النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١
كِتَابُ الأحْكَامِ
=
١٢- باب الحَاكِم يَحْكُمُ بِالْقَتْلِ عَلَى مَنْ وَجَبَ
عَلَيْهِ دُونَ الإِمَامِ الذِي فَوْقَهُ
٧١٥٥- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ الذُّهْلِيُّ، حَدَّثَنَا الأَنَّصَارِيُّ نُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبِ، عَنْ
◌َُّامَةَ، عَنْ أَنَسِ، أَنَّ قَيْسَ بْنَ سَغدٍ كَانَ يَكُونُ بَيْنَ يَدَي النَّبِيِّ ◌َِّ بِمَنْزِلَةِ صَاحِبٍ
الشُّرَطِ مِنَ الأَمِيرِ. [فتح: ١٣٣/١٣].
٧١٥٦- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَخْيَى، عَنْ قُرَّةَ، حَدَّثَنِي ◌ُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ، حَدَّثَنَا
أَبُو بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّرَ بَعَثَهُ وَأَتْبَعَهُ بِمُعَاذٍ. [انظر: ٢٢٦١ - مسلم: ١٧٣٣-
فتح: ١٣ / ١٣٤].
٧١٥٧- حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا نَحْيُوبُ بْنُ الَحَسَنِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ،
عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ أَبِي بُزْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّ رَجُلاً أَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ، فَأَتَّى
مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ - وَهْوَ عِنْدَ أَبِي مُوسَى - فَقَالَ: مَا لهذا؟ قَالَ: أَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ. قَالَ:
لَا أَجْلِسُ حَتَّى أَقْتُلَهُ، قَضَاءُ اللهِ وَرَسُولِهِ وَهَ. [انظر: ٢٢٦١ - مسلم: ١٧٣٣ - فتح:
١٣/ ١٣٤].
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ الذُّهْلِيُّ، ثَنَا الأَنْصَارِيُّ، ثَنَا أَبِي، عَنْ ثُمَامَةَ،
عَنْ أَنَسِ ﴿ أَنَّ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ كَانَ يَكُونُ بَيْنَ يَدَي رسول الله وَّهِ بِمَنْزِلَةِ
صَاحِبِ الشُّرَطِ مِنَ الأَمِيرِ.
وحديث أبي موسى أنه التّْ بعثه وأتبعه بمعاذ. وعنه ﴾ أَنَّ رَجُلاً
أَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ، فَأَتَاه مُعَاذُ بْنُ جَبَلِ -وَهْوَ عِنْدَ أَبِي مُوسَى - فَقَالَ:
مَا لهذا؟ قَالَ: أَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ. قَالَ: لَا أَجْلِسُ حَتَّى أَقْتُلَهُ، قَضَاءُ اللهِ
وَرَسُولِهِ مَ﴾.

٤٦٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
الشرح :
اختلف العلماء في هذا الباب، فقال ابن القاسم في ((المجموعة)):
لا يقيم الحدود في القتل ولاة المياه، وليجلب إلى الأمصار ولا يقام
القتل بمصر كلها إلا بالفسطاط أو يكتب إلى والي الفسطاط بذلك.
وقال أشهب: من ولاء الأمير، وجعله واليًا على بعض المياه وجعل
ذلك إليه فليقم الحد في القتل والقطع وغيره، وإن لم يجعله إليه
فلا يقيمه(١).
وذكر الطحاوي عن أصحابه الكوفيين (قال)(٢): لا يقيم الحدود
إلا أمراء الأمصار وحكامها، ولا يقيمها عامل السواد ونحوه، وأن
القاضي حكمه حكم الوكيل لا تنطلق يده إلا على ما أذن له فيه،
وحكمه عند من خالفهم حكم الوصي، له التصرف في كل شيء.
وذكر عن مالك: لا يقيم الحدود كل الولاة في الأمصار والسواد.
وقال الشافعي: إذا كان الوالي عدلاً يضع الصدقة مواضعها فله عقوبة من
غل الصدقة، وإن لم يكن عدلًا لم يكن له أن يعزره(٣) والحجة لمن رأى
للحاكم والوالي إقامة الحدود دون الإمام الذي فوقه حديث معاذ في
الباب أنه قتل المرتد دون أن يرفع أمره إلى رسول الله وعليه.
وذهب الكوفيون إلى أن القاضي حكمه حكم الوكيل لا تنطلق يده
إلا على ما أذن له فيه وأطلق عليه، وحكمه عند من خالفهم حكم
(الوصي) (٤) له التصرف في كل شيء كما سلف، وتنطلق يده على
(١) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٨/ ٨٢.
(٢) ورد في الهامش: لعله: قالوا.
(٣) ((الأم)) ١٤/٢.
(٤) في (ص١): الولي.

٤٦٣
- كِتَابُ الأَحْكَامِ
النظر في جميع الأشياء ما لم يستثن عليه وجهها، فلا يجوز له أن ينظر
فیه.
فصل :
روى الإسماعيلي في حديث الباب أنه لما قدم الكلية مكة كان قيس بن
سعد في مقدمته بمنزلة صاحب الشرطة يتقدم في أموره، فكلم سعد
رسول الله ◌َ في قيس أن يصرفه عن الموضع الذي وضعه؛ فيه
مخافة أن يقدم على شيء، فصرفه عن ذلك.
فصل :
قوله: (بِمَنْزِلَةِ صَاحِبِ الشُّرَطِ مِنَ الأَمِيرِ) كذا في الأصول
(الشرطة)(١) والشرط بضم الشين وفتح الراء. ورأيت في كتاب ابن
التين أنه بفتح الشين وضم الراء، وكأنه انعكس على الكاتب. قال
الأصمعي: سموا شرطًا؛ لأنهم جعلوا لأنفسهم علامة يعرفون بها،
الواحد شرط وشرطي. وقول أبي عبيدة: سموا شرطًا؛ لأنهم أُعدوا.
يقال: أشرط فلان نفسه لأمر كذا أعدها.
فصل :
قتل أبي موسى المرتد؛ لأنه(٢) أقيم لهذا، وإذا وجب قتلٌ بعراص
مكة لم يقتل إلا بمدينتها، وكذلك المدينة وكل إقليم فيه بلد يرجع أمرهم
إليه. وقد سلف الخلاف فيه.
(١) من (ص١).
(٢) بعدها في الأصل: (من غير استتابة قاله الداودي وقال عبد العزيز إن توبته غير
مقبولة، وفقهاء الأمصار على أنه يستتاب)، وعليها: (لا ... إلى). قلت: وستأتي
هُذِه العبارة في موضعها.

٤٦٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
فصل :
فيه قتل المرتد من غير أستابة، (قاله الداودي)(١)، وقال عبد العزيز:
إن توبته غير مقبولة وفقهاء الأمصار على أنه يستتاب؛ لقوله تعالى:
﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم﴾ [الأنفال: ٣٨]، ولقوله العَئها:
((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله))(٢).
ولأنه يجوز أن يكون عرضت له شبهة فإذا ذكر له الإسلام ورجع
زالت عنه، فإن ثبت قتل إجماعًا؛ لقوله التَّه: ((من بدل دينه فاقتلوه))(٣).
(١) من (ص١).
(٢) سلف برقم (١٣٩٩) من حديث أبي هريرة.
(٣) سلف برقم (٣٠١٧) من حديث ابن عباس.

٤٦٥
كِتَابُ الأَحْكَامِ
==
١٣- باب هَلْ يَقْضِي الحَاكِمُ أَوْ يُفْتِي وَهْوَ غَضْبَانُ
٧١٥٨- حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ، سَمِعْتُ عَبْدَ
الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: كَتَبَ أَبُو بَكْرَةَ إِلَى ابنِهِ - وَكَانَ بِسِجِسْتَانَ - بِأَنْ لَا تَقْضِيَ
بَيْنَ اثْنَيْنِ وَأَنْتَ غَضْبَانُ، فَإِّ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َّهَ يَقُولُ: ((لَا يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ أَثْنَيْنِ
وَهْوَ غَضْبَانُ)). [مسلم: ١٧١٧ - فتح: ١٣ /١٣٦].
٧١٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ،
عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودِ الأَنَّصَارِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَ
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِي والله لأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَةِ الغَدَاةِ مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ بِمَّا يُطِيلُ بِنَا
فِيهَا. قَالَ: فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌َلَ قَطُّ أَشَدَّ غَضَبًا فِي مَوْعِظَةٍ مِنْهُ يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ قَالَ: ((يَا
أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيُوجِزْ، فَإِنَّ فِيهِمُ
الكَبِيرَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الحَاجَةِ)). [انظر: ٩٠ - مسلم: ٤٦٦- فتح: ١٣٦/١٣].
٧١٦٠- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي يَعْقُوبَ الكِزْمَاِّ، حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا
يُونُسُ قَالَ مُحَمَّدٌ: أَخْبَرَنِيِ سَالٌ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ طَلَّقَ آَمْرَأَتَهُ وَهْيَ
خَائِضٌ، فَذَكَرَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ ◌َ، فَتَغَيَّظَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ وَِّ ثُمَّ قَالَ: ((لِيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ
لْيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ فَتَطْهُرَ، فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّفْهَا)).
[٤٩٠٨- مسلم: ١٤٧١ - فتح: ١٣٦/١٣].
ذكر فيه حديث أبي بكرة ◌ُه: «لَا يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ أَثْنَيْنٍ وَهْوَ
غَضْبَانُ».
وحديث أبي مسعود عقبة بن عمرو : ((أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ مِنْكُمْ
مُتَقِّرِينَ)) سلف في الصلاة(١).
(١) سلف برقم (٧٠٢) كتاب: الأذان، باب: تخفيف الإمام في القيام وإتمام الركوع
والسجود.

٤٦٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وموضع الحاجة قوله: (فَمَا رَأَيْتُ رسول الله ◌ََّ قَطْ أَشَدَّ غَضَبًا فِي
مَوْعِظَةٍ مِنْهُ يَوْمَئِذٍ)، ثُمَّ قَالَ ذلك.
وحديث يونس (قال)(١) قَالَ مُحَمَّدٌ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ أَنَّ ابن عُمَرَ رضي
الله عنهما أَخْبَرَهُ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهْيَ حَائِضٌ. الحديث تقدم في
الطلاق(٢). ومحمد هو ابن شهاب الزهري.
وفيه: فتغيظ رسول الله وَلـ
الشرح :
حديث أبي بكرة أصل في أن القاضي لا يقضي وهو غضبان،
ولا معه ضجر، ونعاس، ولا هم، ولا جوع، ولا عطش، ولا حقن،
ولا وهو شبعان أكثر من الحاجة، وسواء دخل على ذلك أو حدث له
ما يمكن حدوثه من ذلك بعد أن جلس.
قال المهلب: وهذا ندب منه خوف التجاوز، أي: لأنه لا يتأتى له
في الغالب استقصاء الواجب في القضية؛ لأنها تغير الطباع وتضر بالعقل
وهو مكروه، روي ذلك عن علي وعمر رضي الله عنهما وشريح وعمر بن
عبد العزيز، وهو قول مالك والكوفيين والشافعي.
وأما قضاؤه التّ وهو غضبان فإنما فعل ذلك لقيام العصمة به حيث
لا يُخشى منه التجاوز والميل في حكمه بخلاف غيره من البشر، ثم
غضبه في الله تعالى لا لنفسه.
وكان شريح إذا غضب أو جاع نام، وكان الشعبي يأكل عند طلوع
الشمس، قيل له فقال: آخذ حلمي قبل أن أخرج إلى القضاء.
(١) من (ص١).
(٢) سلف برقم (٥٢٥١) باب: قول الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ﴾.

٤٦٧
كِتَابُ الأَحْكَامِ
=
قال الشعبي: وأي حال جاءت عليه مما يعلم أنها تغير عقله أو فهمه
أمتنع من القضاء فيها(١).
وقولي: بعد أن جلس، أحترزت به عما إذا أصابه ضجر بعد
جلوسه.
وفيه خلاف عند المالكية، قال ابن حبيب: يقوم. وقال ابن
عبد الحكم: لا بأس أن يحدث جلساءه إذا مل فيروح قلبه، ثم يعود
إلى الحكم (٢). واستحسنه بعضهم قال: لأنه أخف من قيامه وانصراف
الناس.
واختلف، هل يحكم متكئًا؟ وقال الداودي: وهذا (إذا)(٣) سبق
الغضب، وأما إذا صنع الخصمان ما يغضبه ولم يستحكم فيه الغضب
حكم، فإن أستحكم فلا؛ لأن الشيطان أمكن ما يكون عند الغضب،
ولهذا أمر الغضبان بالاستعاذة وتغيير الحال.
فصل :
قوله في حديث أبي مسعود : ((فليتجوز)). وفي رواية: ((فليوجز)))(٤).
أي: فليقتصر، وحديث ابن عمر في طلاقه الحائض ظاهر في تحريم
إيقاعه في الحيض، وهو إجماع واختلفوا في نفوذه، وفقهاء الأمصار
عليه وشذ من خالف.
(١) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٢٢٦/٨.
(٢) ((النوادر والزيادات)) ٢٢/٨.
(٣) من (ص١).
(٤) من (ص١).

٤٦٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقوله: ( (فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا)) ). أخذ به الشافعي على
إباحة الجمع بين الثلاث؛ لأنه عام في الواحدة والأكثر.
وأجاب عنه القاضي إسماعيل: أن الشارع لم ينكر على ابن عمر
رضي الله عنهما الطلاق وإنما أنكر موضعه.
قال: ولا أحسبه أفقه من عمر وابنه وقد قال: من فعله عصا ربه.

٤٦٩
كِتَابُ الأَحْكَامِ
=
١٤- باب مَنْ رَأى لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِعِلْمِهِ
في أمور النَّاسِ إِذَا لَمْ يَخَفِ الظُّنُونَ وَالتُّهَمَةَ
كَمَا قَالَ النَّبِيُّ وَّهِ لِهِنْدَ ((خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ)).
وَذَلِكَ إِذَا كَانَ أمرًا مَشْهُورًا.
٧١٦١ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي عُزْوَةُ، أَنَّ عَائِشَةَ
رضي الله عنها قَالَتْ: جَاءَتْ هِنْدٌ بِنْتُ عُثْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، والله
مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ الأَرَضِ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ يَذِلُّوا مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ، وَمَا أَصْبَحَ
اليَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرَضِ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ يَعِزُّوا مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ. ثُمَّ قَالَتْ: إِنَّ
أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مِسِّيكٌ، فَهَلْ عَلَيّ مِنْ حَرَجِ أَنْ أُطْعِمَ الذِي لَهُ عِيَالَنَا؟ قَالَ لَهَا:
(لَا حَرَجَ عَلَيْكِ أَنْ تُطْعِمِيهِمْ مِنْ مَعْرُوفٍ)). [انظر: ٢٢١١ - مسلم: ١٧١٤ - فتح:
١٣٨/١٣].
ثم ساقه من حديث عائشة رضي الله عنها وقد سلف.
وقد اختلف العلماء هل القاضي يقضي بعلمه؟
فقال الشافعي وأبو ثور: جائز له ذلك في حقوق الله وحقوق الناس
سواء، علم ذلك قبل القضاء أو بعده(١).
واستثنى الشافعي حدود الله تعالى؛ لأن المقصود فيها الستر. وقال
الكوفيون: ما شاهده الحاكم من الأفعال الموجبة للحدود قبل القضاء
أو بعده فإنه لا يحكم فيها بعلمه (إلا القذف وما علمه قبل القضاء من
حقوق الناس لم يحكم فيه بعلمه)(٢)؛ لقول أبي حنيفة (بخلاف ما إذا
(١) ((الأم)) ١٠٣/٧.
(٢) من (ص١).

٤٧٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
علم بعده)(١)، وقال أبو يوسف ومحمد: يحكم فيما علمه قبل القضاء
بعلمه(٢).
وقالت طائفة: لا يقضي بعلمه أصلاً في حقوق الله وحقوق
الآدميين، علم ذلك قبل القضاء أو بعده أو في مجلسه، هذا قول
شريح والشعبي، وهو مشهور قول مالك، وبه قال أحمد وإسحاق
وأبو عبيد، وقال الأوزاعي: ما أقرّ به الخصمان عنده أخذهما به،
وأنفذه عليهما إلا الحد، وقال عبد الملك: يحكم بعلمه فيما كان في
مجلس حکمه.
واحتج الشافعي بحديث الباب وأنه الثّ قضى لها ولولدها على أبي
سفيان بنفقتهم ولم يسألها على ذلك بينة؛ لعلمه بأنها زوجته وأن نفقتها
ونفقة ولدها واجبة في ماله، فحكم بذلك على أبي سفيان؛ لعلمه
بوجوب ذلك، وأيضًا فإنه متيقن لصحة ما يقضي به إذا علمه علم
يقين، وليست كذلك الشهادة؛ لأنها قد تكون كاذبة أو واهمة.
وقد قام الإجماع على أنه له أن يعدل ويسقط العدول بعلمه إذا علم
أن ما شهدوا به على غير ما شهدوا به، وينفذ علمه في ذلك ولا يقضي
لشهادتهم، مثال ذلك: أن يعلم بنتًا لرجل ولدت على فراشه، فإن أقام
شاهدين أنها مملوكة فلا يجوز أن يقبلهما ويبيح له فرجًا حرامًا.
وكذلك لو رأى رجلًا قتل رجلاً ثم جيء بغير القاتل، وشهد شاهدان
أنه القاتل فلا يجوز أن يقبلهما، وكذلك لو سمع رجلاً طلق امرأته طلاقاً
بائنًا، ثم أدعت عليه المرأة الطلاق وأنكره الزوج فإن جعل القول قوله
(١) من (ص١).
(٢) ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣٦٩/٣.

٤٧١
كِتَابُ الأَحْكَامِ
فقد أقامه على فرج حرام، فيفسق، وإن لم يكن له بد من أنه لا يقبل قوله
فيحكم بعلمه.
واحتج أصحاب أبي حنيفة بأن ما علمه الحاكم قبل القضاء إنما
حصل في الابتداء على طريق الشهادة، فلم يجز أن يجعله حاكمًا؛
لأنه لو حكم بعلمه لكان قد حكم بشهادة نفسه فكان متهمًا، وصار
بمنزلة من قضى بدعواه على غيره.
وأيضًا فإن علمه لما تعلق به الحكم على وجه الشهادة، فإذا قضى
به صار كالقاضي بشاهد واحد قالوا: والدليل على جواز حكمه فيما
علمه في حال القضاء، وفي مجلسه قوله الثّئها: ((إنما أقضي على نحو
مما أسمع)) (١). ولم يفرق بين سماعه من الشهود أو المدعى عليه،
فيجب أن يحكم بما سمعه من المدعي كما حكم بما سمعه من
الشهود.
وعند ابن أبي شيبة: اختصم رجلان إلى عمر بن الخطاب ﴾ وادعيا
شهادة فقال لهما: إن شئتما شهدت، ولم أقض بينكما، وإن شئتما
قضيت ولم أشهد. وعنده أيضًا، أن امرأة جاءت شريحًا بشاهد،
فقال: أئتيني بآخر. فقالت: أنت شاهدي. فاستحلفها وقضى لها. وفي
لفظ: جاء رجل إلى شريح يخاصم، فجاء الآخر عليه بشاهد، ثم قال
لشريح: أنت شاهدي. قال شريح: أئت الأمير حتى أشهد لك(٢).
وقال الشعبي: لا أجمع أن أكون قاضيًا وشاهدًا(٣).
واحتج أصحاب مالك بأن قالوا: الحاكم غير معصوم، ويجوز أن
(١) سلف برقم (٦٩٦٧) كتاب: الحيل.
(٢) ((المصنف)) ٤٤٥/٤.
(٣) ((المصنف)) ٣٦٨/٤ من قول شُريح.

٤٧٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
تلحقه الظنة في أن يحكم لوليه على عدوه، فحسمت المادة في ذلك بأن
لا يحكم بعلمه(١)؛ لأنه ينفرد به ولا يشركه فيه غيره وأيضًا قد قال
تعالى: ﴿الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَتِ﴾ الآية [النور: ٤] فأمر بجلد القاذف متى
لم تقم بينة على ما رمى به المقذوف.
وأيضًا فإنه التَّه قال في حديث اللعان: ((إن جاءت به على نعت كذا
فهو الذي رميت به))(٢). فجاءت به على النعت المكروه، فقال القيّمة: ((لو
كنت راجمًا أحدًا بغير بينة لرجمت هذِه))(٣).
وقد علم أنها زنت فلم يرجمها لعدم البينة، ورسول الله وَل وإن كان
لم يقطع أنها تأتي به على أحد النعتين فقد قطع على أنها إن جاءت به
على أحدهما فهو لمن وصف لا محالة، وهذا لا يكون منه إلا بعلم.
روي عن الصديق أنه قال: لو رأيت رجلاً على حد لم أحده حتى
يشهد بذلك عندي شاهدان(٤)، ولا مخالف له في الصحابة.
لو لم ينكر الخصم حتى حكم، فأنكر بعده، لم ينظر إلى (الكفارة)(٥).
وقال ابن الجلاب: لا يقبل قول الحاكم إلا ببينة(٦).
فصل :
قوله: ( ((خذي ما يكفيك .. )))(٧) الحديث، قال الداودي: إنما
(١) انظر: ((المنتقى)) ١٨٥/٥-١٨٦.
(٢) رواه مسلم (١٤٩٦) كتاب: اللعان من حديث أنس.
(٣) سلف برقم (٥٣١٠) كتاب: الطلاق، ورواه مسلم (١٤٩٧) من حديث ابن عباس.
(٤) رواه البيهقي ١٠/ ١٤٤ بنحوه.
(٥) كذا في الأصل ولعل الصحيح: (إنكاره) ولعله تحريف من الناسخ.
(٦) ((التفريع)) ٢٤٦/٢.
(٧) بعدها في الأصل: (وولدك بالمعروف) وعليها: (لا ... إلى).

٤٧٣
= كِتَابُ الأَحْكَامِ
أمرت بأخذ ذلك في خُفية من حيث لا يعلم، وارتفعت التهمة؛ لأنها
لو شاءت لم تسأل عن ذلك، وإنما قالته في شيء لم يأت (بعد)(١).
فصل :
من فوائده: أن للمظلوم أن يقول في الظالم وأن يذكره ببعض
الظلم، قال تعالى: ﴿لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوْءِ مِنَ اُلْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِ﴾
[النساء: ١٤٨].
وفيه: أن الرجل يجوز أن يقال فيه ما يظهر من أمره، ولم يخفه من
الناس.
فصل :
قولها: (أهل خباء .. ) إلى آخره، فيه: أن الدار تسمى خباء وأن
القبيلة يسمون خباءً، وهذا من الاستعارة والمجاز.
وفي حديث آخر أنه التَّيه قال لها حين قالت هذا: ((وأيضًا))(٢)
كالمصدق لها. وفي رواية أخرى أنه قال لها: ((أنت هند؟)) لما ذكرت
له أسمها قبل أن تتكلم قالت: أنا يا رسول الله. ثم تكلمت وكانت
من الدهاة.
فصل :
قولها: (إن أبا سفيان رجل مِسِّيك) أي: بخيل، وكذلك المُسُك
-بضم الميم والسين-، وقيل له ذلك؛ لأنه يمسك ما في يديه
ولا يخرجه إلى أحد.
وفيه: أن للمرء أن يأخذ لنفسه ولغيره ما يجب لهم من مال المطلوب
(١) في الأصل (به).
(٢) سلف برقم (٣٨٢٥) كتاب: مناقب الأنصار، باب: ذكر هند.

٤٧٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وإن لم يعلم، وإن أجاز ذلك من أصحاب مالك تأول حديث ((أدِّ الأمانة
إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك)) (١).
أي: لا تأخذ أكثر من حقك.
واختلف عن مالك فيمن جحده رجل حقًّا، فقدر على مثله من ماله
من حيث لا يعلم أو من حيث لا يعلم إلا المطلوب، فقال: لا يأخذ،
وقال: يأخذه، ذكره الداودي.
والذي ذكره أن الخلاف إنما هو إذا جحده مالا ثم أستودعه أنه
لا یجحده لمکان جحده إياه.
قال مالك في ((المدونة)): لا يجحده. قال ابن القاسم: ظننت أنه قال
ذلك للحديث السالف(٢)، وأما إن قدر على أخذ ماله وإن كان الذي
جحد أولاً لا دين عليه، جاز لهذا أن يأخذ؛ لهذا الحديث؛ ولقوله
تعالى: ﴿وَإِنْ عَقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ﴾ الآية [النحل: ١٢٦].
واختلف القائلون في أنه يحلف له ما الذي ينويه الحالف، فقيل:
يحلف: ما لك عندي شيء إلا دین مثله، وقيل: يلزمه رده.
فصل :
وقوله: ((خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ)).
استنبط منه بعضهم أن الولد يلزم أباه نفقته وإن كان کبیرًا، وليس
بجيد؛ لأن أبا سفيان لعل ولده كان صغيرًا، وإن أحتمل كبره فهي
قصة عين لا حجة فيها.
(١) رواه أبو داود (٣٥٣٥)، والترمذي (١٢٦٤) من حديث أبي هريرة، وقال
الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
(٢) ((المدونة)) ٣٥٩/٤، ٣٦٠.

٤٧٥
= كِتَابُ الأَحْكَامِ
١٥- باب الشّهَادَةِ عَلَى الخَطِّ المَخْتُومِ،
(وَمَا يَجُوزُ مِنْ ذَلِكَ)(١) وَمَا يَضِيقُ عَلَيْهِمْ،
وَكِتَابِ الحَاكِمِ إِلَى عَامِلِهِ وَالْقَاضِي إِلَى القَاضِي
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: كِتَابُ الحَاكِمِ جَائِزْ إِلَّ فِي الحُدُودِ. ثُمَّ
قَالَ: إِنْ كَانَ القَتْلُ خَطَأَ فَهْوَ جَائِزٌ لأَنَّ هذا مَالٌ بِزَعْمِهِ،
وَإِنَّمَا صَارَ مَالاَ بَعْدَ أَنْ ثَبَتَ القَتْلُ، فَالْخَطَأُ وَالْعَمْدُ وَاحِدٌ.
وَقَدْ كَتَبَ عُمَرُ بن الخطاب عُ إِلَى عَامِلِهِ فِي الحُدُودِ. وَكَتَبَ
عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ فِي سِنٌّ كُسِرَتْ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: كِتَابُ
القَاضِي إِلَى القَاضِي جَائزٌ إِذَا عَرَفَ الكِتَابَ وَالْخَاتَمِ. وَكَانَ
الشَّعْبِيُّ يُجِيُزُ الكِتَابَ المَخْتُومَ بِمَا فيهِ منَ القَاضِي. وَيُرْوى
عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما نَحْؤُهُ. وَقَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ
عَبْدِ الكَرِيمِ الثَّقَفيُّ: شَهِدْتُ عَبْدَ المَلِكِ بْنَ (يحيى)(٢) قَاضِيَ
البَصْرَةِ، وَإِيَاسَ بْنَ مُعَاوِيَةَ، وَالْحَسَنَ، وَثُمَامَةَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ
أَنَسٍ، وَبِلَالَ بْنَ أَبِي بُرْدَةَ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ بُرَيْدَةَ الأَسْلَمِيَّ،
وَعَامِرَ بْنَ (عَبِيدَةَ)(٣)، وَعَبَّادَ بْنَ مَنْصُورٍ يُجِيزُونَ كُتُبَ القُضَاةِ
بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنَ الشُّهُودِ، فَإِنْ قَالَ الذِي جِيءَ عَلَيْهِ بِالْكِتَابِ:
(١) من (ص١).
(٢) كذا في الأصول وفي متن البخاري (يعلى).
(٣) كذا في السلطانية ٩/ ٦٧، وفي هامشهاك عبيدة كذا في ((اليونينية)) مصححًا عليها
تصحيحين وفي ((الفتح)) ما نصه: وعامر بن عبدة هو بفتح الموحدة وقيل بسكونها
وقيل فيه أيضًا: عبيدة. اهـ
قلت: وسيترجم المصنف لعبدة أبي عامر ص ٤٧٧.

٤٧٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
إِنَّهُ زُورٌ. قِيلَ لَهُ: أَذْهَبْ فَالْتَمِسِ المَخْرَجَ مِنْ ذَلِكَ. وَأَوَّلُ مَنْ
سَأَلَ عَلَىْ كِتَابِ القَاضِي البَيِّنَةَ ابن أَبِي لَيْلَى وَسَوَّارُ بْنُ
عَبْدِ اللهِ. وَقَالَ لَنَا أَبُو نُعَيْم: حَدَّثَنَا عبد اللهِ بْنُ مُحْرِزٍ: حِثْتُ
بِكِتَابٍ مِنْ مُوسَى بْنِ أَنَسِّ قَاضِي البَصْرَةِ، وَأَقَمْتُ عِنْدَهُ البَيِّنَةَ
أَنَّ لِي عِنْدَ فُلَانٍ كَذَا وَهْوَ بِالْكُوفَةِ، وَجِثْتُ بِهِ القَاسِمَ بْنَ عَبْدِ
الرَّحْمَنِ فَأَجَازَهُ. وَكَرِهَ الحَسَنُ وَأَبُو قِلَابَةَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى
وَصِيَّةٍ حَتَّى يَعْلَمَ مَا فِيهَا؛ لأَنَّهُ لَا يَدْرِي لَعَلَّ فِيهَا جَوْرًا. وَقَدْ
كَتَبَ النَّبِيُّ وَّهَ إِلَى أَهْلِ خَيْبَرَ: ((إِمَّا أَنْ تَدُوا صَاحِبَكُمْ، وَإِمَّا
أَنْ تُؤْذِنُوا بِحَرْبٍ)). وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِي الشَهَادَةِ عَلَى المَرْأَةِ مِنْ
وَرَاءِ السِّتْرِ: إِنْ عَرَفْتَهَا فَاشْهَدْ، وَإِلَّا فَلَا تَشْهَدْ.
٧١٦٢ - حَدَّثَنِي نُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ،
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ قَالَ: لَا أَرَادَ النَّبِيُّ ◌َ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى الزُّومِ قَالُوا: إِنَّهُمْ لَا يَقْرَءُونَ
كِتَابَا إِلَّ مَخْتُومًا. فَاتَّخَذَ النَّبِيُّ ◌ََّ خَاتَمَا مِنْ فِضَّةٍ كَأَّ أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِهِ، وَنَقْشُهُ: مُحَمَّدٌ
رَسُولُ اللهِ. [انظر: ٦٥ - مسلم: ٢٠٩٢ - فتح: ١٣ / ١٤١].
(ثم ساق حديث أنس أنه التَّهُ: لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى الرُّومِ قَالُوا:
إِنَّهُمْ لَا يَقْرَءُونَ كِتَابًا إِلَّ مَخْتُومًا. فَاتَّخَذَ النَّبِيُّ وَّهِ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ كَأَنِّي
أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِهِ، وَنَقْشُهُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ)(١).
الشرح :
أثر إبراهيم أخرجه ابن أبي شيبة عن عيسى بن يونس، عن عبيد، عن
إبراهيم أنه قال: كتاب القاضي إلى القاضي جائز (٢)، وأثر الشعبي
(١) من (ص١).
(٢) ((المصنف)) ٥٥٨/٤-٥٥٩ (٣٣١٠٦).

٤٧٧
= كِتَابُ الأَحْكَامِ
أخرجه أيضًا عن حميد بن عبد الرحمن، عن حسن بن صالح، عن
عيسى بن أبي عزة قال: كان عامر يجيز الكتاب المختوم يجيئه من
(١)
القاضي(١).
وعبدة -بفتح الباء، وقيل: بسكونها - ذكره ابن ماكولا(٢).
روى له مسلم في مقدمة كتابه عن ابن مسعود، وعنه المسيب بن
رافع (٣). وبجالة بن عبدة السالف في الجزية - بالتحريك- أيضًا تميمي
كان كاتب جزء بن معاوية، عم الأحنف بن قيس بن معاوية، عن
عمر، وعنه عمرو بن دينار لا ثالث لهما في الصحيح، وما عداهما
عبدة بسكون الباء، وقد أسلفنا ذلك في المقدمات أول الكتاب.
وتعليق معاوية بن عبد الكريم أخرجه وكيع بن الجراح في ((مصنفه))
وهو الضال؛ لأنه ضلَّ في طريق مكة، أنفرد بذكره البخاري وهو ثقة وإن
أدخله البخاري في ((الضعفاء)) (٤) يحول منه، مات سنة ثمانين ومائة.
وابن أبي ليلى هو محمد بن عبد الرحمن، وكتاب رسول الله وَ له إلى
خيبر، سلف مسندًا في القسامة(٥).
وتعليق الزهري أخرجه ابن أبي شيبة، عن عمر بن أيوب، عن
جعفر بن برقان، عنه.
وتعليق الحسن أخرجه أيضًا عن حفص بن عمرو عنه(٦)، وتعليق أبي
(١) المصدر السابق ٥٥٨/٤ (٣٣١٠٨).
(٢) ((الإكمال)) ٣٠/٦.
(٣) ((صحيح مسلم)) في المقدمة ١/ ٩.
(٤) ((الضعفاء)) (٣٥١).
(٥) سلف برقم (٦٨٩٨) كتاب: الديات، باب: القسامة.
(٦) أنظر: ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٢٢١/٦ (٣٨٣٤).

٤٧٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قلابة عبد الله بن زيد الجرمي رواه وكيع، عن (ابن عون)(١)، عن قتادة،
(٢)
عنه(٢).
وحديث الخاتم سلف.
إذا تقرر ذلك، فاتفق جمهور العلماء على أن الشهادة على الخط
لا تجوز إذا لم يذكر الشهادة ولم يحفظها، فلا يشهد أبدًا إلا على
شيء يذكر. قال الشعبي: لا تشهد أبدًا إلا على شيء يذكر، فإنه من
شاء أنتقش خاتمًا، ومن شاء كتب كتابًا(٣).
وممن رأى ألا يشهد على الخط وإن عرفه حتى يذكر الشهادة
الكوفيون (٤) والشافعي وأحمد وأكثر أهل العلم(٥)، وقد فُعل مثل هذا
في أيام عثمان صنعوا مثل خاتمه وكتبوا مثل كتابه في قصة مذكورة
في مقتل عثمان ، وأحسن ما يحتج به في مثل هذا الباب بقوله
تعالى: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ [يوسف: ٨١]، وقوله: ﴿إِلَّا مَن
شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦].
وأجاز مالك الشهادة على الخط(٦)، روى ابن وهب عنه في رجل
يذكر حقًّا قد مات شهوده فيأتي بشاهدين عدلين يشهدان على كتابة كاتب
ذكر الحق قال: تجوز شهادتهما على كتابة الكاتب (٧). يعني: إذا كان قد
كتب شهادته على المطلوب بما كتب عليه في ذكر الحق؛ لأنه قد يكتب
(١) في الأصل: (عمر).
(٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٢٢١/٦ (٣٠٨٣٦).
(٣) رواه بنحوه عبد الرزاق ٣٥٧/٨ (١٥٥١٧)، والبيهقي ١٥٨/١٠.
(٤) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣٥٠/٣.
(٥) أنظر: ((مختصر المزني)) بهامش ((الأم)) ٢٤٣/٥-٢٤٤، ((المغني)) ١٤٠/١٤.
(٧) السابق ٨/ ٢٦٢.
(٦) ((النوادر والزيادات)) ٢٦٠/٨، ٢٦٢.

٤٧٩
ـ كِتَابُ الأَحْكَامِ
ذكر الحق من لا يشهد على المذكور عليه.
قال ابن القاسم: وإن كان على خط أثنين جاز وكان بمنزلة
الشاهدين إذا كان عدلًا مع يمين الطالب(١). وذكر ابن شعبان، عن
ابن وهب أنه قال: لا آخذ بقول مالك في الشهادة في معرفة الخط،
ولا تقبل الشهادة فيه.
وقال الطحاوي: خالف مالك جميع الفقهاء في الشهادة على
الخط(٢). وعدوا قوله شذوذًا؛ إذ الخط قد يشبه الخط، وليست شهادة
على قول منه ولا معاينة فعل.
وقال محمد (بن)(٣) حارث: الشهادة على الخط خطأ؛ لأن الرجل
قد تكتب شهادته على من لا يعرف بعينه طمعًا ألا يحتاج إليه في ذلك
وأن غيره يغني عنه، أو لعله يشهد في قربٍ من وقت الشهادة فيذكر العين.
ولقد قال في رجل قال: سمعت فلانًا يقول: رأيت فلانًا قتل فلانًا
أو سمعت فلانًا طلق امرأته أو قذفها: أنه لا يشهد على شهادته إلا أن
يشهد، والخط أبعد من هذا وأصعب.
قال: ولقد قلت لبعض القضاة: أتجوز شهادة الموتى؟ فقال:
ما الذي تقول؟ فقلت: إنكم تجيزون شهادة الرجل (الرجل) (٤) بعد
موته إذا وجدتم خطه في وثيقة. فسكت.
وقال محمد بن عبد الحكم: لا يقضى في دهرنا بالشهادة على
الخط؛ لأن الناس قد أحدثوا ضروبًا من الفجور(٥).
(١) السابق ٢٦٠/٨-٢٦٢.
(٢) ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣٥٠/٣.
(٣) من (ص١).
(٥) ((النوادر والزيادات)) ٢٦٤/٨.
(٤) عليها في الأصل: كذا

٤٨٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وقد قال مالك: إن الناس تحدث لهم الفتنة على نحو ما أحدثوا من
الفجور(١). وسبقه إليه محمد بن عبد العزيز، وقد كان الناس (فيما
مضى)(٢) يجيزون الشهادة على خاتم القاضي، ثم رأى مالك أن ذلك
لا يجوز (٣).
فصل :
وأما اختلاف الناس في كتب القضاة، فذهب جمهور العلماء إلى أن
كتب القضاة (إلى القضاة) (٤) جائز في الحدود وسائر الحقوق، وذهب
الكوفيون إلى أنها تجوز في كل شيء إلا في الحدود(٥)، وهو أحد
قولي الشافعي(٦)، وله مثل قول الجمهور.
وحجة البخاري على الكوفي في تناقضه في جواز ذلك في قتل
الخطأ، وأنه إنما صار مالا بعد ثبوت القتل فهي حجة حسنة.
وذكر أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عماله في الحدود، وأحكامه
حجة، ولا سلف لأبي حنيفة في قوله.
وذكر البخاري عن جماعة من قضاة التابعين وعلمائهم أنهم كانوا
يجيزون كتب القضاة إلى القضاة بغير شهود عليها إذا عرف الكتاب
والخاتم.
(١) ((النوادر والزيادات)) ٢٦٤/٨.
(٢) من (ص١).
(٣) ((النوادر والزيادات)) ٤٦٤/٨.
(٤) من (ص١).
(٥) ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣٨٨/٣.
(٦) ((الأم)) ٢١٨/٦.