النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
كِتَابُ الحِيَلِ
=
١١ - باب في النَّكَاحِ
٦٩٦٨ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ أَبِي كَثٍِ، عَنْ
أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ قَالَ: ((لَاتُنْكَحُ الِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ، وَلَا
الثَّيِّبُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ)). فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ إِذْنُهَا؟ قَالَ: ((إِذَاسَكَتَتْ)). وَقَالَ
بَعْضُ النَّاسِ: إِنْ لَمْ تُسْتَأْذَنِ البِكْرُ وَلَمْ تَزَوَّجْ فَاحْتَالَ رَجُلٌ فَأَقَامَ شَاهِدَيْ زُورٍ أَنَّهُ
تَزَوَّجَهَا بِرِضَاهَا، فَأَثْبَتَ القَاضِي نِكَاحَهَا وَالزَّوْجُ يَعْلَمُ أَنَّ الشَّهَادَةَ بَاطِلَةٌ، فَلَا بَأْسَ أَنْ
يَطَأَهَا، وَهُوَ تَزْوِيجُ صَحِيحُ. [انظر: ٥١٣٦ - مسلم: ١٤١٩ - فتح ١٢ / ٢٣٩]
٦٩٦٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُّ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ
القَاسِمِ، أَنَّ امْرَأَةً مِنْ وَلَدِ جَغْفَرٍ تَخَوَّفَتْ أَنْ يُزَوِّجَهَا وَلِيُّهَا وَهْيَ كَارِهَةٌ فَأَرْسَلَتْ إِلَى
شَيْخَيْنِ مِنَ الأَنَّصَارِ: عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَمُجَمِّعِ ابنيْ جَارِيَةَ، قَالَا: فَلَا تَخْشَيْنَ، فَإِنَّ خَنْسَاءَ
بِنْتَ خِذَامِ أَنْكَحَهَا أَبُوهَا وَهْيَ كَارِهَةٌ فَرَدَّ النَّبِيُّ ◌َلِّ ذَلِكَ. قَالَ سُفْيَانُ: وَأَمَّا عَبْدُ
الرَّحْمَنِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ، عَنْ أَبِيهِ: إِنَّ خَنْسَاءَ. [انظر: ٥١٣٨ -فتح ١٢/ ٣٣٩]
٦٩٧٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَخْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ إِليهِ: (لَا تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ الِكْرُ
حَتَّى تُسْتَأْذَنَ)). قَالُوا: كَيْفَ إِذْنُهَا؟ قَالَ: ((أَنْ تَسْكُتَ)). وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِنِ أَخْتَالَ
إِنْسَانٌ بِشَاهِدَيْ زُورٍ عَلَى تَزْوِيجِ امْرَأَةٍ ثَيِّبٍ بِأَمْرِهَا، فَأَثْبَتَ القَاضِي نِكَاحَهَا إِيَّاهُ
وَالزَّوْجُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَتَزَوَّجْهَا قَطَّ، فَإِنَّهُ يَسَعُهُ هذا النِّكَاحُ، وَلَا بَأْسَ بِالْقَامِ لَهُ مَعَهَا.
[انظر: ٥١٣٦ - مسلم: ١٤١٩ - فتح ١٢ / ٣٤٠]
٦٩٧١ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم، عَنِ ابن ◌ُرَيْجٍ، عَنِ ابْن أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ ذَكْوَانَ، عَنْ
عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَله: ((الْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ)). قُلْتُ: إِنَّ الِكْرَ
تَسْتَحْيِي. قَالَ: «إِذْنُهَا صُمَاتُهَا)). وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِنْ هَوِيَ رَجُلٌ جَارِيَةً يَتِيمَةً أَوْ
بِكْرَا فَأَبَتْ فَاحْتَالَ فَجَاءَ بِشَاهِدَيْ زُورٍ عَلَى أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا، فَأَدْرَكَتْ فَرَضِيَتِ اليَتِيمَةُ،

٨٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
فَقَبِلَ القَاضِي شَهَادَةَ الزُّورِ وَالزَّوْجُ يَعْلَمُ بِبُطْلَانِ ذَلِكَ، حَلَّ لَهُ الوَطْءُ. [انظر: ٥١٣٧ -
مسلم: ١٤٢٠ - فتح ١٢/ ٣٤٠]
ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ◌َ﴾، السالف: (لَاتُنْكَحُ البِكْرُ حَتَّى
تُسْتَأْذَنَ، وَلَا الشَّيِّبُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ)). قيل: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ إِذْنُهَا؟
قَالَ: (إِذَا سَكَتَتْ)). وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِنْ لَمْ تُسْتَأْذَنِ البِكْرُ وَلَمْ
تَزَوَّجْ فَاحْتَالَ رَجُلٌ فَأَقَامَ شَاهِدَيْ زُورٍ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا بِرِضَاهَا، فَأَثْبَتَ
القَاضِي نِكَاحَهَا وَالزَّوْجُ يَعْلَمُ أَنَّ الشَّهَادَةَ بَاطِلَةٌ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَطَأَهَا،
وَهْوَ تَزْوِيجُ صَحِيحٌ.
ثم ساق حديث سُفْيَانَ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ القَاسِم، أَنَّ أَمْرَأَةً
مِنْ وَلَدِ جَعْفَرٍ تَخَوَّفَتْ أَنْ يُزَوِّجَهَا وَلِيُّهَا وَهْيَ كَارِهَةٌ فَأَرْسَلَتْ إِلَى شَيْخَيْنِ
مِنَ الأَنْصَارِ: عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَمُجَمِّع ابنيْ جَارِيَةَ، قَالَا: فَلَا تَخْشَيْنَ، فَإِنَّ
خَنْسَاءَ بِنْتَ خِذَامٍ أَنْكَحَهَا أَبُوهَا وَهِّيَ كَارِهَةٌ فَرَدَّ رسول الله وََّ ذَلِكَ. قَالَ
سُفْيَانُ: وَأَمَّا عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ، عَنْ أَبِهِ: إِنَّ خَنْسَاءَ.
ثم ساق البخاري من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَُّه: (لَا تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى
تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ البِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ)). قَالُوا: كَيْفَ إِذْنُهَا؟ قَالَ:
(أَنْتَسْكُتَ)). وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِن أَحْتَالَ إِنْسَانٌ بِشَاهِدَيْ زُورٍ عَلَى
تَزْوِيج أمْرَأَةٍ ثَّيِّبٍ بِأَمْرِهَا، فَأَثْبَتَ القَاضِي نِكَاحَهَا إِيَّهُ وَالزَّوْجُ يَعْلَمُ أَنَّهُ
لَمْ يَتَزَوَّجْهَا قَظُ، فَإِنَّهُ يَسَعُهُ هُذَا النَّكَاحُ، وَلَا بَأْسَ بِالْمُقَامِ لَهُ مَعَهَا .
ثم ساق حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها: ((الْبِكْرُ تُسْتَأْذَّنُ)) قُلْتُ: إِنَّ
البِكْرَ تَسْتَحْيِي. قَالَ: (إِذْنُهَا صُمَاتُهَا)). وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِنْ هَوِيَ
رَجُلٌ جَارِيَةً يَتِيمَةً تَيِّبًا أَوْ بِكْرًا فَأَبَتْ فَاحْتَالَ فَجَاءَ بِشَاهِدَيْ زُورٍ عَلَى
أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا، فَأَدْرَكَتْ ورضيت اليَتِيمَةُ، فَقَبِلَ القَاضِي شَهَادَةَ الزُّورِ
وَالزَّوْجُ يَعْلَمُ بِبُطْلَانِ ذَلِكَ، حَلَّ لَهُ الوَظْءُ.

٨٣
كِتَابُ الحِيَلِ
=
الشرح :
لا يحل هذا النكاح للزوج الذي أقام شاهدي زور على رضا المرأة
أنه تزوجها عند أحد من العلماء، وليس حكم القاضي بما ظهر له من
عدالة الشاهدين في الظاهر مُحِلَّا ما حرم الله؛ لقوله التَّه: ((فإنما أقطع
له قطعة من النار)) (١) ولتحريم الله أكل أموال الناس بالباطل، ولا فرق
بين أكل المال الحرام ووطء الفرج الحرام في الإثم.
قال المهلب: واحتيال أبي حنيفة ساقط؛ لأمر الشارع بالاستئذان
والاستثمار عند النكاح، ورد نكاح من تزوجت كارهة في حديث
خنساء، وقد قال تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ﴾ [البقرة:
٢٣٢]، فاشتراط الله رضاها في النكاح يوجب أنه متى عدم هذا
الشرط فيه لم يحل، وإنما قاس أبو حنيفة مسائل هذا الباب على
القاضي إذا حكم بطلاقها بشاهدي زور وهو لا يعلم. أنه يجوز أن
يتزوجها من لا يعلم بطلان هذا (الطلاق)(٢)، ولا تحرم عليه
بالإجماع فكذا يجوز أن يتزوجها من عَلِمَ ولا تحرم عليه.
وهذا خطأ في القياس، وإنما حل تزويجها لمن لا يعلم باطن
أمرها؛ لأنه جهل ما دخل فيه، وأما الزوج الذي أقام شاهدي الزور
فهو عالم بالتحريم متعمد لركوب الإثم فكيف يقاس من جهل شيئًا
فأتاه بعذر يجهله على من تعمده وأقدم عليه وهو عالم باطنه.
ولا خلاف بين العلماء أنه من أقدم على ما لا يحل له فقد أقدم على
الحرام البين الذي قاله فيه الشارع: ((الحلال بين والحرام بين
(١) سلف قريبًا في الباب قبله برقم (٦٩٧٦).
(٢) في الأصل: (النكاح)، والمثبت من ابن بطال، وهو الملائم للسياق.

٨٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وبينهما أمور مشتبهات))(١)، وليس للشبهة فيه موضع ولا خلاف بين الأمة
أن رجلًا لو أقام شاهدي زور على ابنته أنها أمته، وحكم الحاكم بذلك
لا يجوز له وطؤها، فكذلك الذي شهد على نكاحها، هما في التحريم
سواء، والمسألة التي في آخر الباب لا يقول بها أحد، وهي خطأ
كالمسألتين المتقدمتين(٢).
ولا خلاف في الأموال أن الحاكم إذا حكم بها هو في الباطن على
خلاف ما حكم به، لم ينقل حكمه في الباطن، وإنما ذلك عند أبي حنيفة
في الطلاق والنكاح والنسب فإن شهدوا في أمة رجل أنها ابنة آخر،
وحكم بذلك، ثبت النسب وحرمت عليه وورثت.
وذكر في ((المعونة)) عن أبي حنيفة: إذا شهدوا بزور على الطلاق
تصير المرأة مطلقة بحكم الحاكم، ويجوز لها أن تتزوج، ولا يجوز
لأحد شاهدي الزور أن يتزوجها، وهو عند مالك زانٍ؛ لعلمه أنه لم
يطلق، وذكر مسألة النكاح المتقدمة، وزاد عنه: إذا شهد له شاهد
الزور على ذات محرم أنها زوجته أن الحكم لا ينفذ في الباطن
ولا تكون زوجته، وكذلك إذا أقدم شاهدا زور في دعوى قال:
فيحكم الحاكم له، فإنه لا ينفذ، وفرقوا بين الموضعين فإن كل موضع
جاز أن يكون للحاكم ولاية في أبتداء فعله، نفذ حكمه فيه ظاهرًا
وباطنًا، وكل موضع لا ولاية له في ابتداء فعله لم ينفذ ظاهرًا دون
الباطن، كان للحاكم ولاية في عقد النكاح، وفي أن يطلق على
غيره، ولا ولاية له في تزويج ذوات المحارم، ولا في نقل الأموال،
فكذلك لو أدعى رجل أنه قتل وليًّا له، وأقام شاهدي زور فحكم
(١) سلف برقم (٥٢) كتاب الإيمان، باب: فضل من استبرأ لدينه.
(٢) أنظر: ((شرح ابن بطال)) ٣٢٣/٨-٣٢٤.

٨٥
= كِتَابُ الحِيَلِ
الحاكم بالقود لم يكن لمن حُكم له أن يقتل؛ لأن الحاكم ليس له أن
يقتدي القتل قال: ودليلنا قوله تعالي: ﴿وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٤]
الآية. فحرم المحصنة، وهي التي لها زوج إلا إن ملك الكوافر
بالسبي، وعند المخالف: أن التي لها زوج تحل بحكم الحاكم
بشهادة زور بطلاقها .
والحديث السالف: ((إنما أنا بشر .. ))(١) إلى آخره، صريح في أن
حكمه بما ليس بجائز للمحكوم له لا يحل له، وبالقياس على المال
وغيره كما سلف، ثم الحديث عام في قوله: ((فلا يأخذ منه شيئًا))
سواء كانت زوجة أخيه أو ماله.
قال الشافعي: ولو كان حكم الحاكم يحل الأمور عما هي عليه،
لكان حكم الشارع أولى(٢).
وكذا قال سحنون عند ابنه(٣).
فصل :
قوله في حديث خنساء: (فلا تخشين). صوابه: بكسر الياء وتشديد
النون؛ لأنه فعل مبني على النون المشددة، وإن جعلته للمخاطبة فيكون
غير مستقيم في الإعراب إذ لم تحذف النون منه في النهي (٤).
(١) سلف قريبًا برقم (٦٩٦٧).
(٢) أنظر ((مختصر المزني)) ص٤٠٦.
(٣) أنظر ((النوادر والزيادات)) ٢٣٣/٨.
(٤) قوله: (فلا تخشين) بلفظ الجمع خطاب للمرأة المتخوفة وأصحابها. وقال الحافظ
في ((الفتح)) ٣٤١/١٢: وظن ابن التين أنه خطاب للمرأة وحدها فقال: الصواب ..
فذكر ما قاله المصنف هنا، وانظر ((عمدة القاري)) ٤٠٥/١٩.

٨٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
فصل :
(قوله)(١): (فأدركت). أي: بلغت، وقوله قبله: (وإن هَوِيَ). هو
بكسر الواو على وزن فعل وعلم وحذر.
(١) من (ص١).

٨٧
كِتَابُ الحِيَلِ
١٢ - باب مَا يُكْرَهُ مِنِ احْتِيَالِ المَرْأَةِ مَعَ الزّوْجِ وَالضّرَائِرِ،
وَمَا نَزَلَ عَلَى النَّبِيِّ بَّه فِي ذَلِكَ
٦٩٧٢ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ يَِّ يُحِبُّ الَحَلْوَاءَ وَيُحِبُّ العَسَلَ، وَكَانَ إِذَا صَلَّى العَضْرَ
أَجَازَ عَلَى نِسَائِهِ فَيَدْنُو مِنْهُنَّ، فَدَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ فَاحْتَبَسَ عِنْدَهَا أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ
يَخْتَبِسُ، فَسَأَلَّتُ عَنْ ذَلِكَ (فَقَالَ) (١) لِي: أَهْدَتِ امْرَأَةٌ مِنْ قَوْمِهَا عُكَّةَ عَسَلٍ، فَسَقَتْ
رَسُولَ اللهِوَّهِ مِنْهُ شَرْبَةً. فَقُلْتُ: أَمَا وَالله لَنَحْتَالَنَّ لَهُ. فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِسَوْدَةَ، قُلْتُ: إِذَا
دَخَلَ عَلَيْكِ فَإِنَّهُ سَيَدْنُو مِنْكِ، فَقُولٍ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ فَإِنَّهُ سَيَقُولُ:
لَا. فَقُولِي لَهُ: مَا هَذِه الرِّيحُ؟ وَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَ يَشْتَدُّ عَلَيْهِ أَنْ تُوجَد مِنْهُ الرِّيحُ،
فَإِنَّهُ سَيَقُولُ: سَقَتْنِي حَقْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ. فَقُولِي لَهُ: جَرَسَتْ نَحْلُهُ العُزفُطَ. وَسَأَقُولُ
ذَلِكَ، وَقُولِيهِ أَنْتِ يَا صَفِيَّةُ.
فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى سَوْدَةَ، قُلْتُ: تَقُولُ سَوْدَةُ: وَالَّذِي لَا إِلهَ إِلَّ هُوَ لَقَدْ كِدْتُ أَنْ
أُبَادِرَهُ بِالَّذِي قُلْتِ لِي وَإِنَّهُ لَعَلَى البَابِ، فَرَقَا مِنْكِ، فَلَمَّا دَنَا رَسُولُ اللهِ وَلَ قُلْتُ:
يَا رَسُولَ اللهِ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ قَالَ: ((لَ)). قُلْتُ: فَمَا هَذِهِ الرِّيحُ؟ قَالَ: ((سَقَتْنِي حَفْصَةُ
شَرْبَةَ عَسَل)). قُلْتُ: جَرَسَتْ نَحْلُهُ العُزْقُطَ. فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيَّ قُلْتُ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ.
وَدَخَلَ عَلَى صَفِيَّةَ فَقَالَتْ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ. فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى حَقْصَةَ قَالَتْ لَهُ: يَا رَسُولَ
اللهِ، أَلَا أَسْقِيكَ مِنْهُ؟ قَالَ: ((لَا حَاجَةَ لِي بِهِ)). قَالَتْ: تَقُولُ سَوْدَةُ سُبْحَانَ اللهِ لَقَدْ
حَرَمْنَاهُ. قَالَتْ: قُلْتُ لَهَا: أَسْكُتِي. [انظر: ٤٩١٢ - مسلم: ١٤٧٤ - فتح ١٢ / ٣٤٢].
ثم ساق حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلِّ
يُحِبُّ الحَلْوَاءَ والْعَسَلَ، وَكَانَ إِذَا صَلَّى العَصْرَ جَازَ عَلَى نِسَائِهِ ..
(١) كذا في أصل اليونينية، وفي هامشها أنه في نسخ: فقيل.

٨٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
الحديث سلف في النكاح(١) يقال: جاز الوادى جوازًا وأجاز:
قطعه. وقال الأصعمي: جازه: مشى فيه، وأجازه: قطعه وخلفه،
وأجزت عليه، أي: نفذت، وكذلك جزت عليه. وذكره ابن التين
بلفظ جاز، وقال: كذا وقع في (المجمل)) (٢) و((الصحاح)) (٣)، وجزت
الموضع: سلكته وسرت فيه وأجزته: خلفته وقطعته. والحلواء تمد
وتقصر. قال الداودي: يريد التمر وشبهه. قال: وقوله هنا أن التي
سقت العسل حفصة، غلط؛ لأن حفصة هي التي تظاهرت مع عائشة
في هُذِه القصة، وإنما شربه عند صفية بنت حيي، وقيل: عند زينب،
وقد سلف الخلف في ذلك في التفسير وأن الأصح أنها زينب.
والمغافير: جمع مغفور يروى بالياء كما قال الداودي، قال
ابن التين: وروينا: مغافيرًا هنا مصروفًا، وهو جائز ألا يصرف أيضًا
مثل سلاسل وقوارير، وقد سلف تفسير المغافير في الأيمان في باب:
إذا حرم طعامًا (٤). والتفسير(٥)، وما فيه من الغريب في: الطلاق في
باب: ﴿لِمَ تُحُرِّمُ مَا أَحَلَ اَللَّهُ لَكّ﴾(٦).
و(جرست): أكلت، ومنه قيل للجمل جراس. وقال الداودي:
جرست يعني: تغير طعم العسل لشيء يأكله النحل، قال: والعرفط :
موضع، والذي ذكره غيره أنه شجر من العِضاه ينضح المغفور،
(١) سلف برقم (٥٢١٦) باب: دخول الرجل على نسائه في اليوم.
(٢) ((مجمل اللغة)) ٢٠٣/١ مادة (جوز).
(٣) ((الصحاح)) ٣/ ٨٧٠ مادة (جوز).
(٤) سلف برقم (٦٦٩١).
(٥) سلف برقم (٤٩١٢).
(٦) سلف برقم (٥٢٦٢).

٨٩
= كِتَابُ الحِيَلِ
وثمرته بيضاء مدحرجة. قال الجوهري: وبرمة كل العضاه صفراء إلا أن
العرفط فبرمته بيضاء(١).
وقولها: (ألا أسقيك منه) تقرأ بضم الهمزة وفتحها، وجمعها لبيد
في قوله:
سقى قومي بني مجدٍ وأسقي نميرًا والقبائل من هلال
وفي ((الصحاح)): سقيته لِشَفَتِه، وأسقيته لماشيته(٢).
فصل :
فيه جواز اجتماع الرجل مع إحدى نسائه في يوم الأخرى في النهار؛
لأن القسمة التي يقضى بها للنساء على الرجال هو الليل دون النهار،
وأما الجماع فسواء في الليل والنهار فلا يجوز أن يجامع أمرأة في يوم
الأخرى، وأما دخوله بيت من ليس يومها فمباح وجائز له أن يأكل
ويشرب في بيتها في غير يومها ما لم يكن الغداء المعروف أو العشاء
المعروف - كما قاله ابن بطال- وليس لسائر النساء منع الزوج من غير
ما ذكرناه(٣)، ومعنى الترجمة ظاهر في الحديث إلا أنه لم يذكر ما نزل
على رسول الله بَّهِ فهو قوله تعالى: ﴿لِمَ تُحُرِّمُ مَآ أَحَلَّ اَللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]
لما قال: ((شربت عسلاً ولن أعود)) وقيل: إنما حرم جاريته مارية، حلف
أن لا يطأها، وأسر ذلك إلى حفصة فأفشته إلى عائشة ونزل القرآن في
ذلك (٤)
(١) ((الصحاح)) ١٨٧٠/٥ مادة (برم).
(٣) ((شرح ابن بطال)) ٣٢٥/٨.
(٢) السابق ٢٣٧٩/٦.
(٤) رواه الطبراني ١١٧/١٢ (١٢٦٤٠) من حديث ابن عباس، وقال الهيثمي في
((المجمع)) ١٧٨/٥: رواه الطبراني، وفيه إسماعيل بن عمرو البجلي، وهو ضعيف،
وقد وثقه ابن حبان، والضحاك بن مزاحم لم يسمع من ابن عباس، وبقية رجاله ثقات.

٩٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
١٣ - باب مَا يُكْرَهُ مِنَ الاحْتِيَالِ في الفِرَارِ مِنَ الطَّاعُونِ
٦٩٧٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ
عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَّهِ خَرَجَ إِلَى الشَّأْمِ، فَلَمَّا جَاءَ بِسَرْغَ بَلَغَهُ أَنَّ
الوَبَاءَ وَقَعَ بِالشَّأْمِ، فَأَخْبَرَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُّ عَوْفٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ مِ يِّ قَالَ: «إِذَاسَمِعْتُمْ
بِأَرْضِ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضِ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ)).
فَرَجَعَ عُمَرُ مِنْ سَرْغَ. [انظر: ٥٧٢٩ - مسلم: ٢٢١٩ - فتح ١٢ /٣٤٤]
وَعَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ سَالمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ عُمَرَ إِنَّمَا أَنْصَرَفَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمنِ.
٦٩٧٤ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، حَدَّثَنَا شُعَيْبُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنَا عَامِرُ بْنُ سَعْدِ
بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدِ يُحَدِّثُ سَغدًا أَنَّ رَسُولَ اللهِ لَّ ذَكَرَ الوَجَعَ
فَقَالَ: ((رِجْزٌ - أَوْ: عَذَابٌ - عُذِّبَ بِهِ بَعْضُ الأُمَمِ ثُمَّ بَقِيَ مِنْهُ بَقِيَّةٌ، فَيَذْهَبُ
المَرَّةَ وَيَأْتِي الأُخْرِىُ، فَمَنْ سَمِعَ بِهِ بِأَرْضِ فَلَا يَقْدَمَنَّ عَلَيْهِ، وَمَنْ كَانَ بِأَرْضِ
وَقَعَ بِهَا فَلَا يَخْرُجْ فِرَارًا مِنْهُ)). [انظر: ٣٤٧٣ - مسلم: ٢٢١٨ - فتح ١٢ / ٣٤٤].
ذكر فيه حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، أَنَّ عُمَرَ ﴾ خَرَجَ إِلَى
الشَّأُم، فَلَمَّا جَاءَ بِسَرْغَ بَلَغَهُ أَنَّ الوَبَاءَ وَقَعَ بِالشَّأْم . الحديث.
وحديث عامر بن سعد بن أبي وقاص أنه سمع أسامة بن زيد يحدث
سعدًا أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ ذَكَرَ الوَجَعَ فَقَالَ: ((رِجْزٌ - أَوْ: عَذَابٌ - عُذِّبَ بِهِ
بَعْضُ الأُمَمِ ثُمَّ بَقِيَ مِنْهُ بَقِيَّةٌ، فَيَذْهَبُ المَرَّةَ وَيَأْتِي الأُخْرِى، فَمَنْ سَمِعَ بِهِ
بِأَرْضِ فَلَا يَقْدَمَنَّ عَلَيْهِ، وَمَنْ كَانَ بِأَرْضٍ وَقَعَ بِهَا فَلَا يَخْرُجْ فِرَارًا مِنْهُ)).
الشرح :
الوباء يمد ويقصر، وجمع المقصور: أوباء، وجمع الممدود:
أوبئة، والفرار من الطاعون غير جائز ولا يتحيل في الخروج في
تجارة أو زيارة أو شبههما ناويًا بذلك الفرار منه، ويبين هذا المعنى

=
٩١
- كِتَابُ الحِيَلِ
قوله الشّ: ((إنما الأعمال بالنيات))(١) والمعنى في النهي عن الفرار منه
كأنه يفر من قدر الله وقضائه، وهذا لا سبيل إليه لأحد؛ لأن قدره
لا یغلب.
وقد سلف الكلام في معنى هذا الحديث في كتاب: المرضى
والطب، في باب: من خرج من أرض لا تلائمه(٢).
فصل :
فيه قبول خبر الواحد، وقوله: ( ((لا تقدموا عليه))). يريد أن مقامكم
بالموضع الذي لا وباء فيه أسكن لنفوسكم وأطيب لعيشتكم.
وفيه: أنه قد يوجد عند بعض العلماء ما ليس عند أكثر منه في العلم،
قيل: وفيه دليل على صحة قول ابن الطيب: أن الصحابة أجمعوا على
تقدمة خبر الواحد على قياس الأصول، وفساد قول من قدم قياس
الأصول على الخبر؛ لرجوع جميعهم إلى خبر عبد الرحمن.
وروى أبو موسى الأشعري : أنه كان يبعث بنيه إلى الأعراب من
الطاعون، وروي نحوه عن عمرو بن الأشعث، وأبي الأسود بن هلال
ومسروق، وروي أن أبا عبيدة استقبل عمر رضي الله عنهما فقال:
جئت بأصحاب رسول الله وَ لل تدخلهم أرضًا فيها الطاعون الذين هم
أئمة يقتدى بهم؟ قال عمر : يا أبا عبيدة، شككت؟ فقال: أشكًا؟
فقال أبو عبيدة: كأن يعقوب إذ قال لبنيه: ﴿لَا تَدْخُلُواْ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ﴾
[يوسف: ٦٧]. فقال عمر: والله لأدخلنها. فقال أبو عبيدة: والله
لا تدخلها. فرده.
(١) سلف برقم (١).
(٢) سلف برقم (٥٧٢٧)، وحديث الباب سلف في الباب الذي بعده برقم (٥٧٢٨).

٩٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
١٤ - باب في الهِبَةِ وَالشّمْعَةِ
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِنْ وَهَبَ هِبَةً أَلْفَ دِرْهَمْ أَوْ أَكْثَرَ، حَتَّى
مَكَثَ عِنْدَهُ سِنِينَ، وَاحْتَالَ فِي ذَلِكَ ثُمَّ رَجَعَ الوَاهِبُ فِيهَا،
فَلَا زَكَاةَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَخَالَفَ الرَّسُولَ وَلَ فِي الْهِبَةِ
وَأَسْقَطَ الزَّكَاةَ.
٦٩٧٥ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَاِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ
ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َةِ: ((الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبٍ يَعُودُ
فِي قَيْئِهِ، لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ)). [انظر: ٢٥٨٩ - مسلم: ١٦٢٢ - فتح ١٢ /٣٤٥]
٦٩٧٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرْ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: إِنَّمَا جَعَلَ النَّبِيُّ ◌َـَّ الشُّفْعَةَ في
كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتِ الطَّرْقُ فَلَا شُفْعَةً.
وَقَالَ بَغْضُ النَّاسِ: الشُّفْعَةُ لِلْجِوَارِ. ثُمَّ عَمَّدَ إِلَى مَا شَدَّدَهُ فَأَنْطَلَهُ، وَقَالَ: إِنِ
اشْتَرِى دَارًا فَخَافَ أَنْ يَأْخُذَ الَجَارُ بِالشّفْعَةِ، فَاشْتَرِى سَهْمًا مِنْ مِائَةٍ سَهْمِ ثُمَّ أَشْتَرى
البَاقِيّ، وَكَانَ لِلْجَارِ الشُّفْعَةُ فِي السَّهْمِ الأَوَّلِ وَلَا شُفْعَةَ لَهُ فِي بَاقِي الدَّارِ، وَلَهُ أَنْ يَحْتَالَ
فِي ذَلِكَ. [انظر: ٢٢٣١ - مسلم: ١٦٠٨ - فتح ١٢/ ٣٤٥]
٦٩٧٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ، سَمِعْتُ
عَمْرَو بْنَ الشَّرِيدِ قَالَ: جَاءَ الِمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى مَنْكِبِي، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ
إِلَى سَعْدٍ فَقَالَ أَبُو رَافِع لِلْمِسْوَرِ: أَلَا تَأْمُرُ هذا أَنْ يَشْتَرِيَ مِنِّ بَئْتِي الذِي في دَارِي؟
فَقَالَ: لَا أَزِيدُهُ عَلَى أَزْبَعِمِائَةٍ إِمَّا مُقَطَّعَةٍ وَإِمَّا مُنَجَّمَةٍ. قَالَ: أُعْطِيتُ خَمْسَمِائَةٍ نَقْدًا
فَمَنَعْتُهُ، وَلَوْلَا أَنِي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌ِ﴿ يَقُولُ: ((الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ)). مَا بِعْتُكَهُ - أَوْ
قَالَ: مَا أَعْطَيْتُكَهُ- قُلْتُ لِسُفْيَانَ: إِنَّ مَغْمَرًا لَمْ يَقُلْ هَكَذَا. قَالَ: لَكِنَّهُ قَالَ لِي هَكَذَا.
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِذَا أَرَادَ أَنْ يَبِيعَ الشُّفْعَةَ فَلَهُ أَنْ يَحْتَالَ حَتَّى يُبْطِلَ الشُّفْعَةَ، فَيَهَبُ

٩٣
كِتَابُ الحِيَلِ
البَائِعُ لِلْمُشْتَرِي الدَّارَ وَيَخُذُّهَا وَيَدْفَعُهَا إِلَيْهِ، وَيُعَوِّضُهُ المُشْتَرِي أَلَّفَ دِرْهَمْ، فَلَا يَكُونُ
لِلشَّفِيعِ فِيهَا شُفْعَةٌ. [انظر: ٢٢٥٨ -فتح ١٢ /٣٤٥]
٦٩٧٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ
عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ أَنَّ سَعْدًا سَاوَمَهُ بَيْتًا بِأَزْبَعِمِائَةٍ مِثْقَالٍ فَقَالَ: لَوْلَا أَّ
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَِّ يَقُولُ: ((الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ)). لَمَا أَعْطَيْتُكَ. وَقَالَ بَغْضُ
النَّاسِ: إِن أَشْتَرَى نَصِيبَ دَارٍ فَأَرَادَ أَنْ يُبْطِلَ الشُّفْعَةَ وَهَبَ لائِنِهِ الصَّغِيرِ، وَلَا يَكُونُ
عَلَيْهِ يَمِينٌ. [انظر: ٢٢٥٨ -فتح ١٢ / ٣٤٥]
ثم ساق حديث ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: ((الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ
يَعُودُ فِي قَيْتِهِ، لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ)).
وحديث جَابِرِ عُ: إِنَّمَا جَعَلَ النَّبِيُّ وَ الشُّفْعَةَ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ،
فَإِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ وَصُرِّفَتِ الْظُرُقُ فَلَا شُفْعَةً.
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: الشُّفْعَةُ لِلْجِوَارِ. ثُمَّ عَمَدَ إِلَى مَا شَدَّدَهُ فَأَبْطَلَهُ،
وَقَالَ: إِنِ اشْتَرِى دَارًا فَخَافَ أن يأخذها جاره بِالشُّفْعَةِ، فَاشْتَرِئْ سَهْمًا
مِنْ مِائَةِ سَهْم ثُمَّ أُشْتَرى البَاقِيَ، كَانَ لِلْجَارِ الشُّفْعَةُ فِي السَّهْمِ الأَوَّلِ وَلَا
شُفْعَةَ لَهُ فِي بَاقِي الدَّارِ، وَلَهُ أَنْ يَحْتَالَ فِي ذَلِكَ.
ثم ساق حديث عمرو بن الشريد عن أبي رافع السالف في الشفعة،
وفيه: ((الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ)).
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إذا أراد أن يبيع الشفعة فله أن يحتال حتى يبطل
الشفعة، فيهب البائع للمشتري الدار ويحدها ويدفعها إليه ويعوضه
المشتري ألف درهم، فلا يكون للشفيع فيها شفعة.
ثم ساق حديث عمرو بن الشريد أيضًا. وقال بعض الناس: من
أَشْتَرىْ نَصِيبَ دَارٍ فَأَرَادَ أَنْ يُبْطِلَ السُّفْعَةَ وَهَبَ لإِبْنِهِ الصَّغِيرِ، وَلَا
يَكُونُ عَلَيْهِ یَمِينٌ .

٩٤
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
١٥ - باب احْتِيَالِ العَامِلِ لِيُهْدی لَهُ
٦٩٧٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
أَبِي ◌ُمَيْدِ السَّاعِدِيِّ قَالَ: أَسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللهِ وَِّ رَجُلًا عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْم
يُدْعَى: ابن اللَّتَبِيَّةِ، فَلَمَّا جَاءَ حَاسَبَهُ قَالَ: هذا مَالُكُمْ، وهذا هَدِيَّةٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ
وَ: ((فَهَلَّا جَلَسْتَ فِي بَيْتِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ حَتَّى تَأْتِيَكَ هَدِيَّتُكَ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا؟!)).
ثُمَّ خَطَبَنَا فَحَمِدَ اللهَ وَأَقْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: ((أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَسْتَعْمِلُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ
عَلَى العَمَلِ مِمَّا وَلَّانِي اللهُ، فَيَأْتِي فَيَقُولُ هذا مَالُكُمْ، وهذا هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي.
أَفَلَا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ حَتَّى تَأْتِيَهُ هَدِيَّتُهُ؟! والله لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا
بِغَيْرِ حَقِّهِ إِلَّا لَقِيَ اللهَ يَحْمِلُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَلأَعْرِفَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَقِيَ اللهَ يَحْمِلُ
بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ)). ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ حَتَّى رُئِّيَ بَيَاضُ
إِنْطِهِ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟)). بَصْرَ عَيْنِي وَسَمْعَ أَذُنِي. [انظر: ٩٢٥ - مسلم: ١٨٣٢-
فتح ١٢/ ٣٤٨]
٦٩٨٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ
الشَّرِيدِ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌ِلَ: ((الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ)).
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِنِ أَشْتَرىُ دَارَا بِعِشْرِينَ أَلَّفَ دِرْهَمْ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَحْتَالَ حَتَّى
يَشْتَرِيَ الدَّارَ بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَم، وَيَنْقُدَهُ تِسْعَةَ آلَافِ دِرْهَمْ وَتِسْعَمِائَةَ دِرْهَم وَتِشْعَةً
وَتِسْعِينَ، وَيَنْقُدَهُ دِينَارَا بِمَا بَقِيَ مِنَ العِشْرِينَ الأَلْفَ، فَإِنْ طَلَبَ الشَّفِيعُ أَخَذَهَا بِعِشْرِينَ
أَلْفَ دِرْهَم، وَإِلَّ فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى الدَّارِ، فَإِنِ أَسْتُحِقَّتِ الدَّارُ، رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى
البَائِعِ بِمَا دَفَعَ إِلَيْهِ، وَهُوَ تِسْعَةُ آلَافِ دِرْهَم وَتِسْعُمِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ دِرْهَمًا وَدِينَارٌ؛
لأَنَّ البَيْعَ حِينَ اسْتُحِقَّ أَنْتَقَضَ الصَّزْفُ فِي الدِّينَارِ، فَإِنْ وَجَدَ بهذِهِ الدَّارِ عَيْبًا وَلَمْ
تُسْتَحَقَّ، فَإِنَّهُ يَرُدُّهَا عَلَيْهِ بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَم. قَالَ: فَأَجَازَ هذا الخِدَاعَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ،
وَقَالَ النَّبِيُّ بِّهِ: ((لَ دَاءَ وَلَا خِبْئَةَ وَلَا غَائِلَةَ)). [انظر: ٢٢٥٨ -فتح ١٢ / ٣٤٨]

٩٥
ـ كِتَابُ الحِيَلِ
٦٩٨١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ
مَيْسَرَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ، أَنَّ أَبَا رَافِعٍ سَاوَمَ سَعْدَ بْنَ مَالِكِ بَيْتًا بِأَزْبَعِمِائَةِ مِثْقَالٍ،
وَقَالَ: لَوْلَا أَّ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َّهَ يَقُولُ: ((الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ)). مَا أَعْطَيْتُكَ. [انظر:
٢٢٥٨ -فتح ٣٤٩/١٢]
ثم ساق حديث أبي حميد الساعدي في قصة ابن اللتبية الآتي قريبًا
في: الأحكام(١)، وحديث عمرو بن الشريد السالف مختصرًا، عن أبي
رافع: ((الجار أحق بصقبه)).
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: من أَشْتَرَى دَارًا بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمْ فَلَا بَأْسَ أَنْ
يَحْتَالَ حَتَّى يَشْتَرِيَ الدَّارَ بِعِشْرِينَ ألفًا، وَيَنْقُدَهُ تِسْعَةَ آلَافِ دِرَّهَم وَتِسْعَمِائَةَ
دِرْهَم وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، وَيَنْقُدَهُ دِينَارًا بِمَا بَقِيَ مِنَ العِشْرِينَ ألفا، فَإِنْ طَلَبَ
الشَّفِيَّعُ أَخَذَهَا بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَم، وَإِلَّا فَلَا سَبِيلَ لَّهُ عَلَى الدَّارِ، فَإِنٍ
اُسْتُحِقَّتِ الدَّارُ، رَجَعَ المُشْتَرِي عَلَى البَائِعِ بِمَا دَفَعَ إِلَيْهِ، وَهْوَ تِسْعَةُ
آلَافِ دِرْهَم وَتِسْعُمِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ دِرْهَمَّا وَدِينَارٌ؛ لأَنَّ البَيْعَ حِينَ
أَسْتُحِقَّ أَنْتَّقَضَ الصَّرْفُ فِي الدِّينَارِ، فَإِنْ وَجَدَ بهذِهِ الدَّارِ عَيْبًا وَلَمْ
تُسْتَحَقَّ، فَإِنَّهُ يَرُدُّهَا عَلَيْهِ بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَم. فَأَجَازَ هذا الخِدَاعَ بَيْنَ
المُسْلِمِينَ، وَقَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((بيع المسلم لَاَ دَاءَ وَلَا خِبْئَةَ وَلَا غَائِلَةَ)).
ثم ساق حديث عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ، أَنَّ أَبَا رَافِعِ سَاوَمَ سَعْدَ بْنَ مَالِكٍ
بَيْتًا بِأَرْبَعِمِائَةِ مِثْقَالٍ، وَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ نَّهَ يَقُولُ: ((الْجَارُ
أَحَقُّ بِصَقَبِهِ)). مَا أَعْطَيْتُكَ.
الشرح :
إذا وهب الواهب هبة وقبضها الموهوب له وحازها فهو مالك لها
(١) سيأتي قريبًا برقم (٧١٧٤) باب: هدايا العمال.

٩٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
عند الجميع، والزكاة له لازمة، ولا سبيل له إلى الرجوع فيها إلا أن
تكون على ابن، وهُذِه حيلة لا يمكن أن يخالف فيه نص الحديث؛
لأن الزكاة تلزم الابن في كل حول ما لم يغتصبه منه، وإن كان صغيرًا
عند الحجازيين لأنه مالك، فإذا اغتصبها بعد حلول الحول عليها عند
الموهوب له، وجبت الزكاة عن الموهوب له، ثم يستأنف الراجع فيها
حولًا من يوم رجوعه، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء، ولا معنى
للاشتغال بما خالفه.
قال المهلب: والاحتيال في هذا خارج عن معنى الشريعة، ومن
أراد أن يحتال على الشريعة حتى يسقطها، فلا يسمى محتالًا،
وإنما هو معاند لحدود الله ومنتهك لها، فإذا كانت الهبة لغير الآبن
دخل الراجع فيها تحت الحديث: ((العائد في هبته كالكلب يعود في
قيئه)) ولا أعلم لحيلته وجهًا إلا إن كان يريد أن يهبها ويحتال في
حبسها عنده دون تحويز، فلا تتم حيلته في هذا إن وهبها لأجنبي؛
لأن الحيازة عنده شرط في صحة الهبة، فإن ثبتت عنده كانت على
ملكه، ووجبت عليه زكاتها(١).
وقدمنا وجه قوله: أن مذهبه الرجوع فيما وهبه لأجنبي، فلا يرجع
فيما وهبه لابنه. وقد سلف في بابه حديث النعمان وغيره في ذلك(٢).
فصل :
من له على رجل ذهبٌ حال عليه الحول، فوهبها له، فلا زكاة على
الواهب، فإن لم يكن عند الموهوب له غيرها فلا زكاة عليه عند
(١) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٣٢٨/٨.
(٢) سلف برقم (٢٥٨٦) كتاب الهبة، باب: الهبة للولد.

٩٧
= كِتَابُ الحِيَلِ
ابن القاسم، وقال غيره: يزكي، فإن وهبها لغير من هي عليه، فقال
ابن القاسم: لا يزكيها كالواهب. وقال محمد: يزكي منها زكاته
ووهب ما بعد الزكاة. وقال أشهب: لا زكاة على واحد منهما(١).
فصل :
وأما مسألة الشفعة فالذي أحتال أبو حنيفة فيها له وجه من الفقه،
وذلك أن من يريد شراء الدار خاف شفعة الجار، فسأل أبا حنيفة:
هل من حيلة في إسقاطها؟
فقال: لو باع صاحب الدار منك جزءًا من مائة مشاعًا، ثم اشتريت
منه بعد حين باقي الدار سقطت شفعة الجار. يريد أن الشريك في المشاع
أحق بالشفعة من الجار (٢)، وهذا إجماع من العلماء فلما اشترى أولًا
الجزء اليسير صار شريكًا لصاحب الدار، إذ لم يرض الجار أن يشفع
في ذلك الجزء اللطيف لقلة أنتفاعه به، فلما عقد الصفقة في باقيها
كان الجار لا شفعة له عليه؛ لأنه لو ملك ذلك الجزء اللطيف غيره
لمنع الجار به من الشفعة، (فكذلك يمنعه هو إذا أشترى باقيها من
الشفعة)(٣)، وهذا ليس فيه شيء من خلاف السنة، وإنما أراد البخاري أن
يلزم أبا حنيفة التناقض؛ لأنه يوجب الشفعة للجار، ويأخذ في ذلك
بحديث: ((الجار أحق بصقبه)). فمن أعتقد مثل هذا وثبت ذلك عنده
من قضائه الثّ، وتحيل بمثل هذه الحيلة في إبطال شفعة الجار فقد
أبطل السنة التي يعتقدها .
(١) أنظر: ((المنتقى)) ١١٨/٢.
(٢) ((الهداية)) ٣٦٦/٤.
(٣) من (ص١).

٩٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
فصل :
في حديث جابر ظه: ((إذا وقعت الحدود فلا شفعة)) (١) ما يبطل قول
من أجاز الشفعة للجار؛ لأن الجار قد حدد ماله من مال جاره،
ولا اشتراك له معه، وهذا ضد قول من قال: الشفعة للجار، وقوله :
((الشفعة فيما لم يقسم)(٢) تنفي الشفعة في كل مقسوم.
وحديث عمرو بن الشريد حجة في أن الجار المذكور في الحديث
هو الشريك، وعلى ذلك حمله أبو رافع، وهو أعلم بمخرج الحديث،
ومذهب مالك: أنه إذا كان لرجل بيت في دار (فباعه)(٣) فلا شفعة
لصاحب الدار (٤).
وقال الداودي: إنما أراد حق الدار ليس الشفعة الواجبة؛ لقول الله
تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَى﴾ [النساء: ٣٦].
فصل :
والصقب -بالتحريك- بالصاد والسين (٥)، وقوله: (إما مقطعة
وإما منجمة). وهما واحد أي: يؤدى نجومًا نجومًا.
فصل :
وأما قول أبي حنيفة: إذا أراد أن يبيع الشفعة فيهب البائع للمشتري
.. إلى آخره وهُذِه حيلة في إبطال الشفعة -كما قال ابن بطال (٦) ..
(١) سلف برقم (٢٢١٤) كتاب: البيوع، باب: بيع الأرض والدور.
(٢) المصدر السابق.
(٣) من (ص١).
(٤) ((المدونة)) ٤/ ٢٣٢.
(٥) ورد بهامش الأصل: لعله سقط: القرب.
(٦) ((شرح ابن بطال)) ٣٢٩/٨.

٩٩
= كِتَابُ الحِيَلِ
لا يجيزها أحد من أهل العلم وهي منتقضة على أصل أبي حنيفة؛ لأن
الهبة إن أنعقدت للثواب فهي بيع من البيوع عند الكوفيين، ومالك
وغيره، ففيها الشفعة، وإن كانت هبة مقبولة بغير شرط ثواب فلا شفعة
فيها بإجماع، ومن عقد عقدًا ظاهرًا سالمًا في باطنه والقصد فيه فساد
فلا يحل عند أحد من العلماء.
وذكر ابن عبد الحكم عن مالك أنه أختلف قوله في الشفعة في الهبة
فأجازها مرة ثم قال: لا شفعة فيها، والذي في ((المدونة)): لا شفعة
فيها(١).
فصل :
قال المهلب: وإنما ذكر البخاري في هذه المسألة حديث أبي رافع؛
ليعرفك إنما جعله رسول الله وقل حقا للشفيع بقوله القفيه: ((الجار أحق
بصقبه)) فلا يحل إبطاله ولا إدخال حيلة عليه.
فصل :
وأما المسألة التي في آخر الباب: إن اشترى نصيب دار فأراد أن
يبطل الشفعة، وهب لابنه الصغير ولا يكون عليه يمين، فشأنها أن
يكون البائع شريكًا مع غيره في دار، فيقوم آخر فيشتري منها نصيبًا
یھبه لا بنه ولا یمین علیه.
وإنما قال ذلك؛ لأن من وهب لابنه هبة فقد فعل ما يباح له فعله،
والأحكام على الظاهر لا على التوهم، وادعاء الغيب على الثبات،
وذكر ابن الموّاز عن مالك: إن كانت للثواب ففيه الشفعة، يعني لأنها
بيع من البيوع، ويحلف المتصدق عليه إن كان ممن يتهم.
(١) ((المدونة)) ٢٢٨/٤، وانظر ((النوادر والزيادات)) ١٧٤/١١.

١٠٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وروى ابن نافع عن مالك في ((المجموعة)): ينظر فإن رأى أنه محتاج
ذهب لاعتبار اليمين على الموهوب له، وإن كان صغيرًا فعلى أبيه الذي
قيل له ذلك، وإن كان مستغنيًا عن ثوابهم، وإنما وهب للقرابة والصداقة
فلا يمين في ذلك(١). وقال الداودي: إن عَلِم أنما فعل في هبة ابنه
الصغير لقطع الشفعة ففيه الشفعة وإذا خفي الأمر حلف.
فصل :
قال ابن بطال هنا: باب فيه أبو رافع ((الجار أحق بصقبه)) ثم ذكر
مثال ما إذا أشترى دارًا بعشرين ألف درهم .. إلى آخره، ثم ذكر
الحديث الأخير.
وقال: يمكن أن يبيع الشقص من صديق له يحب نفعه بعشرة آلاف
درهم ودينار، ويكتب له في وثيقة الشراء عشرين ألف درهم وهو يعلم أن
الشريك لابد له أن يقوم على المشتري بالشفعة، فإذا وجد في وثيقته
عشرين ألفًا أخذه بذلك، فهو قصد إلى الخداع.
وقوله: (لينقده دينارًا بالعشرة آلاف درهم) إنما قال ذلك؛ لأنه يجوز
عند الأئمة بيع الذهب بالفضة متفاضلًا كيف شاء، فلما جاز هذا بإجماع
بنى عليه أصله في الصرف فأجازه عشرة دراهم ودينار بأحد عشر درهمًا،
جعل العشرة بالعشرة والدينار بدل الدرهم.
وكذلك جعل في المسألة الدينار بعشرة آلاف درهم، وأوجب على
الشفيع أن يؤدي ما أنعقدت له به (الشفعة)(٢) دون ما نقد فيها المشتري
كأنه قال: من حق المشتري أن يقول: إنما أخذ منك أيها الشفيع ما ابتعت
(١) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ١١/ ١٧٤ - ١٧٦.
(٢) في (ص١): الصفقة.