النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
- كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ ﴾: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ نَرىُ رَبَّنَا يَوْمَ القِيَامَةِ؟
الحديث بطوله بمثله(١)، وزيادة.
خامسها: وَقَالَ حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ: ثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، ثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ
أَنَسِ ◌ّ أَنَّ النَّبِيَّ وَيِّ ... الحديث بطوله في الشفاعة.
وحجاج بن منهال شيخه، فكأنه أخذه عنه مذاكرة، وقد قال
أبو جعفر بن حمدان: إنه عرض ومناولة.
سادسها: حديث أنس ◌َ أَنَّه وَ ل﴿ أَرْسَلَ إِلَى الأَنْصَارِ، فَجَمَعَهُمْ فِي
قُبَّةٍ وَقَالَ لَهُمُ: ((اصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوُا اللهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنِّي عَلَى الحَوْضِ)).
سابعها: حديث سُلَيْمَانَ الأَحْوَلِ - وهو سليمان بن أبي مسلم المكي
خال عبد الله بن أبي نجيح المكي، أتفقا عليه- عَنْ طَاؤُسٍ، عَنِ ابن
عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ نَّهِ إِذَا تَهَجَّدَ مِنَ اللَّيْلِ قَالَ:
((اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ، أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ .. )). الحديث.
وقَالَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ وَأَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ طَاؤُسٍ: ((قَيَّامٌ)). وَقَالَ مُجَاهِدٌ:
القَيُّومُ: القَائِمُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ وقد سلف ذلك في التفسير وَقَرَأَ عُمَرُ:
القَيَّامُ، وَكِلَاهُمَا مَدْخُ.
ثامنها: حديث عَدِيِّ بْنِ حَاتِم ◌ُ مرفوعا: ((مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ
= [قلت: هكذا قال سبط، والذي أراه أوقع المصنف في هذا أن البخاري ساقه أولًا
من حديث أبي هريرة ودخل معه أثناء الحديث أبو سعيد لأنه كان حاضرًا مع أبي
هريرة فهو له ذكر في الحديث. ثم ساقه البخاري من حديث أبي سعيد مفردًا بعده،
وهما بلفظ يكاد يتطابق فكأن المصنف أعتبرهما واحدًا، وإن كان يبقى عليه أن
يفرد الكلام على الإسنادين ويشير لحديث أبي هريرة أولًا ].
(١) أي بمثل حديث أبي هريرة الذي قبله عند البخاري، وأغفل المصنف ذكره كما في
التعليق السابق.

٣٢٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ وَلَا حِجَابٌ يَحْجُبُهُ)).
تاسعها: حديث أبي عمران - واسمه: عبد الملك بن حبيب
الجوني - عن أبي بكر - واسمه: عمرو بن عبد الله بن قيس - عَنْ أَبِيهِ،
عَنِ النَّبِّ وَ لَ قَالَ: ((جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ)) إلى أن قال: ((وَمَا بَيْنَ القَوْمِ
وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الكِبْرِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدٍْ)).
العاشر: حديث أبي وائل عَنْ عَبْدِ اللهِ ضُهُ مرفوعا: ((مَنِ أَقْتَطَعَ مَالَ
آمْرِئٍ مُسْلِم)) إلى قوله ((ولا يكلمه الله))(١).
الحادي عشر: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عُ: (ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلَّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ
القِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ.)) الحديث سلف.
الثاني عشر: حديث ابن أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﴾ - واسم الأول
عبد الرحمن والثاني (٢) نفيع، والأول أول مولود في الإسلام بالبصرة،
يكني أبا بحر. وقيل: أبا حاتم: أتفقا عليه - عَنِ النَّبِيِّ بََّ قَالَ: ((الزَّمَانُ
قَدِ أَسْتَدَارَ .. )) الحديث سلف بطوله، وفيه: ((سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ
أَعْمَالِكُمْ)).
الشرح :
استدل البخاري بالآية، وبأحاديث الباب على أن المؤمنين يرون
ربهم في جنات النعيم، وهو باب اختلف الناس فيه، ومذهب أهل
السنة والجماعة وجمهور الأمة جواز رؤية الله تعالى في الآخرة،
ومنعت من ذلك الخوارج والمعتزلة وبعض المرجئة.
(١) هُذِهِ الفقرة الأخيرة سياقها في الحديث أنها جزء من آيةٍ، وكان الجادة أن تُكتب
﴿وَلَا يُكَلِمُهُمُ اللَّهُ ﴾.
(٢) ورد في هامش الأصل: المراد بالثاني أبو بكرة، والأول ابنه عبد الرحمن.

٣٢٣
كِتَابُ التّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
=
واستدلوا على ذلك بأن الرؤية توجب كون المرئي محدثًا وحالًّا في
مكان، في شُبَه أَخَر، نقض بعضها مغن عن نقض سائرها، وزعموا أن
﴿نَاظِرَةٌ﴾ في الآية بمعنى منتظرة فيقال لهم: هذا جهل بموضع اللغة؛
لأن النظر في كلام العرب ينقسم أربعة أقسام: يكون بمعنى الأنتظار،
و(التفكر)(١) والاعتبار، والتعطف والرحمة، ويكون بمعنى الرؤية
للأبصار، وإن كان النظر له معان أخر.
قال في ((المحكم)): نظر إليه يعني: أهلكه، ونظر إليك: قابلك،
ونظر الشيء: باعه(٢) .
وفي ((جامع القزاز)): نظرت إلى هذا الأمر من نظر القلب مثل نظر
العين و(نظرت)(٣) فرأت.
وخطأ كونه في الآية بالمعنى الأول وهو الانتظار (٤) من وجهين:
أحدهما: أنه عدِّي إلى مفعوله بإلى، وهو إذا كان بمعنى الانتظار
لا يتعدى بها، وإنما يتعدى بنفسه قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا
السَّاعَةَ﴾ [محمد: ١٨] فعداه بنفسه لما كان بمعنى ينتظرون.
قال الشاعر:
فإنكما إن تنظراني ساعة من الدهر تنقضي لديَّ أم جندب
بمعنى: تنتظراني.
(١) في الأصل: التكفر وما أثبتناه من ((ص)).
(٢) ((المحكم)) ١٧/١١-١٨ مادة [نظر]. وفيه: ونَظَرَ إليهم الدَّهرُ: أهلكهم - على
المَثَل- ولستُ منه على ثقة .. ، ونَظَر إليك الجبل: قابلك .. ، ونظر الشيء: باعه
بنظرة.
(٣) في الأصل: نظرات.
(٤) ورد في الأصل في هذا الموضع: وخطأ كونه. ووضعها بين لا إلى.

٣٢٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
ثانيهما: حمله على معنى الانتظار لا يخلو أن يراد به منتظرة ربها
أو ثوابه، وعلى أيهما حمل فهو خطأ؛ (لأن المنتظر لا ينتظره؛ لأنهما في
تنغيص وتكدير)(١) والله قد وصف أهل الجنة بغير ذلك، وأن لهم فيها
ما يشاءون، ويبطل كون النظر فيها بمعنى: الاعتبار والتفكر؛ لأن
الآخرة ليست بدار اعتبار وتفكر؛ إذ ليست بدار محنة وعبادة، وإن
ذاته تعالى ليست مما يعتبر بها، فبطل قولهم، ويبطل كونها فيها
بمعنى التعطف والرحمة؛ لأن ذاته (تعالى ليست)(٢) مما يتعطف
عليها ويترحم.
وإذا بطلت هذه الأقسام الثلاثة صح الرابع، وهو النظر بمعنى:
الرؤية بالأبصار له تعالى، وهو ما ذهب إليه جمهور (المتكلمين)(٣)
قبل حدوث القائلين بهذِه الضلالة، وشهدت له السنن الثابتة من
الطرق المختلفة، وما احتج به من نفاها من أنه يوجب كون المرئي
محدثًا فهو فاسد؛ لقيام الدلائل الواضحة على أن الله موجود، وأن
الرؤية بمنزلتها في تعلقها بالمرئي منزلة العلم في (تعلقه) (٤) بالمعلوم،
فكما أن العلم المتعلق بالموجود لا يختص بموجود دون موجود
ولا يوجب تعلقه به حدثه، كذلك الرؤية في تعلقها بالمرئي لا توجب
حدثه، واحتج نفاتها أيضًا بقوله: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ﴾ [الأنعام:
(١) كذا العبارة بالأصول وهي غير بليغة - إن أُدرك منها معنى- ووقع في ((شرح ابن
بطال)) (لأن المنتظر لما ينتظره في تنغيص وتكدير) وهو أنسب بل هو الصواب،
والله أعلم.
(٢) من (ص١).
(٣) كذا بالأصول، ووقع في ((شرح ابن بطال)): المسلمين. ولعله أوجه.
(٤) في الأصل: تعلقها.

٣٢٥
= كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
١٠٣]، وبقوله لموسى: ﴿لَنْ تَرَنِ﴾ [الأعراف: ١٤٣] في جواب سؤاله
الرؤية، وهذا لا تعلق لهم فيه؛ لأن قوله تعالى: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ
اُلْأَبْصَرُ﴾، وقوله: ﴿لَنْ تَرَكِ﴾ لفظ عام والآية خاصة تقضي على
العام وتبينه، فمعنى: ﴿لَّ تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ﴾ في الدنيا؛ لأنه تعالى
قد أشار على أن المراد بالآية: الآخرة بقوله: ﴿يَوْمَيِدٍ﴾، وكذلك
يكون معنى قوله لموسى: ﴿لَنْ تَرَئِ﴾ في الدنيا؛ لأنه قد ثبت أن نفي
الشيء لا يقتضي إحالته، بل قد يتناول المستحيل وجوده والجائز(١)
وجوده، فلا تعلق لهم بالآيتين، فشهد لصحة الرؤية لله من الأحاديث
الثابتة التي تلقاها المسلمون بالقبول من عصر الصحابة والتابعين إلى
وقت حدوث المارقين المنكرين لها. وقال ابن التين: هي إما متواترة
المعنى أو اشتهرت ولم ينكرها أحد من الصحابة، ولا دفعها بحجة
نقل ولا سمع، ولا دليل على عدم صحتها .
فصل :
فإن قلت: (آلى في الآية هي واحدة الآلاء، لا حرف جر)(٢).
يقال: ليس هذا معروفًا ولو عرف لم يكن مرادًا؛ لأنه ذكر المراد:
النظر، وأضافه إلى الوجه، فإن استدل بقول الأعشى:
أبيض لا يرهب الهزال ولا يقطع (جاء ولا يجوز إلا)(٣)
قيل: معنى البيت: (ولا يجوز إلا. مخفف، والإل: العهد،
وحماية العهد أولى من حماية النعمة. ولو كان بمعنى الانتظار لكان
(١) في (ص١): الحائل.
(٢) من (ص١)، ووقع بالأصل (﴿إِلَى﴾ في الآية (إلا لا) لا حرف جر) ولا وجه له.
(٣) كذا بالأصل، وفي ((ديوان الأعشى)) ص١٧١: رحما ولا يخون إلا. وعليه يكون
سياق الكلام بعدُ: قيل معنى البيت: ولا بخون إلا.

٣٢٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
تنغيصًا وتنكيدًا للمنتظرين، وعلى هذا قال الأشعري: أهل الجنة
لا ينتظرون نعمة وهم في أخرى، بل كلما خطر ببالهم شيء أُتُوا به
من غير انتظار.
فإن قلت: إذا جعلتم النظر في الآية نظر عين؛ لأضافته إلى الوجوه،
فاجعلوا الوجوه نظرًا أيضًا بإضافة النظر إليها. قيل لهم: لا يمتنع أن
يكون بعض الآية حقيقة وبعضها مجازًا، وأن يكون أضاف النظر إلى
الوجوه، والمراد به أصحابها، ويجوز أيضًا أن يكون نظر الوجوه
على الحقيقة ويخلق فيها النظر؛ لأن ذلك وقت خرق العادات. ومن
الناس من قال: إنما خوطب بالظن النبي وَلّ فقال: تظن يا محمد أن
يفعل بها فاقرة. حكاه ابن التين، فإن قلت: كيف يُرى من ليس
بجسم ولا عرض ولا جوهر؟ قيل: مما تعلم ما ليس بجسم ولا عرض
ولا جوهر(١). وقد سلف.
فصل :
قوله: ( ((ليلة البدر))) قال الجوهري: (سمي)(٢) بدر لمبادرته
الشمس بالطلوع، كأنه تعجلها المغيب، قال: ويقال: سمي لتمامه(٣).
وقوله: ((كما ترون هذا القمر)). لم يقصد به إلا تشبيه الرؤية بالرؤية
لا لشبه المرئي بالمرئي ( (وتضامون)) ) قد سلف الخلف فيه هل هو
بالتشديد أو التخفيف؟ قال ابن التين: ورويناه بفتح التاء والتشديد في
أول الباب وبعده بضمها والتخفيف.
(١) هُذِه المصطلحات ليست من عبارات السلف، وإنما نقلها المتكلمون عن
الفلاسفة، وهجرها هو السبيل القويم. وانظر التعليق المتقدم ص ١٧٨ .
(٢) من (ص١).
(٣) (الصحاح)) ٥٨٦/٢-٥٨٧.

٣٢٧
= ڪِتَابُ التَّوحِيدِ وَالزَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
قال الشيخ أبو الحسن: إذا فتحت التاء فالضاد والميم مشددتان وإذا
ضممتها خففتهما، فمعنى التشديد مأخوذ من الازدحام، أي: لا ينضم
بعضكم إلى بعض كما تنضمون في رؤية الهلال (رأس)(١) الشهر؛ لخفائه
ورقته، ومن خفف فالمعنى عنده على نفي الضيم، وأصله: تضيمون،
فألقيت حركة الياء على الضاد، فقلبت ألفًا؛ لانفتاح ما قبلها .
فصل :
تأولت المعتزلة هذا الخبر على أن معناه رؤية العلم، وأن المؤمنين
يعرفون الله يوم القيامة ضرورة، وهذا خطأ؛ لأن الرؤية بمعنى العلم
تتعدى إلى مفعولين؛ كقولك: رأيت زيدًا فقيهًا، أي: علمته كذلك.
فإذا قال: رأيت زيدًا منطلقًا. لم يفهم منه إلا رؤية البصر، وتحقق
ذلك لشبهه برؤية البدر.
ورواية جرير ((عيانًا)) ترفع الإشكال؛ لأن الرؤية إذا قرنها بالعيان لم
تحتمل العلم، ويبينه أنه الطَّيْئا بشر المؤمنين بذلك، وذلك يوجب أن يكون
معنى يختصون به، وأما العلم بالله فمشترك بين المؤمنين والكافرين.
فصل :
حاصل اختلاف الناس في رؤية الله يوم القيامة أربعة أقوال:
قال أهل الحق: يراه المؤمنون يوم القيامة دون الكفار. وقالت
المعتزلة والجهمية: هي ممتنعة، لا يراه مؤمن ولا كافر. وقال ابن
سالم البصري: يراه الجميع: الكافر والمؤمن. وقال صاحب كتاب
((التوحيد)): من الكفار من يراه رؤية أمتحان ولا يجدون فيها لذة،
كما يكلمهم بالطرد والإبعاد، قال: وتلك الرؤية قبل أن يوضع الجسر
(١) في (ص١): ليلة.

٣٢٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
بين ظهراني جهنم، واحتج بحديث أبي سعيد الخدري څ، وهو نحو من
حديثه هنا(١).
وموضع الدليل قوله: ((فكل من كان يعبد غير الله يسقط في النار
ويبقى المؤمنون، والمنافقون بين أظهرهم وبقايا من أهل الكتاب)»
وهنا: ((وغبرات من أهل (الكتاب)(٢)))، وهو، هو: أي بقايا جمع
غبر، وغبر جمع: غابر، فقال لهم: ((ألا تتبعون ما كنتم تعبدون؟
فيقولون: كنا نعبد الله ولم نره))(٣)، قال: ((فيكشف عن ساق))
الحديث. وانفصل عنه ابن فورك بأنه ليس فيه ذكر رؤية عين (٤).
ودليل أهل الحق قوله تعالى: ﴿كَلَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِهِمْ يَوْمَيِذٍ لََّحْجُوبُونَ
١٥
[المطففين: ١٥]، فأخبر أن الكفار محجوبون عن رؤيته تعالى. وقوله
تعالى: ﴿يَؤْمَيِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِهَا نَاظِرَةٌ ﴾ الآية التي ذكرها البخاري،
فأعلم أن الوجوه الناضرة أي: المشرقة وهي وجوه المؤمنين هي
الناظرة إلى ربها تعالى، فدل هذا التقييد وهذا النص على أن
الکافرین لا یرونه تعالى.
فصل :
وقوله في حديث جرير : ( ((فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة
قبل طلوع الشمس -هي: الصبح- وصلاة قبل غروب الشمس -هي:
العصر- فافعلوا)). وهذا يدل على تأكدهما، وهما أقوى أقوال أهل
العلم في الوسطى.
(١) ((التوحيد)) لابن خزيمة ٤٢٠/١ - ٤٢٢.
(٢) في (ص١): الكبائر.
(٣) هذا لفظ أحمد ١٦/٣، ولفظ البخاري هنا مغاير في السياق.
(٤) أنظر: ((مشكل الحديث)) ص ٢٣٤ - ٢٣٩.

٣٢٩
كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
=
فصل :
وقول جرير: (كنا جلوسًا عند رسول الله وَّ﴾)، وقال مرة: (خرج علينا)،
لا تنافي بينهما، وكذا حديث أبي هريرة # أن الناس سألوا. لا تنافي فيه
أيضًا، فقد تتعدد الواقعة، أو سمع أبو هريرة څ سؤالهم دون جرير.
فصل :
الطواغيت: الشياطين أو الأصنام، وقال مجاهد في قوله تعالى:
﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوْ إِلَى الطَّغُوتِ﴾ [النساء: ٦٠] أنه كعب بن الأشرف(١).
وفي ((الصحاح)): الطاغوت: الكاهن الشيطان، وكل رأس في
الضلال، وقد يكون واحدًا، ثم ذكر الآية، قال: وقد يكون جمعًا،
وذكر قوله تعالى: ﴿أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ [البقرة: ٢٥٧] وطاغوت وإن
جاء على وزن لاهوت فإنه مقلوب؛ لأنه من طغا.
ولاهوت [غير](٢) مقلوب لأنه من لاه، بمنزلة الرغبوت
والرهبوت(٣)، وقال النحاس: مأخوذ من الطغيان، يؤدي عن معناه
من غير اشتقاق كما قيل: لآل من اللؤلؤ.
وقال سيبويه: الطاغوت اسم واحد مؤنث يقع على الجمع. قال
النحاس: أحسن ما قيل فيه: إنه من طغى أصله: (طَغَوُوتٌ)(٤)، مثل:
جبروت، ثم نقلت اللام فجعلت عينًا ونقلت العين فجعلت لامًا، مثل:
جبذ وجذب، ثم قلبت الواو ألفًا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها (٥).
(١) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٤/ ١٥٧ (٩٩٠٣- ٩٩٠٤).
(٢) ساقط من الأصل، والمثبت من ((الصحاح)) مادة (طغى).
(٣) ((الصحاح)) ٢٤١٣/٦ مادة (طغى).
(٤) في الأصول: طغوت. والمثبت من ((المعاني)) وهو الصواب.
(٥) («معاني القرآن)) ٢٦٩/١، والَّلآل: بائع اللؤلؤ.

٣٣٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
فصل :
وقوله: ( ((فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون))). ليس الإتيان على
المعهود فيما بيننا الذي هو أنتقال حركة؛ لاستحالة وصفه تعالى نفسه
بما توصف به الأجسام، فوجب حمله على أنه تعالى يفعل فعلًا
يسميه إتيانًا وصف تعالى به نفسه، ويحتمل أن يكون الإتيان المعهود
فيما بيننا خلقه الله تعالى لغيره من ملائكته فأضافه إلى نفسه،
كقولك: قطع الأمير اللص. وهو لم يله بنفسه، وإنما أمر به.
والحاصل أن الإتيان هنا مثل قوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ﴾. وأن ذلك بظهور
فعل لا بتحرك ذاته، أو أنه فعل من أفعال ملائكته، فيضاف إليه من طريق
أنه تابع أمره، أو أنه عبارة عن رؤيتهم الله تعالى؛ لأن العادة جارية أن
من نحا لا يتوصل إلى رؤيته إلا بمجيء، فعبر عن رؤيته بالمجيء
جوازًا(١) .
فصل :
وأما وصفه تعالى بالصورة، ففيه إيهام (للمجسمة)(٢) أنه تعالى ذو
(١) قال أبو القاسم الأصبهاني: الأصل في هذا أن الكلام في الصفات فرع على الكلام
في الذات، وإثبات الله تعالى إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات
صفاته، إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية. ((الحجة في بيان المحجة)) ٢٨٨/١.
وقال ابن أبي العز: الله ما لم يزل متصفًا بصفات الكمال: صفات الذات،
وصفات الفعل .. ، ولا يَرُدُّ على هذا صفات الفعل والصفات الاختيارية ونحوها
كالخلق والتصوير .. والاستواء والإتيان والمجيء والنزول .. ونحو ذلك مما وصف
به نفسه، ووصفه به رسوله، وإن كنا لا ندرك كنهه وحقيقته التي هي تأويله،
ولا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا، ولكن أصل أصل معناه
معلوم لنا ... ((شرح الطحاوية)) ص ٨٠.
(٢) من (ص١) وفي الأصل: للجسمية. عليها علامة استشكال.

٣٣١
كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
=
صورة ولا حجة لهم فيه؛ لأن الصورة هنا تحتمل أن تكون بمعنى
العلامة، (وصفها)(١) تعالى دليلًا لهم على معرفته، أو التفرقة بينه
وبين مخلوقاته، فسمى الدليل والعلامة صورة مجازًا كما تقول
العرب: صورة حديثك كيت وكيت وصورة أمرك كذا وكذا .
وقال ابن التين: اختلف في معنى الصورة، فقيل: صورة اعتقاد
كما تقول: صورة اعتقادي في هذا الأمر. فالمعنى: يرونه تعالى على
ما كانوا يعتقدون من الصفات. وقيل: معناها: الصفة وهو نحو الأول.
وقال ابن قتيبة: لله تعالى صورة لا كالصور، كما أنه شيء
لا کالأشياء، فأثبت لله تعالى صورة فعلية. قال ابن فورك: وهذا
جهل من قائله(٢).
وقال الداودي: إن كانت محفوظة، فيحتمل أن تكون صورة الأمر
والحال الذي يأتي فيه، فقال: أنا أصف لك صورة هذا الأمر، وذلك أن
الله تعالى أخبر أنه يأتيهم في ظلل من الغمام والملائكة، فقد يرونه
ولا يرون الملائكة والغمام، أو يرون بعض ذلك؛ لأنه يخفي من
ذلك ما شاء في وقت ويظهره في وقت آخر، فإذا رأوا غير ما قيل
لهم وقفوا.
فصل :
وقولهم: ( ((أنت ربنا))). أي: أنت عين ربنا تخاطبنا صدقا.
فيتحققون نداءه وخطابه أنه عن الله تعالى، ويحتمل أن يكون ذلك
عند تجلي الله للمؤمنين من خلقه، فيقولون عند رؤيتهم له وظهور تلك
(١) وقعت في ((شرح ابن بطال)): وضعها. ولعلها أجود لمقصود الكلام.
(٢) ((مشكل الحديث وبيانه)) ص٦٧.

٣٣٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
الصورة التي لا (١) يعرفون مما أضيفت إلى الله تعالى ملكًا وخلقًا: أنت
ربنا. اعترافًا بالربوبية، وفصلاً من حالهم وحال الكفرة.
قال المهلب: وأما قولهم: ((فإذا جاء ربنا عرفناه)) فإنما ذلك أن الله
◌ََّ يبعث إليهم ملكًا؛ ليفتنهم ويختبرهم في اعتقاد صفات ربهم الذي
ليس كمثله شيء، فإذا قال لهم الملك: أنا ربكم، رأوا عليه دليل
الخلقة التي تشبه المخلوقات فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا
جاءنا عرفناه أي: إنك لست ربنا، فيأتيهم الله تعالى في صورته التي
يعرفون. أي: يظهر إليهم في ملكه لا ينبغي لغيره، وعظمته لا يشبه
شيئًا من مخلوقاته، فيعرفون أن ذلك الجلال والعظمة لا تكون لغيره،
فيقولون: أنت ربنا الذي لا يشبهك شيء، فالصورة يعبر بها عن
حقيقة الشيء.
فصل :
وقوله: ( ((فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونها؟ فيقولون: الساق،
فيكشف لهم عن ساقه فيسجد له كل مؤمن))). هُذا يدل- والله أعلم - أن
الله تعالى عرف المؤمنين على ألسنة الرسل يوم القيامة أو على ألسنة
الملائكة المتلقين لهم بالبشرى، أن الله تعالى قد جعل لكم علامة
تجليه لكم الساق، وعرفهم أنه سيبتلي المكذبين بأن يرسل إليهم من
يقول: أنا ربكم فتنة لهم.
ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ
فِي الْخَيَوْةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] في سؤال القبر، وفي هذا
الموطن، وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢]
(١) كذا بالأصول.

كِتَابُ التّوحِيدِ وَالزَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
=
٣٣٣
عن شدة الأمر(١)، أو يكشف عن أمر عظيم يريد به هولًا من أهوال يوم
القيامة .
وروي عن عمر بن الخطاب ه في قوله تعالى: ﴿وَالْنَفَّتِ السَّاقُ بِلسَّاقِ
[القيامة: ٢٩] أي: أعمال الدنيا بمحاسبة الآخرة(٢)، وذلك أمر
٢٩
عظيم، والعرب تقول: قامت الحرب على ساق، إذا كانت شديدة،
فيظهر الله ثُمَّ على الخلق هذِه الشدة التي لا يكون مثلها من مخلوق،
ليبكت بها الكافرين وينزع عنهم (قدرتهم)(٣) التي كانوا يدعونها،
فيعلمون حينئذٍ أنه الحق، فيذهبون إلى السجود مع المؤمنين لما يرون
من العظمة والشدة، فلا يستطيعون، فيثبت الله المؤمنين فيسجدون له.
وذكر ابن فورك عن أبي موسى الأشعري عليه مرفوعًا - في هذِه الآية
(نور عظيم))، ومعنى ذلك ما يتجدد للمؤمنين عند رؤية الله تعالى من
الفوائد والألطاف، ويظهر لهم من فضل سرائرهم التي لم يطلع عليها
غيره ◌َّ(٤).
قال المهلب: هذا يدل أن كشف الساق للكافرين نقمة وللمؤمنين
نعمة، والضحك منه تعالى بخلاف ما هو منا، وهو بمعنى (إظهاره) (٥)
لعباده لطائف وكرامات لم تكن تظهر لهم قبل ذلك، والضحك
المعهود فيما بيننا هو إظهار الضاحك لمن يشاهده ما لم يكن يظهر
لهم منه قبل، من كشره عن أسنانه(٦). وفيه أقوال أخر ستأتي قريبًا .
(١) رواه الطبري في ((تفسيره)) ١٢/ ١٩٧ (٣٤٦٧٤).
(٢) ((مشكل الحديث وبيانه)) ص٣٦٩.
(٤) (مشكل الحدیث وبيانه)» ص٤٦٥.
(٥) من (ص١).
(٦) انظر: ((شرح ابن بطال)) ١٠ / ٤٦٨.
(٣) من (ص١).

٣٣٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
فصل :
قوله في حديث أبي هريرة: ( ((فيتبعونه)) ). أي: يذهبون حيث
يؤمرون، وقوله: (ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم) أي: على
وسطها وكل شيء متوسط بين شيئين فهو بين ظهرانيهما وظهريهما .
قال الداودي: يعني على أعلاها فيكون جسرًا
قوله: ( ((فأكون أنا وأمتي أول من يجيز)) ). أي يجوز، وفي بعض
النسخ: ((يجيزها))، والكلاليب: جمع كلوب -بفتح الكاف- وهو الذي
يتناول به الحداد الحديد من النار كذا في كتاب ابن بطال(١).
وعبارة ابن التين: هو (المعتقف)(٢) الذي يخطف به الشيء وهو
واحد، والخطاطيف في حديث أبي سعيد : جمع خطاف،
والخطاف: حديدة معوجة الطرف تجذب بها الأشياء.
قال النابغة :
خطاطيف حجن في حبال متينة.
و(شوك السعدان) بأرض نجد
فصل :
قوله في حديث أبي سعيد: ( ((خطاطيف وكلاليب وحسكة)) )،
والحسك: معروف وهو (شوك مضرس ذو شيء)(٣) ينشب فيه كل
ما مر به. قال الجوهري: الحسك: حسك السعدان، والحسكة:
ما يعمل من الحديد على مثاله وهو آلات العسكر (٤).
(١) ((شرح ابن بطال)) ١٠ / ٤٦٨.
(٢) من (ص١) وفي الأصل: المعتفق.
(٣) كذا بالأصل، ووقع في ((شرح ابن بطال)) (شيء مضرس ذو شوك) وهو أصوب.
(٤) ((الصحاح)) ٤ /١٥٧٩.

٣٣٥
كِتَابُ التّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
وقوله في حديث أبي هريرة : ( ((ومنهم المخردل أو المجازى))
أو نحوه) كذا هنا، وفي مسلم: ((ومنهم المجازى حتى يُنَجَّى)).
وقوله قبله «تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم الموبق بعمله - أو-
الموثق)، وفي مسلم ((الموبق))(١)، و((تخطف)) -بفتح الطاء-
و ((المخردل))، قال صاحب ((العين)): خردلت اللحم: فصلته، وخردلت
الطعام: أكلت خياره(٢). وقال غيره: خردلته: صرعته، وهذا الوجه
موافق معنى الحديث كما قاله ابن بطال، والجردلة بالجيم: الإشراف
على السقوط والهلكة(٣).
وقال الداودي: المخردل: الذي تخدشه الكلاليب، والظاهر أنه من
تقطعه الكلاليب صغيرًا صغيرًا كالخردل.
فصل :
وقوله: ( ((امتحشوا))): أحترقوا وفي ((الصحاح)): المحش: إحراق
النار الجلد(٤)، وفيه لغة: امتحشته النار. وكذا قال صاحب ((العين)):
المحش: إحراق الجلد. وامتحش الجلد: أحترق، والسنة المحوش :
اليابسة(٥) .
وقال صاحب ((العين)): محشت النار الشيء محشًا: أحرقته لغة،
والمعروف محشته (٦).
(١) رواه مسلم (١٨٢)، كتاب: الإيمان، باب: معرفة طريق الرؤية.
(٢) ((العين)) ٤/ ٣٣٤.
(٣) ((شرح ابن بطال)) ١٠ / ٤٦٨.
(٤) ((الصحاح)) ١٠١٨/٣.
(٥) ((العين)) ٢٦١/٣ قال: وهذه سنة محوش: يابسة.
(٦) ((العين)) ١٠٠/٣.

٣٣٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقال الداودي: ((امتحشوا)): ضمروا وانقبضوا كالمحترقين، وكان
أبو زيد ينكر محشته، وقعد يومًا إلى جنب أبي حنيفة فسمعه يقول:
قال رسول الله وَلي: ((يخرج من النار قوم محشتهم النار)) فقال أبو زيد:
(ليس)(١) كذلك الحديث يرحمك الله، إنما هو: ((قد امتحشتهم النار))
فقال أبو حنيفة: من أي موضع أنت؟ قال أبو زيد: من البصرة، فقال
أبو حنيفة: أبالبصرة مثلك؟ قال أبو زيد: إني لمن أخس أهلها. فقال
أبو حنيفة: طوبى لبلدة أنت أخس أهلها .
فصل :
الحبة بكسر الحاء المهملة هي: أسم لجميع الحبوب التي للبقول
تكسر إذا هاجت، ثم إذا أمطرت من قابل نبتت، وعبارة ابن بطال
أنها بزور البقول(٢)، وقول الفراء. وعبارة أبي عبيد أنها كل ما ينبت
لها حب، فاسم الحب منه الحبة.
وقال أبو عمر(٣): هي نبت ينبت في الحشيش صغار. وقال
الكسائي: إنها حب الرياحين. وواحد الحبة حبة، وأما (الحنطة) (٤)
ونحوها فهو الحب لا غير(٥).
وقال ابن دريد في ((جمهرته)): كل ما كان من (بزر) (٦) العشب فهو
حبة والجمع: حِبَب (٧). وقيل: هي الحبوب المختلفة.
(١) من (ص١).
(٢) ((شرح ابن بطال)) ١٠ / ٤٦٩.
(٣) في ((الغريب)): أبو عمرو.
(٤) من (ص١) وفي الأصل: الحبة.
(٥) ((غريب الحديث)) ٥١/١.
(٦) كذا بالأصول، وفي مطبوع ((الجمهرة)) (بذر) بالذال.
(٧) ((جمهرة اللغة)) ٦٥/١.

٣٣٧
- كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
وقال الداودي: الحبة بالكسر جمع (حبة) (١) بالفتح.
وقوله: ( ((في حميل السيل)) ) قال الأصمعي: الحميل: ما حمله
السيل من كل شيء وكل محمول فهو حميل، كما يقال للمقتول:
قتيل. وقال أبو سعيد الضرير: حميل السيل: ما (حمله من طين)(٢)
فإذا أشتدت فيه الحبة تنبتُ في يوم وليلة، فأخبر الشارع بسرعة
نباتهم، وحمیل بمعنى محمول.
فصل :
قوله: ( ((قشبني ريحها))). تقول العرب: قشبت الشيء: قذرته،
وقشب بكسر الشين قشبًا: قذر. عن صاحب ((الأفعال))(٣).
وقال ابن قتيبة: إنه من القشب، والقشب: السم، كأنه قال: سمني
ريحها، ويقال: كل مسموم قشب. وقال الخطابي: قشبه الدخان إذا ملأ
خياشيمه وأخذ يكظمه وإن كانت ريحه طيبة، وأصل القشب: خلط السم
بالطعام(٤)، يقال: قشبه إذا سمه، وقشبتنا الدنيا فصار حُبُّها كالسم
الضار. ثم قيل على هذا: قشبه الدخان والريح الذكية إذا بلغت منها
الکظم.
قال ابن التين: رويناه بتشديد الشين، وكذلك هو في ((الصحاح))
بالتشديد أي: آذاني. كأنه قال: سمني ريحها(٥)؛ لأن القشب السم.
(١) من (ص١).
(٢) في (ص١). (ما جاء به من غبار وطين) وما أثبتناه من الأصل.
(٣) ((الأفعال)) لابن القوطية ص٢٢٢.
(٤) ((أعلام الحديث)) ٥٣٣/١.
(٥) ((الصحاح)) ٢٠٢/١.

٣٣٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقوله: ( ((وأحرقني (ذكاؤها)(١))) ) هو بفتح الذال المعجمة أي:
لهبها وشدة وهجها، كذا ضبطه النووي قال: والأشهر في اللغة ذكاها
مقصور، وذكر جماعة المد أيضًا(٢).
وقال ابن التين: كذا رويناه بضم الذال والمد. قال ابن ولاد: ذكاء
النار التهابها يكتب بالألف؛ لأنه من الواو يقال: ذكت النار تذكو،
والذكاء من الفهم ممدود، وكذلك في السن ممدود أيضًا(٣). قال:
وذكاء بالضم والمد أسم للشمس (٤). وقال الداودي: قشبني: غير
جلدي وحوله عن حاله.
وقوله: ( ((هل عسيت))) بفتح السين وكسرها، ونافع قرأ بالفتح،
ويقال: عسينا وعسيتم (للرجال)(٥) ولا يقال: يفعل ولا فاعل.
فصل :
قوله ( ((انفهقت له الجنة))). أي: أنفتحت واتسعت، وفهق الغدير:
امتلأ، ومنه: الفهق في القول، وهو: كثرة الكلام.
وقوله: ( ((من الحبرة)) ) كذا في الأصول، وفي بعض النسخ
((الخير))، واقتصر ابن التين على قوله ((من الخير))، وقال: أي:
السرور والنعمة.
قال الهروي: إنما سمي بذلك؛ لأنه يبين في وجه صاحبه وهي بفتح
الحاء أي: وسكون الباء، وهي في مسلم أيضًا وأخرى ((الخير)) بفتح
الخاء المعجمة ثم مثناة تحت.
(١) من (ص١) وفي الأصل: ذكاها.
(٢) ((شرح صحيح مسلم)) ٢٣/٣.
(٣) ((المقصود والممدود)» ص٤٢-٤٣.
(٥) من (ص١).
(٤) السابق ص٤٤.

٣٣٩
= كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
وقوله: ( ((لا أكون أشقى خلقك)))، يريد: خلقك الذين لم تخلدهم
في النار.
فصل :
وقوله: ( ((حتى يضحك الله))) سلف معنى الضحك، وأنه إظهار
اللطف(١) .
وقال ابن التين: أي: رضي عنه؛ لأن الضحك في البشر علامة على
ذلك، وقال البخاري: معناه: الرحمة.
وقال الداودي: يحتمل أن يُضْحِك اللهُ عبادَهُ مِنْ فعل ذلك (الرجل
كما قرأ بعضهم: (بل عجبت) [الصافات: ١٢] بضم التاء(٢)، أي: جعله
عجبا لعباده، وعبر بعضهم عن)(٣) الأول بأنه ما أبدى من فضله، وأظهر
من نعمه وتوفيقه، روي عنه القّه لما قال له أبو رزين العقيلي: أيضحك
ربنا؟ فقال: ((لن نعدم من رب يضحك خيرًا))(٤).
وهذا منه إشارة إلى وصف الله تعالى بالقدرة على فعل النعم،
وكشف الكرب، والبيان عما خفي، فرقًا بينه وبين الأصنام التي
لا يرجى منها خير ولا بر.
(١) قال ابن خزيمة: إثبات ضحك ربنا ولك بلا صفة تصف ضحكه، جل ثناؤه،
لا ولا یشبه ضحكه بضحك المخلوقین، وضحکهم كذلك، بل نؤمن بأنه یضحك،
كما أعلم النبي ◌َّر، ونسكت عن صفة ضحكه جل وعلا، إذ الله رَك استأثر بصفة
ضحكه، لم يطلعنا على ذلك، فنحن قائلون بما قال النبي ◌َّ مصدقون بذلك،
بقلوبنا منصتون عما لم يبين لنا مما أستأثر الله بعلمه. ((التوحيد)) ٥٦٣/٢.
(٢) أنظر ((تفسير الطبري)) ٤٧٦/١٠.
(٣) من (ص١).
(٤) رواه ابن ماجه (١٨١)، وأحمد ٤/ ١١.

٣٤٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
فصل :
وقوله: ( ((تمنه))). الهاء هنا للسكت أتى بها لتسلم الحركة في
الوقف؛ كقوله تعالى: ﴿فَبِهُدَدُهُمُ أَقْتَدِّةٌ﴾ [الأنعام: ٩٠] وقول أبي
هريرة : ((ومثله معه)). ثم يقول أبو سعيد : ((وعشرة أمثاله معه))،
يحتمل أن يكون التعلي قالهما جميعًا فأعلمه الله الأول أولًا والثاني
ثانيًا تكرمًا .
فصل :
في حديث أبي سعيد : ((تضارون)) هو بالتخفيف، أي: لا يلحقكم
ضرر، ولا يخالف بعضكم بعضًا ولا تتنازعون، وروي بالتشديد أيضًا
وهو مثله. أي: لا تضارون أحدًا. (وتسكن)(١) الراء الأولى، وتدغم
في التي بعدها، ويحذف المفعول؛ لبيان معناه.
ويجوز أن يكون على معنى لا تتضاررون بفتح التاء الأولى، أي:
لا تتنازعون ولا تجادلون فتكونون إخوانًا ينصر بعضكم بعضًا في
الجدل، وبعضهم يقرؤه بفتح التاء، أي: لا (تضامون)(٢). حكاه
الشيخ أبو الحسن.
فصل :
قوله: ( ((إذا كان صحوًّا))). أي: ذات صحو، وفي ((الصحاح)):
أصحت السماء: أنقشع عنها الغيم: فهي مُصْحِيَة، وقال الكسائي :
فهي صَحْوٌ، ولا تقل: مُصْحِية(٣).
(١) من (ص١) وفي الأصل: وبسكون.
(٢) من (ص١) وفي الأصل: تصابون.
(٣) ((الصحاح)) ٢٣٩٩/٦ مادة (صحو).