يكن في الدنيا، قال: وفيه حجة لأهل السنة في قولهم: إن
لله أن يعذب من يشاء، على من يقول: إن الله تعالى لو عذب من لم
يكلفه (لكان)(٣) ظالمًا - حاشاه- وهذا الحديث حجة عليهم.
قال أبو الحسن: لا أعلم في شيء من الأحاديث أنه ينشئ للنار
إلا في هذا الحديث، والمعروف أنه للجنة، ويضع قدمه في جهنم.
فصل :
وقوله: ( ((حتى يضع فيها قدمه)) )، قد سلف قريبًا بسط القول فيه.
(١) كذا بالأصل، وفي ((شرح ابن بطال)): المنزلة.
(٢) من (ص١).
(٣) كذا في (ص١) وفي ((شرح ابن بطال). ووقع في الأصل (لم يكن) ولا يناسب
السياق.

٣٥٧
كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
=
فصل :
قوله في حديث أسامة: (ونفسه تقلقل). أي: بصوت وتتحرك
وتضطرب، يقال: قلقله قلقالًا. إذا كسَّرته كان مصدرًا، وإذا فتحته
كان اسمًا مثل: الزلزال. والشَّنَّة بالفتح: القربة الخَلِقِ، وكأنها
صغيرة، ذكره في ((الصحاح))(١).
فصل :
فيه: أنهما مخلوقتان، وأنهما ينفعلان، وأن الأشياء توصف
بالأكثر؛ لأن الجنة قد يدخلها من ليس بضعيف، ويدخل النار من
ضعفاء الأمم من شاء دخوله، والسقط: الفقراء. قاله الداودي. وفي
((الصحاح)): الساقط والساقطة: اللئيم في حسبه ونفسه(٢)، ولعله
إنما مثل به في الحديث على ما عهدوه أن اللئيم ليس بجبار، وإنما هو
ضعيف مسكين .
فصل :
اختلف في معنى قول النار: ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾، فقيل: هو سؤال
للزيادة، وهو معنى الحديث، وقيل: إنما تقول: هل فيّ مزيد؟
والسفع: السواد. قاله الداودي، وفي ((الصحاح)): سفعته النار
والسَّموم إذا لفحته لفحًا يسيرًا فغيرت لون البشرة(٣).
(١) (الصحاح)) ٢١٤٦/٥.
(٢) ((الصحاح)) ١١٣٢/٣.
(٣) ((الصحاح)) ١٢٣٠/٣.

٣٥٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
٢٦- باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾
[فاطر: ٤١]
٧٤٥١ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الأَغْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ،
عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: جَاءَ حَبْرٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ نَّهِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللهَ يَضَعُ السَّمَاءَ
عَلَى إِصْبَعٍ، وَالأَرَضَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْجِبَالَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ وَالأَنْهَارَ عَلَى
إِضْبَعٍ، وَسَائِرَ الَخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَقُولُ بِيَدِهِ: أَنَا اَلِكُ. فَضَحِكَ رَسُولُ اللهُِّ
وَقَالَ: ((﴿وَمَا قَدَرُواْ اُللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِةٍ﴾ [الأنعام: ٩١])). [انظر: ٤٨١١- مسلم: ٢٧٨٦ - فتح:
١٣/ ٤٣٨] .
ذكر فيه حديث علقمة عن عبد الله عنه قال: جَاءَ حَبْرٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ
وَّ. الحديث سلف قريبًا في باب قول الله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىٌّ﴾(١)
[صّ: ٧٥]، والحبر بفتح الحاء وقيل بكسرها.
قال ابن التين: هو ما رويناه. فإن قلت: فما وجه هذا الحديث هنا
مع الآية، فإن ظاهرها وعمومها يقتضي أن السماوات والأرض ممسكة
بغير آلة يعتمد عليها، [وقد ذكر] (٢) الحبر أن الله يمسك السماوات على
أصبع، والأرض على أصبع، فدل أن حديث الحبر وتفسيره للإمساك
بالأصابع بيان المجمل من الإمساك في الآية؟
قيل: ليس المراد كما توهمت، وتفسير النبي وَل ورده على الحبر،
وقوله: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِةٍ﴾ [الأنعام: ٩١]. هو رد لما توهم الحبر
من الأصابع، أي: إن الله أجلُّ مما قدرت، وذلك أن اليهود تعتقد
(١) سلف برقم (٧٤١٤)، كتاب: التوحيد، باب: قول الله تعالى ((لما خلقت بيدي))،
مسلم (٢٧٨٦) كتاب: صفة القيامة والجنة والنار.
(٢) ليست بالأصول، وأثبتناها من ((شرح ابن بطال)).

٣٥٩
= ڪِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
التجسيم، فنفى الشارع ذلك عنه بقوله: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾
[الأنعام: ٩١].
فإن قلت: فإن تصديقه للحبر وتعجبه من قوله يدل أنه لم ينكر قوله
كل الإنكار، ولو لم يكن لقوله بذكر الأصابع وجه لأعلن بإبطاله!
فالجواب: أنه لو كانت السماوات وغيرها مفتقرة إلى الأصابع
كانت الأصابع تفتقر إلى أمثالها تعتمد عليها، وأمثال أمثالها إلى
مثلها، ثم كذلك إلى ما لا نهاية له، وهذا فاسد، وقد تقدم قول
الأشعري وابن فورك في أن الأصبع يجوز أن يكون صفة ذات لله
تعالى، ويجوز أن يكون صفة خلق له تعالى من بعض ملائكته(١)،
كلفهم حمل الخلائق وتعبدهم بذلك من غير حاجة إليهم في حملها
بل الباري تعالى ممسكهم وممسك ما يحملونه بقدرته تعالى،
وتصديق هذا التأويل قوله تعالى: ﴿وَيَحْلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَيِّذٍ ثَمَنِيَةٌ﴾.
[الحاقة: ١٧].
(١) كذا مسالك الأشاعرة.

٣٦٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
٢٧ - باب مَا جَاءَ في خلق السَّمَوَاتِ وَالأَرْض
وَغَيْرِهَا مِنَ الخَلَائِقِ
وَهْوَ فِعْلُ الرَّبِّ وَأَمْرُهُ، فَالرَّبُّ تعالىُ بِصِفَاتِهِ وَفِعْلِهِ وَأَمْرِهِ،
وَهْوَ الخَالِقُ المُكَوِّنُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَمَا كَانَ بِفِعْلِهِ وَأَمْرِهِ
وَتَخْلِيقِهِ وَتَكْوِينِهِ، فَهْوَ مَفْعُولٌ مَخْلُوقٌ مُكَوَّنٌ.
٧٤٥٢ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَزْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ
اللهِ بْنِ أَبِي نَمٍِ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: بِتُّ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ لَيْلَةً وَالنَّبِيُّ
ـنهَا الله
عِنْدَهَا؛ لأَنْظُرَ كَيْفَ صَلَاةُ رَسُولِ اللهِ وَ بِاللَّيْلِ، فَتَحَدَّثَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ مَعَ أَهْلِهِ
سَاعَةً ثُمَّ رَقَدَ، فَلَمَّا كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ أَوْ بَغْضُهُ قَعَدَ فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ فَقَرَأَ:
((﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾)) إِلَى قَوْلِهِ: ((﴿لِّأُوْلِىِ الْأَلْبَبِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]))
ثُمَّ قَامَ فَتَوَضَّأَ وَاسْتَنَّ، ثُمَّ صَلَّى إِحْدِى عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ بِالصَّلَاةِ، فَصَلَّى
رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى لِلنَّاسِ الصُّبْحَ. [انظر: ١١٧ - مسلم: ٧٦٣ - فتح: ١٣ / ٤٣٨].
ذكر فيه حديث كريب عن ابن عباس رضي الله عنهما : بِتُّ فِي بَيْتِ
مَيْمُونَةَ لَيْلَةً. الحديث سلف في الصلاة(١).
وموضع الحاجة منه قوله: فنظر إلى السماء، فقرأ: ﴿إِنَّ فِ خَلْقِ
السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤] الآية، غرضه في هذا الباب أن يعرفك أن
السماوات والأرض وما بينهما كل ذلك مخلوق؛ لقيام دلائل الحدث
بها من الآيات الباهرات من أنتظام الحكمة واتصال المعيشة للخلق
فيهما، وقام برهان العقل على أن لا خالق غير الله، وبطل قول من
يقول: إن الطبائع خالقة للعالم وإن الأفلاك السبعة هي الفاعلة، وأن
الظلمة والنور خالقان، وقول من زعم أن العرش هو الخالق.
(١) سلف برقم (١١٩٨).