النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالزَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
=
١٩- باب قَوْلِ اللّهِ وَّ: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ﴾ [ص: ٧٥]
٧٤١٠- حَدَّثَنِي مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ
﴿ قَالَ: ((يَجْمَعُ اللهُ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ القِيَامَةِ كَذَلِكَ، فَيَقُولُونَ: لَوِ أَسْتَشْفَعْنَا إِلَى
رَبِّنَا حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هذا. فَيَأْتُّونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ: يَا آدَمُ، أَمَا تَرى
النَّاسَ؟ خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ، شَفِّعْ
لَنَا إِلَى رَبِّنَا حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هذا. فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَ - وَيَذْكُرُ لَهُمْ
خَطِيئَتَهُ التِي أَصَابَ - ولكن آثْتُوا نُوحًا، فَإِنَّهُ أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللهُ إِلَى أَهْلِ
الأَرْضِ. فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ - وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الِي أَصَابَ-
ولكن أَثْتُوا إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَ الرَّحْمَنِ. فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ
- وَيَذْكُرُ لَهُمْ خَطَايَاهُ التِي أَصَابَهَا- ولكن آتُّوا مُوسَى عَبْدًا أَتَاهُ اللهُ التَّوْرَاةَ
وَكَلَّمَهُ تَكْلِيمًا. فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ -وَيَذْكُرُ لَهُمْ خَطِيئَتَهُ التِي
أَصَابَ- ولكن آتْتُوا عِيسَى عَبْدَ اللهِ وَرَسُولَهُ وَكَلِمَتَهُ وَرُوحَهُ. فَيَأْتُونَ عِيسَى
فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، ولكن آتْتُوا مُحَمَّدًا فَ عَبْدًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ
وَمَا تَأَخَّرَ. فَيَأْتُونِي، فَأَنْطَلِقُ فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي، فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ، فَإِذَا رَأَيْتُ
رَبِّي وَقَعْتُ لَهُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يُقَالُ لِي: أَرْفَعْ
مُحَمَّدُ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهُ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ. فَأَحْمَدُ رَبِّ بِمَحَامِدَ عَلَّمَنِيهَا،
ثُمَّ أَشْفَعُ، فَيَحُدُّ لِي حَدَّا فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ أَرْجِعُ فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ
سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يُقَالُ: أَرْفَعْ مُحَمَّدُ، وَقُلْ يُسْمَعْ،
وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ. فَأَحْمَدُ رَبِّي بِمَحَامِدَ عَلَّمَنِيهَا رَبِّي، ثُمَّ أَشْفَعُ، فَيَحُدُّ
لِي حَدَّا فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ أَرْجِعُ فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا
شَاءَ اللهُ أَنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يُقَالُ: أَرْفَعْ مُحَمَّدُ، قُلْ يُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ
تُشَفَّعْ. فَأَحْمَدُ رَبِّي بِمَحَامِدَ عَلَّمَنِيهَا، ثُمَّ أَشْفَعُ، فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأَدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ،

٢٦٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
ثُمَّ أَرْجِعُ فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ القُرْآنُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ
الخُلُودُ)). قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إله إِلَّا اللهُ. وَكَانَ فِي
قَلْبِهِ مِنَ الخَيْرِ مَا يَزِنُ شَعِيرَةً، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إله إِلَّ اللهُ. وَكَانَ
فِي قَلْبِهِ مِنَ الخَيْرِ مَا يَزِنُ بُرَّةً، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إله إِلَّ اللهُ.
وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مَا يَزِنُ مِنَ الخَيْرِ ذَرَّةً)). [انظر: ٤٤ - مسلم: ١٩٣ - فتح ١٣ / ٣٩٢].
٧٤١١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَغْرَجِ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ◌َِّ قَالَ: ((يَدُ اللهِ مَلأَى لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَخَّاءُ اللَّيْلَ
وَالنَّهَارَ)). وَقَالَ: ((أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ
مَا فِي يَدِهِ)) وَقَالَ: ((عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، وَبِيَدِهِ الأُخْرِى المِيزَانُ يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ)).
[انظر: ٤٦٨٤- مسلم: ٩٩٣ - فتح ١٣ / ٣٩٣].
٧٤١٢- حَدَّثَنَا مُقَدَّمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّ القَاسِمُ بْنُ يَخْيَى، عَنْ عُبَيْدِ
اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما، عَنْ رَسُولِ اللهِ مَّهِ أَنَّهُ قَالَ: ((إِنَّ اللهَ
يَقْبِضُ يَوْمَ القِيَامَةِ الأَرْضَ، وَتَكُونُ السَّمَوَاتُ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا المَلِك)).
رَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ مَالِكِ. [انظر: ٣١٩٤ - مسلم: ٢٧٨٨ - فتح ١٣ /٣٩٣].
بهذا.
٧٤١٣- وَقَالَ عُمَرُ بْنُ حَمْزَةَ: سَمِعْتُ سَالَما، سَمِعْتُ ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ
وَقَالَ أَبُو اليَمَانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ِِّ: ((يَقْبِضُ اللهُ الأَرْضَ)). [انظر: ٤٨١٢- مسلم: ٢٧٨٧ - فتح
٣٩٣/١٣] .
٧٤١٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، سَمِعَ يَخْيَى بْنَ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ وَسُلَيْمَانُ،
عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ يَهُودِيًّا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ◌َةِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ،
إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْجِبَالَ عَلَى إِصْبَع،
وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْخَلَائِقَ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الَلِكُ. فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ
وَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِةٍ﴾. قَالَ يَخْيَى بْنُ سَعِيدٍ:

٢٦٣
كِتَابُ التّوحِيدِ وَالزَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
وَزَادَ فِيهِ فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ عَنْ عَبْدِ اللهِ:
فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ مَّهِ تَعَجُّبًا وَتَصْدِيقًا لَهُ. [انظر: ٤٨١١ - مسلم: ٢٧٨٦ - فتح ١٣ / ٣٩٣].
٧٤١٥- حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَغْمَشُ، سَمِعْتُ
إِنْرَاهِيمَ قَالَ: سَمِعْتُ عَلْقَمَةَ يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ◌َلَ مِنْ أَهْلِ
الكِتَابِ فَقَالَ: يَا أَبَا القَاسِمِ، إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعِ، وَالأَرَضِينَ عَلَى
إِصْبَعِ، وَالشَّجَرَ وَالثَّرىُ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْخَلَائِقَ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَّا الَلِكُ أَنَا
الَلِكُ. فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌َِّ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ
قَدْرِهِ﴾ [انظر: ٤٨١١- مسلم: ٢٧٨٦ - فتح ١٣ / ٣٩٣].
ذكر فيه حديث أنس # في الشفاعة بطوله.
وحديث أبي هريرة ◌َّه: ((يَدُ اللهِ مَلأى لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ)) الحديث
وسلف(١).
وحديث عبيد الله عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما: ((إِنَّ اللهَ
يَقْبِضُ الأرض يَوْمَ القِيَامَةِ، وَتَكُونُ السَّمَوَاتُ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا
المَلِكُ)). رَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ مَالِكِ.
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ حَمْزَةَ: سَمِعْتُ سَالِمًا، سَمِعْتُ ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ
وَالة بهذا .
وَقَالَ أَبُو الْيَمَانِ: أَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، أَنَّ
أَبَا هُرَيْرَةَ ◌َُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((يَقْبِضُ اللهُ الأَرْضَ)).
وحديث سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﴾، أَنَّ
يَهُودِيًّا جَاءَ إِلَى رسول الله وَ لَه فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ
السَّمَوَاتِ .. الحديث.
(١) سبق برقم (٤٦٨٤) كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾.

٢٦٤
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: وَزَادَ فِيهِ فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ
إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ عَنْ عَبْدِ اللهِ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ وَلَّهِ تَعَجُّبًا
وَتَصْدِيقًا لَهُ.
وحديث علقمة قال: قَالَ عَبْدُ اللهِ ﴾ه: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رسول الله وَهُ
مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ فَقَالَ: يَا أَبَا القَاسِمِ، إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ عَلَى
◌ِضْبَعٍ، .. الحديث.
الشرح :
اليد هنا: القدرة، قال الداودي: يحتمل أن يريد ذلك. وقال
(أبو المعالي)(١)، ذهب بعض أئمتنا إلى أن اليد والعين والوجه
صفات ثابتة للرب، والسبيل إلى إثباتها السمع دون قضية العقل،
والذي يصح عندنا حمل اليدين على القدرة، والعين على البصر،
والوجه على الوجود(٢).
قال ابن فورك: قوله: ((يد الله مع الجماعة))، من أصحابنا من قال:
اليد هنا بمعنى الذات كقوله تعالى: ﴿مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآَ﴾ [يس: ٧١] أي:
ما عملنا، قال: فإن قال قائل: إذا حملتم اليد على معنى الذات
فهلا حملتموه في قوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَىَّ﴾ [ص: ٧٥] على الذات؟! قيل:
لا يصح ذلك، ذكره ابن التين، قال: والفرق بينهما أن الله تعالى قال
ذلك لإبليس محتجًا عليه مفضلًا لآدم بهذا التخصيص مبطلا(٣) لقوله:
(١) في الأصل: (الفراء الغالي) والمثبت من (ص١).
(٢) ((الإرشاد)) لأبي المعالي الجويني ص ١٥٥- ١٥٦، وكان هذا منه أولًا، ثم رجع في
آخره إلى مذهب السلف، وصنف في ذلك ((الرسالة النظامية)). وانظر ترجمته في
((سير الأعلام)) ٤٦٨/١٨.
(٣) من (ص١).

٢٦٥
كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
==
﴿أَنَأْ خَيْرٌ مِنْهُ﴾، فلو حمل على معنى الذات سقطت الفائدة وبطل معنى
الاحتجاج منه تعالى على إبليس فيه (١).
وقال ابن بطال: استدلاله بقوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ﴾ [ص: ٧٥]
وسائر أحاديث الباب على إثبات يدين لله تعالى هما صفتان من صفات
ذاته ليستا بجارحتين بخلاف قول المجسمة المثبتة أنهما جارحتان،
وخلاف قول القدرية النفاة لصفات ذاته ثم إذا لم يجز أن يقال:
إنهما جارحتان (لم يجزَ أن)(٢) يقال: إنهما قدرتان ولا إنهما نعمتان؛
لأنهما لو كانتا قدرتين لفسد ذلك من وجهين:
أحدهما: أن الأمة أجمعت من بین ناف لصفات ذاته وبین مثبت لها
أن الله تعالى ليس له قدرتان بل واحدة في قول المثبتة ولا قدرة له في
قول النافية لصفاته، إنهم يعتقدون كونه قادرًا بنفسه لا بقدرته.
والآخر: أن الله تعالى قال لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ
بِيَدَىٌّ﴾ الآية [ص: ٧٦] قال إبليس مجيبًا له: ﴿أَنَأْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِ مِن
نَارٍ﴾ [ص: ٧٦] فأخبر بالعلة التي لأجلها لم يسجد، وأخبره تعالى
بالعلة التي لها أوجب السجود وهي خلقه بيده، فلو كانت القدرة:
اليد التي خلق آدم بها وبها خلق إبليس، لم يكن لاحتجاجه تعالى
عليه بأن خلقها بما يوجب عليه السجود معنى؛ إذ إبليس مشارك لآدم
فيما خلقه به تعالى من قدرته، ولم يفخر إبليس بأن يقول له: أي
رب، فأي فضل له وأنا خلقتني بقدرتك كما خلقته ولم يعدل إبليس
عن هذا الجواب إلى أن يقول: أنا خير منه؛ لأنه خلقه من نار وخلق
آدم من طين، فعدول إبليس عن هذا الاحتجاج مع وضوحه دليل على
(١) ((مشكل الحديث)) لابن فورك ص ٣٤٣ -٣٤٥.
(٢) زيادة من ((شرح ابن بطال)) ١٠/ ٤٣٦ يقتضيها السياق.

٢٦٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
أن آدم خصه الله من خلقه بيده بما لم يخص به إبليس، وكيف يسوغ
للقدرية القول بأن اليد هنا القدرة، وظاهر الآية مع هذا يقتضي یدین،
فينبغي على الظاهر إثبات قدرتين وذلك خلاف الأمة، ولا يجوز أن
يكون المراد باليدين: نعمتين؛ لاستحالة خلق المخلوق بمخلوق
مثله؛ لأن النعم مخلوقة كلها، وإذا استحال كونهما جارحتين ونعمتين
وقدرتين ثبت أنهما يدان صفتان لا كالأيدي، والجوارح المعروفة
عندنا أختص آدم بأن خلقه بهما من بين سائر خلقه تكريمًا له وتشريفًا(١).
فصل :
وفي هذا الحديث دليل على شفاعة سيدنا رسول الله وَ له لأهل
الكبائر من أمته خلافًا لمن أنكرها من المعتزلة والقدرية والخوارج،
وهذا الحديث في غاية الصحة والقوة تلقاه المسلمون بالقبول إلى أن
حدث أهل العناد والرد لسنن رسوله، وفي كتاب الله ما يدل على
صحة الشفاعة إخبارًا عن الكفار إذا قيل لهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِ سَقَّرَ
(٤٣
قَالُوْ لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِينَ ﴿ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ ﴾﴾، إلى ﴿اَلْيَقِينُ﴾
[المدثر: ٤٢ - ٤٧]، فأخبروا عن أنفسهم بالعلل التي من أجلها سلكوا
في سقر، ثم قال: ﴿فَمَا تَفَعُهُمْ شَفَعَةُ الشَِّفْعِينَ ﴾﴾ زجرًا لأمثالهم من
الكافرين، وترغيبًا للمؤمنين في الإيمان؛ ليحصل لهم به شفاعة
الشافعين، وهذا دليل قاطع على ثبوت الشفاعة.
فإن عارض حديث الشفاعة معارض بأحاديث الوعيد كقوله: ((من
قتل نفسه بحديدة عُذب بها في نار جهنم أبدًا، ومن تحسى سمًّا))(٢)
(١) ((شرح ابن بطال)) ٤٣٦/١٠-٤٣٧.
(٢) سلف برقم (٥٧٧٨)، كتاب: الطب، باب: شرب السم والدواء به، ورواه مسلم
(١٠٩)، كتاب: الإيمان، باب: غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه.
٠٠

٢٦٧
كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
=
الحديث، ونحوه من الأخبار، فالجواب: بأنه لا تعارض لجواز أن
يكون الله أنفذ عليه وعيده بأن خلده في النار أكثر من مدة بقاء من
خرج بالشفاعة ثم يخرج من النار بعد ذلك، لشفاعة رسول الله وَلاقه
بما في قلبه من الإيمان المنافي للكفر؛ لأن الخلود الأبدي الدائم
إنما يكون في الكفار الجاحدين، وما جاء في كتاب الله من ذكر
الخلود للمؤمنين؛ كقوله: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ
جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٣] فإنما يراد بالتخليد تطويل المدة عليه
في العذاب ولا يقتضي التأبيد، كما يقتضي خلود الكافرين، ويحتمل
تأويل الحديث: من قتل نفسه على وجه الاستحلال والردة فجزاؤه
ما ذكر في الحديث؛ لأن فاعل ذلك كافر لا محالة، ويشهد لهذا
ما قاله قبيصة فيما سلف في البخاري في تأويل قوله العقلية: ((فسحقًا
سحقًا))(١) قال: هو في المرتدين، وقد سلمت جماعة من المعتزلة له
شفاعة رسول الله وبر على وجه دون وجه؛ لما لم يمكنها رد
الأحاديث الواردة فيها؛ لانتشارها وقبول الأمة لها، ولشهادة ظواهر
كتاب الله سبحانه لها فقالوا: تجوز شفاعته التليف للتائب من الكبائر
ولمن أتى بصغيرة مع اجتنابه الكبائر، أو في مؤمن لا ذنب له
(لتباب)(٢)، وهذا كله فاسد على أصولهم؛ لاعتقادهم أن الله تمتلك
يستحيل منه تعذيب التائب من كبيرته، أو فاعل الصغائر إذا اجتنب
الكبائر، أو تأخير ما أستحق الذي لا ذنب له من الثواب؛ لأنه
لو عذب من ذكرنا وأخر ثواب الآخر ولم يوف التائب والمجتنب
للكبائر مع فعله للصغائر ثوابه على أعماله لكان ذلك خارجًا عن
(١) سلف برقم (٦٥٨٤) كتاب: الرقاق، باب في الحوض.
(٢) هكذا في الأصل، (ص١) غير منقوطة، وانظر (شرح ابن بطال)) ٤٣٩/١٠.

٢٦٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
الحكمة وظالِمًا فذلك من صفات المخلوقين، وإذا كان هذا أصلهم
فإثبات الشفاعة على هذا الوجه لا معنى له، فبطل قولهم ولزمهم
تسليم الشفاعة على الوجه الذي يقول به أهل السنة والحق، وهذا بين
ولله الحمد(١).
فصل :
وقوله: ( ((ويذكر خطيئته التي أصاب))) يحتج به من يجوز وقوع
الصغائر منهم عليهم الصلاة والسلام، وقد قام الإجماع على
عصمتهم في الرسالة، وأنه لا يقع منهم الكبائر، واختلفوا في جواز
الصغائر عليهم، فأطبقت المعتزلة والخوارج على أنه لا يجوز وقوعها
منهم، وزعموا أن الرسل لا يجوز أن يقع منهم ما ينفر الناس عنهم،
وأنهم معصومون من ذلك وهذا باطل؛ لقيام الدليل من التنزيل،
وحديث الرسول أنه ليس كل ذنب كفرًا، وقولهم: إن الباري لا
يجب عليه عصمة الأنبياء من الذنوب (كي)(٢) لا ينفر الناس عنهم؛
بمواقعتهم لها. هو فاسد بخلاف القرآن له، وذلك أن الله تعالى قد
أنزله وفيه متشابه مع سابق علمه أنه سيكون ذلك سببًا لكفر قوم، فقال
تعالى: ﴿فَمَّا الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَبَهَ مِنْهُ أَبْتِغَآَ اٌلْفِتْنَةِ وَأَبْتِغَاءَ
تَأْوِيلِ﴾ [آل عمران ٧]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةٌ مَكَانَ ءَايَةٌ
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّدُ قَالُواْ إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل ١٠١]، فكان
التبديل الذي هو النسخ سببًا لكفرهم، كما كان إنزاله تعالى متشابها
سببًا لكفرهم.
(١) ((شرح ابن بطال)) ١٠/ ٤٣٧-٤٣٩.
(٢) من: (ص١).

٢٦٩
كِتَابُ التُّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
=
ونقل ابن بطال عن أهل السنة: أنه جائز وقوع الصغائر عليهم
واحتجوا بقوله تعالى مخاطبًا لرسوله في آية الفتح، قال: وقد ذكر الله
في كتابه ذنوب الأنبياء فقال: ﴿وَعَصَىّ ءَدَمُ رَبَُّ فَغَى﴾ [طه: ١٢١] وقال
نوح لربه: ﴿إِنَّ أَبْنِى مِنْ أَهْلِ﴾ [هود: ٤٥] فسأل أن ينجيه، وقد كان
تقدم إليه فقال: ﴿وَلَا تُخَطِبْنِ فِى الَّذِينَ ظَلَمُوَاْ إِنَّهُم ◌ُغْرَقُونَ﴾ [هود ٣٧]
وقال إبراهيم: ﴿وَاَلَّذِىّ أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِ خَطِيْئَتِى يَوْمَ الذِينِ
[الشعراء: ٨٢] وفي كتاب الله تعالى من ذكر خطاياهم ما لا خفاء به،
وقد سلف الاحتجاج في هذه المسألة في كتاب الدعاء في قوله
(باب)(١): رب اغفر لي ما قدمت، إلى آخره.
فصل :
فإن قلت: فما معنى قول آدم عليه الصلاة والسلام: ((ولكن أئتوا
نوحًا فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض)). وقد تقدم آدم قبله.
فالجواب: أن آدم لم يكن رسولًا؛ لأن الرسول يقتضي مرسلًا إليه في
وقت الإرسال وهو التَّ أهبط إلى الأرض وليس فيها أحد، ذكره ابن
بطال(٢)، وكذا قال الداودي فيه: إن آدم ليس برسول؛ لقوله في
نوح: ((أول رسول)). وسيأتي قريبًا الخلف فيه في باب: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَيِدٍ
٢٣
إِلَى رَبِهَا نَاظِرَةٌ
نَاضِرَةٌ
ثم قال ابن بطال: فإن قيل لما تناسل منه ولده وجب أن يكون
رسولًا إليهم، قيل: إنما أهبط الثَّ إلى الأرض، وقد علمه الله
(أحكام)(٣) دينه وما يلزمه من طاعة ربه فلما حدث ولده بعده حملهم
(١) من (ص١).
(٢) ((شرح ابن بطال)) ٤٣٩/١٠-٤٤٠.
(٣) من (ص١).

٢٧٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
على دينه وما هو عليه من شريعة ربه كما أن الواحد منا إذا ولد له ولد
يحمله على سنته وطريقته ولا يستحق بذلك أن يسمى رسولًا، وإنما سمي
نوح رسولًا؛ لأنه بعث إلى قوم كفار؛ ليدعوهم إلى الإيمان.
وقوله: ( ((ائتوا نوحًا فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض))) ذكر
أهل التاريخ أن إدريس جد نوح، فإن صح أن إدريس رسول لم يصح
قولهم: إنه قبله وإلا احتمل أن يكون إدريس غير مرسل.
فصل :
وأما حديث الأصبع فإنه إذا لم يصح أن يكون جارحة لما قدمناه من
إبطال التجسيم، فتأويله ما قاله أبو الحسن الأشعري (من)(١) أن هذا
وشبهه مما أثبته الرسول ◌َ﴿ الله تعالى، ووصفه به راجع إلى أنه صفة
ذات لا يجوز تحديدها ولا تكييفها .
وقد قال أبو بكر بن فورك: إنه يجوز أن يكون الأصبع خلقا لله يخلقه
يحمله على ما حملت عليه الأصبع، ودليله أنه لم يقل: على أصبعه، بل
أطلق ذلك منكرًا، وليس ينكر في خلق الله تعالى أن يخلق خلقًا على هذا
الوجه .
قال محمد بن شجاع الثلجي(٢): يحتمل أن يكون خلق من خلق الله
يوافق أسمه اسم الأصبع، فقال: إنه يحمل السماوات على ذلك،
ويكون ذلك تسمية للمحمول عليه [بما](٣) ذكر فيه، ويحتمل أن يكون
(١) في الأصل: مع، والمثبت من (ص١).
(٢) سبقت ترجمته، وقال فيه ابن عدي: كان يضع أحاديث في التشبيه ينسبها إلى
أصحاب الحديث ليثلبهم بها. ((الكامل)) ٧/ ٥٥١ (١٧٧٦).
(٣) زيادة من ((مشكل الحديث)) ص٢٥٨ يقتضيها السياق.

٢٧١
= ڪِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
المراد بالأصبع: القدرة والملك والسلطان على معنى قول القائل:
ما فلان إلا بين أصبعي، إذا أراد الإخبار عن جريان قدرته عليه،
فذكر معظم المخلوقات، وأخبر عن قدرة الله تعالى على جميعها
معظمًا لشأن الرب تعالى في قدرته وسلطانه(١).
وقال الداودي: يحتمل أن يكون الأصبع ملكا أو خلقا من خلق الله
يملكه ذلك ويقدره علیه .
وقال الخطابي: ذكر الأصابع لم يوجد في كتاب ولا سنة مقطوع
بصحتها وليس معنى اليد الجارحة حتى يتوهم ثبوتها ثبوت الأصابع
بل هو توقيف شرعي أطلقنا الاسم فيها على ما جاء في الكتاب من
غير تكييف فخرج بذلك أن يكون [له](٢) أصل الكتاب والسنة أو أن
يكون على شيء من معانيها(٣).
فصل :
وضحكه العَيْ كالمتعجب منه أنه يستعظم ذلك في قدرته. وإنه ليسير
في جنب ما يقدر عليه، ولذلك قرأ عليه قوله: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ»﴾
[الأنعام ٩١] أي ليس قدره في القدرة على ما يخلق على الحد الذي ينتهي
إليه الوهم ويحيط به الحد والحصر؛ لأنه تعالى يقدر على إمساك جميع
مخلوقاته على غير شيء كما هي اليوم؛ لقوله تعالى: ﴿اَللَّهُ الَّذِى رَفَعَ السَّمَوَتِ
◌ِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد ٢].
(١) ((مشكل الحديث)) ص٢٥٧ -٢٥٨.
(٢) زيادة يقتضيها السياق.
(٣) أنظر كلامه في ((الأسماء والصفات)) للبيهقي ١٦٩/٢. وسبق أن الصواب إثبات
صفة الأصبع، كما جاءت في هذا الحديث وفي غيره، من غير تشبيه.
١

٢٧٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
فصل :
وقوله: ( ((ملأى))) أي: عطاؤه واسع ومنته كاملة، تقول العرب: لي
عند فلان يد بيضاء أي: منة كاملة، وقوله: ( ((لا يغيضها))) أي:
لا ينقصها، وقال أبو زيد: غاض عن السلعة أي: نقص، ومنه قوله
تعالى: ﴿وَغِيضَ اُلْمَآءُ﴾ [هود ٤٤].
وقوله: ( ((سحاء))) يقال: سح المطر والدمع وغيرهما سحوحًا:
أنصب وسال، فكأنها لامتلائها بالعطاء تسيل أبدًا، وفي ((الصحاح)):
تفيد السيلان من فوق (١). وهو غاية في التمثيل؛ لأن سيل الماء من
فوق أشد من سيلانه في أرض وطيئة.
فصل :
قال الداودي: هذا الحديث كأنه ركب مبنيا على غير أصله، وذلك
أن أول الحديث فيه ذكر الشفاعة من الموقف، وفي آخره ذكر الشفاعة
فيمن يخرج من النار، وذكر من يبقى فيها ممن يخلد.
فصل :
قوله: ( ((ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن))) يعني: من أخبر
القرآن بخلوده فيها، وقوله: ( ((وكان في قلبه ما يزن شعيرة وذرة
وبرة))) قال الداودي: يعني من اليقين مع كلمة الإخلاص، وهذا على
التقليل، وكلمة الإخلاص لو جعلت السماوات والأرض وما بينهما في
كفة، وجعلت لا إله إلا الله في كفة أخرى لرجحت لا إله إلا الله، غير أنه
لا يقبل من أحد إلا مع الإقرار بكتاب الله تعالى وملائكته وأنبيائه ورسله
وبالبعث وبالجنة والنار.
(١) ((الصحاح)) ٣٧٣/١.

٢٧٣
كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
=
فصل :
وقوله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ, عَلَى الْمَآءِ﴾ [هود ٧]. قال سعيد بن جبير:
سألتُ ابن عباس رضي الله عنهما: على أي شيء كان الماء ولم تخلق
سماء ولا أرض؟ فقال: على متن الريح(١).
وقوله: ( ((وبيده الأخرى الميزان يخفض ويرفع))) هذا يدل على أن
اليدين صفتان لله تعالى ثابتتان له كما سلف خلافًا لما يقول أبو المعالي:
أن حمل اليدين على القدرة.
ومعنى: وبيده الميزان أنه قدر الأشياء ووقتها وحددها، ولا يملك
أحد نفعًا ولا ضرًّا إلا منه تعالى؛ قاله الداودي، وقال الخطابي: الميزان
هنا مثل، وإنما هو قسمه بالعدل بين الخلق، يخفض من يشاء أي:
يضعه، ويرفع من يشاء، ويعبر كما قد (صنعه الواضعون)(٢) عند
الوزن يرفع مرة ويخفض أخرى(٣) .
فصل :
((وتكون السماء بيده)). أي: بقوته، وقيل: هي صفة لله تعالى، وقد
سلف .
(١) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٧/ ٧ (١٧٩٩٩).
(٢)
في (ص١): وصفه الواصفون.
(٣) الحق في ذلك أن نؤمن بما جاء في الكتاب والسنة من أن الأعمال توزن
بميزان حقيقي، وله كفتان. يقول الله ◌َى : ﴿وَنَضَعُ الْمَوَزِنَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ اٌلْقِيَامَةِ﴾
[الأنبياء: ٤٧].
وسئل عنه ابن تيمية فقال: الميزان هو ما يوزن به الأعمال، وهو غير العدل،
كما دلَّ على ذلك الكتاب والسنة .. وأما كيفية تلك الموازين فهو بمنزلة كيفية سائر
ما أخبرنا به من الغيب. ((مجموع الفتاوى)) ٣٠٢/٤.

٢٧٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
والنواجذ: أقصى الأسنان، وهي سن الحلم أو الضواحك
أو الأضراس عن الأصمعي، أو الأنياب عن أبي العباس أقوال.
فصل :
وقراءته الَّ: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِةٍ﴾ [الزمر: ٦٧].
قال ابن فورك: كالمتعجب منه أنه يستعظم ذلك في قدرة الله، فإن
ذلك يسير في جنب ما يقدر عليه، ولذلك قرأها أي: ليس قدرته في
القدرة على ما يخلق على الحد الذي ينتهي إليه الوهم، ويحيط به
الحد والبصر(١).
وقال الخطابي: الآية محتملة للرضا والإنكار وليس فيها للأصبع
ذكر، وقول من قال من الرواة: تصديق لقول (الحبر)(٢). ظن وحسبان.
قال: وروى هذا الحديث غير واحد من أصحاب عبد الله، ولم
يذكروا فيه تصديقًا له، وقد يستدل المستدل بحمرة الوجه على الخجل
وبصفرته على الوجل وذلك غالب تجري العادة في مثله، ولا يخلو
ذلك من أرتياب وشك في صدق الشهادة منهم بذلك؛ لجواز أن
تكون الحمرة لأمر حادث في البدن والصفرة تهيج مرار وثوران خلط،
والاستدلال بالتبسم على مثل هذا الاسم الجسم قدره غير سائغ مع
تكافؤ (وجهي)(٣) الدلالة المتعارضين فيه، ولو صح الخبر حملناه
على تأويل قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَوَتُ مَطْوِيَتٌ بِمِينِهِ،﴾ [الزمر: ٦٧]
أي: قدرته على طيها وسهولة الأمر في جمعها بمنزلة من جمع شيئًا
(١) (مشکل الحدیث)) ص ٢٥٩.
(٢) في (ص١): اليهودي، وجاء في هامش الأصل: كذا في الأصل: اليهود اهـ.
وهُذِه الرواية سلفت برقم (٤٨١١) كتاب: التفسير، سورة الزمر.
(٣) في الأصل: وجه، والمثبت من (ص١).

٢٧٥
كِتَابُ التّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
في كفه فاستخف حمله فلم يشتمل بجميع كفه عليه لكنه نقله ببعض
أصابعه، وقد يمثل ذلك في الأمر الشاق القوي، فيقال: إنه نقله
بأصبع واحدة وأنه نقله بخنصره(١).
فصل :
راوي حديث عبد الله ﴾ عنه هو: عبيدة بن عمرو أبو عمرو
أو أبو مسلم المرادي السلماني -بسكون اللام- أتفقا عليه، أسلم قبل
وفاة رسول الله وَل بسنتين، وسمع عمر وعليًّا وابن مسعود، مات سنة
أربع وستين، وقيل: ثنتين وسبعين. وقيل: ثلاث وسبعين، أما عَبيدة بن
حميد الضبي، وعَبيدة بن سفيان الحضرمي عن أبي هريرة من أفراد مسلم
وكلهم بفتح العين وكسر الباء، و(ما)(٢) عداهم في الصحيحين فبضم
العين وفتح الباء، وقد سلف التنبيه على ذلك في المقدمات أول
الکتاب.
(١) أنظر كلامه في ((الأسماء والصفات)) ١٦٩/٢ -١٧٠.
(٢) في هامش الأصل: الأكثر ومن.

٢٧٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وَالَ: ((لَ أحد (١) أَغْيَرُ مِنَ اللّهِ))
٢٠- باب قَوْل النَّبِيّ
وَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ: (لَا شَخْصَ أَغْيَرُ
مِنَ اللهِ)).
٧٤١٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الَلِكِ، عَنْ
وَزَّادِ كَاتِبِ الْغِيرَةِ، عَنِ الْغِيرَةِ، قَالَ: قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا مَعَ أَمْرَأَتِي
لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَحٍ. فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ نَّهِ فَقَالَ: (تَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ
سَعْدٍ، والله لأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، والله أَغْيَرُ مِنِّي، وَمِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللهِ حَرَّمَ الفَوَاحِشَ
مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ، وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ العُذْرُ مِنَ اللهِ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ
المُبَشِّرِينَ وَالْمُنْذِرِينَ، وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ المِدْحَةُ مِنَ اللهِ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ
وَعَدَ اللهُ الجَنَّةَ)). [انظر: ٦٨٤٦ - مسلم: ١٤٩٩ - فتح ١٣/ ٣٩٩].
ثم ساق حديث عبد الملك عن وراد كاتب المغيرة، عن المغيرة
قَالَ: قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا مَعَ أَمْرَأَتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ
مُصْفَحٍ. فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ نَّهِ .. الحديث.
والصاد من (مصفح) ساكنة والفاء مكسورة ومفتوحة، أي: غير
ضارب بعرضه بل بحده، وصفحتا الشيء وجهاه العريضان، وغراراه:
حداه، فمن فتح الفاء جعله وصفًا للسيف وحالًا منه، ومن كسره
جعله وصفًا للضارب وحالاً .
واختلفت ألفاظ هذا الحديث: فرواه ابن مسعود مرفوعًا: ((لا أحد))
كما سلف في آخر النكاح(٢)، وفي رواية عبيد الله ورواية ابن مسعود مبينة
أن لفظ (الشخص) موضع (أحد) على أنه من باب المستثنى من غير
(١) ورد في هامش الأصل: شخص كذا في أصلينا القاهري والدمشقي.
(٢) سلف برقم (٥٢٢٠)، ورواه مسلم (٢٧٦٠).

كِتَابُ التّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
=
٢٧٧
جنسه وصفته، كقوله تعالى: ﴿مَا لَهُم بِهِ، مِنْ عِلْمٍ إِلَّا أَنْبَعَ الَّلِنِ﴾ [النساء
٥٧] وليس الظن من أتباع العلم بوجه، وأجمعت الأمة على أن الله تعالى
لا يجوز أن يوصف بأنه شخص؛ لأن التوقيف لم يرد به(١).
وقد منعت (المعتزلة)(٢) من إطلاق الشخص عليه مع قولهم: إنه
جسم واحد موضوع للاشتراك من الله تعالى ومن خلقه، وقد نص الله
تعالى على تسمية نفسه فقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ ﴾﴾
[الإخلاص:
١] وقد سلف في باب الغيرة من كتاب النكاح معنى الغيرة من الله
تعالى: أنها بمعنى الزجر عن الفواحش والتحريم لها(٣)؛ لأن الغيور
هو الذي يزجر عما يغار عليه، وقد بين ذلك عقبه بقوله: ((ولذلك
حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن)) والمعنى: أن سعدًا زجر عن
المحارم، وأنا أزجر منه عن الجميع، ومعنى الحديث: أن
الأشخاص الموصوفة بالغيرة لا تبلغ غيرتها غيرة الله تعالى وإن لم
یکن شخصًا .
وقال الداودي: قوله: ((لا شخص أغير من الله)). لم يأت متصلًا
ولم تتلق الأمة مثل هذه الأحاديث بالقبول، فإن صح فيحتمل أن الله
أغير من خلقه، ليس أحد منهم أغير منه، ولم يسم نفسه شخصًا،
إنما أتى مرسلًا، وهو يتوقى في الأحكام التي بالناس الضرورة إلى
العمل بها(٤).
(١) بل ورد، وصح به الخبر كما سيأتي بيانه.
(٢) في (ص١) المجسمة.
(٣) الصواب إثبات صفة الغيرة كما صح بها الخبر.
(٤) هكذا بالأصل، ولعل الصواب أنه يتوقى في الأحكام التي ليس للناس ضرورة إلى
العمل بها. وانظر ((عمدة القاري)) ٢٩٦/٢٠.

٢٧٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقال الخطابي: إطلاق الشخص في صفات الله غير جائز؛ لأن
الشخص إنما يكون جسمًا مؤلفًا، وخليق أن لا تكون هذه اللفظة
صحيحة وأن تكون تصحيفًا من الراوي. ودليل (ذلك)(١) أن أبا عوانة
رواه عن عبد الملك (٢)، فذكر هذا الحرف، وروته أسماء بنت أبي
بكر رضي الله عنهما مرفوعًا: ((لا شيء أغير من الله))(٣)، ورواه
أبو هريرة كذلك أيضًا (٤)، فدل ذلك على أن الشخص وهم وتصحيف.
فمن لم ينعم الاستماع لم يأمن الوهم، وليس كل الرواة يراعون
لفظ الحديث حتى لا يتعدوه، بل كثير منهم يحدث على المعنى،
وليس كلهم فقهاء، وفي كلام آحاد الرواة منهم جَفاء، وتعجرف،
وقال بعض كبار التابعين: نعم المرء ربنا لو أطعناه ما عصانا، ولفظ
المرء إنما يطلق في الدين في المذكور من الآدميين فأرسل الكلام
وبقي أن يكون لفظ الشخص جرى على هذا السبيل، إذ لم يكن
غلطًا من قبيل التصحيف(٥). ثم إن عبيد الله أنفرد به عن عبد الملك،
لم يتابع عليه فاعتوره الفساد من هذِه الوجوه، فدل على صحة
ما قلناه(٦).
(١) من (ص١).
(٢) رواه مسلم (١٤٩٩) كتاب: اللعان.
(٣) سبق برقم (٥٢٢٢)، ورواه مسلم (٢٧٦٢).
(٤) سبق برقم (٥٢٢٣).
(٥) أنظر ((الأسماء والصفات)) للبيهقي ٥٦/٢ -٥٧.
(٦) وتعقب الحافظ كلام الخطابي حول تضعيف رواية: ((لا شخص)) بقوله: وطعن
الخطابي ومن تبعه في السند مبني على تفرد عبيد الله بن عمرو به، وليس كذلك،
وكلامه ظاهر في أنه لم يراجع ((صحيح مسلم)) ولا غيره من الكتب التي وقع فيها
هذا اللفظ من غير رواية عبيد الله بن عمرو. ((الفتح)) ١٣/ ٤٠١.

٢٧٩
= كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالزَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
وقال ابن فورك: لفظ الشخص غير ثابت من طريق السند، فإن
صح فشأنه في الحديث الآخر، وهو قوله: ((لا أحد أغير من الله))
فاستعمل لفظ الشخص موضع أحد كما سلف، والتقدير: أن الأشخاص
الموصوفة بالغيرة لا تبلغ غيرتها، وإن تناهت غيرة الله، وإن لم يكن
شخصًا بوجه كما أسلفناه قال: وإنما منعنا من إطلاق لفظ الشخص
لأمور:
أحدها: أن اللفظ (لم)(١) يثبت من طريق السمع.
وثانيها: إجماع الأمة على المنع منه .
ثالثها: أن معناه أن تكون أجسامًا مؤلفة على نوع من التركيب، وقد
منعت المجسمة إطلاق الشخص مع قولهم بالجسم، فدل ذلك على
ما قلناه من الإجماع على منعه في صفته تعالى(٢).
فصل :
قوله: ( ((ما ظهر منها))) قال مجاهد: هو نكاح الأمهات في
الجاهلية. ( ((وما بطن))): الزنا(٣)، وقال قتادة: سرها وعلانيتها (٤).
فصل :
المحبة من الله تعالى إرادته من عباده طاعته وتنزيهه والثناء عليه(٥)؛
(١) مثبتة من هامش الأصل ومعنون عليها بـ: (لعله سقط).
(٢) سبق أن لفظة (شخص) قد صحت بها الرواية، فوجب علينا الإيمان بها، وإمرارها
كما جاءت پما يليق بذاته 284، من غير تأويل. كما سبق بيانه.
(٣) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٣٩٢/٥ (١٤١٥٠).
(٤) رواه الطبري ٣٩٢/٥ (١٤١٤٨).
(٥) صفة المحبة شأنها شأن سائر الصفات يجب إثباتها والإيمان بها كما جاءت،
وانظر التعليق السابق ص ١٨٥.

٢٨٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ليجازيهم بذلك، وقوله: ( ((ولا أحد أحب إليه العذر من الله))) معناه: ما ذكر
في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَقْبَلُ النَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، وَيَعْفُواْ عَنِ السَّيِّئَاتِ ﴾
[الشورى ٢٥] فالعذر في هذا الحديث التوبة والإنابة.