النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
تسعة وتسعين أسمًا))، وكيف تكون الذات الواحدة تسعة وتسعين شيئًا،
قالوا: وهذا كفر ممن قال به، فبان من هذا الحديث أن اسمه غيره.
فالجواب: أنه لو كان اسمه [غيره] (١) لم يجز أن يأمر نبيه بتنزيه
مخلوق غيره على ما قدمناه، ونرجع إلى تأويل الحديث فنقول:
المراد بالحديث التسمية؛ لأنه في نفسه واحد، والاسم يكون لمعنيين
يكون بمعنى المسمى، ويكون بمعنى التسمية التي هي كلامه فالذي
بمعنى المسمى هو المسمى والذي بمعنى التسمية لا يقال فيه: هو
المسمى ولا هو غيره، وإنما لم يقل فيه هو المسمى؛ لاستحالة كون
ذاته تعالى كلامًا وسادة مسده، ولم يقل أيضًا: هو غيره؛ لأن تسميته
وَلَ لنفسه ككلام له، ولا يقال في كلامه: إنه غيره(٢) .
فصل :
ومعنى الترجمة معنى قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْمُسْنَى فَادْعُوهُ بِّ﴾
[الأعراف ١٨٠] فأمر بدعائه بها ووصفه لها بالحسنى يقتضي نفي تضمن
كل أسم منها نقيض ما يوصف أنه حسن ونقيض الحسن: قبيح
لا يجوز على الله تعالى، ومعنى هذا أن عالمًا من أسمائه يقتضي
علمًا ينفي نقيضه من الجهل، وقادرًا يقتضي قدرة تنفي نقيضها من
العجز، وحيًّا يقتضي حياة تنفي ضدها من الموت، وكذلك سائر
صفاته تعالى كلها، ففائدة كل واحدة منها خلاف فائدة الأخرى،
فأمر تعالى عباده بالدعاء بأسمائه كلها؛ لما يتضمن كل اسم منها
ويخصه من الفائدة؛ ليجتمع للعباد الداعين له بجميعها فوائد عظيمة
ويكون معبودًا بكل معنى.
(١) ليست في الأصل، وبها يستقيم المعنى.
(٢) أنظر التعليق السالف ص ١٨٥ -١٨٨.

٢٤٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
١٤- باب مَا يُذْكَرُ في الذّاتِ وَالنَّعُوتِ وَأَسَامِي اللّهِ رَّ
وَقَالَ خُبَيْبٌ عَهُ: وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الإِلَهِ. فَذَكَرَ الذَّاتَ بِاسْمِهِ.
٧٤٠٢- حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ أَبي
سُفْيَانَ بْنِ أَسِيدِ بْنِ جَارِيَةَ الثَّقَفِيُّ - حَلِيفٌ لِبَنِي زُهْرَةَ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابٍ أَبِي هُرَيْرَةَ
- أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ إِلّهِ عَشْرَةً مِنْهُمْ خُبَيْبُ الأَنْصَارِيُّ، فَأَخْبَرَنِي
عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عِيَاضٍ أَنَّ ابنةَ الَحَارِثِ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهُمْ حِينَ أَجْتَمَعُوا أَسْتَعَارَ مِنْهَا مُوسَى
يَسْتَحِدُّ بِهَا، فَلَمَّا خَرَجُوا مِنَ الَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ قَالَ خُبَيْبُ الأَنَّصَارِيُّ:
وَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا عَلَى أَيِّ شِقِّ كَانَ الله مَصْرَعِي
وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعٍ
فَقَتَلَهُ ابن الحَارِثِ، فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ ◌َ ﴾ أَصْحَابَهُ خَبَرَهُمْ يَوْمَ أُصِيبُوا. [انظر: ٣٠٤٥-
فتح ١٣ /٣٨١].
ثم ساق قصته من حديث أبي هريرة ﴾ وشعره، وسلفت(١).
الشرح :
(أسامي) جمع أسماء، وأسماء: جمع أسم، وذكر عن الفراء:
أعيذك بأسماء ذات الله، واختلف في اشتقاقه:
فقال البصريون: من سموت؛ لأنه مزية ورفعة، وتقديره أسمى ذهب
منه لامه. وقال الكوفيون: من وسمت أي: علمت، واحتج الأولون بأن
جمعه أسماء وتصغيره: سُمَيٍّ، ولو كان من السمة لكان جمعه أوسام،
و[تصغيره](٢): أُسيم والتصغير والتكسير يردان الأسماء إلى أصولها.
واختلف البصريون في تقدير أسمه، فقال بعضهم: فعل مثل جدع،
(١) سبق برقم (٣٠٤٥)، كتاب: الجهاد والسير، باب: هل يستأسر الرجل.
(٢) في الأصل: جمعه. والسياق يقتضي ما أثبتنا.

٢٤٣
كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
-
وقيل: فعل وفيه لغات: بتثليث الهمزة، وسَم، وسُم، وسمات على وزن
هذات، وسمى على وزن هدى، ألفه ألف وصل، وربما قطعها الشاعر
ضرورة (١) .
فصل :
وقول خبيب:
(ما أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا عَلَى أَيِّ شِقٌّ كَانَ الله مَصْرَعِي)
فيه نقص من وزن البيت الثاني، وتحقيق وزنه: فلست أبالي .. إلى
آخره، كما ذكره في غزوة بدر؛ لأن وزنه: فعول مفاعيل فعول مفاعيلن.
وهو من الطويل.
(والشلو): العضو، و(ممزع): مقطع.
فصل :
أسماء الله تعالى أضرب:
أحدها: يرجع إلى ذاته ووجوده فقط لا إلى معنى يزيد على ذلك؛
كقولنا : الله موجود وذات ونفس.
ثانيها: يرجع إلى إثبات معاني قائمة به تعالى هي صفات له كقولنا :
حي وقادر وعالم ومريد، يرجع ذلك كله إلى حياة وعلم وقدرة وإرادة؛
لأجلها كان حيًّا قادرًا عالمًا مريدًا.
ثالثها: يرجع إلى صفات من صفته أو حاله كقوله: خالق ورازق
ومحيي ومميت، يرجع بذلك كله إلى خلق ورزق وحياة وموت،
وذلك كله فعل له تعالى، فأما إثباته ذاتًا وسببًا ونفسًا فطريقه السمع،
(١) أنظر: ((لسان العرب)) ٢١٠٩/٤، مادة (سما)، ((الإنصاف في مسائل الخلاف))
ص٤- ١٢.

٢٤٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وقد سمع رسول الله وَل﴿ل قول خبيب: (وذلك في ذات الإله). فلم
ينكره، فمعيار طريق العلم من التوقيف منه الشارع، وذاته هي هو.
ومعنى قوله: (في ذات الإله): في دين الإله وطاعته(١).
تجمع هذِه الأضرب الثلاثة أسماء الله تعالى في الحقيقة كل منها
ما يتضمن صفة ترجع إلى ذاته أو إلى فعل من أفعاله أم لا فكل صفة
اسم الله تعالى وليس كل اسم صفة.
ومذهب أهل السنة أنه محال أن يقال في صفات ذاته، أن كل واحد
منها غير الأخرى، كما استحال القول عندهم بأنه غيره تعالى؛ لأن حد
الغيرين ما جاز وجود أحدهما مع عدم الآخر، ولما لم يجز على شيء
من صفاته عدم إحداها مع وجود سائرها استحال وصفها بالتغاير
كما استحال وصفه بأنه غيرها؛ لقيام الدليل على استحالة وجوده
تعالى مع عدم صفاته التي هي حياته وعلمه وقدرته وسائر صفات
ذاته، وليس كذلك صفات أفعاله؛ لأن أفعاله متغايرة يجوز وجود
بعضها مع عدم سائرها كالرزق.
وسائر صفات أفعاله التي تتضمنها أسماء له أطلقها الله تعالى على
نفسه كرازق وخالق ومحيي ومميت وبديع، وما شاكل ذلك، فهذه كلها
أسماء الله تعالى سمى نفسه بها، وتسميته قوله، وقوله ليس غيره كسائر
صفاته، ومتضمن هذِه الأسماء متغاير على ما ذكرنا، وغير له تعالى؛
لقيام الدليل على وجوده في أزله مع عدم جميع أفعاله.
(١) سبق أن الصواب إمرار صفات الله ومك كما جاءت.

٢٤٥
كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
=
١٥- باب قَوْلِ اللّهِ مَّ:
قلے
﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨]
وَقَوْلِهِ: ﴿تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَا أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦].
٧٤٠٣ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُّ حَقْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَغْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ
عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِّ ◌َّ قَالَ: ((مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الفَوَاحِشَ،
وَمَا أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ المَدْحُ مِنَ اللهِ)). [انظر: ٤٦٣٤ - مسلم: ٢٧٦٠ - فتح ١٣ / ٣٨٣].
٧٤٠٤- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الأَغْمَشِ، عَنْ أَبِ صَالِحِ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َيَ قَالَ: (لَمَّا خَلَقَ اللهُ الخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ -هُوَ يَكْتُبُ عَلَى
نَفْسِهِ، وَهُوَ وَضْعٌ عِنْدَهُ عَلَى العَرْشِ - إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي)). [انظر: ٣١٩٤-
مسلم: ٢٧٥١ - فتح ١٣ / ٣٨٤].
٧٤٠٥ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَقْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَغْمَشُ، سَمِعْتُ أَبَا صَالِحِ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ◌َُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّه: ((يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي،
وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلا
ذَكَرْتُهُ فِي مَلِ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ
إِلَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَثَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً)). [انظر: ٧٥٠٥، ٧٥٣٧ -
مسلم: ٢٦٧٥ - فتح ١٣ / ٣٨٤].
ذكر فيه حديث شقيق عن عبد الله ع، عَنِ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: «مَا مِنْ
أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ وَ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الفَوَاحِشَ، وَمَا أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ
المَدْحُ مِنَ اللهِ رَّ)). وقد سلف.
وحديث أبي هريرة : عَنِ النَّبِّ نََّ قَالَ: (لَمَّا خَلَقَ اللهُ وَّ الخَلْقَ
كَتَبَ فِي كِتَابِهِ - هُوَ يَكْتُبُ عَلَى نَفْسِهِ، وَهُوَ وَضْعٌ عِنْدَهُ عَلَى العَرْشِ - إِنَّ
رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي)).

٢٤٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وحديثه أيضًا: قَالَ: قَالَ رسول الله وَّهِ: (يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ
ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي،
وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلِ ذَكَرْتُهُ فِي مَلِ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شبرًا تَقَرَّبْتُ
منه ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ منه بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ
هَرْوَلَةً)».
الشرح :
معنى قوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ أي: إياه، تقول قتل نفسه أي:
أوقع الهلاك بذاته كلها. وقيل: يحذركم عقابه.
وقوله: ﴿تَعْلَمُ مَا فِىِ نَفْسِى وَلََّ أَعْلَمُ مَا فِىِ نَفْسِكَ﴾ قال ابن الأنباري:
أي تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في غيبك. وقال الزجاج: النفس عند
أهل اللغة على معنيين: أحدهما: أن يراد بها بعض الشيء، والآخر: أن
يراد بها الشيء كله، فالمعنى: تعلم حقيقتي وما عندي، والدليل عليه
قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّهُ الْغُيُوبِ﴾، وقال غيره: تعلم غيبي
ولا أعلم غيبك، وقيل: تعلم ما في نفسي ولا أعلم أنا ما فيها
فأضاف نفسه إلى الله تعالى؛ لأنه خالقها(١).
وقال ابن بطال: ما ذكر في الآيتين والأحاديث من ذكر النفس،
فالمراد به إثبات نفس لله تعالى. والنفس لفظ يحتمل معاني، والمراد
بنفسه: ذاته، فنفسه ليس بأمر يزيد عليه تعالى، فوجب أن تكون نفسه
هي هو، وهو إجماع وللنفس وجوه أخر لا حاجة بنا إلى ذكرها إذ
الغرض من الترجمة خلاف ذلك (٢).
(١) أنظر هذِه الأقوال في ((تفسير الماوردي)) ٨٨/٢، ((تفسير البغوي)) ١٢٢/٣.
(٢) ((شرح ابن بطال)) ١٠/ ٤٢٧. وهذا هو الصواب كما سبق بيانه .

٢٤٧
= كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالزَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
فصل :
قوله: ( ((وما من أحد أحب إليه المدح من الله))) يقرأ برفع (أحب)؛
لأنه خبر مقدم على المبتدأ والمبتدأ (المدح)، ولا يرفع المدح بأحب في
هذِهِ المسألة، ويكون المبتدأ والخبر في موضع نصب خبر (ما) إن جعلها
حجازية، وإن جعلها تميمية فتكون في موضع رفع خبر المبتدأ وهو
(أحد).
فصل :
وقوله: ( ((وَهُوَ وَضْعٌ عِنْدَهُ))) نقول: على ما يشاء، وقيل: وضع
ذلك على العرش، وقيل: معنى (عنده): أنه عالم به، فمعنى الخبر
أنه كتبه وهو لا يخفى عنه ولم يستعن بكتابه عليه؛ لئلا ينساه،
و(عند) بمعنى: قرب المكان على المسافة، يقال: وضع الشيء من
يده وضعًا إذا ألقاه(١) .
وقال عياض: ضبطه القابسي وغيره بفتح الواو وإسكان الضاد(٢)،
وعند أبي ذر (فوضَعَ)) بفتح الضاد والعين، وقال الأصمعي: الوضائع
(كتب)(٣) يكتب فيها الحكمة.
وقال ابن بطال: (عند) في ظاهر اللغة تقتضي أنها للموضع، وأنه
تعالى يتعالى عن الحلول في المواضع؛ لأن ذلك من صفات
الأجسام إذ الحالُّ في موضع لا يكون بالحلول فيه بأولى منه بالحلول
في غيره إلا لأمر يخص حلوله فيه، والحلول فيه عرض من
الأعراض، يفنى بمجيء حلول آخر يحل به في غير ذلك المكان،
(١) أنظر: (لسان العرب)) ٤٨٥٧/٨ مادة (وضع).
(٢) ((مشارق الأنوار)) ٢٩٠/٢.
(٣) من: (ص١).

٢٤٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
والحلول محدث والحوادث لا تليق به تعالى، لدلالتها على حدث من
قامت به، فوجب صرف (عند) عن ظاهرها إلى ما يليق به تعالى؛ وهو
أنه أراد القَّ إثبات علمه بإثابة من سبق علمه أنه عامل بطاعته، وعقاب
من سبق علمه أنه عامل بمعصيته. و(عند) وإن كان وضعها في اللغة
المكان فقد يتوسع فيها فتجعل لغير المكان، كقوله الظفيها: ((أنا عند ظن
عبدي بي)) ولا مكان هناك(١).
فصل :
وقوله: ( ((إن رحمتي تغلب غضبي))) قد سلف أن رحمة الله تعالى
إرادته الإثابة المطيعين له، وغضبه إرادته لعقاب العاصين له، وإذا كان
ذلك كذلك كان معنى قوله: ((إن رحمتي تغلب غضبي»: إن إرادتي
ثواب الطائعين لي هي إرادتي أن لا أعذبهم، وهو معنى قوله تعالى:
﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْمُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فإرادته
بهم اليسر هي إرادته أن لا يريد بهم العسر، وكان ما أراد من ذلك
بهم لم يكن ما لم يرده، فعبر الثَّر عن هذا المعنى بقوله: ((إن رحمتي
تغلب غضبي)).
وظاهر قوله يفيد أن رحمته وغضبه معنيان، أحدهما: غالب للآخر
وسابق له، وإذا ثبت أن إرادته واحدة وصفة من صفات ذاته، وأنَّ رحمته
وغضبه ليسا بمعنى أكثر من إرادته التي هي متعلقة بكل ما يصح كونه
مرادًا وجب صرف كلامه عن ظاهره؛ لأن إجراء الكلام على ظاهره
يقتضي حدث إرادته ولو كانت له إرادات كثيرة متغايرة. (٢)
(١) ((شرح ابن بطال)) ٤٢٨/١٠.
(٢) الصواب إثبات صفتي الرحمة والغضب وأنهما غير الإرادة، وانظر ما سلف من
تعليق ص ١٨٥ - ١٨٨.

٢٤٩
= ڪِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
فصل :
وقوله: ( ((أنا عند ظن عبدي بي))) يقول: إن كان فيه شيء من الرجاء
حققت رجاءه؛ لأنه لا يرجو إلا مؤمن بأن له ربًّا يجازي، وقوله: ( ((في
ملأ خير منهم))) يعني: الملائكة المقربين.
وفيه: دليل على فضل الملائكة، ويحتمل أن يكون على عمومه
وتكون الملائكة خير الخلق، ولا أقول به، ويحتمل أن يكون يخبر
الشارع بذلك أمته، فيريد أن الملائكة خير ممن بعد الأنبياء.
وقد اختلف في الأنبياء والملائكة: أيهم أفضل؟
قال ابن فورك: ومن ذهب إلى تفضيل الأنبياء والأولياء من الآدميين
(على الملائكة)(١) قال: معنى قوله: ((خير منه)) يرجع إلى الذكر كأنه
قال: بذكر خير من ذكره؛ لأجل أن ذكر العبد الله دعاء وتضرع، وذكر
الله له إظهار لرحمته وكرامته وذلك خير للعبد وأنفع، وهذا يرد عليه
هذا الخبر؛ لأن فيه ملأ خير منهم.
وقيل: العلماء أفضل من الملائكة.
وقال ابن بطال: هذا الحديث نص من الشارع على أن الملائكة
أفضل من بني آدم ثم قال: وهو مذهب جمهور أهل العلم، وعلى
ذلك شواهد من كتاب الله تعالى منها قوله تعالى: ﴿مَا نَنَكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ
هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف ٢٠] ولا شك
أن الخلود أفضل من الفناء، وأن الملائكة أفضل من بني آدم،
وإلا فلا يصح معنى الكلام (٢).
(١) من (ص١).
(٢) ((شرح ابن بطال)) ٤٢٩/١٠.

٢٥٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
قلت: لا أوافقه على أن هذا مذهب الجمهور، بل الجمهور على
تفضيل البشر، وهذه نزعة أعتزالية، فأشرف المخلوقات بنو آدم الذين
جعل الله خيرته منهم فلو كان غيرهم أشرف لصيره منهم(١).
فصل :
ووصفه تعالى لنفسه بأنه يتقرب إلى عبده، ووصف العبد بالتقرب
إليه ووصفه بإتيانه هرولة، فإن التقرب والإتيان، وإن كان يحتمل
الحقيقة والمجاز وحملها على الحقيقة يقتضي قطع المسافات وترائي
الأجسام وذلك لا يليق به تعالى فاستحال حملها عليه، فتعين المجاز
الشهرة ذلك في كلام العرب(٢)، فوجب أن يكون وصف العبد
بالتقرب إليه شبرًا أو ذراعًا، وإتيانه ومشيه هرولة معناه: التقرب إليه
بطاعته وأداء مفروضاته، ويكون تقربه تعالى من عبده وإتيانه كذلك
عبارة عن إثابته على طاعته من رحمته، ويكون معنى قوله: ((أتيته
هرولة)) أي: أتاه ثوابي مسرعًا .
قال الطبري: وإنما مثل القليل من الطاعة (بالشبر)(٣) منه، والضعف
من الكرامة والثواب بالذراع فجعل ذلك دليلًا على مبلغ كرامته لمن أكرم
(١) اختلف في هذِه المسألة، ونقل شارح ((الطحاوية)) عن أهل السنة تفضيل صالحي
البشر والأنبياء على الملائكة، وذكر عن الإمام أبي حنيفة أنه سُئل عنها، فلم يقطع
فيها بجواب. اهـ وسئل ابن تيمية فأجاب بأن صالحي البشر أفضل باعتبار كمال
النهاية، والملائكة أفضل باعتبار البداية. انظر ((شرح الطحاوية)) ص ٢٨١،
((مجموع الفتاوى)) ٤/ ٣٤٣.
(٢) الصواب إثبات صفات الله كما جاءت مع العلم بأنه ليس كمثله شيء، وانظر
تعليقنا السالف ص ١٨٥- ١٨٨، ٢٢٥.
(٣) في الأصل: (والشبر)، والمثبت من (ص١).

كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
٢٥١
-
على طاعته أن (ثواب)(١) عمله له على عمله الضعيف وأن إكرامه مجاوز
حده إلى ما بينه تعالى.
فإن قلت: فما معنى قوله: ((إذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي)) قيل
معناه: إذا ذكرني بقلبه مخفيًا ذلك عن خلقي، ذكرته برحمتي وثوابي
مخفيًا ذلك عن خلقي حتى لا يطلع عليه أحد منهم (٢)، وإذا ذكرني
في ملأ من عبادي ذكرته في ملأ من خلقي أكثر منهم وأطيب.
وقد اختلف السلف أيهما أفضل الذكر بالقلب أو باللسان:
فروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: لأن أذكر الله في نفسي
أحب إلي من أن أذكره بلساني سبعين مرة. وروي عن أبي عبيدة بن
عبد الله بن مسعود قال: مادام قلب الرجل يذكر الله فهو في صلاة،
وإن كان في السوق وإن تحرك بذلك اللسان والشفتان فهو أعلم (٣).
قال الطبري: والصواب أن خفاء الذكر أفضل من ظهوره لمن لم
يكن إمامًا يقتدى به، وإن كان في محفل أجتمع أهله لغير ذكر الله
أو في سوق وذلك أنه أسلم له من الرياء.
روينا من حديث سعد بن أبي وقاص ، عن رسول الله وَل أنه
قال: ((خير الرزق ما يكفي، وخير الذكر الخفي)) (٤).
(١) في الأصل: (يقول)، والمثبت من (ص١).
(٢) أنظر ما سلف من إثبات صفة النفس.
(٣) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) ٤/ ٢٠٤.
(٤) رواه أحمد ١/ ١٧٢، وابن أبي شيبة ٨٦/٦ (٢٩٦٥٤)، و١٠٥/٧ (٣٤٣٦٦)،
وأبو يعلى في («مسنده)) ٢/ ٨١-٨٢ (٧٣١)، والبيهقي في ((الشعب)) ٤٠٧/١ (٥٥٢)،
وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) ٨١/١٠: رواه أحمد وأبو يعلى، وفيه محمد بن
عبد الرحمن ابن لبيبة، وقد وثقه ابن حبان وقال: روى عن سعد بن أبي وقاص.
قلت -أي الهيثمي -: وضعفه ابن معين، وبقية رجالهما رجال الصحيح. اهـ.

٢٥٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
ولمن كان بالخلوة أن يذكر الله بقلبه ولسانه؛ لأن شغل جارحتين
بما يرضي الله أفضل من شغل جارحة، وكذلك شغل ثلاث جوارح
أفضل من شغل جارحتين وكل ما زاد فهو أفضل.

٢٥٣
=
كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
١٦- باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]
٧٤٠٦- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ
قَالَ: لَا نَزَلَتْ هذِه الآيَةُ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ﴾
[الأنعام: ٦٥] قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((أَعُوذُ بِوَجْهِكَ)). فَقَالَ: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾
[الأنعام: ٦٥] فَقَالَ النَّبِيُّ ◌ِهِ: ((أَعُوذُ بِوَجْهِكَ)). قَالَ: ﴿أَوَ يَلْسَكُمْ شِيَعًا﴾ [الأنعام:
٦٥] فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّ: ((هذا أَيْسَرُ)). [انظر: ٤٦٢٨ - فتح ١٣/ ٣٨٨].
ذكر فيه حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: لَمَّا نَزَلَتْ هذِهِ
الآيَةُ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِن فَوْقِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥] قَالَ
النَّبِيُّ وَلَ: ((أَعُوذُ بِوَجْهِكَ)). الحديث، وقد سلف (١)، قال سفيان في
قوله: ﴿إِلَّا وَجْهَمْ﴾ .
قال أبو عبيدة: إلا جاهه(٢)، واحتج بقوله: لفلان جاه في الناس
أي: وجه، وقيل: إلا إياه كقولك: أكرم الله وجهه، وفلان وجه القوم.
واستدلاله من هُذِه الآية، والحديث على أن الله وجهًا هو صفة ذاته
لا يقال: هو هو ولا هو غيره بخلاف قول المعتزلة، ومحال أن يقال هو
جارحة كالذي نعلمه من الوجوه، كما لا يقال: هو تعالى فاعل وحي
وعالم كالفاعلين والأحياء والعلماء الذين نشاهدهم وإذا استحال
قياسه تعالى على الشاهد والحكم له بحكمهم مع مشاركتهم (له)(٣)
(١) سلف برقم (٤٦٢٨) كتاب: التفسير، باب: ﴿قُلْ هُوَ اُلْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ﴾.
(٢) انظر: ((مجاز القرآن)) ١١٢/٢، ((تفسير الماوردي)) ٢٧٣/٤، ((زاد المسير))
٢٥٢/٦.
(٣) في الأصل: (لهم) والمثبت من (ص١).

٢٥٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
في التسمية، كذلك يستحيل الحكم لوجهه تعالى الذي هو صفة ذاته
بحكم الوجوه التي نشاهدها، وإنما لم يجز أن يقال: إن وجهه
جارحة؛ لاستحالة وصفه تعالى بالجوارح؛ لما فيها من أثر الصنعة
ولم يقل في وجهه: إنه هو؛ لاستحالة كونه تعالى وجهًا .
وقد اجتمعت الأمة على أنه لا يقال: يا وجه اغفر لي، ولم يجز أن
يكون وجهه غيره؛ لاستحالة مفارقته له بزمان أو مكان أو عدم أو وجود،
فثبت أن له وجهًا لا كالوجوه؛ لأنه ليس كمثله شيء.

٢٥٥
= كِتَابُ التَّوحِيدِ وَالَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
١٧- باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِيّ﴾ [طه: ٢٩]
: تُغَذىُ. وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤].
٧٤٠٧- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ:
ذُكِرَ الدَّجَّالُ عِنْدَ النَّبِيِّ وَّةِ، فَقَالَ: ((إِنَّ اللهَ لَا يَخْفَى عَلَيْكُمْ، إِنَّ اللهَ لَيْسَ بِأَغْوَرَ
-وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى عَيْنِهِ - وَإِنَّ المَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ العَيْنِ الْيُمْنَى، كَأَنَّ عَيْنَهُ
عِنْبَةٌ طَافِيَةٌ)). [انظر: ٣٠٥٧ - مسلم: ١٦٩ - فتح ١٣/ ٣٨٩].
٧٤٠٨- حَدَّثَنَا حَقْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، أَخْبَرَنَا قَتَادَةُ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا
◌ُهُ، عَنِ النَّبِيِّ نََّ قَالَ: «مَا بَعَثَ اللهُ مِنْ نَبِيِّ إِلَّا أَنْذَرَ قَوْمَهُ الأَعْوَرَ الكَذَّابَ،
إِنَّهُ أَعْوَرُ، وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ)). [انظر: ٧١٣١ - مسلم:
٢٩٣٣- فتح ١٣/ ٣٨٩].
ذكر فيه حديث نافع عن عبد الله ﴾ قَالَ: ذُكِرَ الدَّجَالُ عِنْدَ رسول الله
وَ﴿ه، فَقَالَ: ((إِنَّ اللهَ لَا يَخْفَى عَلَيْكُمْ، إِنَّ اللهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ)).
وحديث أنس : فيه أيضا ((إنه أعور وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَغْوَرَ)).
الشرح :
ما ذكره في تفسير: ﴿وَلِنُصْنَعَ عَلَى عَيْنِىّ﴾ هو قول قتادة(١)، وهو
معروف في اللغة يقال: صنعت الفرس وصنعته إذا أحسنت القيام
عليه، واستدلاله من هذِه الآية والحديث على أن الله تعالى (صفة)(٢)
سماها (عينا) ليست هو ولا غيره، وليست كالجوارح المعقولة بيننا؛
(١) رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) ٧/ ٢٤٢٢ (١٣٤٣٢)، وانظر: ((تفسير الماوردي))
٤٠٢/٣، و((الدر المنثور)) ٥٢٩/٤.
(٢) في الأصل: (صنعة)، والمثبت من (ص١).

٢٥٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
لقيام الدليل على استحالة وصفه بأنه ذو جوارح وأعضاء تعالى عن
ذلك، خلافًا لما تقوله المجسمة من أنه تعالى جسم لا كالأجسام.
واستدلوا على ذلك بهذِه، كما استدلوا بالآيات المتضمنة لمعنى
الوجه، واليدين. ووصفه لنفسه بالإتيان والمجيء والهرولة في حديث
الرسول، وذلك كله باطل وكفر من متأوله؛ لقيام الدليل على تساوي
الأجسام في دلائل الحدث القائم بها واستحالة كونه من جنس
المحدثات، إذ المحدث إنما كان محدثًا من حيث متعلق هو متعلق
بمحدث أحدثه، وجعله بالوجود أولى منه بالعدم(١).
فإن قالوا: الدليل على صحة ما نذهب إليه من أنه تعالى جسم أنه
-أي: الله- ليس بأعور، وإشارته إلى عينه، وأن المسيح الدجال أعور
عين اليمنى ففي إشارته إلى عينه بيده تنبيه منه على أن عينه كسائر
الأعين.
قلنا لهم: قد تقدم في دليلنا استحالة كونه جسمًا؛ لاستحالة كونه
محدثًا، وإذا صح ذلك وجب صرف قوله، وإشارته بيده إلى معنى
يليق به وهو نفي النقص والعور عنه تعالى، وأنه ليس كمن لا يرى
ولا يبصر بل هو منتفٍ عنه جميع النقائص والآفات التي هي أضداد
(١) قال ابن تيمية في ((العقيدة الواسطية)) ص ٢٢: (إن عيني الله من صفاته الذاتية الثابتة
له حقيقة على الوجه اللائق به ينظر بهما ويبصر ويرى ودليل ذلك قوله: ﴿وَلِنُصْنَعَ
عَلَى عَيْنِىّ﴾ ولا يجوز تفسيرها بالعلم ولا بالرؤية مع نفي العين لأنه مخالف لظاهر
اللفظ وإجماع السلف على ثبوت العين لله). وأولى ما حملت عليه هذه الآية أن
يقال فيها: أي على نظر مني ومرأى فأنت بحفظي ورعايتي.
انظر: ((الفتاوى)) لابن تيمية ١٣٣/٣، ((القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه
الحسنى)) ص ٩٠.

٢٥٧
= ڪِتَابُ التَّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
البصر والسمع وسائر صفات ذاته التي يستحيل وصفه بأضدادها، إذ
الموصوف بها تارة وأضدادها أخرى محدث مربوب؛ لدلالة قيام
الحوادث به على حدثه.
فصل :
قد أسلفنا أن قوله: ((طافية)) تروى بغير همز، أي: بارزة ظاهرة،
وكذا الرواية هنا، وبهمز أي: غائرة مفقوءة أي: ذهب ماؤها .
وقوله: ( (مكتوب بين عينيه كافر)))، وقيل: يعني أنه سمي بذلك،
وكتب بين عينيه العوراء والصحيحة.

٢٥٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
١٨- باب قَوْلِ اللّهِ رَّ:
﴿هُوَ اللَّهُ الْخَلِقُ الْبَارِئُ اَلْمُصَوِّرِّ﴾(١)
٧٤٠٩- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا عَقَّنُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا مُوسَى - هُوَ ابن
عُقْبَةَ - حَدَّثَنِي ◌ُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَبَّنَ، عَنِ ابن مُخَيْرِيزٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ فِي غَزْوَةِ
بَنِي المُصْطَلِقِ أَنَّهُمْ أَصَابُوا سَبَايَا، فَأَرَادُوا أَنْ يَسْتَمْتِعُوا بِهِنَّ وَلَا يَجْمِلْنَ، فَسَأَلُوا النَّبِيَّ
عَنِ العَزْلِ، فَقَالَ: ((مَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا، فَإِنَّ اللهَ قَدْ كَتَبَ مَنْ هُوَ خَالِقٌ إِلَى يَوْمِ
القِيَامَةِ)). وَقَالَ مُجَاهِدٌ: عَنْ قَزَعَةَ، سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ فَقَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َةِ: ((لَيْسَتْ نَفْسٌ
مَخْلُوقَةٌ إِلَّ اللهُ خَالِقُهَا)). [انظر: ٢٢٢٩ - مسلم: ١٤٣٨ - فتح ١٣ / ٣٩٠].
ذكر فيه حديث ابن محيريز، عن أبي سعيد الخدري : في غَزْوَةِ
بَنِي المُصْطَلِقِ أَنَّهُمْ أَصَابُوا سَبَايَا .. الحديث، وقد سلف في بابه(٢).
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: عَنْ قَزَعَةَ، سألت أَبَا سَعِيدٍ فَقَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َله :
((لَيْسَتْ نَفْسٌ مَخْلُوقَةٌ إِلَّ اللهُ خَالِقُهَا)) .
الشرح :
ابن محيريز اسمه: عبد الله، وكنيته، أبو محيريز بن محيريز بن
جنادة بن وهب بن لوذان بن سعد بن جمح القرشي الجمحي (المكي
رباه أبو محذورة أوس بن معير بن لوزان بن جمح)(٣)، أحد المؤذنين
كان بمكة وقتل أخوه أنيس بن معير كافرًا ببدر.
قال رجاء بن حيوة: إن يفخر علينا أهل المدينة بعابدهم ابن عمر
(١) ورد بهامش الأصل: في نسخة صحيحة: باب ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَلِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوَّرِّ﴾.
(٢) سلف برقم (٤١٣٨)، كتاب: المغازي، باب: غزوة بني المصطلق.
(٣) من: (ص١) وفي هامش الأصل: سقط من هنا شيء، ولعله: رباه أبو محذورة،
وقتل أخوه، أي: أخو أبي محذورة. والله أعلم.

٢٥٩
كِتَابُ التّوحِيدِ وَالرَّدِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ
===
رضي الله عنهما فإنا نفخر بعابدنا ابن محيريز، إن كنت لأعدُّ أن بقاءه
أمانًا لأهل الأرض (١)، مات قبل المائة، إما في خلافة عمر بن
عبد العزيز أو في خلافة الوليد بن عبد الملك بالشام، أخرجوا له(٢).
واسم أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان، ولقب سنان الشهيد بن
ثعلبة بن عبيد بن الأبجر وهو خدرة بن عوف بن الحارث بن
الخزرج، مات سنة أربع وسبعين.
فصل :
والسبايا جمع سبيئة بالهمز وهي المرأة التي تُسبَى مثل: خطيئة
وخطايا، وكان الأصل سبائئ وخطائئ على فعائل، فلما اجتمعت
الهمزتان قلبت الثانية ياء؛ لأن قبلها كسرة ثم أستثقلت، والجمع
ثقيل. وهو معتل مع ذلك قلبت الياء ألف، ثم قلبت الهمزة الأولى
بإلحاقها بين الألفين.
وقوله: (يستمتعوا بهن ولا يحملن). يعني: الوطء، وفي رواية:
وأحبوا الأثمان(٣)، وفي رواية أخرى: أحببنا الفداء(٤)، وفيه دليل
على داود في إجازته بيع أمهات الأولاد.
وقوله: ( ((ما عليكم أن لا تفعلوا))). وقيل معناه: إباحة العزل،
وقيل: النهي عنه. وفي مسلم أنه الوأد الخفي.
﴾﴾ [التكوير: ٨](٦).
وفي أخرى (زيادة)(٥): ﴿وَإِذَا الْمَوْءُردَةُ سُئِلَتْ
(١) أنظر: ((سير أعلام النبلاء)) ٤٩٥/٤ -٤٩٦.
(٢) أنظر: ((أسد الغابة)) ٣٧٨/٣ (٣١٧٠)، و((الإصابة)) ١٤٠/٣ (٦٦٣٣).
(٣) سبق برقم (٢٢٢٩)، كتاب: البيوع، باب: بيع الرقيق.
(٤) أبو داود (٢١٧٢)، ((الموطأ)) ص ٣٦٧. (٥) من (ص١).
(٦) مسلم (١٤٤٢)، كتاب: النكاح، باب: جواز الغيلة.

٢٦٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
فصل :
قال الأصيلي: كان سبي بني المصطلق من عبدة الأوثان اللائي
لا يجوز وطؤهن بملك، وإنما أجاز العليا وطأهن لأصحابه قبل قوله
تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] وقيل: إنهن
أسلمن، فلذلك حل وطؤهن.
وقال ابن أبي زيد في قوله: ((ما من نسمة كائنة)) إلى آخره. ما يدل
على أن الولد يكون مع العزل، ولهذا قال العلماء: من أقر بوطء أمته،
وادعى العزل لحق به الولد. وهو الأصح عندنا فيحرم نفيه؛ لأن الإسباق
ومثل هذا يكون معنى قوله: ((ليست نفس مخلوقة إلا الله خالقها)).
فصل :
الخالق المبدع والمنشئ لأعيان المخلوقات، وهو معنى لا يشاركه
فيه أحد من خلقه، ولم يزل الله مسميًا لنفسه خالقًا ورازقًا على معنى أنه
يخلق ويرزق لا على معنى أنه خلق الخلق، في أزله، لاستحالة قدم
العالم، والخلق أيضًا يكون بمعنى التصوير، وهذا أمر يصح مشاركة
الخلق فيه له فالخلق المذكور هنا بمعنى الإبداع والاختراع لأعيان
السموات والأرض، والخلق بمعنى: التصوير، قوله تعالى: ﴿وَإِذْ
تَّخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ [المائدة ١١٠]. أي: تصور لا تخترع.
ومنه قول الشاعر:
فلأنت تفري ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفري