النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ كِتَابُ التَّعْبِيرِ = وذكر الطبري في ((تهذيبه)) من حديث ابن عباس: ((جزء من أربعين جزءًا)) ومن حديث عبد الله بن عمرو ((من تسعة وأربعين جزءًا)) ومن حديث العباس: ((جزء من خمسين جزءًا)) ومن حديث ابن عمر وابن عباس وأبي هريرة: ((جزء من أربعين جزءًا))، وعن ابن عمر: ((من ستة وعشرين)). وعن عبادة: ((من أربعة وأربعين))(١). وأسلفنا عن الزجاج وبعضهم كلامه على ستة وأربعين. ولا يتأتى في غيرها لسبعين ونحوها، وأيضًا فبعضهم أن مقامه بمكة كان عشرًا فلم يتفقوا على ثلاث عشرة. وحكى المازري عن بعضهم الأول، وعن بعضهم أنه العليا قد خص دون الخليقة بضروب وفنون، وجعل له إلى العلم طرق لم تجعل لغيره، فيكون المراد نسبتها مما حصل له وميز به جزء من ستة وأربعين جزءًا، فلا يبقى على هذا إلا أن يقال: بينوا، هُذِهِ الأجزاء؟ ولا يلزم العلماء أن يعرفوا كل شيء جملة وتفصيلاً، وقد جعل الله للعلماء حدا نقف عليه، فمنها: ما لا نعلمه أصلاً، ومنها: ما [لا](٢) نعلمه جملة، ولا نعلمه تفصيلاً، وهذا منه، ومنها ما نعلمه جملة وتفصيلاً، لا سيما ما طريقه السمع، ولا مدخل للعقل فيه فإنما يعرف منه قدر ما يُعَرَّفُ السمع. قال: وقد مال بعض شيوخنا إلى هذا الجواب الثاني وقدح في الأول بأنه لم يثبت أن أمد رؤياه قبل النبوة كان ستة أشهر وبأنه بعد النبوة رأى منامات كثيرة، فيجب أن يلفق (١) ورد في هامش الأصل: الروايات التي وقفت أنا عليها في الكتب الستة أو في غيرها : ستة وأربعون، خمسة وأربعون، سبعون، أربعون، تسعة وأربعون، خمسون، ستة وعشرون، أربعة وعشرون جزء من النبوة، سبعة وأربعون. والله أعلم. (٢) كذا بالأصل، وهي زائدة، وفي ((المعلم)) بدونها. ١٤٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = منها ما يضاف إلى الستة الأشهر، فيتغير الحساب وتفسد النسبة، ولا وجه عندي لاعتراضه بما كان من المنامات خلال زمن الوحي؛ لأن الأشياء توصف بما يغلب عليها، وتنسب إلى الأكثر منها، فلما كانت الستة الأشهر محضة في المنامات، والثلاث وعشرون سنة جلها وحي، وإنما فيها منامات شيء يسير بغير عد، أوجب أن يطرح الأقل في حكم [النسبة والحساب](١)، وقد سلف أن أمد الرؤيا لم يثبت أنه کان ستة أشهر فکیف حكمت بعدمه ولم يتضح ثبوته؟ قال المازري: ويحتمل عندي أن يراد بالحديث وجه آخر، وهو أن (يريد)(٢) المنامات الخبر بالغيب لا أكثر، وإن كان يتبع ذلك إنذارًا وتبشيرًا، والإخبار أحد ثمرات النبوة، وأحد فوائدها، وهو في جنب فوائد النبوة والمقصود بها يسير؛ لأنه يصح أن يبعث نبي يشرع الشرائع (ويبين)(٣) الأحكام ولا يخبر بغيب أبدًا، ولا يكون ذلك قادحًا في نبوته، ولا مبطلاً للمقصود منها، وهذا الجزء من النبوة هو الإخبار بالغيب إذا وقع، فلا يكون إلا صدقًا، ولا يقع إلا حقًّا، والرؤيا ربما دلت على شيء ولم يقع ما دلت عليه، إما لكونها من الشيطان، أو من حديث النفس، أو من غلط العابر في أصل العبارة، إلى غير ذلك من الضروب الكثيرة التي توجب عدم الثقة بدلالة المنام، فقد صار الخبر بالغيب أحد ثمرات (النبوة، وهو غير مقصود فيها، ولكنه لا يقع إلا حقًّا، وثمرة)(٤) المنام الإخبار بالغيب، ولكنه (١) ساقطة من الأصول، وأثبتناها من ((المعلم)). (٢) كذا صورتها في الأصل، وفي ((المعلم)) ٢٩٤/٢: (ثمرة). (٣) في (ص١): ويسن. (٤) من (ص١). ١٤٣ كِتَابُ التَّعْبِيرِ = قد لا يقع صدقًا فتقدر النسبة في هذا بقدر ما قدره (الشارع)(١) بهذا العدد على حسب ما أطلعه الله عليه؛ ولأنه يعلم من حقائق نبوته ما [لا](٢) نعلمه نحن، وهذا الجواب الثاني عن بعضهم فإنهم لم يكشفوه هذا الكشف، ولا بسطوه هذا البسط (٣). وأشار الطبري إلى أن هذا الاختلاف راجع إلى اختلاف حال الرائي، فالمؤمن الصالح تكون رؤياه من ستة وأربعين، والفاسق من سبعين، وقيل: المراد أن الخفي منها جزء من سبعين، والجلي جزء من ستة وأربعين. قال الطبري: والصواب أن يقال: إن عامة هذِه الأحاديث أو أكثرها صحاح، ولكل منها مخرج، فأما رواية السبعين فإنه عام في كل رؤيا صالحة صادقة لكل مسلم رآها في منامه على أي أحواله كان، وهذا قول ابن مسعود وأبي هريرة والنخعي، وأما رواية الأربعين والستة والأربعين فإنه يريد بذلك ما كان صاحبها بالحال التي ذكر عن الصدیق أنه یکون بها. روى ابن وهب عن عمرو بن الحارث أن بكر بن سوادة حدثه أن زياد بن نعيم حدثه أن أبا بكر كان يقول: لأن يرى المسلم يسبغ الوضوء رؤيا صالحة أحب إليَّ من كذا وكذا، فمن كان من أهل الإسباغ في الصبر على المكروهات وانتظار الصلاة بعد الصلاة فرؤياه الصالحة جزء من ذلك، ومن كانت حاله في دأبه بين ذلك فرؤياه الصادقة بين (١) في (ص١): الشرع. (٢) زيادة ليست بالأصل: يقتضيها السياق، وهي مثبتة من ((المعلم)) ٢٩٤/٢. (٣) ((المعلم)) ٢٩٤/٢. ١٤٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == الأربعين إلى السبعين لا (يزاد)(١) عن السبعين ولا (ينتقص)(٢) على الأربعين. قلت: ويحتاج إلى توجيه رواية ستة وعشرين (٣). قال ابن بطَّال: وأصح ما في الباب (حديث) (٤) الستة والأربعين جزءًا، ويتلوها في الصحة (سبعون)(٥)، ولم يذكر مسلم في كتابه غير هذين الحدثيين، فأما الأول فأخرجه من حديث ابن عمر مرفوعًا، وأما سائرها فهي من أحاديث الشيوخ. ثم قال: فإن قلت: [فما](٦) وجه التوفيق بين السبعين والستة والأربعين، والنسخ غير جائز في الأخبار؟ فالجواب: أنه يجب أن يعلم ما معنى كون الرؤيا جزءًا من أجزاء النبوة، فلو كانت جزءًا من ألف جزء منها لكان ذلك كثيرًا، فيقال: إن لفظ النبوة مأخوذ من الإنباء، والإنباء هو الإعلام لغة، والمعنى: أن الرؤيا إما صدق من الله لا كذب فيه، كما أن معنى النبوة الإنباء الصادق من الله الذي لا يجوز عليه الكذب فشابهت الرؤيا النبوة في صدق الخبر عن الغيب، وأما معنى أختلاف الأجزاء في ذلك قلة وكثرة فإنا وجدنا الرؤيا تنقسم قسمين لا ثالث لهما، وهو أن يرى الرجل رؤيا جلية ظاهرة التأويل مثل من رأى أنه يُعطي شيئًا في المنام (١) في الأصل: ينتقص، ولعل الصواب ما أثبتناه. (٢) في الأصل: يزاد، ولعل الصواب ما أثبتناه، وتكون تبدلت مع الموضع السابق. (٣) وقع بهامش الأصل ما نصه: وكذا أبى رواية أربع وعشرين التي ذكرتها أنا على الهامش. بمقلوبها. (٤) في (ص١): أحاديث. (٥) عليها بالأصل علامة (صح) وكتب بهامشها: في أصله: سبعين وإعرابها صحيح. (٦) زيادة يقتضيها السياق. ١٤٥ كِتَابُ التّغِيرِ - فُيعطي مثله يقظةً بعينه، وهذا الضرب من الرؤيا لا إغراق في تأويلها ولا رمز في تعبيرها. ثانيهما: ما يراه في المنامات المرموزة البعيدة المرام في التأويل، وهذا الضرب لا يعسر تأويله إلا لحاذق في التعبير؛ لبعد ضرب المثل فيه، فيمكن أن يكون هذا من السبعين جزءًا والأول من الأجزاء، وهذا قد سلف؛ لأنه إذا قلت الأجزاء كانت الرؤيا أقرب إلى النبأ الصادق وآمن من وقوع الغلط في تأويلها، وإذا كثرت الأجزاء بعدت بمقدار ذلك وخفي تأويلها. ولما عرضته على جماعة فحسنوه وزادني فيه بعضهم بأن قال: الدليل على صحته أن النبوة على مثل هذه الصفة تلقاها الشارع عن جبريل، فقد أخبرنا أنه كان يأتيه مرة بالوحي فيكلمه بكلام فيعيه بغير مؤنة ولا مشقة، ومرة يلقي إليه جملا جوامع ويشتد عليه فكها وتبيينها حتى تأخذه الرحضاء ويتحدر منه العرق كالجمان، ثم يعينه الله على تبيين ما ألقي إليه من الوحي، فلما كان تلقيه للنبوة المعصومة بهذه الصفة كان تلقي المؤمن للرؤيا من عند الملك الآتي بها من أم الكتاب بهذه الصفة. وفيه تأويل آخر ذكره أبو سعيد السفاقسي عن بعض أهل العلم، قال: معنى السبعين: أن الله أوحى إلى نبيه في الرؤيا ستة أشهر، ثم بعد ذلك أوحى إليه بإعلام باقي عمره، وكان عمره في النبوة ثلاثة وعشرين عامًا، فيما رواه عكرمة وعمرو بن دينار عن ابن عباس، فإذا نسبنا ستة أشهر من ثلاثة وعشرين (عامًا)(١) وجدنا ذلك جزءاً من ستة (١) من (ص١). ١٤٦ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح وأربعين، وهذا أسلفناه. قال ابن بطال: وهذا التأويل (يفسد) (١) من وجهين: أحدهما: أنه قد اختلف في مدة رسول الله وَ له فقيل: إنها كانت عشرين عامًا. رواه أبو سلمة عن ابن عباس وعائشة ﴿. والثاني: أنه يبقى حديث السبعين جزءًا بغير معنى(٢)، وهو كما قال. وقد أسلفناه أيضًا. (١) في الأصل: تفسير، وهو خطأ والمثبت من ((شرح ابن بطال)). (٢) أنتهى بتمامه من ((شرح ابن بطال)) ٥١٦/٩-٥١٨ بتصرف يسير. ١٤٧ كِتَابُ التَّعْبِيرِ = ٥ - باب المُبَشِّرَاتِ ٦٩٩٠ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ◌ِّهِ يَقُولُ: ((لَمْ يَبْقَ مِنَ النَّبُوَّةِ إِلَّ المُبَشِّرَاتُ)). قَالُوا: وَمَا المُبَشِّرَاتُ؟ قَالَ: ((الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ)). [فتح ١٢/ ٣٧٥] ذكر فيه حديث أبي هُرَيْرَةَ ◌ُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَهِ يَقُولُ: ((لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّبُوَّةِ إِلَّ المُبَشِّرَاتُ)). قَالُوا: وَمَا المُبَشِّرَاتُ يا رسول الله قَالَ: ((الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ)). الشرح: أسلفنا في الباب قبله أن ابن عباس رواه أيضًا، وقد سلف تفسير ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ أيضًا فيه من حديث عبادة وأبي الدرداء رضي الله عنهما، وذكره ابن بطال من حديث أبي الدرداء، وقال: روي مثله عن ابن عباس وعروة ومجاهد. والمراد بقوله: ((إلا المبشرات)) يعني بعده، وكذا روي مفسرًا: ((ليس يبقى بعدي من النبوة إلا المبشرات))، يريد أن الوحي ينقطع بموته فلا يبقي ما يعلم أنه سيكون إلا الرؤيا الصالحة، قيل: ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ [الشورى: ٥١]. قال المهلب: (وحديث)(١) الباب خرج لفظه على العموم، ومعناه على الخصوص، وذلك أن المبشرات هى الرؤيا الصادقة من الله التي تسر رائيها، وقد تكون صادقة منذرة من قبل الله لا تسر رائيها (يرويه)(٢) الله للمؤمن رفقًا به ورحمة له؛ ليستعد لنزول البلاء قبل بلوغه، (١) ساقطة من الأصل. (٢) هكذا بالأصل، وفي ((شرح ابن بطال)): (يريها). ١٤٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = فقوله: ((لم يبق بعدي من المبشرات)) خرج على الأغلب من حال الرؤية، وقال محمد بن واسع: الرؤيا بشرى للمؤمن ولا تضره. فإن قلت: قد يرى الرؤيا الحسنة أحياناً ولا يجد لها حقيقة في اليقظة. فالجواب: أن الرؤيا مختلفة الأسباب، فمنها من وسوسة وتحزين للمسلم، ومنها من حديث النفس في اليقظة فيراه في نومه، ومنها ما هو وحي من الله، فما كان من حديث النفس ووسوسة الشيطان فإنه الذي يكذب، وما كان من قبل الله فإنه لا يكذب، وبنحو هذا ورد الخبر عن رسول الله وَّلّ. وقد سلف حديث أبي هريرة له في تقسيم الرؤيا أنها ثلاث: بشرى، وحديث النفس، وتحزين من الشيطان (١). (١) أنتهى من ((شرح ابن بطال)) ٥١٨/٩-٥١٩. ١٤٩ = كِتَابُ التَّعْبِيرِ ٦ - باب رُؤْيَا يُوسُفَ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِهِ يَكَأَبَتِ إِنِّ رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوَكَبً﴾ إلى قوله ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [يوسف: ٤-٦]. وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُوْيَىَ مِن قَبْلُ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَلْحِقْنِى بِالصَّلِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠٠-١٠١]. فَاطِرٌ وَالْبَدِيعُ وَالْمُبْتَدِعُ وَالْبَارِئُ وَالْخَالِقُ وَاحِدٌ، مِنَ البَدْءِ: بَادِئَةٍ. [فتح ٣٧٦/١٢] الشرح : رؤيا يوسف القليّة حق ووحي من الله كرؤيا سائر الأنبياء، ألا ترى قول يوسف لأبيه يعقوب عليهما السلام: ﴿يَأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُهْيَىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِ حَقًّا﴾ والأحد عشر كوكبا إخوته أنبياء يستضاء بهم كما يستضاء بالكواكب، والقمر أبوه والشمس أمه. قاله ابن عباس والضحاك، ونقله ابن التين عن قتادة أيضًا، ثم قال: وقال غيرهما أبوه وخالته. ونقل ابن بطال هذا عن قتادة، وأخبر الله تعالى عن الكواكب والشمس والقمر كما يخبر عمن يعقل ﴿رَيْثُهُمْ لِ سَجِدِينَ﴾ إذ تفسيرها فيمن يعقل. وروي عن سليمان قال: كان بين رؤيا يوسف وتأويلها أربعون سنة(١). وكذا قال عبد الله بن شداد بن الهادي قال: وذلك منتهى الرؤيا وقيل: بعد ثمانين. وقوله: (﴿وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾). قال مجاهد: تأويل الرؤيا. وقال غيره: أي أخبار الأمم، ثم قال: ﴿وَيُنِؤُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ فأخبر أنه (١) ((شرح ابن بطال)) ٥٢٠/٩. ١٥٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == يكون نبيًّا بقوله: ﴿كَمَا أَتَّمَّهَا عَلَىَّ أَبَوَيَّكَ مِن قَبْلُ إِبْزَهِيَمَ وَإِسْحَقَّ﴾. والبدو: أصحاب العمود والخيمة والخباء. قال الحسن: كان بين مفارقة يوسف أباه واجتماعهما ثمانون سنة لا يهدأ فيها ساعة من البكاء. وليس حينئذٍ أحد أكرم على الله من يعقوب العَّها. وألقي في الجب وهو ابن السبع عشرة (١) سنة، وعاش بعد إلقائه ثلاثًا وعشرين سنة(٢)، ومات وهو ابن عشرين ومائة سنة. وقوله: ﴿وَعَلَّمْتَنِ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ يجوز أن تكون (مِن) هنا للتبعيض، نظيره: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] يريد وضع بعض وجهه وهو الجبين؛ لأنه من الوجه، وعبارة ((الصحاح))(٣)، أي: مرغه كما تقول كبه لوجهه. وقول يعقوب له صلى الله وسلم عليهما: ﴿لَا نَقْصُصْ رُء ◌َاكَ عَلَّ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا﴾. قال له ذلك لما علم من تأويل الرؤيا، فخاف أن يحسدوه، وكان تبين له الحسد منهم له. وهذا أصل أن لا تقصص الرؤيا على غير شفيق ولا ناصح، (ولا تقص) (٤) على من لا يحسن التأويل، وقد أسلفنا حديثين في ذلك. (١) في (ص١): ستة عشر. (٢) في هامش الأصل: لعله: ثلاثًا ومائة سنة. (٣) في (ص١): الضحاك. (٤) ساقطة من الأصل، والمثبت من (ص١). ١٥١ - كِتَابُ التَّعْبِيرِ العَلِيَة لا ٧ - باب رُؤُيَا إِبْرَاهِيمَ وَقَوْل الله وَّ: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ قَالَ يَبُنَّىَّ إِّ أَرَى فِ اُلْمَنَامِ أَنَّ أَذْبَحُكَ﴾ إلى قوله: ﴿اٌلْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢]. قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿أَسْلَمَا﴾ [الصافات: ١٠٣] سَلَّمَا مَا أُمِرَا بِهِ. ﴿وَثَلَّهُ﴾ [الصافات: ١٠٣] وَضَعَ وَجْهَهُ بِالأَرْضِ. [فتح ١٢ /٣٧٧] قال مجاهد: ﴿أَسْلَمَا﴾: سلما ما أمرا به. قال المهلب: هذا دليل أن رؤيا الأنبياء وحي لا يجوز فيها الضغث؛ لأن إبراهيم حكم بصدقها، ولم يشك أنها من عند الله تعالى فسهل عليه ذبح ابنه، والتقرب به إلى الله، وكذلك فعل إسحاق حين أعلمه أبوه إبراهيم برؤياه فسلم الحكم إليه(١)، وانقاد له، ورضي، وفوض أمره إلى الله فقال: ﴿يَأَبَتِ أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرٌّ سَتَجِدُنِىّ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّبِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢]. وبهذه الآية استدل ابن عباس على أن رؤيا الأنبياء وحي. (١) ورد في هامش الأصل: الصحيح، بل الصواب أن الذبيح هو إسماعيل، وهذا نقله شيخنا من كلام المالكية ولم نثبته له، والدليل على أنه إسماعيل من ثلاثة أماكن : من القرآن، ومن نص التوارة أيضًا. وقال ابن تيمية: إن قولهم: إسحاق مما أدخله أهل الكتاب على المسلمين في كلام طويل له على ذلك. ١٥٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٨ - باب التّوَاطؤْ عَلَى الرُّؤْيَا ٦٩٩١ - حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ بُكَثِرِ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلِ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ سَالمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابن عُمَرَ عُ أَنَّ أُنَّاسَا أُزُوا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، وَأَنَّ أُنَاسًا أُزُوا أَنَّهَا فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((الْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ)). [انظر: ١١٥٨ - مسلم: ١١٦٥- فتح ٣٧٩/١٢] ذكر فيه حديث الزهري عن سالم عن ابن عمر: أن ناسًا أروا ليلة القدر في السبع الأواخر، وأن ناسًا أروا أنها في العشر الأواخر. فقال التَّ: ((التمسوها في السبع الأواخر)). اعترض الإسماعيلي بعد أن ذكره بلفظ: ((إن أناسًا منكم قد أروا أنها في السبع (الأول)(١)، وأري ناس منكم أنها في السبع الغوابر فالتمسوها في السبع الغوابر)). لم يذكر البخاري التواطؤ الذي بوب له، واختار التواطؤ الذي كان ينبغي له أن يذكر ههنا: «أرى رؤياكم قد تواطأت في العشر الآواخر)). قلت: وكأن البخاري أشار إلى ذلك بقوله: ((التمسوها في السبع الأواخر)) وعادته أن ينبه بالأخفى على الأشهر. وأما ابن بطال فذكره بزيادة: ((أرى رؤياكم قد تواطأت)) قبل: ((التمسوها)) .. إلى آخره. قال المهلب: وفيه الحكم على صحة الرؤيا بتواطئها وتكريرها، وهذا أصل في ذلك يجب لنا أن نحكم به إذا ترادفت الرؤيا وتواطأت بالصحة كما حكم الشارع (٢). (١) في الأصل: الأواخر. والمثبت من (ص١). (٢) ((شرح ابن بطال)) ٩/ ٥٢١. ١٥٣ = كِتَابُ التَّعْبِيرِ (فصل)(١): ذكر بعض شيوخنا هنا أن البخاري قال: ورواه الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب بمثله سواء، وأن الإسماعيلي رواه من حديث أبي صالح عن الليث به، وهذا لم أره في شيء من الأصول. (١) في (ص١): تنبيه. ١٥٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٩ - باب رُؤْيَا أَهْلِ الشُّجُونِ وَالْفَسَادِ وَالشِّرْكِ لقوله : ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُ الرَّسُولُ قَالَ أَرْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ ﴿وَأَذَّكَرَ﴾ افتعل من ذكر. أُمَّة: قرن وتقرأ: أَمَهٍ(١) : نسيان. وقال ابن عباس: يعصرون الأعناب والدهن. تحصنون: تحرسون. ٦٩٩٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ مَالِكِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ اُسَيَّبِ وَأَبَا عُبَيْدِ أَخْبَرَاهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((لَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ يُوسُفُ ثُمَّ أَتَانِي الدَّاعِي لأَجَبْتُهُ)). [انظر: ٣٣٧٢ - مسلم: ١٥١ - فتح ١٢/ ٣٨١]. ثم ساق حديث أبي هريرة # مرفوعًا: ((لو لبثت في السجن ما لبث يوسف ثم أتاني الداعي لأجبته)). الشرح: إنما ترجم بهذا لجواز أن يكون في رؤيا أهل الشرك رؤيا صالحة كما كانت رؤيا الفتيين صادقةً، إلا أنه لا يجوز أن يضاف إلى النبوة إضافة رؤيا المؤمن إلى المؤمن في التجزئة؛ لقوله القليفها: ((الرؤيا الحسنة يراها العبد الصالح - أو ترى له- جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة)). فدل هذا أنه ليس كل ما صح له تأويل من الرؤيا وله حقيقة تكون جزءًا من ذلك. قال أبو الحسن بن أبي طالب: وفي (١) قال الحافظ في ((الفتح)) ٣٨١/٢١-٣٨٢: وهذه القراءة نسبت في الشواذ لابن عباس وعكرمة والضحاك، يقال: رجل مأموه أي: ذاهب العقل. اهـ قلت: وقد روى ذلك عنهم الطبري في ((تفسيره)» ٢٢٦/٧-٢٢٧ بإسناد صحيح كما قال الحافظ في ((الفتح)) ٣٨٢/١٢. ١٥٥ كِتَابُ التَّعْبِيرِ = صدق رؤيا الفتيين حجة على من زعم أن الكافر لا يرى رؤيا صادقة، فإن قلت: فإذا صدقت رؤياه فماذا ميز به المسلم عليه في رؤياه. وما معنى خصوصتيه القديمة المؤمن بالرؤيا الصالحة في قوله: ((يراها الرجل الصالح أو ترى له)) فالجواب: أن لمنام المؤمن مزية على منام الكافر في الإنباء والإعلام والفضل والإكرام، وذلك أن المؤمن يجوز أن يبشر على إحسانه، وينبأ بقبول أعماله ويحذر من ذنب عمله ويردع عن سوء قد أمله، وجواز أن يبشر بنعيم الدنيا وينبأ ببؤسها، والكافر وإن جاز أن يحذر ويتوعد على كفره، فليس عنده ما عند المؤمن من الأعمال الموجبة لثواب الآخرة، وكل ما بشر به الكافر من حاله وغبط به من أعماله فذلك غرور من عدوه، ولطف من مكائده فنقص لذلك حظه من الرؤيا الصادقة عن حظ المؤمن؛ لأن الشارع حين قال: ((رؤيا المؤمن)) و((رؤيا الصالح جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة)) لم يذكر في ذلك كافرًا ولا مبتدعًا فأخرجنا لذلك ما يراه الكافر من هذا التقدير والتجريد لما في الأخبار من صريح الشرط لرؤيا المؤمن، وأدخلنا ما يراه الكافر من صالح الرؤيا في خبره المطلق ((الرؤيا من الله)) إذا لم يشترط فيه مؤمنًا ولا غيره فقلنا لذلك: ما صدق من منامات الكفار فهي من الله، ولم يقل كذا ولا كذا من النبوة سِيَّما أن الأشعري وابن الطيب يريان أن جميع ما يرى في المنام من حق أو باطل خلق الله، فما كان منه صادقًا خلقه بحضور الملك، وإلا فبحضور الشيطان فيضاف بذلك إليه، فإن قلت: يجوز أن يسمى ما يراه الكافر صالحًا قيل: (نعم)(١) وبشارة أيضًا كانت الرؤيا له (١) من (ص١). ١٥٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = أو لغيره من المؤمنين؛ لقوله القليّة: ((الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له)) فاحتمل هذا الكلام أن يراها الكافر لغيره من المؤمنين وهو صالح للمؤمنين، کما أن ما يراه الكافر مما يدل على هدايته وإيمانه فهو صالح له في عاقبته، وذلك حجة من الله عليه وزجر له في منامه، وقد أسلفنا أول الإيمان في حديث عائشة رضي الله عنها: أول ما بدئ به رسول الله وَّر من الوحي الرؤيا الصالحة، أنها الصادقة؛ لأنها صالح ما يرى في المنام من الأضغاث وأباطيل الأحلام، وكما أنبأ الله الكفار في اليقظة بالرسل وبالمؤمنين من عباده - دون المشركين من أعدائه- قامت الحجة على المشركين بذلك إلى يوم القيامة، ولذلك يجوز إنباؤهم في المنام مما يكون حجة عليهم أيضًا. فصل : ( ((ثم أتاني الداعي)) ). يعني: رسول الملك ولكن أراد ليقوم له العذر وهو من تواضعه؛ لئلا يغلى في مدحه قال: ((لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح، وقولوا: عبد الله ورسوله))(١) ثم لم يمنعه هذا من ذكر ما خص به من السيادة، لقوله: ((أنا سيد ولد آدم ولا فخر))(٢)، لكن في حكم الأدب إذا ذكر الأنبياء والرسل أن يتواضع، وفيه الترفيع الشأن يوسف؛ لأنه حين دعي للإطلاق من السجن قال: ﴿أَرْجِعْ إِلَى رَيِّكَ فَسْئَلَهُ﴾ [يوسف: ٥٠]. ولم يرد الخروج منه إلا بعد أن تقر أمرأة العزيز على نفسها أنها راودته عن نفسه، فأقرت وصدقته، وقالت: ﴿وَلَقَدْ رَوَدَتُهُ﴾ الآية [يوسف: ٥١]، فخرج حينئذٍ. قال ابن قتيبة: (١) سلف برقم (٣٤٤٥). (٢) رواه الترمذي (٣١٤٨)، وابن ماجه (٤٣٠٨). ١٥٧ كِتَابُ التّعْبِيرِ فوصفه بالأناة والصبر وأنه لم يخرج حين دعي، وقال: ((لو كنت مكانه ثم دعيت إلى ما دعي إليه من الخروج من السجن لأجبت ولم ألبث)) وهذا من حسن تواضعه؛ لأنه لو كان مكان يوسف فبادر وخرج لم يكن عليه نقص أو على يوسف لو خرج مع الرسول من السجن نقص، ولا أثر، إنما أراد أن يوسف لم يكن يستثقل محنة الله فيبادره ويتعجل ولكنه كان صابرًا محتسبًا. فصل : في هذا الحديث زيادة ذكرها في كتاب الأنبياء: ((نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: ﴿ رَبِّ أَرِبِ كَيْفَ تُحِى الْمَوْنَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنٌ قَالَ بَ﴾ ورحم الله لوطًا لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن .. )) .. الحديث(١). قال ابن قتيبة: وقوله: ((ونحن أحق بالشك من إبراهيم)) فإنه لما نزل عليه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِمُ رَبِّ أَرِبِ كَيْفَ تُحِى الْمَوْنَى﴾ الآية [البقرة: ٢٦٠] قال قوم سمعوا الآية: شك إبراهيم ولم يشك نبينا. فقال الصديق تواضعًا وتقديمًا لإبراهيم على نفسه يريد: إنا لم نشك ونحن دونه فكيف يشك هو؟! ومثل هذا من تواضعه قوله: ((لا تفضلوني على يونس))(٢). فخص يونس بن متى، وليس كغيره من أولي العزم من الرسل، فإذا كان لا يجب أن يفضل على يونس، فكيف بغيره من الأنبياء الذين فوقه في الدرجة كإبراهيم وموسى وعيسى؟! أحرى ألا يفضل علیهم. (١) أنظر ما سلف برقم (٣٣٧٢). (٢) سلف برقم (٣٤١٦، ٤٦٣١)، ورواه مسلم (٢٣٧٦) من حديث أبي هريرة، وسلف برقم (٣٣٩٥)، ورواه مسلم (٢٣٧٧) من حديث ابن عباس بمعناه. ١٥٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وتأويل قول إبراهيم: ﴿وَلَكِن لِيَطْمَيِنَّ قَلْبِىٌ﴾ أي: بيقين البصر. واليقين جنسان السمع والبصر وهو أعلاهما، ولذلك قال اللّها: ((ليس الخبر كالمعاينة))(١). حين ذكر قوم موسى وعكوفهم على العجل، (فأعلمه)(٢) أن قومه عبدوا العجل فلم يلقِ الألواح، فلما عاينهم عاكفين عليه غضب وألقاها حتى تكسرت، وكذلك المؤمنون بالقيامة والبعث والجنة والنار متيقنون أن ذلك كله حق، وهم فى القيامة عند النظر والعيان أعلى يقينًا، فأراد إبراهيم أن يطمئن قلبه بالنظر الذي هو أعلى اليقين. وقال غيره: لم يشك إبراهيم في الإحياء، وإنما قال: ﴿رَبِّ أَرِبِ كَيْفَ تُحِى الْمَوْنَى﴾ والجهل في الكيفية لا يقدح في اليقين بالقدرة؛ إذ ليس من المؤمنين أحد يؤمن بغيوب وبخلق السماوات والأرض إلا وقد يجهل الكيفية، وذلك لا يقدح في إيمانه؛ فضرب الله لإبراهيم مثلا من نفسه فقال له: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَ إِلَيْكَ﴾ الآية. فكما أحبي هُذِه الطيور عن دعوتك فكذلك أحيي أهل السماوات والأرض عن نفخة الصور، ﴿ وَأَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ في صنائعه؛ إذ صنائعه لا عن مباشرة إلا عن قوله: ﴿كُنْ﴾ وما سواه من الصناعين فلا يتم له صنع إلا بمباشرة، وفي ذلك ذلة ومفارقة للعزة ﴿حَكِيمُ﴾ أي: في أفعاله وإن كان (بائنًا عنها)(٣)، والصانع إذا باين من صنعته تختل أفعاله إذا كان بائنًا. وقوله: ( ((يرحم الله لوطً))). إلى آخره، فإنه أراد قوله لقومه: ﴿لَوَ أَنَّ لِ بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِىّ إِلَى رَكْنِ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠] في الوقت الذي ضاق فيه (١) تقدم تخريجه. (٢) في الأصل: فأعلمهم وفي هامشها: لعله أو البت: فأعلمه. (٣) في (ص١): بائنًا عنها. ١٥٩ =ِ كِتَابُ التَّعْبِيِرِ صدره واشتد جزعه بما دهمه من قومه، وهو يأوي إلى الله أشد الأركان، (قال)(١): ((فما بعث الله نبيًّا بعد لوط إلا في ثروة من قومه))(٢) ولا يخرج هذا لوظًا من صفات المتوكلين على الله، الواثقين بتأييده ونصره، لكن لوطًا التَّ أثار منه الغضب في ذات الله ما يثير من البشر فكان ظاهر قول لوط كأنه خارج عن التوكل، وإن كان مقصده مقصد المتوكلين. فنبه الشارع على ظاهر قول لوط تنبيهه على ظاهر قول إبراهيم، وإن كان مقصده غير الشك، لكن لأنهم كانوا صفوة الله المخلصين بغاية الإكرام ونهاية القوة، لا (يُقْنَع)(٣) منهم إلا بظاهر مطابق للباطن بعيد من الشبهة؛ إذ العتاب والحجة من الله على قدر ما يصنع فيهم، وفي كتاب مسلم عن بعض رواة الحديث، قال: إنما شك إبراهيم هل يجيبه الله أم لا؟ فصل : قوله تعالى: ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] أي: عنبًا أو عنب خمر أو ما يؤول إليه كقوله: الحمد لله العلي المنان جاعل الثريد في رءوس العيدان يعني: السنبل، فسماه ثريدًا؛ لأن الثريد منه. وقوله: ﴿نَبِثْنَا بِتَأْوِيلِ﴾ الآية [يوسف: ٣٦] قيل: معناه: إنا نراك تحسن العبادة، وقيل: كان يعين المظلوم، وينصر الضعيف، ويعود المريض، ويوسع للرجال، فحاد عن جوابهما إلى غير ما سألاه عنه. قال: ﴿لَا يَأْتِيِكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ،﴾ الآية [يوسف: ٣٧]. قال ابن جريج: (١) في الأصل: (قالوا). (٢) رواه الترمذي (٣١١٦) وقال: وهذا حديث حسن. وابن حبان في ((صحيحه)) ١٤/ ٨٦-٨٧ (٦٢٠٦). (٣) في الأصل: يتبع. ١٦٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = (لم يرد) (١) أن يعبر لهما فحاد فلم (يتركاه)(٢) حتى عبرها. وقيل: أراد تعليمهما أنه نبي وأنه يعلمها بالغيب، فقال: ﴿لَا يَأْتِيَكُمَا طَعَامٌ﴾ الآية ويروى أن الملك كان إذا أراد قتل إنسان وجه إليه طعامًا بعينه لا يجاوزه، ثم أعلمهما أن ذلك العلم من الله لا بكهانة ولا تنجم. فقال: ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَمَنِى رَبٍِّ﴾ [يوسف: ٣٧] ثم أعلمهما أنه مؤمن قال: ﴿إِنِ تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآية [يوسف: ٣٧]، ثم قال: ﴿ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ﴾ [يوسف: ٣٨] يقول: إنا جعلنا أنبياء، وبعثنا إليهم رسلاً، ثم دعاهم إلى الإسلام بعد آيات (فقال:)(٣) ﴿وَأَرْبَابٌ مُتَّفَرِّقُونَ﴾ [يوسف: ٣٩] ثم قال: ﴿فَيَسْقِى رَبَّهُ خَمْرًا﴾ أي: يكون على شراب الملك. قال ابن مسعود: لما عبر لهما الرؤيا، قالا: ما رأينا شيئًا، فقال: ﴿قُضِىَ الْأَمْرُ الَّذِى فِيهِ تَسْنَفْنِيَانِ﴾(٤) أي: وقع كما قلتُ حقًّا كان أو باطلاً. والرب هنا: الملك، وهو معروف في اللغة، يقال للسيد: رب. وقوله: ﴿فَأَنَسَنُهُ الشَّيْطَنُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٤٢]. قال مجاهد: نسي يوسف العليا أن يسأل الله ويتضرع إليه حتى قال لأحد (الفتيين)(٥) ذلك(٦). قال الحسن: مرفوعًا: ((لو قال يوسف ذلك ما لبث ما لبث)). ثم يبكي الحسن ويقول: نحن ينزل ربنا الأمر من السماء، فنشكوا للناس(٧). (١) من (ص١). (٢) في الأصل (يتركها)، والمثبت من (ص١). (٤) ((تفسير الطبري)) ٢١٨/٧. (٦) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٢٢١/٧ بنحوه. (٣) من (ص١). (٥) في (ص١): العبيد. (٧) المصدر السابق، وهو في ((الزهد)) لأحمد بن حنبل برواية عبد الله عنه.