النص المفهرس

صفحات 501-520

٥٠
١
كِتَابُ الأَحْكَامِ
=
١٨- باب مَنْ قَضَى وَلَاعَنَ في المَسْجِدِ
وَلَا عَنَ عُمَرُ هُ عِنْدَ مِنْبَرِ النَّبِّ وَلِّ. وَقَضَىْ شُرَيْحٌ وَالشَّعْبِيُّ
وَيَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ فِي المَسْجِدِ، وَقَضَى مَرْوَانُ عَلَى زَيْدِ بْنِ
ثَابِتٍ بِالْيَمِينِ عِنْدَ المِنْبَرِ. وَكَانَ الحَسَنُ وَزُرَارَةُ بْنُ أَوْفَى
يَقْضِيَانِ فِي الرَّحَبَةِ خَارِجًا مِنَ المَسْجِدِ.
٧١٦٥ - حَدَّثَنَا عَلِيَّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَهْلٍ بْنِ سَعْدٍ
قَالَ: شَهِدْتُ المتَلَاعِنَيْنِ وَأَنَا ابن خَمْسَ عَشْرَةَ فُرَّقَ بَيْنَهُمَا. [انظر: ٤٢٣ - مسلم: ١٤٩٢-
فتح: ١٣ / ١٥٤].
٧١٦٦ - حَدَّثَنَا يَخْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ، أَخْبَرَنَا ابن جُرَیْجِ، أَخْبَرَنِي ابن شِهَابٍ،
عَنْ سَهْلٍ - أَخِي بَنِي سَاعِدَةَ - أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنَّصَارِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ◌َِّ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ
رَجُلًا وَجَدَ مَعَ أَمْرَأَتِهِ رَجُلًا، أَيَقْتُلُهُ؟ فَتَلَاعَنَا فِي المَسْجِدِ وَأَنَا شَاهِدٌ. [انظر: ٤٢٣-
مسلم: ١٤٩٢ - فتح: ١٣ / ١٥٤].
ثم ساق التلاعن في المسجد من حديث سهل بن سعد، ساقه من
طريقين: أحدهما: عن سفيان قال الزهري، عن سهل بن سعد.
والثاني: عن ابن جريج أخبرني ابن شهاب عن سهل، فكأنه يرى أن
قول الراوي (قال فلان) دون قوله (عن فلان). كذا ساقهما.
والتعليق عن يحيى أخرجه ابن أبي شيبة، عن ابن مهدي: ثنا
عبد الرحمن بن قيس قال: رأيت يحيى بن يعمر يقضي في المسجد(١).
والتعليق عن شريح غريب، وفي ابن أبي شيبة روى عن وكيع، عن
سفيان، عن الجعد بن ذكوان: أن شريكا كان إذا كان يوم مطر قضى في
داره. وتعليق الحسن وزرارة أخرجه أيضًا عن ابن مهدي، عن المثنى بن
(١) ((المصنف)) ٤٣٦/٤ (٢١٨٢٥).

٥٠٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
سعيد قال: رأيت الحسن وزرارة فذكره. قال: وحدثنا ابن مهدي، عن
ابن أبي عتبة قال: رأيت الحسن يقضي في المسجد (١)، وقضاء مروان
أخرجه وكيع بن الجراح في ((مصنفه)) عن هشام بن عروة عن أبيه
قال: شهدت مروان فذكره.
الشرح :
سياق البخاري هذِه الآثار ليسهل على عمل من تقدم من القضاة،
وقد استحب القضاء في المسجد طائفة منهم شريح والحسن البصري
والشعبي وابن أبي ليلى(٢)، وقال مالك: القضاء في المسجد من أمر
الناس القديم؛ لأنه يرضى فيه بالدون ويصل إليه المرأه والضعيف،
وإذا احتجب لم يصل إليه الناس(٣)، وبه قال أحمد وإسحاق(٤)،
وكرهته طائفة وقالت: القاضي يحضره الحائض والذمي وتكثر
الخصومات بين يديه، المساجد تجنب ذلك، وروي عن عمر بن
عبد العزيز أنه كتب إلى القاسم بن عبد الرحمن: أن لا يقضي
في المسجد فإنه يأتيك الحائض والذمي(٥). وقال الشافعي: أحب
إلي يقضي في غير المسجد؛ لكثرة من يغشاه لغير ما بنيت له
المساجد(٦).
(١) ((السابق)) ٤٣٦/٤ (٢١٨٢٧، ٢١٨٢٤، ٢١٨٢٨).
(٢) أنظر: ((شرح ابن بطال)) ٢٤٠/٨.
(٣) ((المدونة)) ٧٦/٤.
(٤) أنظر: ((الشرح الكبير)) ٣٣٨/٢٨.
(٥) رواه عبد الرزاق في ((مصنفه)) ٢٣/١٠، (١٨٢٤١) وبمعناه ابن أبي شيبة ٤٣٦/٤
(٢١٨٢٣).
(٦) ((الأم)) ٦/ ٢٠١.

٥٠٣
- كِتَابُ الأَحْكَامِ
وحديث سهل حجة لمن استحب ذلك، وعجبت من الإسماعيلي
كونه قال في حديث الزهري عن سهل: ليس فيه ذكر المسجد،
فالمتنان واحد قطعهما البخاري، وليس في اعتلال من أعتل بحضور
الحائض والكافر مجلس الحكم حجة؛ لأنه لا يعلم حجة يجب فيها
منع الكافر من الدخول في المساجد سوى المسجد الحرام، وقد قدم
وفد ثقيف على رسول الله وَية، فأنزلهم في المسجد (١) وأخذ ثمامة بن
أثال من بني حنيفة أسيرًا وربط إلى سارية من سواري المسجد(٢)، وليس
في منع الحائض من دخول المسجد خبر يثبت، وقد نظر داود الطي بين
(الخصمين)(٣) الذين وعظهما في المحراب وهو في المسجد، وأما
الأحاديث التي فيها النهي عن إقامة الحدود في المسجد فضعيفة (٤).
فصل :
اختلف في الموضع الذي يجلس فيه للحكم على ثلاثة أقوال: فقال
مالك في ((المدونة)) ما مضى، وقال في كتاب ابن حبيب: كان من مضى
من القضاة يجلسون في رحاب المسجد خارجًا إما عند موضع الجنائز،
وإما في رحبة دار مروان، وما كانت تسمى إلا رحبة القضاء، قال مالك:
وإني لأستحب ذلك في الأمصار من غير تضييق؛ ليصل إليه اليهودي
(١) رواه أبو داود (٣٠٢٦)، وأحمد ٢١٨/٤ وغيرهم.
(٢) سبقت قصته برقم (٤٦٢) كتاب الصلاة، باب: الاغتسال إذا أسلم، وربط الأسير
في المسجد .
(٣) من (ص).
(٤) روى أبو داود (٤٤٩٠) عن حكيم بن حزام أنه قال: نهى رسول الله وَله أن يستقاد
في المسجد ..
ورواه أيضًا أحمد ٤٣٤/٣ موقوفًا على حكيم . ورواه مرفوعًا الدارقطني
٨٥/٣ وغيره وقد حسنه الألباني انظر ((إرواء الغليل)) ٧/ ٣٦١.

٥٠٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
والنصراني والحائض والضعيف، وهو أقرب إلى التواضع، وحيثما
جلس القاضي المأمون فهو جائز، وقال ابن حبيب: لا بأس أن
يقضي في منزله، واستحسن بعض شيوخنا قوله: في رحابه. وقال ابن
أبي زيد تصحيحًا لقول مالك: يقضي في المسجد؛ لقوله تعالى:
®﴾ (١) [ص: ٢١].
﴿وَهَلْ أَتَنَكَ نَبَؤُأْ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُواْ الْمِحْرَابَ
فصل :
سهل بن سعد الساعدي كنيته أبو العباس، أنصاري مدني، مات سنة
ثمان وثمانين (٢).
فصل :
حضوره يحتمل وجهين: أحدهما: أن يدعى لذلك فيحتمل أن
يخص به؛ لصغره لما يرجى من طول عمره لئلا يذهب من شاهد
ذلك، والثاني: أن يكون من غير استدعاء.
فصل :
يغلظ في اللعان بالزمان والمكان وهي سنة عندنا لا فرض على
الأصح (٣)، وقال مالك بالتغليظ (٤)، وأيضًا منع أبو حنيفة (٥) وروى
ابن كنانة عن مالك يجزئ في المال العظيم والدماء(٦).
(١) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٢٠/٨، ٢١.
(٢) أنظر ترجمته في ((معجم الصحابة)) للبغوي ٨٧/٣، و((الاستيعاب)) ٢٢٤/٢
(١٠٩٤)، و((أسد الغابة)) ٢/ ٤٧٢ (٢٢٩٣).
(٣) أنظر: ((البيان)) للعمراني ٤٥٤/١٠، ((الحاوي)) للماوردي ١١ / ٤٥ (طبعة دار الفكر).
(٤) انظر: ((المنتقى)) ٢٣٣/٥، ((بداية المجتهد)) ١٧٧٩/٤.
(٥) أنظر: ((بدائع الصنائع)) ٢٢٨/٦.
(٦) أنظر: ((المنتقى)) ٢٣٣/٥.

٥٠٥
كِتَابُ الأحْكَامِ
=
وزمن اللعان بعد العصر عندنا(١)، وعند المالكية إثر الصلاة، وعن
بعضهم كمذهبنا(٢)؛ لاختصاص العصر بالملائكة -أعني: ملائكة الليل
والنهار. وروى ابن حبيب، عن المطرف وابن الماجشون: لا يحلف بإثر
الصلوات إلا في الدماء واللعان، وأما في الحقوق ففي أي وقت، وقاله
ابن القاسم. وروى ابن كنانة، عن مالك: يحلف في ربع دينار وفي
القسامة واللعان على المنبر، فيقول: بالله الذي لا إله إلا هو عالم
الغيب والشهادة الرحمن الرحيم، كانت يمين واحدة أو أيمان متكررة.
وقال ابن حبيب، عن مطرف وابن الماجشون: إن اليمين في ذلك كله
بالله الذي لا إله إلا هو خاصة، زاد ابن المواز: والحر والعبد في
ذلك سواء، وهو المشهور من قول مالك، وقاله ابن القاسم(٣).
فصل :
في حديث سعد: التجوز في السؤال، وذلك يدل على علم السائل؛
لأنه لم يصرح باسم الرجل سترًا عليه وعلى المرأة حتى يرى ما يكون
الحكم فيه.
وفيه: أن الرجل إذا لم يسم المقذوف لا يتعلق به (حق)(٤) القذف.
فرع: اختلف متى يقع الفراق في اللعان: فقال مالك وابن القاسم:
بنفس اللعان ولا يحل له أبدًا(٥)، وقال ابن أبي صفرة: اللعان لا يرفع
العصمة حتى يوقع (الرجل)(٦) الطلاق.
(١) انظر: ((البيان)) ٤٥٥/١٠.
(٢) أنظر: ((المدونة)) ٣٣٧/٢، ((بداية المجتهد)) ١٧٨١/٤.
(٣) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ١٥٦/٨، ((المنتقى)) ٢٣٣/٥.
(٤) في (ص١): حد.
(٥) انظر: ((المدونة)) ٣٣٧/٢.
(٦) في (ص١): الزوج.

٥٠٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
=
١٩- باب مَنْ حَكَمَ في المَسْجِدِ
حَتَّى إِذَا أَتَّى عَلَى حَدِّ أَمَرَ أَنْ يُخْرَجَ
مِنَ المَسْجِدِ فَيُقَامَ
وَقَالَ عُمَرُ ﴾ُ: أَخْرِجَاهُ مِنَ المَسْجِدِ. (وَاضْرَبَاهُ)(١). وَيُذْكَرُ
عَنْ عَلِيٍّ ◌َّهُ نَحْوُهُ.
٧١٦٧- حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ بُكَثِرٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ
أَبِي سَلَمَةَ وَسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَىْ رَجُلٌ رَسُولَ اللهِ ◌َلَّ وَهْوَ فِي
المَسْجِدِ فَنَادَاهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِّ زَنَيْتُ. فَأَعْرَضَ عَنْهُ. فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ
أَزْبَعًا قَالَ: ((أَبِكَ جُنُونٌ؟)). قَالَ: لَا. قَالَ: ((اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ)). [انظر: ٥٢٧١-
مسلم: ١٦٩١م - فتح: ١٣ / ١٥٦].
٧١٦٨ - قَالَ ابن شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كُنْتُ فِيمَنْ
رَجَمَهُ بِالْصَلَّى. رَوَاهُ يُونُسُ وَمَغْمَرٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِ،
عَنِ النَّبِيِّ يَّرَ فِي الرَّجْمِ. [انظر: ٥٢٧١ - مسلم: ١٦٩١م - فتح: ١٣ / ١٥٦].
ثم ساق حديث أبي هريرة # -في قصة ماعز - وفيه: فلما شهد على
نفسه أربعًا قال: ((أبك جنون؟))، قال: لا، قال: ((اذهبوا به فارجموه))
فرجم بالمصلى. رواه يونس ومعمر وابن جريج عن الزهري عن أبي
سلمة عن جابر ، عن رسول الله وَل في الرجم
(الشرح)(٢):
اختلف العلماء في إقامة الحدود في المسجد، فروي عن عمر
(١) من (ص١).
(٢) من (ص١).

٥٠٧
- كِتَابُ الأَحْكَامِ
أنه أمر بالذي وجب عليه الحد أن يقام عليه خارج المسجد(١)، وكذا
فعل علي # بالسارق الذي قدم إليه، فقال: يا قنبر أخرجه من
المسجد فاقطع يده(٢). وكره إقامته في المسجد مسروق وقال: إن
للمسجد حرمة(٣).
وهو قول الشعبي(٤) وعكرمة، وإليه ذهب الكوفيون والشافعي
و(أحمد)(٥) وإسحاق(٦).
وفيها قول ثان: يروى عن الشعبي أنه أقام على رجل من أهل الذمة
حدًا في المسجد(٧)، وهو قول ابن أبي ليلى(٨).
وفيها قول ثالث: وهو الرخصة في الضرب بالأسواط اليسيرة
في المسجد، فإذا كثرت الحدود فلا تقام فيه، وهو قول مالك(٩)
وأبي ثور.
وقول من نزه المسجد عن إقامة الحدود فيه أولى، يشهد له حديث
الباب، حيث أَمر برجمه في المصلى خارج المسجد.
(١) رواه عبد الرزاق في ((مصنفه)) ٢٣/١٠ (١٨٢٣٨)، وابن أبي شيبة في ((المصنف))
٥٢١/٥ (٢٨٦٣٧).
(٢) رواه ابن أبي شبية في ((المصنف)) ٥٢١/٥ (٢٨٦٣٦).
(٣) رواه عبد الرزاق في ((مصنفه)) ٢٣/١٠ (١٨٢٤٠)، وابن أبي شيبة في ((المصنف))
٢٢/٥ (٢٨٦٤٥).
(٤) رواه ابن أبي شيبة ٥٢١/٥-٥٢٢ (٢٨٦٤٠).
(٥) من (ص١).
(٦) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٢٩١/٣، ((الأم)) ١٥٠/٧، ((المغني)) ١٢/ ٥١١.
(٧) رواه عبد الرزاق ٢٣/١٠ (١٨٢٣٩).
(٨) انظر: ((الأم)) ٧/ ١٥٠.
(٩) أنظر: ((المدونة)) ٤٨٦/٤، ((المنتقى)) ١٨٥/٥.

٥٠٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
قال ابن المنذر: ولا ألزم من أقام الحد في المسجد مأثمًا؛ لأني
لا أجدُ دليلًا عليه (١).
وفي الباب حديثان منقطعان لا تقوم بهما حجة في النهي عن إقامة
الحدود في المساجد، وقد أسلفت أن طرقه كلها ضعيفة(٢).
فصل :
قوله في الحديث: (فأعرض عنه) (أي)(٣): كراهية سماع ذلك،
وأراد به للستر.
وفيه تأويلان: أحدهما: أن ذلك إنما يكون إذا قام به من له حق،
والثاني: أنه لم يحضره أحد من الشهود.
فرع :
قيل لمالك: أترى للإمام إذا اعترف عنده بالزنا أن يعرض عنه أربع
مرات؟ فقال: ما أعرف هذا، إذا أعترف مرة وأقام على اعترافه أقيم
عليه الحد(٤). والحدیث یرده.
واختلف إذا جحد الإقرار ولم يأت بعده، فقال مالك مرة: يقبل منه . .
وقال أخرى: لا (٥).
وأبعد من قال: يحتمل أن يكون التفي أمر برجمه قبل أن يستكمل
الأربع. وقد يحتمل أن تكون شهادته على نفسه بذلك عند غير رسول
الله وَله. وأقر الرابعة عنده.
(١) أنظر: ((الإشراف)) ٢١/٣.
(٢) في باب: من قضى ولاعن في المسجد.
(٣) من (ص١).
(٤) أنظر: ((المنتقى)) ١٣٥/٧.
(٥) أنظر: ((المنتقى)) ١٤٣/٧.

٥٠٩
كِتَابُ الأحْكَامِ
=
٢٠- باب مَوْعِظَةِ الإِمَامِ لِلْخُصُومِ
٧١٦٩- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَئْنَبَ
ابنةِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمّ سَلَمَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَ قَالَ: ((إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ،
وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ
فَأَقْضِي نَحْوَ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقٌّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ
لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ)). [انظر: ٢٤٥٨ - مسلم: ١٧١٣ - فتح: ١٣ / ١٥٧].
ذكر فيه حديث أم سلمة رضي الله عنها أَنَّهِ وَِّ قَالَ: (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ،
وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ
فَأَقْضِي نَحْوَ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَ يَأْخُذْهُ، فَإِنَّمَّا
أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ)).
هُذا الحديث سلف في المظالم(١)، وأوائل كتاب الحيل(٢)، وأم
سلمة أسمها: هند، وهي ابنة عم أبي جهل، ماتت سنة (تسع
وخمسين)(٣) وهي أول ظعينة دخلت المدينة.
ومعنى: ألحن بحجته: أفطن لها وأجدل. وقال ابن حبيب: أنطق
وأقوى مأخوذ من قوله تعالى ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِىِ لَحْنِ اُلْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠]
أي: نطق القول.
وقيل معناه: أن يكون أحدهما أعلم بمواقع الحجج وأهدى لإيرادها
ولا يخلطها بغيرها.
قال أبو عبيد: اللحن -بفتح الحاء- الفطن، وبالإسكان للخطأ في
(١) سلف برقم (٢٤٥٨) باب: إثم من خاصم في باطل وهو يعلمه.
(٢) سلف برقم ( ٦٩٦٧) باب: (١٠).
(٣) ورد بهامش الأصل: توفيت في إمرة يزيد، وأما الواقدي ما ذكره المؤلف.

٥١٠
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
القول. ويؤيده روايته في كتاب المظالم بلفظ: ((أبلغ من بعض)) (١)،
ويأتي بعد أيضًا (٢)، وذكر ابن سيده: لحن الرجل لحنًا: تكلم بلغته،
ولحن له (يلحن)(٣) لحنًا: قال له قولًا يفهمه عنه ويخفى على غيره،
وألحنه القول أفهمه إياه، فلحنه لحنًا: فهمه، ولحنه [غنى لحنًا](٤)
عن كُراع كذلك، وهي قليلة، والأول أعرف، ورجل لَحِنٌ: عالم
بعواقب الكلام ظريف، ولحن لحنًا: فطن لحجته وانتبه لها، ولاحن
الناس: فاطنهم. ومنه قول عمر بن عبد العزيز: عجبتُ لمن لاحن
الناس ولاحنوه، كيف لا يعرف جوامع الكلم، ورجل لاحن الناس
ولاحنوه لا غير: إذا صرف كلامه عن جهته، ولا يقال: لَخَّان.
وعرف ذلك في لَحْنٍ كلامه، أي: فيما يميل إليه، وفي التنزيل
﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِىِ لَحْنِ اَلْقَوْلِ﴾(٥) [محمد: ٣٠] وفي ((جامع القزاز)) عن
الخليل إن ترك الصواب يجوز فيه التحريك(٦). وأنكره بعضهم، وقال
غيره: بالسكون يكون: إزالة الشيء عن جهته وفي الخطأ، وأنشد:
منطق صائب ويلحن أحيا نا وخير الحديث ما كان لحنًا
فهنا في اللحن التعميم وإزالته عن وجهه، ولذلك جعله خير
الحديث؛ لأنه إنما يعلمه من يفطن له وليس كالذي يعلمه كل سامع.
(١) سلف برقم (٢٤٥٨) باب: إثم من خاصم في باطل وهو يعلمه.
(٢) سيأتي برقم (٧١٨١) باب: من قُضى له بحق أخيه.
(٣) من (ص١).
(٤) ليست بالأصل، والمثبت من ((المحكم)) ٢٥٨/٣.
(٥) ((المحکم» ج٢٥٨/٣.
(٦) الذي في (العين)) ٢٣٠/٣: اللحن: ترك الصواب في القراءة والنشيد وقال: لَحَنَ
يَلْحَنُ لَحْنا ولَحَنا.

٥١١
- كِتَابُ الأحْكَامِ
ومعنى (صائب) في هذا، أي: من صاب يصوب. أي: هو غزير
كثير متين. وقيل: إنما يريد هنا اللحن الذي هو إزالة الإعراب؛ لأن
الجارية ليستملح منها ذلك.
وقال ثعلب: اللحن قبيح من كل أحد. قال معاوية: كيف ابن زياد
فيكم؟ قالوا: ظريف على أنه يلحن، قال: فذلك أظرف له، ذهب معاوية
إلى اللحن الذي هو الفطنة، وذهبوا هم إلى اللحن الذي هو الخطأ(١).
وقال عمر بن الخطاب : تعلموا الفرائض [والسنن](٢) واللحن كما
تعلمون القرآن. قيل: أراد اللغة، وقيل: أراد الخطأ؛ لأن من تعلم
الخطأ فقد تعلم الصواب، والعرب تقول: هذا لحن بني فلان إنما
تريد لغتهم، ومنه قول عمر ﴾ في أبي بن كعب: وإنما أرغب عن
كثير من لحنه(٣). يريد: لغته. قال الشاعر:
وما هاج هذا الشَّوْقَ إلَّا حمامةٌ تَغَنَّتْ على خَضْراءَ سُمْرٌ قُيُودُها
صَدُوحُ الضُّحَى مَعْرُوفة اللَّحْنِ لم تَزَلْ تَقُودُ الهَوىْ مِنْ مُسْعدٍ ويَقُدُها
والجمع: لحون، (وقوله: رددن لحونًا ذات ألوان، يريد: عندهم
لغات) (٤).
(١) رواه القالي في ((أماليه)) ١/ ٥ عن شيخه أبي بكر عن إسماعيل بن إسحاق عن
نصر بن علي عن الأصمعي عن عيسى بن عمر قال: قال معاوية، فذكره.
(٢) ليست بالأصل والمثبت من ((أمالي القالي)).
(٣) أنظر: ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ٢٤١/٤.
(٤) كذا بالأصل وليس لها في النص متعلق، والمصنف ينقل من ((أمالي القالي)) ١/ ٦،
وذكرها القالي عقب بيتين نصهما :
وُرْقُ الحَمامَ بِتَرْجِيع وإرْنانِ
وهاتِفَيْن بِشَجْو بَعْدَما سَجَعتْ
يُرَدِّدَانِ لُحُونًا ذاتَ ألوَانِ
باتا على غُصْنٍ بانٍ فِي ذُرىُ فَنَنٍ
وقال: معناه: يرددان لغات.

٥١٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقيل: اللحن هنا (ضروب) (١) الأصوات الموضوعة، فلذلك
يقولون: لحن في قراءته إذا قرأ بتطريب.
فصل :
فيه ما ترجم له أنه ينبغي للحاكم أن يعظ الخصمين ويحذر من
المظالم ومطالبة الباطل؛ لأنه العقليه وعظ أمته بقوله هذا.
فصل :
وقوله: ((إنما أنا بشر)) على معنى الإقرار على نفسه بصفة البشرية من
أنه لا يعلم (من)(٢) الغيب إلا ما أعلمه الله منه.
وقوله: ((إنكم تختصومون إليَّ)) يريد - والله أعلم- وأنا لا أعرف
(المحق)(٣) منكم من المبطل حتى نميز المحق منكم من المبطل؛
فلا يأخذ المبطل ما نعطيه.
وقوله: ((فأقضي له بنحو ما أسمع)) وفي رواية: ((فأتي بذلك)) (٤).
وهذا يقتضي أن الحاكم مأمور بأن يقضي بما يقرُّ به الخصم عنده.
وقوله: ((فمن قضيت له)). هو خطاب للمقضي له؛ لأنه يعلم من نفسه
هل هو محق أو مبطل؟ فيبين له أنه لا يعتبر بالحكم؛ لأن الحكم لا ينقل
الأصل عما كان عليه.
فصل :
فيه: أن القاضي لا يقضي بعلمه. وفيه نظر، وذلك أنه إذا علم شيئًا
(١) من (ص١).
(٢) من (ص١).
(٣) من (ص١).
(٤) كذا بالأصل ولا وجه لها، ولعلها: فأقضي بذلك. والله أعلم .

٥١٣
كِتَابُ الأَحْكَامِ
=
لا يمكنه أن يقضي بخلافه، بل يرفع ما علمه إلى غيره، أو لا يحكم
بظاهر قول الخصم إلا إذا لم يكن عنده علم بالمحق منهما، ومن
قال: يقضي بعلمه، فإنه ينفذ ما علمه من غير التفات إلى قول الخصم.

٥١٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٢١- باب الشّهَادَةِ تَكُونُ عِنْدَ الحَاكِمِ فِي وِلَايَتِهِ القَضَاءِ
أَوْ قَبْلَ ذَلِكَ لِلْخَصْمِ
وَقَالَ شُرَيْحُ القَاضِي، وَسَأَلَهُ إِنْسَانُ الشَّهَادَةَ فَقَالَ: له أَثْتِ
الأَمِيرَ حَتَّى أَشْهَدَ لَكَ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: قَالَ عُمَرُ ﴾ه لِعَبْدِ
الرَّحْمَنِ: لَوْ رَأَيْتَ رَجُلًا عَلَى حَدٍّ - أَوْ سَرِقَةٍ - وَأَنْتَ أَمِيرٌ؟
فَقَالَ: شَهَادَتُكَ شَهَادَةُ رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ. قَالَ: صَدَقْتَ.
قَالَ عُمَرُ ﴾ . لَوْلَا أَنْ يَقُولَ النَّاسُ: زَادَ عُمَرُ فِي كِتَابِ اللهِ.
لَكَتَبْتُ آيَةَ الرَّجْمِ بِيدِي.
وَأَقَرَّ مَاعِزٌّ بن مالك عِنْدَ رسول الله وَلِّ أَرْبَعًا فَأَمَرَ بِرَجْمِهِ،
وَلَمْ يُذْكَرْ أَنَّهِ بَرِ أَشْهَدَ مَنْ حَضَرَهُ. وَقَالَ حَمَّادٌ: إِذَا أَقَرَّ مَرَّةً
عِنْدَ الحَاكِمِ رُجِمَ. وَقَالَ الحَكَمُ: أَرْبَعًا.
٧١٧٠- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَخْيَى، عَنْ عُمَرَ بْنِ كَثٍِ، عَنْ أَبِي
مُحَمَّدٍ - مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ - أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَ يَوْمَ حُنَيْنِ: ((مَنْ لَهُ
بَيِّنَةٌ عَلَى قَتِيلِ قَتَلَهُ فَلَهُ سَلَبُهُ)). فَقُمْتُ لأَلْتَمِسَ بَيْنَةً عَلَى قَتِيلٍ فَلَمْ أَرَ أَحَدًا يَشْهَدُ
لِي، فَجَلَسْتُ، ثُمَّ بَدَا لِي فَذَكَرْتُ أَمْرَهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ مَةَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ جُلَسَائِهِ:
سِلَاحُ هذا القَتِيلِ الذِي يَذْكُرُ عِنْدِي. قَالَ: فَأَرْضِهِ مِنْهُ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: كَلاَّ، لَا يُغْطِهِ
أُصَيْبِغَ مِنْ قُرَيْشٍ وَيَدَعَ أَسَدًا مِنْ أُسْدِ اللهِ يُقَاتِلُ عَنِ اللهِ وَرَسُولِهِ. قَالَ: فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ
وَ فَأَذَاهُ إِلَيّ، فَاشْتَرَيْتُ مِنْهُ خِرَافًا فَكَانَ أَوَّلَ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ. قَالَ لِى عَبْدُ اللهِ، عَنِ اللَّيْثِ
فَقَامَ النَّبِيُّ ◌َّ فَأَدَّاهُ إِلَى. وَقَالَ أَهْلُ الِحِجَازِ: الَحَاكِمُ لَا يَقْضِي بِعِلْمِهِ، شَهِدَ بِذَلِكَ فِي
وِلَايَتِهِ أَوْ قَبْلَهَا. وَلَوْ أَقَرَّ خَصْمٌ عِنْدَهُ لَآخَرَ بِحَقٌّ فِي نَجْلِسِ القَضَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَقْضِي عَلَيْهِ
فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، حَتَّى يَدْعُوَ بِشَاهِدَيْنِ فَيُحْضِرَهُمَا إِقْرَارَهُ. وَقَالَ بَغْضُ أَهْلِ العِرَاقِ مَا
سَمِعَ أَوْ رَآهُ فِي مَجْلِسِ القَضَاءِ قَضَى بِهِ، وَمَا كَانَ فِي غَيْرِهِ لَمْ يَقْضِ إِلَّ بِشَاهِدَيْنِ. وَقَالَ

٥١٥
كِتَابُ الأحْكَامِ
=
آخَرُونَ مِنْهُمْ بَلْ يَقْضِي بِهِ لأَنَّهُ مُؤْتٌَ، وَإِنَّمَا يُرَادُ مِنَ الشَّهَادَةِ مَغْرِفَةُ الَحَقِّ، فَعِلْمُهُ
أَكْثَرُ مِنَ الشَّهَادَةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَقْضِي بِعِلْمِهِ فِي الأَمْوَالِ، وَلَا يَقْضِي فِي غَيْرِهَا. وَقَالَ
القَاسِمُ: لَا يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يُمْضِيَ قَضَاءً بِعِلْمِهِ دُونَ عِلْمِ غَيْرِهِ، مَعَ أَنَّ عِلْمَهُ أَكْثَرُ
مِنْ شَهَادَةِ غَيْرِهِ، ولكن فِيهِ تَعَرُّضًا لِتُهَمَةِ نَفْسِهِ عِنْدَ المُسْلِمِينَ وَإِقَاعًا لَهُمْ فِي الظُّنُونِ،
وَقَدْ كَرِهَ النَّبِيُّ ◌َِّ الظَّنَّ فَقَالَ: ((إِنَّمَا هَذِه صَفِيَّةٌ)). [انظر: ٢١٠٠ - مسلم: ١٧٥١ - فتح:
١٣/ ١٥٨].
٧١٧١- حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ
عَلِّ بْنِ حُسَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ أَتَتْهُ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَى، فَلَمَّا رَجَعَتِ أَنْطَلَقَ مَعَهَا، فَمَرَّ
بِهِ رَجُلَانِ مِنَ الأَنَّصَارِ، فَدَعَاهُمَا فَقَالَ: ((إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ)). قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ! قَالَ:
((إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابنِ آدَمَ مَجْرى الدَّم)). رَوَاهُ شُعَيْبٌ وَابْنُ مُسَافِرٍ وَابْنُ أَبِي
عَتِيقٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ يَخْيَى، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَلِيُّ - يَغْنِي: ابن حُسَيْنٍ - عَنْ صَفِيَّةَ، عَنِ
النَّبِيِّ ◌َله. [انظر: ٢٠٣٥ - مسلم: ٢١٧٥ - فتح: ١٣ / ١٥٨].
ثم ساق حديث أبي محمد، واسمه نافع مولى أبي قتادة عن مولاه
أبي قتادة ﴾ في قصة الدرع الذي اشترى مخرفا، وفيه: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ
﴿: كَلاَّ، لَا يُعْطِهِ (أُصَيْبِغَ) (١) مِنْ قُرَيْشٍ وَيَدَعَ أَسَدًا مِنْ أُسْدِ اللهِ
يُقَاتِلُ عَنِ اللهِ وَرَسُولِهِ. قَالَ: فَقَامَ رسول الله بَّهِ فَأَذَّاهُ إِلَى. فَاشْتَرَيْتُ
مِنْهُ خِرَافًا فَكَانَ أَوَّلَ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ وقَالَ لِي عَبْدُ اللهِ بن صالح، عَنِ
اللَّيْثِ: فَقَامَ رسول الله وَّهِ فَذَّاهُ إِلَى، وَقَالَ أَهْلُ الحِجَازِ: الحَاكِمُ لَا
يَقْضِي بِعِلْمِهِ، شَهِدَ بِذَلِكَ فِي وِلَايَتِهِ أَوْ قَبْلَهَا. وَلَوْ أَقَرَّ خَصْمٌ عِنْدَهُ
لِآخَرَ بِحَقِّ فِي مَجْلِسِ القَضَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَقْضِي عَلَيْهِ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ،
(١) ورد بهامش الأصل: هنا في الأصل ما لفظه بعد أصيبغ: فاشتراه رسول الله، وفي
نسخة: فعلم .. الحديث. وفي النسخة المنقول منها سقط بعض الحديث فكتبته أنا
من الأصل، أي أصل البخاري.

٥١٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
حَتَّى يَدْعُوَ بِشَاهِدَيْنِ فَيُحْضِرَهُمَا إِقْرَارَهُ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِرَاقِ: مَا سَمِعَ
أَوْ رَآهُ فِي مَجْلِسِ القَضَاءِ قَضَى بِهِ، وَمَا كَانَ فِي غَيْرِهِ لَمْ يَقْضِ إِلَّا
بِشَاهِدَيْنِ. وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ بَلْ يَقْضِي بِهِ لأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ، وَإِنَّمَا يُرَادُ مِنَ
الشَّهَادَةِ مَعْرِفَةُ الحَقِّ، فَعِلْمُهُ أَكْثَرُ مِنَ الشَّهَادَةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَقْضِي
بِعِلْمِهِ فِي الأَمْوَالِ، وَلَا يَقْضِي فِي غَيْرِهَا. وَقَالَ القَاسِمُ: لَا يَنْبَغِي
لِلْحَاكِمِ أَنْ يُمْضِيَ قَضَاءً بِعِلْمِهِ دُونَ عِلْم غَيْرِهِ، مَعَ أَنَّ عِلْمَهُ أَكْثَرُ مِنْ
شَهَادَةٍ غَيْرِهِ، ولكن فِيهِ تَعَرُّضًا لِتُهَمَةِ نَفْسِهِ عِنْدَ المُسْلِمِينَ وَإِبِقَاعًا لَهُمْ
فِي الظُنُونِ، وَقَدْ كَرِهَ النَّبِيُّ نَّهِ الَّنَّ فَقَالَ: ((إِنَّمَا هَذِهِ صَفِيَّةُ)).
ثم (ساق) (١) حديث صفية بعد من حديث الزهري عن علي بن حسين
أنه وَله، أتته صفية .. الحديث. ثم قال: رواه سعيد وابن مسافر وابن أبي
عتيق وإسحاق بن يحيى، عن علي بن حسين، عن صفية، عن النبي وَلّ.
الشرح :
معنى الترجمة: أن الشهادة التي تكون عند القاضي في ولايته القضاء
أو قبل ذلك لا يجوز له أن يقضي بها وحده، وله أن يشهد بها عند غيره من
الحكام، كما قال مالك، وكذلك قول شريح، وهو قول عمر وابن عوف أن
شهادته كشهادة رجل من المسلمين، واستشهد على ذلك بقول عمر: إنه
كان عنده شهادة في آية الرجم أنها من القرآن، فلم يجز له أن يلحقها
بنص المصحف المقطوع بصحته لشهادته وحده، وقد أفصح عمر
بالعلة في ذلك، فقال: لولا .. إلى آخره، وعرفك أن ذلك من باب
قطع الذرائع؛ لئلا يجد حكام السوء السبيل إلى أن يدعوا العلم لمن
أثبتوا له الحكم أنه على حق.
(١) من (ص١).

٥١٧
كِتَابُ الأحْكَامِ
=
وأما ما ذكر من إقرار ماعز عند رسول الله وَ له وحكمه عليه بالرجم
دون أن يُشهد لمن حضره، وكذلك إعطاؤه القَّ (السلب)(١) لأبي قتادة
بإقرار الرجل الذي كان عنده وحده مع ما أنضاف إلى ذلك من علمه
التَّل، ألا ترى قوله في الحديث: فعلم رسول الله وَلي(٢) يعني: علم
أن أبا قتادة هو القاتل، فهو حجة في قضاء القاضي بعلمه، وهو
خلاف ما ذكره البخاري في أول الباب عن شريح، ومن بعده. فأورد
البخاري في الباب اختلاف أهل العلم، وحجة الفريقين من الحديث
بإقرار ماعز.
وحديث أبي قتادة حجة لأهل العراق في القضاء بعلمه وشهادته.
وحديث صفية، وعمر رضي الله عنهما في آية الرجم حجة لأهل
الحجاز أن (القاضي لا يقضي بعلمه)(٣) خوف التهمة؛ لأنه العملية كان
أبعد الخلق منها، ولم يقنع بذلك حتى قال: ((إنها صفية)). فغيره ممن
ليس بمعصوم أولى لخوف التهمة، وإنما فعل ذلك القديم ليسن لأمته
البعد عن مواضع التهم.
وقد سلف قريبًا اختلاف العلماء في ذلك.
والذي ذهب إليه أهل الحجاز هو قول ابن القاسم وأشهب
ومحمد بن المواز إذ كان معنى ذلك إنما يقضي بعلمه بما يقع في
مجلس حكمه، وأشهد عنده به، وبه وبقول أهل العراق قال مطرف
وابن الماجشون وأصبغ، وأخذ به سحنون.
(١) من (ص١).
(٢) أنظر التعليق الآتي المنقول عن الحافظ.
(٣) في الأصل بدلها (لا) ولا يستقيم بها السياق، والمثبت من ((شرح ابن بطال))
٢٤٥/٨.

٥١٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
قال بعض الشيوخ: وبه جرى العمل وهو الاستحسان.
وقد رد بعض الشيوخ حجة أهل العراق بحديث ماعز وأبي قتادة،
فقال: ليس فيهما أنه العليا: [قضى بعلمه؛ لأن ماعزًا إنما كان إقراره
عند النبي ( 8* بحضرة الصحابة إذ معلوم أنه] (١) كان لا يقعد وحده.
وقصة ماعز مشهورة، رواها خلق عنه منهم أبو هريرة وابن عباس
وجابر، فلم يحتج الثّ أن يشهدهم على إقراره؛ لسماعهم ذلك منه،
وكذلك حديث أبي قتادة والصحيح فيه رواية عبد الله بن صالح عن
الليث: (فقام التَّ فأداه إليّ).
وفي كتاب ابن بطال: فأداه إلى من له بينة، قال: (ورواه)(٢) قتيبة
عن الليث: (فعلم العَيْلا) وهم منه، ويشبه أن تتصحف (فعلم) بقوله
(فقام)، فلم يقض فيه بعلمه(٣).
قلت: قتيبة لا يقاس بعبد الله بن صالح في حفظه مع أن رواية قتيبة
لا أعرفها (٤).
(١) ليست في الأصل، وأثبتناها من ((شرح ابن بطال)).
(٢) كذا بالأصل، وفي ((شرح ابن بطال)) (ورواية).
(٣) ((شرح ابن بطال)) ٢٤٦/٨.
(٤) قلت: قال الحافظ في ((الفتح)) ١٦٠/١٣: وقوله (فقام ... ) في رواية أبي ذر عن غير
الكشميهني (فعلم) بفتح المهملة وكسر اللام بدل (فقام) وكذا لأكثر رواة الفربري،
وكذا أخرجه أبو نعيم من رواية الحسن بن سفيان عن قتيبة، وهو المحفوظ في
رواية قتيبة هذِه، ومن ثم عقبها البخاري بقوله: (وقال لي عبد الله عن الليث
(فقام ... ) ووقع في رواية كريمة (فأمر) بفتح الهمزة والميم بعدها راء، وعبد الله
المذكور هو ابن صالح أبو صالح وهو كاتب الليث، والبخاري يعتمده في
الشواهد، ولو كانت رواية قتيبة بلفظ (فقام) لم يكن لذكر رواية عبد الله بن صالح
معنى. اهـ

٥١٩
كِتَابُ الأَحْكَامِ
=
قال: ويدل على ذلك أن منادي رسول الله وَله إنما نادى يوم حنين:
(من قتل قتيلاً له عليه بينة فسلبه له))، فشرط أخذ السلب لمن أقام البينة،
وأول القصة لا يخالف آخرها، وشهادة الرجل الذي كان عنده سلب أبي
قتادة شهادة قاطعة لأبي قتادة، لو لم تكن في مغنم، وكان من الحقوق
التي ليس للشارع أن يعطي منها أحدًا إلا باستحقاق البينة، والمغانم
مخالفة لذلك؛ لأنه الَّ له أن يعطي منها من شاء ويمنع من شاء؛
لقوله تعالى: ﴿وَمَآ ءَانَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] فلا حجة لأهل
العراق فيه(١).
فصل :
قوله: فيما مضى (أصيبغ). يصفه بالضعف والعجز والهوان، شبهه
بالأصيبغ وهو نوع من الطير ضعيف، وقيل: شبهه بالصبغاء وهو نبت
معروف كالثمام، ويروى بالضاد المعجمة والعين المهملة تصغير ضبع
على غير قياس تحقيرًا له(٢). وقد أسلفنا ذلك في موضعه أيضًا.
فصل :
قوله في حديث أبي قتادة: فاشتريت منه خرافًا. أي: (ذا خراف)،
يقال: خرفت النخلة أخرفها خَرَافا وخِرافًا وخرافة، أي: أجتنيها،
أو (مخرفًا) سماه بالمصدر الذي هو خراف، كما قال: ذا خصم
وزور وعدل، والمخرف بكسر الميم ما يجنى به التمر، وبالفتح يقع
على النخل والرطب(٣).
(١) (شرح ابن بطال)) ٢٤٦/٨.
(٢) انظر: ((النهاية)) ١٠/٣ (صبغ).
(٣) انظر: ((لسان العرب)) ١١٣٩/٢ (خرف).

٥٢٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
ومعنى: (تأثلته): أعتقدته وجمعته وتأصلته، وأثلة الشيء أصله،
يقال: مؤثل أي: مجموع ذو أصل(١)، ويقال: من ذا الذي يتحنث
أصلنا، أي: يطعن في نسبنا.
فصل :
ابن مسافر السالف: اسمه عبد الرحمن بن خالد بن مسافر الفهمي،
مولى الليث بن سعد من فوق(٢). وابن أبي عتيق عبد الله بن محمد بن
عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، أنفرد بهما البخاري عن مسلم (٣).
فصل :
ترجمة البخاري فيه دليل على أن الحاكم إنما يشهد عند غيره بما
تقدم عنده من شهادة في ولايته أو قبلها، وهو قول مالك وأكثر
أصحابه(٤)، وقول بعض أصحابنا: يحكم بعلمه فيما أقر به أحد
الخصمين عنده في مجلسه (٥).
فصل :
قول عمر: (لولا أن يقول الناس: زاد عمر .. ) إلى آخره يريد - والله
أعلم- ثبوت الحكم بدلیل عنده، وإنه كان مما يتلى.
فصل :
في حديث أبي قتادة # من الفوائد أن السلب لا يستحق بمجرد
(١) انظر: ((تهذيب اللغة)) ١/ ١٢١ (أثل).
(٢) أنظر ترجمته في ((تاريخ البخاري الكبير)) ٢٧٧/٥ (٩٠٠)، و((الثقات)) لابن حبان
٨٣/٧ و(تهذيب الكمال)) ٧٦/١٧ (٣٨٠٥).
(٣) انظر ترجمته في ((الطبقات الكبرى)) ١٩٥/٥، و(تهذيب الكمال)) ٦٥/١٦ (٣٥٣٩).
(٤) أنظر: ((التلقين)) ص ٥٣٠.
(٥) أنظر: ((البيان)) للعمرانى ١٠٣/١٣-١٠٤.