النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ كِتَابُ الاعْتِصَامِ بالكِتَابِ وَالشُّنَّةِ فصل : قال الداودي: وقوله: ((مروا أبا بكر)). وقال: ((إنكن لأنتن صواحب يوسف)). فيه دليل على أن أوامره على الوجوب وأن في مراجعته بعض المكروه، واحتج بهذا الحديث على الثوري القائل: يؤم القوم أقرؤهم. فإن أبا بكر لما كان أعلم الصحابة وأفضلهم قدمه الشارع، وإن كان فيهم من هو أقرأ منه، قال عمر : أُبي أقرؤنا(١). وقوله: (لن يسمع الناس من البكاء) فيه: أن البكاء من خشية الله لا يقطع الصلاة. وحمله جمهور أصحابنا على ما إذا لم يبن منه حرفان، وفيه دليل على جواز القول بالرأي، ولذلك أقرها الشَّي على اعتراضها علیه، فيصغى إليه. وقوله: ((صواحب يوسف)). قيل: يريد جنس النساء، وقيل: أمرأة العزيز، وأتى بلفظ الجمع كما يقال: فلان أتى النساء، ولعله إنما مال إلى واحدة منهن، فذكرهما بفساد رأي من تقدم من جنسهن فإنهن دعون إلى غير صواب مثلهما. فصل : والأحمر في حديث سهل: الشديد الحمرة. والوَحَرَة - بالتحريك- دويبة حمراء تلزق بالأرض كالوزغة تقع في الطعام فتفسده، وقيل: كالعضاءة إذا دبت على الأرض، وحر أي فسد، وقيل: هي دويبة فوق (العدسة)(٢) حمراء. والأسحم: الأسود، والآلية بفتح الهمزة. وأتى هُهنا بهذا الحديث؛ لأن الحكم يشتمل على حدّ إلى الأبد، كما نبه عليه الداودي. (١) سلف برقم (٤٤٨١). (٢) هكذا في الأصل، وفي ((عمدة القاري)) ٢٢١/٢٠: العرسة. ٦٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = فصل : ودخول عثمان ومن معه # قبل علي والعباس رضي الله عنهما ليكلما عمر ث في القضاء بينهما. و(الرهط): ما دون العشرة ليس فيهم أمرأة. وقول العباس: (اقضِ بيني وبين الظالم) أي في هذا الأمر على ما تأول، ليس أنه يظلم الناس. وقوله: فاستبا: قال الداودي: يعني أن كل واحد منهما يدعي أنه ظُلم في هذا الأمر ليس أن عليًّا يسب العباس بغير ذلك؛ لأنه كأبيه، ولا أن العباس يسب(١) عليًّا؛ لفضله وسابقته. وقوله لعلي والعباس: (إن رسول الله وَّل قال ذلك، قالا: نعم)، ثم قال في سياق حديثه: (جئتني تسألني ميراثك) إلى آخره، فإنما قالا ذلك أنه التَّ قال: ((لا نُورث))، لم يذكرا أو أحدهما من قصد رجعا إلى قوله، قاله الداودي، قال: وقوله: (وأنتما تقولان إن أبا بكر فيها كذا) يعني منعه الميراث، وهما لا يقولان ذلك إلا قبل علمهما أو في حال تسابهما أنه الطريفة قال: ((لا نُورث)). خاتمة: وفي قول علي : (ما عندنا إلا كتاب الله وما في هذِه الصحيفة) تبكيت(٢) من تنطع وجاء بغير ما في الكتاب والسنة من قياس فاسد لا أصل له من كتاب الله ولا سنة، فإن كان له أصل فيهما أو إجماع فهو محمود، وهو الاجتهاد والاستنباط كما سنعود إليه بعد. (١) في هامش الأصل: هذا يرده ما في ((صحيح مسلم)) من قول العباس لعمر: أقض بيني وبين هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن. (٢) في الأصل: (يثلب)، والمثبت من ((فتح الباري)) ٢٧٩/١٣، ((عمدة القاري)) ٢١٨/٢٠ نقلاه عن الكرماني. ٦٣ كِتَابُ الاعْتِصَامِ بالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ٦- باب إِثْم مَنْ آوى مُحْدِثًا ◌ُ عَنِ النَّبِيِّ وَِّ. [انظر: ١٨٧٠] رَوَاهُ عَلِيٍّ ٧٣٠٦- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ قَالَ: قُلْتُ لأَنَسٍ: أَحَرَّمَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ المدِينَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، مَا بَيْنَ كَذَا إِلَى كَذَا، لَا يُقْطَعُ شَجَرُهَا، مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثَا فَعَلَيْهِ لَغْنَةُ اللهِ وَالْلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ. قَالَ عَاصِمٌ: فَأَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ أَنَسِ أَنَّهُ قَالَ: أَوْ آوى مُحْدِثًا. [انظر: ١٨٦٧- مسلم: ١٣٦٦، ١٣٦٧ - فتح ١٣ / ٢٨١]. ثم ساق فيه حديث عاصم: قُلْتُ لأَنَسِ ه: أَحَرَّمَ رَسُولُ اللهِ وَيه المَدِينَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ .. الحديث. ساقه عن مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، ثَنَا عَاصِمٌ به. (ثم قال)(١): قَالَ عَاصِمٌ: فَأَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ: أَوْ آوى مُحْدِثًا. ذكر الدارقطني في ((علله)): أن عبد الواحد رواه فقال في آخره: قال موسى: أو آوى محدثًا، ووهم في قوله موسى بن أنس، والصحيح ما رواه شريك وعمرو بن أبي قيس، عن عاصم الأحول، عن أنس، وفي آخره فقال النضر بن أنس: أو آوى محدثًا، وقال في ((استدراكاته)): هذا وهم من البخاري أو شيخه يعني موسى بن إسماعيل؛ لأن مسلمًا أخرجه عن حامد بن عمر، عن عبد الواحد فقال فيه: فقال النضر. وهو الصواب (٢). (١) من هامش الأصل، وفوقها: (لعله سقط). (٢) ((الإلزامات والتتبع)) ص٣٥٦، ورواه مسلم (١٣٦٦) كتاب: الحج، باب: فضل المدينة، وليس فيه التصريح باسم النضر، وانظر ((الفتح)) ٢٨١/١٣. ٦٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح فصل : فيه فضل عظيم للمدينة شرفها الله تعالى، وذلك تغليظ الوعيد بلعنة الله والملائكة والناس أجمعين لمن أحدث فيها حدثًا أو آوى محدثًا، وفي حديث علي السالف: ((لا يقبل منه صرف ولا عدل))(١)، ودل الحديث على أن من آوى أهل المعاصي والبدع أنه شريك في الإثم، وليس الحديث دالًا على أن من فعل ذلك في غيرها أنه غير متوغَّد ولا ملوم على ذلك؛ لتقدم العلم بأن من رضي فعل قوم وعملهم أنه منهم وإن كان بعيدًا عنهم، فهذا الحديث نص في تحذير فعل شيء من المنكر في المدينة، وهو دليل في التحذير من إحداث مثل ذلك في غيرها، وخُصَّت بالذكر؛ لأن اللعنة له أشد والوعيد آكد لانتهاكه ما حُذِّر عنه وإقدامه على مخالفة رسول الله وَّر فيما كان يكرمه من تعظيم شأن المدينة المشرفة بأنها منزل وحيه وموطن نبيه، ومنها أنتشر الدين في الأقطار فكان لها بذلك فضل مزية على سائر البلاد. وقد أسلفنا اختلاف العلماء فيما يقطع من شجرها وما يصاد من صيدها آخر الحج فسارع إليه، والحديث دال على حرمة اصطيادها، وفي الضمان خلاف العلماء، والجديد عندنا: لا ضمان. وهو ما في ((المدونة))، والقديم: نعم، وهو قول ابن أبي ليلى ونافع وابن أبي زيد(٢)، وقال أشهب: عند محمد عن مالك في منع أكله ليس كالذي يصطاد بمكة، وإني لأكرهه، وقيل: لا يؤكل(٣). (١) سلف قريبًا برقم (٧٣٠٠). (٢) أنظر: ((المدونة)) ٣٣٥/١، ((النوادر والزيادات)) ٤٨٧/٢، ((البيان)) ٢٦٥/٤. (٣) ((النوادر والزيادات)) ٤٧٨/٢. ٦٥ كِتَابُ الاعْتِصَامِ بِالكِتَابِ وَالشُّنَّةِ = ٧- باب مَا يُكْرَه مِن الرَّأْي وَتَكَلّفِ القِيّاسِ. وقوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] ٧٣٠٧- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ تَلِيدٍ، حَدَّثَنِي ابن وَهْبٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شُرَيْحِ وَغَيْرُهُ، عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ، عَنْ عُزْوَةً قَالَ: حَجَّ عَلَيْنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَِّ يَقُولُ: ((إِنَّ اللهَ لَا يَنْزِعُ العِلْمَ بَعْدَ أَنْ أَعْطَاهُمُوهُ أَنْتِزَاعًا، ولكن يَنْتَزِعُهُ مِنْهُمْ مَعَ قَبْضِ العُلَمَاءِ بِعِلْمِهِمْ، فَيَبْقَى نَاسٌ جُهَّلٌ يُسْتَقْتَوْنَ فَيُقْتُونَ بِرَأْيِهِمْ، فَيُضِلُّونَ وَيَضِلُّونَ)). فَحَدَّثْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ◌َّهِ- ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو حَجَّ بَعْدُ - فَقَالَتْ: يَا ابن أُخْتِي، أَنْطَلِقْ إِلَى عَبْدِ اللهِ فَاسْتَثْبِتْ لِي مِنْهُ الذِي حَدَّثْتَنِي عَنْهُ. فَجِئْتُهُ فَسَأَلَّتُهُ، فَحَدَّثَنِي بِهِ كَنَحْوِ مَا حَدَّثَنِي، فَأَتَيْتُ عَائِشَةَ فَأَخْبَرْتُهَا، فَعَجِبَتْ فَقَالَتْ: والله لَقَدْ حَفِظَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو. [انظر: ١٠٠ - مسلم: ٢٦٧٣ - فتح ١٣ / ٢٨٢]. ٧٣٠٨- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَمْزَةَ، سَمِعْتُ الأَغْمَشَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا وَائِلٍ: هَلْ شَهِدْتَ صِفِّينَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَسَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ يَقُولُ ح. وَحَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الأَغْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: قَالَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ يَا أَيُّهَا النَّاسُ، آَتَّهِمُوا رَأْيَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ، لَقَدْ رَأَيْتُنِي يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ، وَلَوْ أَسْتَطِيعُ أَنَّ أَرُدَّ أَمْرَ رَسُولِ اللهِ بَلّهِ لَرَدَدْتُهُ، وَمَا وَضَغْنَا سُيُوفَنَا عَلَى عَوَاتِقِنَا إِلَى أَمْرٍ يُفْظِعُنَا إِلَّ أَسْهَلْنَ بِنَا إِلَى أَمْرِ نَعرِفُهُ غَيْرَ هذا الأَمْرِ. قَالَ: وَقَالَ أَبُو وَائِلٍ: شَهِدْتُ صِفِّينَ، وَبِثْسَتْ صِقُّونَ. [انظر: ٣١٨١ - مسلم: ١٧٨٥ - فتح ١٣ / ٢٨٢]. ذكر فيه حديث أَبِي الأَسْوَدِ، واسمه محمد بن عبد الرحمن بن نوفل بن الأسود بن نوفل بن خويلد بن راشد الأسدي يتيم عروة، عَنْ عُرْوَةَ عن عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو رضي الله عنهما قال: قال النبي ◌َّ: ((إِنَّ اللهَ لَا يَنْتَزِعُ العِلْمَ أَنتزاعًا بَعْدَ أَنْ أَعْطَاكُمُوهُ، ولكن يَنْتَزِعُهُ مَعَ قَبْضِ العُلَمَاءِ بِعِلْمِهِمْ، فَيَبْقَى نَاسٌ جُهَّالٌ يُسْتَقْتَوْنَ فَيُقْتُونَ بِرَأْيِهِمْ، ٦٦ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح فَيُضِلُّونَ وَيَضِلُّونَ)). فَحَدَّثْتُ عَائِشَةَ رضي الله عنها .. وذكر باقيه. وحديث أبي حمزة، واسمه: محمد بن ميمون السكري المروزي قال: سَمِعْتُ الأَعْمَشَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا وَائِلِ: هَلْ شَهِدْتَ صِفِّينَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَسَمِعْتُ سَهْلَ بن حنيف يَقُولُ. ثم ساقه من حديث أبي عَوَانَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ قال: قَالَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَتَّهِمُوا رَأْيَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ، لَقَدْ رَأَيْتُنِي يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ، وَلَوْ أَسْتَطِيعُ أَنَّ أَرُدَّ أَمْرَ رَسُولِ اللهِ وَه لَرَدَدْتُهُ، وَمَا وَضَعْنَا سُيُوفَنَا عَلَى عَوَاتِقِنَا إِلَّا أَسْهَلْنَ بِنَا إِلَى أَمْرِ نَعْرِفُهُ غَيْرَ هُذا الأَمْرِ. وَقَالَ أَبُو وَائِلٍ : وَبِثْسَتْ الصِقُونَ. الشرح : روى مبارك بن فضالة، قال الطبري: عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر عن أبيه ﴾ قال: يا أيها الناس أتهموا الرأي على الدين (١) .. كقول سهل سواء. قال المهلب وغيره: لا شك أنه إذا كان الرأي والقياس على أصل من الكتاب أو السنة أو إجماع الأمة فهو محمود وهو الاجتهاد كما سلف الذي أباحه الله تعالى للعلماء. (١) رواه البزار في ((مسنده) ٢٥٣/١-٢٥٤ (١٤٨)، والطبراني ٧٢/١ (٨٢) كلاهما من طريق يونس بن عبيد الله العميري، عن مبارك بن فضالة، عن عبيد الله بن عمر، به. وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن عمر إلا من هذا الوجه، ولم يشارك مبارك في روايته عن عبيد الله في هذا الحديث أحد. اهـ وأورده المتقي الهندي في ((الكنز)) (١٦٢٧) وزاد عزوه لابن جرير، وأبي نعيم في ((المعرفة))، واللالكائي في ((السنة))، والديلمي. ٦٧ - كِتَابُ الاعْتِصَامِ بالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وأما الرأي المذموم والقياس المتكلف فهو ما لم يكن على هذِه الأصول؛ لأنه ظن ونزغ من الشيطان يوضحه قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلٌَّ﴾ [الإسراء: ٣٦] قال ابن عباس ◌ُ لا تقل ما ليس لك به علم. وقال قتادة: لا تقل رأيت ولم تر، وسمعت ولم تسمع، وعلمت ولم تعلم(١). وأصل القفو العَضُهِ والبهت فنهى الله عباده عن قول ما لا علم لهم به، فإنه سائل عما قال صاحبها فتشهد عليه جوارحه بالحق، ومثل هذا حديث الباب، ألا ترى أنه وصفهم بالجهل فلذلك جعلهم ضالين وهم خلاف الذين قال الله تعالى فيهم ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمُّ﴾ [النساء ٨٣] وأمرهم بالرجوع إلى قولهم. فإن قلت: قول سهل، وعمر رضي الله عنهما: اتهموا الرأي. يرد قول من استعمله في الدين، وأنه لا يجوز شيء منه؛ لأنهم أخطأوا يوم أبي جندل في مخالفتهم رسول الله وَّطي(٢) في صلحه المشركين ورده لأبي جندل إلى أبيه وهو يستغيث وكان قد عذب في الله وهم يظنون أنهم محسنون (في مخالفة رسول الله وَلي)(٣). قيل: وجه قولهما: الرأي الذي هو خلاف لرأي رسول الله وَل، ورأيه على الدين الذي هو نظير آرائنا التي كنا خالفنا بها رسول الله رِ * * يوم أبي جندل، فإن ذلك خطأ. فأما الاجتهاد من الكتاب والسنة والإجماع فذلك هو الحق الواجب والفرض اللازم لأهل العلم وبنحو هذا جاءت الأخبار عن الشارع وعن (١) أثر ابن عباس وقتادة رواهما الطبري في ((تفسيره)) ٨/ ٨٠. (٢) وقع هنا في الأصل جملة: قيل وجه قولهما الرأي الذي هو خلاف لرأي رسول الله وَ* ثم ذكرت مرة أخرى بعد قوله: (وهم يظنون أنهم محسنون). (٣) من (ص١). ٦٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - جماعة الصحابة والتابعين كحديث ابن عمر رضي الله عنهما: أنه التقليئي لما أنصرف من الأحزاب قال: ((لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة))(١) فصلى ناس وتخلف آخرون فلم يعنف واحدًا منهما، وهذا الخبر نظير خبر سهل بن حنيف. ومَن حرص [يوم أبي] (٢) جندل على القتال أجتهادًا منهم، ورسول الله وَله يرى ترك قتالهم في أنه لم يؤثم أحد الفريقين لا من صلى ولا من أخر؛ لأن معنى ذلك كان عندهم ما لم يخشوا فوات وقتها، وكذلك لم يؤثم أيضًا من لم يصلِّ، وأن معنى أمرهم بذلك كان عندهم لا يصلوها إلا في بني قريظة وإن فاتكم وقتها فعذر كل واحد منهم لهذه العلة. وروى سفيان عن الشيباني، عن الشعبي، عن شريح أنه كتب إلى عمر # يسأله فكتب إليه: أن أقض بما في كتاب الله، فإن لم يكن في كتاب الله ففي سنة رسول الله وَثر، فإن لم يكن فبما قضى الصالحون فإن لم يكن فإن شئت تقدم وإن شئت تأخر، ولا أرى التأخر إلا خيرًا لك والسلام (٣). وروى هشيم، ثنا سيار، عن الشعبي قال: لما بعث عمر ◌ُ شريحًا على قضاء الكوفة قال: أنظر ما تبين لك في كتاب الله فلا تسأل عنه أحدًا، وما لم يتبين لك فاتبع فيه سنة رسول الله وَّل، وما لم يتبين لك سنة فاجتهد رأيك(٤). وروى الترمذي من حديث الحارث بن عمرو ابن أخي المغيرة بن (١) سبق برقم (٩٤٦) كتاب: صلاة الخوف، باب: صلاة الطالب والمطلوب. (٢) في الأصل: أبا، وفي (ص١): قوله أبي، والمثبت من ابن بطال ٣٥٣/١٠. (٣) رواه النسائي ٢٣١/٨، والدارمي ٢٦٥/١-٢٦٦ (١٦٩)، والبيهقي ١١٠/١٠. (٤) رواه البيهقي ١١٠/١٠. ٦٩ = كِتَابُ الاعْتِصَامِ بِالكِتَابِ وَالشُّنَّةِ شعبة، عن ناس من أهل حمص، عن معاذ ظه أنه الشَّ لما بعثه إلى اليمن قال: ((كيف تقضي؟)) قال: بكتاب الله. قال: ((فإن لم تجد في كتاب الله)) قال: فبسنة رسول الله وقّ﴾ قال: (فإن لم تجد في السنة)) قال: أجتهد رأيي. فقال: ((الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله)) وَل﴾. ثم قال الترمذي: لا نعرفه إلا من هذا الوجه وليس إسناده عندي بمتصل(١). ولأبي داود حدثني ناس من أصحاب معاذ عن معاذ ثم ساقه(٢) وذكره الخطيب في كتاب ((الفقيه والمتفقه) أن الحارث رواه عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ(٣). وهذا إسناد جيد فقد أنبأت هُذِهِ الأخبار أن معنى قول عمر ه السالف: أنه الرأي الذي وصفناه؛ لأنه محال أن يقال: أتهموه واستعملوه؛ لأنهما ضدان ولا يظن ذلك به، ولا بنظرائه يوضحه أيضًا رواية مجاهد(٤) عن الشعبي، عن عمرو بن حُريث قال: قال عمر: إياكم وأصحابَ الرأي فإنهم أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا(٥)، وقد تبين هذا من عمر أنه أمر باتهام الرأي فيما خالف أحكام رسوله وسنته، وذلك أنه قال: (أنه)(٦) أعداء السنن أعيتهم أن يحفظوها، فأخبر أنه لما أعياهم حفظ سنته، قالوا برأيهم وخالفوها جهلا منهم بأحكام رسول الله وَل* وسنته وذلك هو الجرأة على الله بما لم يأذن به في دينه والتقدم بین یدي رسوله. (١) الترمذي (١٣٢٨). (٢) أبو داود (٣٥٩٢). (٣) ((الفقيه والمتفقة)) ١/ ٧٤٢. (٤) هكذا في الأصل، وفي ((سنن الدارقطني)): مجالد. (٥) رواه الدارقطني ١٤٦/٤ من طريق مجالد، عن الشعبي، به. (٦) كذا في الأصل ولعله (أنهم). ٧٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = فأما أجتهاد الرأي باستنباط الحق من الكتاب والسنة فذلك الذي أوجبه على العلماء فرضًا وعمل به المسلمون بمحضر منه فلم يعنفهم، ولا نهاهم عنه إذ كان هو الحق عنده والدين، واقتفى أثرهم فيه الخلف عن السلف. روي ذلك عن ابن مسعود وابن عباس ﴾، وروى أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمارة، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود ظ: ومن عرض له منكم قضاء فليقض بما في كتاب الله، فإن جاءه أمر ليس في كتاب الله فليقض بما قضى به نبيه، فإن جاءه أمر ليس في سنة نبيه فليقض بما قضى به الصالحون، فإن جاءه ما ليس في ذلك فليجتهد رأيه، ولا يقل: إني أرى وإني أخاف، فإن الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك(١). وقد سلف حديث سهل بن حنيف في آخر الجهاد(٢) ومر فيه من معناه ما لم نذكره هنا، وكتب عمر أيضًا إلى أبي موسى رضي الله عنهما في كتابه الطويل يعلمه القضاء فقال: أعرف الأشباه والأمثال وقس الأمور عند ذلك(٣)، وقال ابن عمر رضي الله عنهما: لم يوقت النبي ◌ّر لأهل العراق، فقال عمر : قيسوا من نحو العراق إلى نحو قَرْن(٤). ثم اعلم أن البخاري ترجمه بعد في باب: من شَبَّه أصلًا معلومًا بأصل مبين قد بين الله حكمهما ليفهم السائل، ثم ذكر حديث: (١) رواه النسائي ٢٣٠/٨ وقال: هذا الحديث جَيِّدٌ جَيِّدٌ. (٢) سبق برقم (٣١٨١)، (٣١٨٢) كتاب: الجزية والموادعة، باب (١٨). (٣) رواه الدار قطني ٢٠٦/٤، ٢٠٧. (٤) سلف بنحوه برقم (١٥٣١). ٧١ كِتَابُ الاعْتِصَامِ بالكِتَابِ وَالشُّنَّةِ - (لعله نزعه عرق))، وحديث ابن عباس: ((أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيته؟)) (١) وهو صريح في العمل بالقياس الصحيح، وما ذمه هنا من القياس الباطل، وصنف ابن حزم في إبطال القياس مصنفين، ولا يلتفت إليه وهو مسبوق بالنظام وداود وشرذمة قليلة والجم على خلافه، قال المهلب: أنكره النظام وطائفة من المعتزلة واقتدى به في ذلك ونسب إلى الفقيه داود بن علي، والجماعة هم الحجة ولا يلتفت إلى من شذ عنها، وسنوضح الكلام عليه هناك. فصل : قوله في حديث سهل: (يُفظعنا) هو بضم أوله على أنه رباعي، قال الجوهري وابن فارس: وأفظع اشتد وشنع وجاوز المقدار، قال: وأُفِظِع الرجل على ما لم يسم فاعله. أي: نزل به أمر عظيم، وأفظعت الشيء واستفظعته وجدته فظيعًا (٢). وقوله: (إلا أسهلن بنا إلى أمر نعرفه). أي: أفضين بنا إلى سهوله. فصل : وقول أبي وائل: (بئست صفون) وفي نسخة: الصفون بالجمع السالم كما سمي الرجل يزيدين، أو عمرين فيجريه في حال التثنية (٣) مجراه في الجمع وما كان من الواحد عن بناء الجمع فإعرابه كإعراب الجمع، مثل (فلسطين دخلتُ)(٤)، وهذِه فلسطون، وأتيت قنسرين، وهذِه قنسرون. (١) سيأتيان قريبًا (٧٣١٤)، (٧٣١٥). (٢) (الصحاح)) ١٢٥٩/٣، ((مجمل اللغة)) ٧٢٣/٣ مادة (فظع). (٣) في ((شرح ابن بطال)) ١٠/ ٣٥٤: في حال التسمية به. (٤) في الأصل: (فلسطين وخلت) غير منقوطة؛ ولعل المثبت هو الصواب. ٧٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وأنشد المبرد: والمستعاب بقضائها وشاهدنا الحل والياسمون وَمَا أَدْرَئِكَ ومن هذا قوله تعالى: ﴿كَلَّ إِنَّ كِثَبَ الْأَبْرَارِ لَفِى عِلِتِينَ [المطففين ١٨-١٩]. مَا عِلَيُّونَ وفيه مذهب آخر للعرب وهو أن يعربوا النون ويجعلوها بالياء في كل حال؛ كقولك هُذِه السلحين، ومررت بالسلحين، ورأيت السلحين وصفين موضع، قال الداودي: وقوله: (وبئست صفون). أي: الموضع الذي يسمى صفون، ويقال له أيضًا: صفون. ٧٣ كِتَابُ الاعْتِصَامِ بالكِتَابِ وَالشُّنَّةِ - ٨- باب مَا كَانَ النَّبِيُّ يُشْأَلُ فيما لَمْ يَنْزَلْ عَلَيْهِ الوَحْيُ فَيَقُولُ: ((لَا أَدْرِي» أَوْ لَمْ يُجِبْ حَتَّى يُنْزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُّ، وَلَمْ يَقُلْ بِرَأْيٍ وَلَا بِقِيَاسٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بِمَآ أَرَكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥]. وَقَالَ ابن مَسْعُودٍ: سُئِلَ النَّبِيُّ وَّةِ عَنِ الرُّوحِ، فَسَكَتَ حَتَّى نَزَلَتِ الْآيَةُ. [انظر: ١٢٥]. وقد أسلفه مسندا. ٧٣٠٩- حَدَّثَنَا عَليَّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمِعْتُ ابن المُنْكَدِرِ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: مَرِضْتُ فَجَاءَفِي رَسُولُ اللهِ وَِّ يَعُودُنِي وَأَبُو بَكْرٍ وَهُمَا مَاشِيَانِ، فَأَتَانٍ وَقَدْ أُغْمِيَ عَلَيَّ، فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ ثُمَّ صَبَّ وَضُوءَهُ عَلَيَّ، فَأَفَقْتُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ- وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ: فَقُلْتُ: أَيْ رَسُولَ اللهِ- كَيْفَ أَقْضِي فِي مَالٍ؟ كَيْفَ أَصْنَعُ فِي مَالٍِ؟ قَالَ: فَمَا أَجَابَنِي بِشَيْءٍ حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ المِيرَاثِ. [انظر: ١٩٤- مسلم: ١٦١٦ - فتح ١٣ / ٢٩٠]. ثم ساق حديث جابر : مَرِضْتُ فَجَاءَنِي رَسُولُ اللهِ نَّهِ يَعُودُنِي وَأَبُو بَكْرٍ ﴾ وَهُمَا مَاشِيَانٍ، فَأَتَيَانِي وَقَدْ أُغْمِيَ عَلَيَّ، فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ ثُمَّ صَبَّ عَلَيَّ وَضُوءَهُ، فَأَفَقْتُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ- وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ: فَقُلْتُ: أَيْ رَسُولَ اللهِ - كَيْفَ أَقْضِي فِي مَالِي؟ كَيْفَ أَصْنَعُ فِي مَالِي؟ قَالَ: فَمَا أَجَابَنِي بِشَيْءٍ حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ المِيرَاثِ. هذا الحديث سلف، وهذا الباب ليس على العموم في أمره التقائلا، كما نبه عليه المهلب؛ لأنه قد علم أمته كيفية القياس والاستنباط في مسائل لها أصول ومعاني في كتاب الله ومشروع سنته، ليريهم كيف يصنعون فيما عدموا فيه النصوص، إذ قد علم أن الله تعالى لا بد أن يكمل له الدين، والقياس هو تشبيه ما لا حكم فيه بما فيه حكم في ٧٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = المعنى، فشبه الكلية الحمر بالخيل، فقال: ((ما أنزل علي فيها شيء غير هُذِهِ الآية الفاذة الجامعة ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (@)))(١) وشبه دين الله بدين العباد في اللزوم، وقال للتي أخبرته أن أباها لم يحج: ((أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيته؟ فالله أحق بالقضاء)). وهُذا عام، وهذا هو نفس القياس عند العرب وعند العلماء بمعاني الكلام، وأما سكوته الَّ حتى نزل الوحي فإنما سكت في أشياء معضلة ليست لها أصول في الشريعة، فلابد فيها من إطلاع الوحي، ونحن الآن قد فرغت لنا الشرائع، وأكمل الله الدين وإنما ننظر ونقيس على موضوعاتها فيما أعضل من النوازل. وقد اختلف العلماء: هل يجوز للأنبياء الاجتهاد؟ على قولين: أحدهما: لا، ولا يحكمون إلا بوحي. والثاني: يجوز أن يحكموا بما جرى مجرى الوحي من منام وشبهه(٢). قال أبو التمام المالكي(٣): لا أعلم فيه نصا لمالك، والأشبه عندي جوازه؛ لوجوده من الشارع، والاجتهاد علو درجة وكمال فضيلة، والأنبياء عليهم السلام أحق الناس بها، بل لا يجوز أن يمنعوا منها لما فيها من جزيل الثواب، وقال تعالى: ﴿فَأَعْتَبِرُواْ يَأْوَلِىِ الْأَبْصَرِ﴾ [الحشر ٢] وهم أفضل أولي الأبصار وأعلمهم، وقد ثبت عن رسول الله (١) سبق برقم (٢٣٧١) كتاب: المساقاة، باب: شرب الناس والدواب من الأنهار. (٢) أنظر: ((شرح تنقيح الفصول)) ص٤٣٦، (البرهان)) ١٣٥٦/٢، (تيسير التحرير)) ١٨٥/٤. (٣) هو: علي بن محمد بن أحمد البصري المالكي، من أصحاب الأبهري. كان جيد النظر حاذقًا بالأصول، وله مختصر في الخلاف سمَّاه ((نكت الأدلة))، وكتاب آخر في الخلاف كبير، وكتاب في أصول الفقه. انظر: (ترتيب المدارك)) ٦٠٥/٤. ٧٥ - ڪِتَابُ الاعْتِصَامِ بالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَال أنه اجتهد في أمر الحروب وتنفيذ الجيوش وقدر الإعطاء للمؤلفة قلوبهم، وأمر بنصب العريش يوم بدر في موضع، فقال له الحباب بن المنذر: أبو حي نصبته ههنا أم برأيك؟ فقال: ((بل برأيي))، قال: الصواب نصبه في موضع كذا. فسماه ذا الرأيين فعمل برأيه (١)، ولم ينتظر الوحي وحكم بالمفاداة والمنّ على الأسرى يوم بدر بعد المشورة (٢). وقال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِىِ الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] ولا تكون المشورة إلا فيما لا نص فيه، وروي أنه الظَّ أراد أن يضمن لقوم من الأعراب ثلث ثمر المدينة، فقال له سعد بن معاذ: والله يا رسول الله كنا كفارًا فما طمع أحد أن يأخذ من ثمارنا شيئا فلما أعزنا الله بك نعطيهم ثلث ثمارنا؟ ففعل بذلك رسول الله وَ﴾(٣). وقد ذكر الله في كتابه قصة داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام حين اجتهدا في الحكم في الحرث، ولا يجوز أن يختلفا مع ما فيه من نص موجود. فصل : اعترض بعض شيوخنا على البخاري في تبويبه؛ بقوله: فيقول: (لا أدري أو لم يجب حتى ينزل عليه الوحي) فقال: ما ذكره ليس فيه قوله (لا أدري) فينظر. (١) رواه الحاكم ٤٢٦/٣-٤٢٧ وسكت عنه، وقال الذهبي: حديث منكر. ورواه أيضًا ابن الأثير في ((أسد الغابة)) ٤٣٦/١. وأنظر ((سيرة ابن هشام)) ٢٥٩/٢ -٢٦٠. (٢) رواه مسلم (١٧٦٣) كتاب: الجهاد والسير، باب: الإمداد بالملائكة. من حديث ابن عباس. (٣) رواه بنحوه البزار في ((مسنده)) كما في ((كشف الأستار)) (١٨٠٣)، والطبراني ٢٨/٦ (٥٤٠٩)، وقال الهيثمي في ((المجمع)) ١٣٣/٦: رجال البزار والطبراني فيهما محمد بن عمرو، وحديثه حسن، وبقية رجاله ثقات. ٧٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = جوابه: أنه استغنى بعدم جوابه عنه به. واعترض الداودي على قوله: (ولم يقل برأي ولا قياس) فقال: ليس كما قال بل كان يقول بدليل حديث: ((عسى أن يكون نزعه عرق))، ولما رأى شبه عتبة بابن وليدة زمعة قال لسودة: ((احتجبي منه))(١)، وقال للذي قال: يكون لأحدنا الإبل كالغزلان فيجعلها مع الجرباء فلا ينشب أن يجرب، فقال: ((فمن أجرب الأول))(٢). قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢] الآية، وقال عمر: إن الرأي كان من رسول الله وَ له مصيبًا؛ لأن الله تعالى يريه، وإنما هو منا الظن والتكليف فلا تجعلوا حظ الرأي سنة للأمة(٣). وقال علي: ما عندنا شيء إلا كتاب الله وهذه الصحيفة أو فهم يعطاه المرء في كتاب الله (٤). وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ الآية [النساء: ١٠٥]، وقال: وهذا هو الدليل ليس ما زعم به البخاري أنه النصوص، وقال تعالى: ﴿فَأَعْتَبِرُواْ يَأُولِىِ الْأَبْصَرِ﴾ [الحشر: ٢] وقال: ﴿وَلَوْ رَدُوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَّ أُوْلِ الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] والاستنباط غير النص، وسأل عمر رسول الله وَّل عن الكلالة، فرده إلى الاعتبار ليعلم ذلك، وقال عمر # لحفصة رضي الله عنها: ما أرى أباك يعرف (١) سلف برقم (٢٠٥٣) كتاب: البيوع، باب: تفسير المشبهات. (٢) رواه الترمذي (٢١٤٣) من حديث ابن مسعود، وابن ماجه (٨٦) من حديث ابن عمر، وقد سبق برقم (٥٧١٧) كتاب: الطب، باب: لاصفر .. ، من حديث أبي هريرة بلفظ ((فمن أعدى الأول)). (٣) رواه أبو داود (٣٥٨٦)، والبيهقي ٣٨٦/١٠، وابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله)) ٢/ ١٠٤٠ (٢٠٠٠) وهو من رواية الزهري، ولم يدرك عمر له. (٤) سلف برقم (١١١) كتاب العلم، باب: كتابة العلم. ٧٧ = = ڪِتَابُ الاعْتِصَامِ بالكِتَابِ وَالشُّنَّةِ الكلالة. وقال لابن عباس: أحفظ علي إني لم أقل في الجد ولا في الكلالة شيئًا ولم أستخلف أحدًا (١). وقال تعالى: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِىِ الْكِتَبِ مِن شَىْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] فلو لم يكن للاعتبار والدليل موضع لكان يؤخذ خلاف ما في القرآن؛ لأنه لم ينص على الجد والإخوة، وقال تعالى: ﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَاءِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ الآية [الأنفال: ٧٥] فلم يبين صفة مواريثهم، قال: وأجمعت الأمة على الاعتبار مع أن الله تعالى رزقها العصمة ومنحها ما لم يعطه للأمم من أنقطاع الوحي عنها بعد نبيها. واختلف الصحابة في الجد والكلالة، والعول وغير ذلك، ولم يعب بعضهم بعضًا ولا عاب أحدهم الاعتبار، وإنما الرأي المذموم. واعترضه ابن التين فقال: ما ذكره الداودي ليس بالبين وإنما أراد البخاري أنه العليا وقف في أشياء فلم يتكلم فيها برأي ولا قياس وتكلم في أشياء برأيه، فبوب على كل من ذلك وأتى في كل باب بما بوب علیه. وقوله: (بما أنزل الله). أي: بما علمك الله. فصل : وقوله: (وقد أغمي عليَّ). أي: غشي كذا الرواية، يقال: غُمِيَ فهو مُغْمِيٌّ وأَغْمِيَ عليه فهو مُغْمى عليه(٢). والوضوء بفتح الواو، والمصدر بالضم على أفصح اللغات فيهما، وإن كان ابن التين لم يختلف في الأول أنه بالضم. (١) رواه أحمد ٢٠/١ وأصل معناه مختصر في البخاري (٥٥٨٨) ومطول في مسلم (٥٦٧). (٢) أنظر: ((اللسان)) ٣٣٠٤/٦. ٧٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - قال الداودي: وفي هذا الحديث الوضوء للمريض، قال: وفيه دليل أن معنى الحديث الآخر («لا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون))(١) أن ذلك لا يفعل قبل نزول العلة، قال: وقول سفيان: (قلت: يا رسول الله، وربما قال: أي رسول الله) يدل على جواز الرواية بالمعنى. وليس كما قال؛ لأن هذا لا يتضمن حكمًا وليس هو صَ لى له من قول رسول الله 6 (١) سلف برقم (٥٧٠٥) كتاب: الطب، باب: من اكتوى أو كوى غيره .. ٧٩ = ڪِتَابُ الاعْتِصَامِ بالكِتَابِ وَالشُّنَّةِ ٩- باب تَعْلِيمِ النَّبِيّ * أُقَتَهُ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ مِمَا عَلَّمَهُ اللهُ، لَيْسَ بِرَأْىٍ وَلَا تَمْثِيلٍ ٧٣١٠- حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَاِّ، عَنْ أَبِي صَالِحِ ذَكْوَانَ، عَنْ أَبِ سَعِيدٍ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ، وَّةٍ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ ذَهَبَ الرِّجَالُ بِحَدِيثِكَ، فَاجْعَلْ لَنَا مِنْ نَفْسِكَ يَوْمًا نَأْتِيكَ فِيهِ تُعَلِّمُنَا مِمَّا عَلَّمَكَ اللهُ. فَقَالَ: ((اجْتَمِعْنَ فِي يَوْمٍ كَذَا وَكَذَا فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا)). فَاجْتَمَغْنَ، فَأَتَاهُنَّ رَسُولُ اللهِ وَلِّ فَعَلَّمَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَهُ اللهِ، ثُمَّ قَالَ: ((مَا مِنْكُنَّ أَمْرَأَةٌ تُقَدِّمُ بَيْنَ يَدَيْهَا مِنْ وَلَدِهَا ثَلاثَةً إِلَّا كَانَ لَهَا حِجَابًا مِنَ النَّارِ)). فَقَالَتِ امْرَأَةً مِنْهُنَّ: يَا رَسُولَ الهِ، أَثْنَيْنِ؟ قَالَ: فَأَعَادَتْهَا مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: ((وَاثْنَيْنِ وَاثْنَيْنِ وَاثْنَيْنِ)). [انظر: ١٠١ - مسلم: ٢٦٣٣ - فتح ١٣ / ٢٩٢]. ذكر فيه حديث أبي سعيد عُ: جَاءَتِ أَمْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ، وَهُ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ ذَهَبَ الرِّجَالُ بِحَدِيثِكَ، فَاجْعَلْ لَنَا يَوْمًا مِنْ نَفْسِكَ. الحدیث. وفيه: ((مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقَدِّمُ بَيْنَ يَدَيْهَا مِنْ وَلَدِهَا ثَلَاثًا(١)). وفيه: فَقَالَتْ: واثْنَيْنِ؟ قَالَ: فَأَعَادَتْهَا مَرَّتَيْنِ. الشرح : هذا الحديث ترجم له في كتاب العلم، باب: هل يجعل للنساء يومًا على حدة في العلم. وفيه من الفقه كما قال المهلب: إن العالم إذا أمكنه أن يحدث بالنصوص عن الله تعالى ورسوله فلا يحدث بنظره ولا (بقياسه)(٢) هذا معنى الترجمة؛ لأنه القلي حدثهم حديثًا عن الله تعالى لا يبلغه (١) كذا في الأصل، وفي ((اليونينية)): (ثلاثة). (٢) في الأصل: يأتيه ، والمثبت من ((شرح ابن بطال)) ٣٥٨/١٠ ٨٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == قياس ولا نظر، وإنما هو توقيف ووحي، وكذلك ما حدثهم به من سنته التَّ فهو عن الله تعالى أيضًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْمَوَىَ ﴾﴾ [النجم: ٣] وقال الطّهي: ((أوتيت الكتاب ومثله معه))(١). فقال أهل العلم: أراد بذلك السنة التي أوتي. وفيه سؤال الطلاب للعالم أن يجعل لهم يومًا يسمعون منه عليه العلم، وإجابة العالم إلى ذلك، وجواز الإعلام بذلك المجلس للاجتماع فيه. فصل : وقوله: (((ما من أمرأة تقدم بين يديها ثلاثة من الولد إلا كانوا حجابًا من النار))). يعني: بتقديمها إياهم، ورواه في الجنائز بزيادة ((لم يبلغوا الحنث))(٢). أي: لم يبلغوا أن يعملوا بالمعاصي، وفي حديث آخر: ((فلا يلج النار إلا تحله القسم))(٣) وقول المرأة -وليس هي من أهل اللسان- دليل أن تعلق هذا الحكم على الثلاث لا يدل على أنتقائه عن أقل منهن إذ لو دل على ذلك لما سألته، وقد سلف في الرقاق من حديث أبي هريرة # مرفوعًا ((يقول الله تبارك وتعالى: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة)) (٤) قال بعض العلماء: فدخل في هذا الحديث المصيبة بالولد الواحد، وقد أسلفنا فيما مضى رواية أنه روي: واحد. (١) رواه أبو داود (٤٦٠٤)، وأحمد ١٣١/٤ من حديث المقدام بن معدي كرب. (٢) سبق برقم (١٢٥٠) كتاب: الجنائز، باب: فضل من مات له ولد .. (٣) سبق برقم (١٢٥١). (٤) سبق برقم (٦٤٢٤) باب: العمل الذي يبتغي به وجه الله.