النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ كِتَابُ الاسْتِصَامِ بالكِتَابِ وَالشُّنَّةِ = حين سئل عن هذا قال: ((الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة))(١). وفيه وجه آخر: قال المهلب: قوله: ((صريح الإيمان)). يعني به : الانقطاع في إخراج الأمر إلى ما لا نهاية له، فلا بد عند ذلك من إيجاب خالق لا خالق له؛ لأن المفكر يجد المخلوقات كلها لها خالق يؤثر الصنعة فيها والحدث الجاري عليها، والله تعالى بهذه الصفة لمباينته صفات المخلوقين، فوجب أن يكون خالق الكل، فهذا صريح الإيمان لا البحث الذي هو من كيد الشيطان المؤدي إلى هذا الانقطاع؛ ليحير العقول، فنبه الَّ على موضع كيده وتحييره. قال غيره: وإن وسوس الشيطان فقال: ما المانع أن يخلق الخالق نفسه، قيل له: هُذِه وسوسة ينقض بعضها بعضًا؛ لأن بقولك يخلق فقد أوجبت وجوده، وبقولك: نفسه قد أوجبت عدمه، والجمع بين كونه موجودًا ومعدومًا معًا تناقض فاسد؛ لأن من شرط الفاعل تقدم وجوده على وجود فعله، فيستحيل كون فعله فعلًا له؛ لاستحالة أن يقال: إن النفس تخلق النفس التي هو هو، وهذا بين في كل هذِه الشبه وهو صريح الإيمان. فائدة : ذكر القاضي في ((طبقات المعتزلة)): أن الرشيد لما منع من الجدال في الدين كتب إليه ملك السند إنك رئيس قوم لا تنصفون وتقلدون الرجال وتعاقبون بالسيف، فإن كنت على ثقة من دينك، فوجه إليَّ من أناظره، فإن كان الحق معك نتبعه، وإن كان معي تتبعني، فوجه إليه الرشيد بعض القضاة، وكان عند ملك السند رجل من الشمسية، (١) ((معالم السنن)) ١٣٦/٤. ٤٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وهو الذي حمله على هذا القول، فلما وصل القاضي إلى الملك أكرمه، ورفع منزلته، فسأله الشمسي فقال: أخبرني عن معبودك، هل هو قادر؟ قال: نعم. قال: فهل يقدر أن يخلق مثله؟ فقال القاضي: هُذِه المسألة من الكلام، والكلام بدعة وأصحابنا يكرهونه، فقال الشمسي: ومن أصحابكم؟ قال: محمد بن الحسن وأبو يوسف وأبو حنيفة، فقال الشمسي للملك: قد كنت أعلمتك دينهم، وأخبرتك بجهلهم وتقليدهم وغلبتهم بالسيف، فأمر الملك القاضي بالانصراف، وكتب إلى الخليفة: إني كتبت إليك وأنا على غير يقين فيما حكي لي عنكم والآن فقد تيقنت بحضور هذا القاضي، وذکر له ما جرى. فلما ورد الكتاب على الرشيد قامت قيامته، وقال: ليس لهذا الدين من يناضل عنه، فقالوا: بلى، وهم الذين في الحبس، فقال: أحضروهم. فلما حضروا قال لهم: ما تقولون في هذه المسألة. قال صبي من بينهم: هذا السؤال محال؛ لأن المخلوق لا يكون إلا محدثًا والمحدث لا يكون قبل القديم فاستحال أن يقال: يقدر يخلق مثله، أو لا يقدر، كما استحال أن يقال: تقدر أن تكون جاهلًا أو عاجزًا، فقال الرشيد: وجهوا بهذا صبي إلى السند يناظرهم، وذكر الخبر. فصل : إن سأل سائل عن حديث سعد وزيد بن ثابت فقال: فيهما دلالة على أن الله يفعل شيئًا من أجل شيء وبسببه، وهذا يؤدي إلى قول القدرية. فالجواب: أنه قد ثبت أن الله تعالى على كل شيء قدير، وأنه بكل شيء عليم، وأنه لا يكون من أفعاله التي أنفرد بالقدرة عليها، ولا تدخل تحت قدر العباد ولا تكون من مقدورات العباد التي هي كسب لهم وخلق ٤٣ = كِتَابُ الاعْتِصَامِ بالكِتَابِ وَالشُّنَّةِ الله تعالى إلا والله تعالى مريد لجميع ذلك سواء كان آمرًا بذلك عباده أو ناهيًا لهم عنه، فغير جائز أن يقال: فعل فعلًا من أفعاله، والقول إنه فاعل بسبب من الأسباب أو من أجل داع يدعوه إلى فعله؛ لأن السبب والداعي فعل من أفعاله، والقول بأنه فاعل بسبب يفضي إلى تعجيزه لحاجته إلى ما لا يصح وقوعه من فعله إلا بوقوع غيره -تعالى الله عن ذلك- وإذا فسد هذا وجب حمل قوله القائل: ((إن أعظم المسلمين جرمًا من سأل عن شيء فحرم من أجل مسألته)) على غير ظاهره، وصرفه إلى أنه تعالى فاعل سؤال السائل الذي نهاه عنه ومقدر أن يحرم الشيء الذي يسأل عنه إذا وقع السؤال فيه كل ذلك سبق به القضاء والقدر؛ لأن السؤال موجب للتحريم وعلة له. وكذلك قوله الفئة: ((ما زال بكم الذي رأيت من صنيعكم)) يعني: من كثرة مطالبكم لي بالخروج إلى الصلاة حتى خشيت أن تكتب عليكم عقابًا لكم على كثرة ملازمتكم لي في مداومة الصلاة بكم، لا أن ملازمتهم له موجبة لكتابة الله عليهم الصلاة لما ذكرنا من أن الملازمة والكتب فعلان الله تعالى غير جائز وقوع أحدهما شرطًا في وقوع الآخر، ولو وقعت الملازمة ووقع كتابة الصلاة عليهم لكان ذلك مما سبق به القضاء والقدر في علم الله تعالى، وإنما نهاهم القليلة عن مثل هُذا وشبهه تنبيهًا لهم على ترك الغلو في العبادة وركوب القصد فيها؛ خشية الأنقطاع والعجز عن الإتيان بما طلبوه من الشدة في ذلك، ألا ترى قوله تعالى فيمن فعل مثل ذلك: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٢] يعني: فرضت عليهم، فعجزوا عنها فأصبحوا بها كافرين، وكان التَّ رءوفًا بالمؤمنين رفيقًا بهم. وقد تقدم مثل حديث زيد بن ثابت ه من رواية عائشة في أبواب ٤٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - قيام الليل في كتاب الصلاة(١)، وأسلفنا في توجيهه ما لم يذكر هنا، فراجعه، فإن قلت: فإذا حمل قوله العليا: ((إن أعظم المسلمين جرمًا من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجله)) على غير ظاهره. فما وجه ذلك وإثم الجرم به؟ قيل: هو على ما تقرر علمه من نسبة اللوم والمكروه إلى من تعلق بسبب فعل ما يلام عليه، وإن قلَّ، تحذيرًا من مواقعته له، فعظم جرم فاعل ذلك؛ لكثرة الكارهين لفعله. فصل : قوله في حديث أنس ظ ((آنفًا)) أي: الساعة ((في عُرض هذا الحائط)) وعُرض الحائط وسطه، وكذا عُرض البحر وعُرض النهر وسطهما، واعترضت عرضه نحوت نحوه عن صاحب ((العين))، وقال صاحب ((العين)): هو بضم العين أي: في ناحيته(٢). وقوله: ((إن أعظم المسلمين جرمًا من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته)) فيه: أن الأشياء على الإباحة حتى تحرم، والقول بالوقف تعدٍّ لما فيه من الإضرار، وهو المنع من التصرف فيها بالأكل وغيره. فصل : والحجرة في حديث زيد: المكان يمتنع فيه، وقوله: ((فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)) صريح في فضل النافلة في البيوت، يؤيده الحديث الآخر: ((اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها (١) سلف برقم (١١٢٩) كتاب: التهجد، باب: تحريض النبي ◌َّر على صلاة الليل. (٢) ((العين)) ٢٧٦/١. ٤٥ كِتَابُ الاعْتِصَامِ بِالكِتَابِ وَالسُّنّةِ = قبورا))(١) وشذ بعضهم، فقال: يحتمل من فرضه في بيته عملًا بهذا الحديث، وجعله ناسخًا للأول ولا نسخ. فصل : والجَدُّ في حديث المغيرة - بفتح الجيم - أي: الغنى، ويقال: الحظ والبخت، وقال الداودي: هو الشرف، وقال ابن حبيب: هو بالكسر وهو من جد الاجتهاد، وأنكره من قال: الجد الاجتهاد في الله، والله دعا الخلق إلى طاعته وأمرهم بالاجتهاد؛ لأداء فرائضه. فكيف لا ينفع ذلك عنده! وقيل: يريد المجتهد في طلب الدنيا لا ينفعه ذلك عنده، وقيل : يريد لا ينفع ذا الاجتهاد وصل اجتهاده في الهرب ولا في الطلب ما لم يقسم له. وقيل: معنى الفتح وغيره: لم يكن عليه جرم، فيدل أن استعمالها كان متتابعًا قبل ذلك أن من أتاه الله ملكًا أو شيئًا فأعظم به شأنه لم يكن نال شيئًا فيه إلا بعطاء الله إياه. وقوله: ((منك الجد))، قال الخطابي: (من) هنا بمعنى البدل، کقوله : فليت لنا من ماء زمزم شربة [مبردة باتت](٢) على الطهيان يريد: ليت لنا بدل ماء زمزم، والطهيان: البَرَّادة(٣). (١) سلف برقم (٤٣٢) كتاب: الصلاة، باب: كراهية الصلاة في المقابر، ورواه مسلم (٧٧٧) كتاب: صلاة المسافرين، باب: استحباب صلاة النافلة في بيته . (٢) في الأصل: فاتت، والمثبت من ((أعلام الحديث)). (٣) ((أعلام الحديث)) ١/ ٥٥٢. ٤٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = قال الجوهري: معنى (منك) هاهنا: عندك، تقديره: ولا ينفع (ذا الغنى عندك غناه)(١) وإنما ينفعهم العمل بطاعتك(٢). والصحيح بقاء (من) على بابها، والمعنى: ولا ينفع ذا الغنى غناه إن أنت أردته بسوء أو أمر كما تقول: لا ينفعك مني شيء، ولا يغنيك مني إن أنا أريد أخذًا. قال أبو عبد الملك: وقد بناه العراقيون في شرح ذلك، فزعموا أنه بفتح الجيم، فذهب به بعضهم إلى أن جد الرزق والغنى لا ينفع من الله شيئًا فخطبوا فيه العشواء. فصل : ذكر هنا: أن المغيرة كتب به إلى معاوية، وفي ((الموطأ)) عن معاوية قال: سمعت هذه الكلمات من رسول الله ◌َّ على هذِه الأعواد وكان معاوية حينئذ على منبر رسول الله وَلي(٣)، فيحتمل أن يكون معاوية سمع ذلك من رسول الله وَّله، وكتب به المغيرة إليه، وفيه من الطرف رواية صحابي عن صحابي. فصل : قد سلف الكلام في (قيل وقال) وإعرابه أيضًا، والمعنى: أنها نهي عن كثرة الكلام والغالب عدم السلامة من المكثر لكلامه فيما لا يعنيه أو لأنه يخالطه الكذب. فصل : وسلف هناك أيضًا نهيه عن إضاعة المال أنها على وجوه: وضعه في (١) في الأصل: (هذا الغنى عندك غنا)، والمثبت من ((الصحاح)). (٢) ((الصحاح)) ٤٥٢/٢ مادة (جدد). (٣) ((الموطأ)) ص٥٦١ (٨). ٤٧ كِتَابُ الاعْتِصَامِ بالكِتَابِ وَالشُّنَّةِ = غير حقه، ونفقته في المعاصي، والسرف في الحلال، والتفريط فيه حتى يضيع. وقوله: (وعقوق الأمهات). أي: يخالف مرادهن وسكت عن الآباء؛ لأن معناهم بمعنى الأمهات، وأصل أم أُمَّهَةٌ ويدل عليه أن جمعه أمهات، وقيل: أمهات للناس وأمات للبهائم. فصل : (ووأد البنات): دفنهن أحياء في التراب خشية الفقرِ. (ومنع وهات) أي: منع الحق وطلب الباطل. وقوله: ((أَوَلى)) سلف أنه تهديد، وهو بفتح الواو، وفي الأصل: ((أَوْلى)» بسکون الواو. فصل : ينعطف على ما مضى من قوله: (لن يبرح الناس يسألون .. )) إلى آخره، وهو غير لازم، وذلك أن العالمَ إذا ثبت حدثه افتقر إلى محدث؛ لاتفاق العقل على أن الكتابة لا بد لها من كاتب، والبناء من بانٍ فإذا أتفقوا على افتقار الأدون إلى صانع، فالذي هو أعجب وأبدع من(١) خلق السموات والأرض والجبال وخلق الإنسان، واختلاف الليل والنهار، وما سوى ذلك من عجيب الآيات أولى أن يفتقر إلى صانع، ويدل أيضًا على إثبات الصانع أن شأن الحوادث تقدم بعضها على بعض في الوجود وصحة تقدم المتأخر منها فحصولها على ما حصلت عليه من التقدم والتأخر، واختلاف الأشكال والهيئات تدل على أن ذلك فضل عالم مريد مختار، فإذا ثبت ذلك فلا يخلو أن (١) في هامش الأصل: لعله عوض من: وهو. ٤٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح يكون الفاعل محدثًا أو قديمًا، فإن كان محدثًا، نقلنا الكلام على [ما] قلنا في المخلوقات، وكذلك في محدثه ويتسلسل القول في ذلك وما أدى إلى التسلسل فهو غير صحيح فلم يكن إلا أن يكون قديمًا، وإذا كان قديما فلا يقال: من خلقه؟ لأن القديم لا يتقدمه شيء ولا يصح عدمه وهو فاعل لا مفعول. فصل : وقوله: (كنت مع رسول الله (ّ﴾ في حرث بالمدينة). أي: زرع، والعسيب، قال ابن فارس: عسبان النخل كالقضبان(١)، والنفر، قال ابن عرفة: هو ما بين العشرة إلى الثلاثة(٢)، وفي ((الصحاح))، و((المجمل)): النفر من الثلاث إلى العشرة(٣). وقد سلف الكلام على الروح، قال ابن عباس: ملك له أحد عشر ألف جناح وألف وجه يسبح الله إلى أن تقوم الساعة، وقال أبو صالح: هو خلق كخلق بني آدم و وليسوا ببني آدم لهم أيد وأرجل، وقيل: هو * [الشعراء: ٩٣ جبريل، واحتج قائله بقوله تعالى: ﴿نَزَّلَ بِهِ اُلُُّعُ الْأَمِينُ ١٩٣] وقيل: عيسىُ الَّ وقيل: القرآن؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآَ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى ٥٢]. وقال المفسرون: هو ملك عظيم يقوم وحده، فيكون صفًّا وتقوم الملائكة فيكونون صفًّا، كما قال تعالى: ﴿يَوَمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾ [النبأ ٣٨] الآية، وقيل: هو ملك عظيم رجلاه في الأرض السفلى ورأسه عند (١) ((المجمل)) ٦٦٧/٣ مادة (عسب). لم أجده في المطبوع منه. (٢) (٣) ((الصحاح)) ٢/ ٨٣٣، ((المجمل)) ٨٧٨/٣، مادة (نفر). ٤٩ كِتَابُ الاسْتِصَامِ بالكِتَابِ وَالشُّنَّةِ = العرش، وقيل: هو خلق من خلق الله لا ينزل ملك إلا ومعه أثنان (١) منهم(١). وذكر الداودي: أن الروح الوحي، وقوله: فقال بعضهم: لا تسألوه لا يسمعكم ما تكرهون: هو بإسكان العين مضمومًا ومجزومًا جواب النھي. (١) أنظر: ((تفسير الطبري)) ٤١٥/١٢-٤١٦، ((تفسير ابن كثير)) ٢٣٥/١٤-٢٣٦، ((الدر المنثور)) ٦ /٥٠٥-٥٠٦. ٥ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٤- باب الأفْتِدَاءِ بِأَفْعَالِ النّبِيّ ٧٢٩٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: أَتَّخَذَ النَّبِيُّ وَ خَاتَمَا مِنْ ذَهَبٍ، فَاتَّخَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((إِنِّي أَتَّخَذْتُ خَاتَا مِنْ ذَهَبٍ)). فَنَبَذَهُ وَقَالَ: ((إِّ لَنْ أَلْبَسَهُ أَبَدًا)». فَتَبَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ. [انظر: ٥٨٦٥- مسلم: ٢٠٩١ - فتح ١٣ / ٢٧٤]. ذكر فيه حديث ابن عمر رضي الله عنهما قَالَ: (اتَّخَذَ النَّبِيُّ ◌َ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ، فَاتَّخَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ مَ: ((إِنِّي أَتَّخَذْتُ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ)). فَنَبَذَهُ وَقَالَ: ((إِنِّي لَنْ أَلْبَسَهُ أَبَدًا)). فَنَبَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ). الشرح : قال الداودي في كتابه: خاتم الذهب كان من لباسه، ولباس الناس، كان على الجواز حتى نهى عنه، ففيه: أن الأشياء على الإباحة حتى ينهى عنها، وهذا قول العلماء(١). ثانيها: على التحريم حتى يباح، وفيه: حرمة لبس الذهب للرجال، وفي الحديث الآخر في الحرير والذهب ((هما لهم في الدنيا))، يعني: الكفار، ((ولنا في الآخرة))(٢) وقد عجل لأولئك حسابهم في الدنيا لا يخرج أحد منهم و يبقى لهم حسنات إلا وُفِّيها، فلا يقام لهم يوم القيامة (وزنًا)(٣)، وأما المؤمنون فمنهم من يوفى بعض حسناته في الدنيا، ومنهم من لم يأخذ من أجره شيئًا مثل: مصعب بن (١) انظر: ((المنثور في القواعد)) ١٦٨/١، ((البحر المحيط)) ١٢٠/٨. (٢) سلف برقم (٥٤٢٦) كتاب: الأطعمة، باب: الأكل في إناء مفضض. (٣) عليها في الأصل: (لا .. إلى). ٥١ = ڪِتَابُ الاعْتِصَامِ بالكِتَابِ وَالشُّنَّةِ عمير (١)، وكان السلف يخافون تعجيل حسناتهم. فصل : قد أسلفنا في أوائل الاعتصام خلافًا في أن أفعاله الواقعة موقع القرب لا على وجه البيان والامتثال، هل هي للوجوب أو الندب أو الوقف، وأن القاضي أبا بكر بن الطيب قال: بالوقف، واحتج له بأنه لما كانت القربة الواقعة محتملة لكونها فرضًا ونفلا لم يجز أن يكون الفعل منه دليلًا على أننا متعبدون بمثله لا على كونه واجبًا علينا دون كونه نفلًا؛ لأن فعله مقصور عليه دون متعد إلى غيره، وأمره لنا ونهيه متعديان إلى الغير، والفرض فيهما امتثالهما فافترقا. وحجة من قال بالوجوب حديث الباب حيث خلع فخلعوا نعالهم، ثم أمرهم(٢) عام الحديبية بالتحلل فوقفوا، فشكى ذلك إلى أم سلمة، فقالت له: أخرج إليهم واذبح واحلق. ففعل ذلك، فحلقوا وذبحوا أتباعًا لفعله(٣)، فعلم أن الفعل آكد عندهم من القول، وقال لأم سلمة حين سألتها المرأة عن القبلة للصائم: ((ألا أخبرتيها أني أقبل وأنا صائم)) (٤). وقال للرجل مثل ذلك، فقال له: إنك لست مثلنا. فقال: ((إني لأرجو أن أكون أتقاكم الله))(٥). (١) سلف برقم (١٢٧٦) من قول خباب بن الأرت. (٢) في هامش الأصل: لعله وأمرهم. (٣) سلف برقم (٢٧٣١) كتاب: الشروط، باب: الشروط في الجهاد. (٤) رواه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٠٩٤/٢ (٥) رواه مسلم (١١٠٨) كتاب: الصيام، باب: بيان أن القبلة في الصوم ليست محرمة على من لم تحرك شهوته. ٥٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = فدل هذا أن للأسوة واقعة إلا ما منع منه الدليل، ويدل على ذلك لما نهاهم عن الوصال قالوا: إنك تواصل. قال: ((إني لست مثلكم، إني أطعم وأُسقى))(١). فلولا أن لهم الأقتداء به لقال لهم: وما في مواصلتي ما يبيح لكم فعل ذلك وأفعالي خصوصية بي، فلم يقل لهم ذلك، ولكن بين لهم المعنى في اختصاصه بالمواصلة وأنهم بخلافه فيه، كذلك خص الله الواهبة أنها خالصة له دون أمته، ولولا ذلك لكانت مباحًا لهم. وقال الداودي: أفعاله على الوجوب حتى يقوم دليل على تخصيص شيء منها بندب أو جواز، قال: واختلف في هذا: فقال بعضهم: وأدناه الجواز فهو عليه حتى يقوم دليل على عمومه، وقيل: إنما يجب أن يقتدى به من أفعاله ما كان بيانًا لشيء من الفرائض، وقيل: القول منه آكد من الفعل، وذلك كله واحد؛ لقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ الآية [النور ٦٣]. G (١) سلف برقم (١٩٦٢) كتاب: الصوم، باب: الوصال. ٥٣ كِتَابُ الاعْتِصَامِ بالكِتَابِ وَالسُّنّةِ = ٥- باب مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّعَمُّقِ وَالتَّنَازُعِ في العِلْمِ وَالْغُلُوِّ فِي الدِّينِ وَالْبِدَعِ لِقَوْلِهِ وَّ: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء: ١٧١]. ٧٢٩٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ مَ: (لَ تُوَاصِلُوا)). قَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ. قَالَ: ((إِنّ لَسْتُ مِثْلَكُمْ، إِّ أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ)). فَلَمْ يَنْتَهُوا عَنِ الوِصَالِ، قَالَ: فَوَاصَلَ بِهِمُ النَّبِيُّ ◌ََّ يَوْمَيْنِ - أَوْ لَيْلَتَيْنِ - ثُمَّ رَأَوَا الهِلَالَ، فَقَالَ النَّبِيُّ بِّهِ: (لَوْ تَأَخَّرَ الهِلَالُ لَزِدْتُكُمْ)). كَالْنَكِّلِ لَهُمْ. [انظر: ١٩٦٥ - مسلم: ١١٠٣ - فتح ١٣ /٢٧٥]. ٧٣٠٠- حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَقْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَغَمَشُ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِ قَالَ: خَطَبَنَا عَلِّ عَلَّهُ عَلَى مِنْبَرٍ مِنْ آجُرٍّ، وَعَلَيْهِ سَيْفٌ فِيهِ صَحِيفَةٌ مُعَلَّقَةٌ فَقَالَ: والله مَا عِنْدَنَا مِنْ كِتَابٍ يُقْرَأُ إِلَّ كِتَابُ اللهِ، وَمَا فِي هذِهِ الصَّحِيفَةِ. فَنَشَرَهَا فَإِذَا فِيهَا أَسْنَانُ الإِبِلِ وَإِذَا فِيهَا: ((الْدِينَةُ حَرٌَ مِنْ عَثْرٍ إِلَى كَذَا، فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثَا فَعَلَيْهِ لَغْنَةُ اللهِ وَالْلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ صَرْفَا وَلَا عَدْلًا)). وَإِذَا فِيهِ: ((ذِمَّةُ المُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَذْنَاهُمْ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمَا فَعَلَيْهِ لَغْنَةُ اللهِ وَالْلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَذْلًا)). وَإِذَا فِيهَا: ((مَنْ وَالَىْ قَوْمًا بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيِهِ فَعَلَيْهِ لَغْنَةُ اللهِ وَالْلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا)). [انظر: ١١١ - مسلم: ١٣٧٠ - فتح ١٣ / ٢٧٥]. ٧٣٠١- حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَقْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَغْمَشُ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها صَنَعَ النَّبِيُّ ◌َ لَهِ شَيْئًا تَرَخَّصَ وَتَنَزَّهَ عَنْهُ قَوْمٌ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ◌َّةِ، فَحَمِدَ اللهَ ثُمَّ قَالَ: ((مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَتَتَزَّهُونَ عَنِ الشَّيْءِ أَصْنَعُهُ فَوَاللَّهِ إِّ أَعْلَمُهُمْ بِاللهِ وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً)). [انظر: ٦١٠١ - مسلم: ٢٣٥٦ - فتح ٥٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ١٣/ ٢٧٦]. ٧٣٠٢- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا وَكِيعْ، عَنْ نَافِعِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ ابن أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: كَادَ الَخَيَِّانِ أَنْ يَهْلِكَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، لَمَا قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ◌َِّهَ وَقْدُ بَنِي تَمِيمٍ، أَشَارَ أَحَدُهُمَا بِالأَقْرَعِ بْنِ حَابِسِ الَنْظَلِّ أَخِي بَنِي نُجَاشِعٍ، وَأَشَارَ الآخَرُ بِغَيْرِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ: إِنَّمَا أَرَدْتَ خِلَافِي. فَقَالَ عُمَرُ: مَا أَرَدْتُ خِلَافَكَ. فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا عِنْدَ النَّبِيِّ ◌َّ، فَنَزَلَتْ: (يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لَا تَزْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ (إِلَى قَوْلِهِ (عَظِيمٌ ([الحجرات: ٢-٣]. قَالَ ابن أَبِي مُلَيْكَةَ: قَالَ ابن الزُّبَيْرِ: فَكَانَ عُمَرُ بَعْدُ - وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ عَنْ أَبِهِ، يَغْنِي: أَبَا بَكْرٍ - إِذَا حَدَّثَ النَّبِيَّ ◌َ بِحَدِيثٍ حَدَّثَهُ كَأَخِي السِّرَارِ، لَمْ يُسْمِعْهُ حَتَّى يَسْتَفْهِمَهُ. [انظر: ٤٣٦٧- فتح ١٣/ ٢٧٦]. ٧٣٠٣- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُزْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمّ المُؤْمِنِينَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّ قَالَ فِي مَرَضِهِ: ((مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلّي بِالنَّاسِ)). قَالَتْ عَائِشَةُ: قُلْتُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسمِعِ النَّاسَ مِنَ الْبُكَاءِ، فَمُزْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ. فَقَالَ: (مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ)). فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ لَحِفْصَةَ: قُولِي: إِنَّ أَبَا بَكْرِ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ البُكَاءِ، فَمُزْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ. فَفَعَلَتْ حَقْصَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِنَّكُنَّ لأَنَّتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ)). قَالَتْ حَقْصَةُ لِعَائِشَةَ: مَا كُنْتُ لِأَصِيبَ مِنْكِ خَيْرًا. [انظر: ١٩٨- مسلم: ٤١٨ - فتح ١٣/ ٢٧٦]. ٧٣٠٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا ابن أَبِي ذِئْبٍ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: جَاءَ عُوَيْمِرٌ إِلَى عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ فَقَالَ: أَزَأَنْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ أَمْرَأَتِهِ رَجُلًا فَيَقْتُلُهُ، أَتَقْتُلُونَهُ بِهِ؟ سَلْ لِيِ يَا عَاصِمُ رَسُولَ اللهِ مَثَةَ. فَسَأَلَهُ، فَكَرِهَ النَّبِيُّ وَّ الَسَائِلَ وَعَابَ، فَرَجَعَ عَاصِمٌ فَأَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِيَّ نَّ كَرِهَ الَسَائِلَ، فَقَالَ عُوَيْمِرٌ: والله لآتِيَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ. فَجَاءَ وَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى القُرْآنَ خَلْفَ عَاصِمِ، فَقَالَ لَهُ: ((قَدْ أَنْزَلَ اللهُ فِيكُمْ قُرْآنًا)). فَدَعَا بِهِمَا فَتَقَدَّمَا فَتَلَاعَنَا، ثُمَّ قَالَ عُوَيْمِرٌ: كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللهِ = كِتَابُ الاعْتِصَامِ بالكِتَابِ وَالشُّنَّةِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا. فَفَارَقَهَا وَلَمْ يَأْمُزْهُ النَّبِيُّ ◌َّهِ بِفِرَاقِهَا، فَجَرَتِ السُّنَّةُ في المتَلَاعِنَيْنِ، وَقَالَ النَّبِيُّ ◌َلَّ: «انْظُرُوهَا فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَحْمَرَ قَصِيرًا مِثْلَ وَحَرَةٍ فَلَا أُرَاهُ إِلَّ قَدْ كَذَبَ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَسْحَمَ أَغْيَنَ ذَا أَلْيَتَيْنِ فَلَا أَحْسِبُ إِلَّ قَدْ صَدَقَ عَلَيْهَ)). فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى الأَمْرِ المَكْرُوهِ. [انظر: ٤٢٣ - مسلم: ١٤٩٢ - فتح ١٣/ ٢٧٦]. ٧٣٠٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَوْسِ النَّصْرِيُّ، وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ذَكَرَ لِيِ ذِكْرًا مِنْ ذَلِكَ، فَدَخَلْتُ عَلَى مَالِكِ فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: أَنْطَلَقْتُ حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى عُمَرَ، أَتَاهُ حَاجِبُهُ يَرْفَا فَقَالَ: هَلْ لَكَ فِي عُثْمَانَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ وَالزُّبَيْرِ وَسَعْدٍ يَسْتَأْذِنُونَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَدَخَلُوا فَسَلَّمُوا وَجَلَسُوا، فَقَالَ: هَلْ لَكَ فِي عَلِيَّ وَعَبَّاسِ؟ فَأَذِنَ لَهُمَا، قَالَ العَبَّاسُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أَقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ الظَّالمِ. أَسْتَبَّا، فَقَالَ الرَّهْطُ عُثْمَانُ وَأَصْحَابُهُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أَقْضٍ بَيْنَهُمَا وَأَرِخْ أَحَدَهُمَا مِنَ الآخَرِ. فَقَالَ: أَتَِّدُوا أَنْشُدُكُمْ بِاللهِ الذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأَزَضُ، هَلْ تَغْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلّ قَالَ: (لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ)) يُرِيدُ رَسُولُ اللهِ وَ لِ نَفْسَهُ؟ قَالَ الرَّهْطُ: قَدْ قَالَ ذَلِكَ. فَأَقْبَلَ عُمَرُ عَلَى عَلِّ وَعَبَّاسِ فَقَالَ: أَنْشُدُكُمَا بِاللهِ هَلْ تَغْلَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ بَلَ قَالَ ذَلِكَ؟ قَالَا نَعَمْ. قَالَ عُمَرُ: فَإِنِّي مُحَدِّثُكُمْ عَنْ هذا الأَمْرِ: إِنَّ اللهَ كَانَ خَصَّ رَسُولَهُ ◌َ في هذا المالٍ بِشَيْءٍ لَمْ يُعْطِهِ أَحَدًا غَيْرَهُ، فَإِنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿وَمَآ أَفَآءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ﴾ [الحشر: ٦] الآيَةَ. فَكَانَتْ هَذِهِ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللهِ بَلَّهِ، ثُمَّ والله مَا أَخْتَازَهَا دُونَكُمْ وَلَا أَسْتَأْثَرَ بِهَا عَلَيْكُمْ، وَقَدْ أَعْطَاكُمُوهَا وَبَثَّهَا فِيكُمْ، حَتَّى بَقِيَ مِنْهَا هذا المالُ، وَكَانَ النَّبِيُّ ◌َِ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ مِنْ هذا المَالِ، ثُمَّ يَأْخُذُ مَا بَقِيَ فَيَجْعَلُهُ نَجْعَلَ مَالِ الهِ، فَعَمِلَ النَّبِيُّ ﴿َّ بِذَلِكَ حَيَاتَهُ، أَنْشُدُكُمْ بِاللهِ هَلْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ. ثُمَّ قَالَ لِعَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ: أَنْشُدُكُمَا اللهَ هَلْ تَعْلَمَانِ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. ثُمَّ تَوَفَّى اللهُ نَبِيَّهُ وَلَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا وَلِّ رَسُولِ اللهِوَّلَه فَقَبَضَهَا أَبُو بَكْرٍ فَعَمِلَ فِيهَا بِمَا عَمِلَ فِيهَا رَسُولُ اللهِوَجِِّ، وَأَنْتُمَا حِينَئِذٍ - وَأَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ - تَزْعُمَانِ أَنَّ أَا بَكْرٍ فِيهَا كَذَا، والله يَعْلَمُ أَنَّهُ فِيهَا صَادِقٌ بَارٌّ ٥٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ، ثُمَّ تَوَفَّى اللهُ أَبَا بَكْرٍ، فَقُلْتُ: أَنَّا وَلِيُّ رَسُولِ اللهِ ◌َّهِ وَأَبِي بَكْرٍ، فَقَبَضْتُهَا سَنَتَيْنِ أَعْمَلُ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﴿ وَأَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ جِئْتُمَانٍ وَكَلِمَتُكُمَا عَلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ وَأَمْرُكُمَا جَمِيعٌ، جِئْتَنِي تَسْأَلُنِي نَصِيبَكَ مِنِ ابْن أَخِيكَ، وَأَتَانِي هذا يَسْأَلُنِي نَصِيبَ أَمْرَأَتِهِ مِنْ أَبِيهَا، فَقُلْتُ: إِنْ شِئْتُمَا دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا عَلَى أَنَّ عَلَيْكُمَا عَهْدَ اللهِ وَمِيثَاقَهُ، تَعْمَلَانِ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللهِ لَّهِ، وَبِمَا عَمِلَ فِيهَا أَبُو بَكْرٍ، وَبِمَا عَمِلْتُ فِيهَا مُنْذُ وَلِيتُهَا، وَإِلَّ فَلَا تُكَلِّمَانِي فِيهَا. فَقُلْتُمَا: أَذْفَعْهَا إِلَيْنَا بِذَلِكَ. فَدَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا بِذَلِكَ، أَنْشُدُكُمْ بِاللهِ هَلْ دَفَعْتُهَا إِلَيْهِمَا بِذَلِكَ؟ قَالَ الرَّهْطُ : نَعَمْ. فَأَقْبَلَ عَلَى عَلّ وَعَبَّاسٍ فَقَالَ: أَنْشُدُكُمَا بِاللهِ هَلْ دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا بِذَلِكَ؟ قَالَا: نَعَمْ. قَالَ: أَفَتَلْتَمِسَانِ مِنِّي قَضَاءَ غَيْرَ ذَلِكَ؟ فَوَالَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأَرَضُ لَا أَقْضِي فِيهَا قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ حَتَّى قُومَ السَّاعَةُ، فَإِنْ عَجَزْتَ عَهَا قَدْفَ إِلَيّ، فَ أَيْكُمَاَ. [انظر: ٢٩٠٤ - مسلم: ١٧٥٧- فتح ١٣ / ٢٧٧]. ذكر فيه سبعة أحاديث سلفت : حديث أبي هريرة # في الوصال. وحديث علي : مَا عِنْدَنَا مِنْ كِتَابِ نقرأوه إِلَّا كِتَابُ اللهِ، وَمَا فِي هُذِهِ الصَّحِيفَةِ. وحديث عائشة رضي الله عنها: ((فَوَاللَّهِ إِنِّي أَعْلَمُهُمْ بِاللهِ وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً)). وحديث ابن أبي مليكة: كَادَ الخَيِّرَانِ أَنْ يَهْلِكَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ .. الحديث. وحديث عائشة رضي الله عنها: ((مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ)» .. الحدیث بطوله. وحديث سهل بن سعد في اللعان. وحديث مالك بن أوس: أن العباس وعليًّا جاءا إلى عمر ﴿ه يطلبان ٥٧ = ڪِتَابُ الاعْتِصَامِ بالكِتَابِ وَالسُّنّةِ ميراثهما من رسول الله وَالر، وتنازعهما مع عمره .. الحديث بطوله. وفيه: ((لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ)). الشرح : الغلو: مجاوزة الحد، وهذا يدل على أن البحث عن أسباب الربوبية من نزغات الشيطان، ومما يؤدي إلى الخروج عن الحق؛ لأن هؤلاء غلوا في الفكرة حتى آل بهم الأمر أن جعلوا آلهة ثلاثة، وأما الذين غلوا في الصيام فهو أتباعهم للوصال بعد أن نهاهم رسول الله وَ لَه فعاقبهم بأن زادهم ما تعمقوا به. وقول علي # لما خطب على منبر من آجر: (والله ما عندنا إلا كتاب الله، وما في هذِه الصحيفة). فإنه أراد به تبكيت من تنطع، وجاء بغير ما في كتاب الله وغير ما في (سنة رسوله)(١) فهو مذموم. وحديث (القبلة)(٢) للصائم التي (تنزه قوم عنها)(٣) ورخص فيها الشارع فذمهم بالتعمق والمخالفة، وقصة وفد بني تميم لما آل إلى التنازع من الصديق والفاروق إلى المحاسبة في التفاضل بين ابن حابس وعيينة بن حصن(٤)، ورمى بعضهم بعضًا بالمناوأة والقصد إلى المخالفة، والفرقة. كذلك ينبغي أن تذم كل حالة تخرج صاحبها إلى افتراق الكلمة واستسعار العداوة. (١) في الأصل: سنته، والمثبت من (ص١). (٢) في الأصل: النية. (٣) في الأصل: فسره تنطع وجاء بغير ما في كتاب الله وغير ما في سنة رسوله، والمثبت من ((شرح ابن بطال)) ٣٤٨/١٠. (٤) ينظر فإن أراد الحديث المذكور في الأصل فالآخر القعقاع بن معبد لا عينية. ٥٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح -- وقوله: ( ((مروا أبا بكر فليصل بالناس))) ذم عائشة - رضي الله عنها- لتعمقها في المعاني التي خشيتها من مقام أبيها في مقام رسول الله وَله مما روي عنها أنها قصدته بذلك، وقد سلف في الصلاة(١) وذمه حفصة أيضًا؛ لأنها أدخلتها في المفاوضة لرسول الله وَلخلقه. وكذلك كراهيته التَّ لمسائل اللعان وعيبه لها في نص الباب، وأنه خشي أن ينزل من القرآن ما يكون تضييقًا فنزل فيه اللعان وهو وعيد عظيم وسبب إلى عذاب الآخرة لمن أراد تعالى إنفاذه عليه. وحديث العباس وعلي رضي الله عنهما يئول ما ذم من تنازعهما إلى انقطاع الرحم التي بينهما بالمخاصمة في هذا المال الموقوف لا سيما بعد أن قص عليهما عمر ى حديث رسول الله وَّةٍ فلم ينههما عن طلب هذا الوقف ليلياه كما كان يليه الخليفة من توزيعه وقسمته حيث يحب وانفرادهما بالحكم فيه، وقد سلف معناه واضحًا في آخر الجهاد، فرض الخمس(٢). فصل : معنى: ( ((يطعمني ربي ويسقيني))). قيل حقيقة، والأصح يعطى قوتهما فيحصل له الري والشبع ويكون بمنزلة من تناولهما. والآجُرُّ في حديث [علي] ممدود مشدد الراء ما يبنى به فارسي معرب، ويقال: آجور على فاعول. وقول علي : (ما عندنا .. ) إلى آخره قاله؛ لأن الروافض تزعم أنه الَّ أسر إليه، وأنهم كتبوا كتابًا يقال له: الجَفْر علم ما يكون، وأنه (١) سلف برقم (٦٦٤) كتاب: الأذان، باب: حد المريض أن يشهد الجماعة. (٢) سلف برقم (٣٠٩٤) كتاب: فرض الخمس. ٥٩ كِتَابُ الاعْتِصَامِ بالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ خصهم بذلك دون الناس فأكذبهم علي ، وبعض الرواة تزيد فيما ذكر في الصحيفة على بعض، ويقول كل واحد ما حفظ. وقوله: ( ((المدينة حرم ما بين عَيْر إلى كذا))) جاء في حديث آخر: ((إلى ثور)) (١)، والمراد ما بين لابتيها، كما صرح به في موضع آخر (٢). والصرف: الاكتساب أو الحيلة من قولهم: يتصرف في الأمور. أي: يحتال فيها، ومنه قوله: فلا تستطيعون صرفًا ولا نصرًا(٣)، أو التوبة أو النافلة أو الفريضة أو الوزن، أقوال. والعَدْلُ: الفدية من قوله تعالى: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة: ٤٨] أو الكيل أو الفريضة أو النافلة، وقد سلف ذلك. (((وأخفر))): نقض العهد يقال: أخفرت الرجل نقضت عهده وأخفرته أيضًا جعلت معه خفیرًا. فصل : قوله: ((ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه)). قال الداودي: التنزه عما ترخص به الشارع من أعظم الذنوب؛ لأن هُذا يرى نفسه أتقى في ذلك من رسوله وهذا إلحاد. وقوله: ((أعلمكم بالله)). واحتج به من قال: إن العلم إذا وقع من طرق كان من وقع له أعلم ممن وقع له من طريق واحد، وهذا أصل اختلف فيه أهل الأصول. (١) سلف برقم (٦٧٥٥). (٢) سلف برقم (١٨٦٩). (٣) هكذا بالأصل، ولعله يقصد قوله تعالى: ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا﴾. [الفرقان: ١٩]. ٦٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح فصل : قول ابن أبي مليكة: (كاد الخيران أن يهلكا .. ) الحديث، هو مرسل، وإنما ذكر ابن الزبير لفظة منه فلم يتصل من الحديث غيرها فنزلت: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [الحجرات: ٢]. قوله: (قال ابن أبي مليكة: قال ابن الزبير: فكان عمر بعدُ -ولم يذكر ذلك عن أبيه، يعني: أبا بكر - إذا حدث النبي ◌َّ بحديث حدثه كأخي السرار لم يسمعه حتى يستفهمه). فيه: أن الجد للأم يسمى أبًا؛ لأن أبا بكر كان جد ابن الزبير لأمه، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا نَكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَبَآؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] والجد للأم داخل في ذلك. وقوله: (كأخي السرار). قال الخطابي: سمعت أبا عمرو يذكر عن أبي العباس: كالسرار، وأخي صلة، قال: وقد يكون بمعنى صاحب السرار(١). وقيل: کالمناجي سِرًّا. وروي عن أبي بكر مثل فعل عمر - رضي الله عنهما - لم يكن بعد ذلك من كلامه لرسول الله وَلّ حتى يستفهمه(٢). (١) ((أعلام الحديث)) ٤/ ٢٣٤٠. (٢) روى البزار في («مسنده) ١/ ٢٠٠ (٥٦) من طريق حصين بن عمر، عن مخارق، عن طارق، عن أبي بكر قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ قلتُ: يا رسول الله والله لا أكلمك إلا كأخي السرار. وقال البزار: وحصين بن عمر قد حدث بأحاديث لم يتابع عليها، وإنما ذكرنا هذا الحديث على لين حصين؛ لأنه لا يروى عن النبي ◌َّ بإسناد متصل إلا من هذا الوجه. اهـ وانظر: ((تفسير ابن كثير)) ١٣٩/١٣.