النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
كِتَابُ الإِكْرَاهِ
يقولون: إذا خالف الراوي روايته دل على سقوط روايته؛ لأن الاعتبار
عندهم برأيه لا بروايته، وهنا رأينا عبد الرزاق قد روى عن ابن المبارك،
عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير عن ابن عباس رضي الله عنهما لم
ير طلاق المكره(١).
قال: واحتجوا بالآثار التي فيها: ((ثلاث جدهن جد وهزلهن جد))(٢)
(وهي)(٣) كلها واهية لا تصح، واعترضوا على ما روينا من طريق
الربيع بن سليمان المؤذن، عن بشر بن بكر، عن الأوزاعي، عن
عطاء، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال رسول الله وَ ﴾ ((عفي لأمتي
عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه))(٤)، فإن قالوا: سأل عبد الله بن
أحمد أباه عن هذا الحديث فقال: إنما رواه شيخ عن الوليد بن مسلم،
عن الأوزاعي ومالك، قال مالك، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله
عنهما، وقال الأوزاعي: عن عطاء، عن ابن عباس كلاهما قال عن
رسول الله ﴾. فقال أحمد: وهذا كذب باطل ليس يروى إلا عن
الحسن عن رسول الله وَلِ﴾ (٥).
قال ابن حزم: فاعجبوا للعجب؛ إنما کذَّب أحمد من رواه من طريق
مالك عن نافع، عن ابن عمر، ومن طريق الوليد عن الأوزاعي، عن
عطاء، عن ابن عباس، وصدق أحمد في ذلك وهذا لم يأت قط من
طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمر ولا من طريق الوليد المذكورة،
(١) ((مصنف عبد الرزاق)) ٦/ ٤٠٧.
(٢) تقدم تخريجه وتحسينه.
(٣) من (ص١).
(٤) تقدم تخريجه.
(٥) ((العلل ومعرفة الرجال)) ٥٦١/١.

٢٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
إنما جاء من طريق بشر كما سلف، ومن بدل الأسانيد فقد أخطأ أو كذب
إن تعمد ذلك -وقد أسلفنا في الطلاق مناقشة ابن حزم في ذلك-
ثم العجب كله منهم في هذا وأنه مرسل وهم يحتجون في هذِه
المسألة نفسها بما نزل في هذا عن المرسل، ثم قالوا: كيف يرفع عن
الناس ما استكرهوا عليه وقد وقع منهم، وهذا اعتراض على صاحب
الشرع(١).
فرع:
قال: ومن أكره على سجود لصنم أو صليب فليسجد لله مبادرًا إلى
ذلك ولا يبالي في أي جهة كان ذلك الصنم أو الصليب، قال تعالى:
﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُواْ فَثَّمَّ وَجْهُ اَللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] ولا فرق بين إكراه السلطان
أو اللصوص أو غيرهما، وقد سلف ما فيه (٢).
فرع :
قال أيضًا: وقال الحنفيون: الإكراه بضرب سوط أو سوطين أو حبس
يوم أو يومين ليس إكراهًا، قال: وقد روينا عكس مقالتهم من طريق
شعبة، ثنا أبو حيان التيمي، عن أبيه قال: قال لي الحارث بن سويد:
سمعت ابن مسعود يقول: ما من ذي سلطان يريد أن يكلفني كلامًا
يدرأ عني سوطًا أو سوطين إلا كنت متكلمًا به(٣).
قال ابن حزم: ولا يعرف لعبد الله من الصحابة مخالف، قال:
واحتجوا في إلزام النذر واليمين بالكره بحديث فاسد من طريق حذيفة
أن المشركين أخذوه وهو يريد رسول الله وَله ببدر فأحلفوه ألا يأتي
(١) «المحلى)) ٣٣٤/٨.
(٢) (المحلى)) ٨/ ٣٣٥.
(٣) ((المحلى)) ٣٣٦/٨.

٢٣
كِتَابُ الإِكْرَاهِ
=
محمدًا فحلف، فلما أخبر رسول الله وَ لو قال: ((نفي لهم بعهدهم
ونستعين الله عليهم)) قال: وهذا حديث مكذوب وما كان المشركون
المانعون عن رسول الله قط في طريق بدر، وحذيفة لم يكن من أهل
مكة إنما هو من أهل المدينة حليف للأنصار، ونص القرآن يخبر
بأنهم لم يجتمعوا ببدر عن موعد ولا علم بعضهم ببعض حتى قرب
العسكر، ولم يكن بينهم إلا كثيب رمل فقط. ومثلهم أحتج بمثله،
حاش لله أن يأمر رسول الله بإنفاذ عهد بمعصيته(١).
قلت: عجيب منه، فما أنكره ثابت في ((صحيح مسلم)) من حديث
أبي الطفيل عنه بالإسناد الصحيح(٢)، وقال البزار: إنه قد روي من
غير وجه عن حذيفة ولا نعلمه روي عن أبي الطفيل عن حذيفة
إلا بهذا الإسناد (٣). وأخرجه ابن سعد في ((طبقاته)) من حديث أبي
إسحاق، أراه عن مصعب بن سعد قال: أخذ حذيفةً وأباه المشركون
قبل بدر فأرادوا أن يقتلوهما فأخذوا عليهما عهد الله أن: لا تعينا
علينا، فحلفنا لهم .. الحديث. ومن حديث أبي إسحاق أيضًا عن
رجل، عن حذيفة به.
وهذا الرجل هو صلة بن زفر كما بينه البزار(٤)، ورواية ابن سعد.
ولا مانع من الذي قد يسافر لحاجة تعرَّض لها، وفي رواية ابن سعد:
فمرا بهم وهم بالقرب من بدر فأحلفاهما.
(١) ((المحلى)) ٣٣٦/٨.
(٢) ((صحيح مسلم)) (١٧٨٧ /٩٨).
(٣) ((مسند البزار)) ٢٢٨/٧ بعد روايته الحديث.
(٤) ((مسند البزار)) ٣٣٢/٧ رواية رقم (٢٩٣٠).

٢٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وبَيَّن الشارع لوفاء عهدهما عدم الحاجة إلى ذلك، فإن الله ناصره،
ثم إن حذيفة لا شك في كونه مهاجرًا، وقد روى البزار (بإسناده)(١) عنه
قال: خيرني رسول الله بين الهجرة والنصرة فاخترت الهجرة، ثم قال:
هُذا الحديث لا نعلم رواه إلا حذيفة عن رسول الله وَله ولا نحفظه إلا من
حديث مسلم بن إبراهيم، عن حماد بن سلمة، عن علي، عن سعيد بن
المسيب عنه(٢).
وقال ابن عبد البر: هاجر إلى رسول الله وَّله فخيره بين الهجرة
والنصرة (٣)، وبنحوه ذكره ابن حبان(٤) وابن منده وأبو نعيم(٥) ( ... ) (٦)،
والهجرة لا تكون من المدينة.
فصل :
قوله في الحديث: (كان يدعو في الصلاة)، أي: في القنوت.
وعياش بن أبي ربيعة من بني مخزوم، وسلمة بن هشام أخو أبي
جهل، والوليد بن الوليد ابن عم أبي جهل، وهذا كان سبب القنوت.
والوطأة: الأخذة، وقال الداودي: هي الأرض.
(١) من (ص١).
(٢) ((مسند البزار)) ٣٣٧/٧ (٢٩٣٦).
(٣) ((الاستيعاب)) ٣٩٤/١.
(٤) ((الثقات)) ٣/ ٨٠.
(٥) ((معرفة الصحابة)) ٦٨٦/٢.
(٦) في الأصل: (في آخر). ولا يُدرى وجهها.

٢٥
=
كِتَابُ الإِكْرَاهِ
-
١ - باب مَنِ اخْتَارَ القَتْلَ وَالضَّرْبَ وَالْهَوَانَ عَلَى الكُفْرِ
٦٩٤١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَوْشَبِ الطَّائِفِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ،
حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: «ثَلَاثُ مَنْ كُنَّ
فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ
يُحِبَّ المَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لله، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ
فِي النَّارِ)). [انظر: ١٦ - مسلم: ٤٣- فتح ١٢ /٣١٥]
٦٩٤٢ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا عَبَّادٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، سَمِعْتُ قَيْسًا،
سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَإِنَّ عُمَرَ مُوثِقِي عَلَى الإِسْلَامِ، وَلَوِ أَنْقَضَّ
أُحُدٌّ مِمَّا فَعَلْتُمْ بِعُثْمَانَ كَانَ مَحْقُوقًا أَنْ يَنْقَضَّ. [انظر: ٣٨٦٢ -فتح ١٢ / ٣١٥].
٦٩٤٣ - حَذَّثَنَا مُسَدَّدُ، حَدَّثَنَا يَخْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا قَيْسٌ، عَنْ خَبَّابِ
ابْنِ الأَرَتِّ قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ وََّ وَهْوَ مُتَوَسِّدٌ بُزْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الكَعْبَةِ فَقُلْنَا:
أَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ أَلَا تَدْعُو لَنَا؟. فَقَالَ: ((قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ
فِي الأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهَا، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ،
وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ، فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ. والله
لَيَتِمَّنَّ هذا الأَمْرُ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ
إِلَّا اللّهَ وَالذِّتْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ)). [انظر: ٣٦١٢ -فتح ١٢ /٣١٥].
ذكر فيه حديث أَنَسِ : (ثَلَاثُ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ .. )).
الحديث سلف في الإيمان.
وحديث إِسْمَاعِيلَ: سَمِعْتُ قَيْسًا، قال: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ ﴾:
لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَإِنَّ عُمَرَ مُوثِقِي عَلَى الإِسْلَامِ، وَلَوِ أَنْقَضَّ أُحُدٌ مِمَّا فَعَلْتُمْ
بِعُثْمَانَ كَانَ مَحْقُوقًا أَنْ يَنْقَضَّ. وحديث خباب بن الأرت ﴾ السالف
بطوله في باب: علامات النبوة.

٢٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقام الإجماع أن من أكره على الكفر فاختار القتل أنه أعظم أجرًا
عند الله ممن أختار الرخصة.
واختلفوا فيمن أكره على (غير)(١) الفعل من فعل ما لا يحل له،
فقال أصحاب مالك: الأخذ بالشدة في ذلك واختيار القتل والضرب
أفضل عند الله من الأخذ بالرخصة، ذكره ابن حبيب وسحنون، وذكره
ابن سحنون عن أهل العراق: أنه إذا تُهدد بقتل أو بقطع أو بضرب
يخاف منه التلف حتى يشرب الخمر أو يأكل الخنزير فذلك له، فإن
لم يفعل حتى قتل خفنا أن يكون آئمًا، وهو كالمضطر إلى أكل الميتة
أو شرب الخمر غَيْرَ بَاغْ وَلا عَادٍ فإن خاف على نفسه الموت فلم
يأكل ولم يشرب أثم(٢).
وقال مسروق: من أضطر إلى شيء مما حرمه الله عليه، فلم يأكل
ولم يشرب حتى مات دخل النار(٣). قالوا: ولا يشبه هذا الكفر وقتل
المسلم؛ لأن هذا فيه رخصة، وتركه أفضل، ولم يجعل في الضرورة
حلالًا .
قال سحنون: إذا لم يشرب الخمر ولا أكل الخنزير حتى قتل كان
أعظم لأجره كالكفر (٤)؛ لأن الله أباح له الكفر بضرورة الإكراه،
وأباح له الميتة والدم بضرورة الحاجة إليهما، وأجمعنا أن له ترك
الرخصة في قول الكفر فكذلك يلزم مخالفنا أن يقول في ترك الرخصة
في الميتة ولحم الخنزير، ولا يكون معينًا على نفسه، وقد تناقض
(١) في هامش الأصل: لعله بحذف غير.
(٢) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٢٧٤/١٠.
(٣) رواه عبد الرزاق ٤١٣/١٠.
(٤) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٢٤٨/١٠.

٢٧
كِتَابُ الإِكْرَاهِ
=
الكوفيون في هذا فقالوا كقولنا في المكره بوعيد بقطع عضو، أو قتل،
على أن يأخذ مال فلان فيدفعه إلى فلان: أنه في سعة من ذلك؛ لأنه
كالمضطر، ويضمن الآمر ولا ضمان على المأمور، وإن أبى أن يأخذ
حتى قتله كان عندنا في سعة، فيقال لهم: هذا مال مسلم قد
أحللتموه بالإكراه حتى يقتل.
واختلف أصحابنا في وجوب التلفظ على وجهين أصحهما :
لا یجب، والثبات أفضل.
قال ابن بطال: وحديث خباب حجة لأصحاب مالك؛ لوصفه التقني
عن الأمم السالفة من كان يمشط لحمه بأمشاط الحديد وينشر بالمناشير
بالشدة في دينه والصبر على المكروه في ذات الله ولم يكفروا في الظاهر
ويبطنوا الإيمان ليدفعوا العذاب عنهم، فمدحهم القَيّها بذلك، وكذا
حديث أنس # سوى فيه الشارع بين كراهة المؤمن الكفر وكراهيته
لدخول النار، وإذا كان هذا حقيقة الإيمان فلا محالة أن الضرب
والهوان والقتل عند المؤمن أسهل من دخوله النار، فينبغي أن يكون
أسهل من الكفر إن أختار الأخذ بالشدة على نفسه(١).
وأما ابن التين فقال: هكذا ذكر بعضهم وما ظهر لي فيه حجة؛ لأن
العلماء متفقون على اختيار القتل في الكفر، وإنما يكون هذا حجة على
من يقول: إن أختار الكفر أو الارتداد في حديث أنس ، وأن يكره أن
يعود في الكفر.
وقال في حديث خباب: ((فما يصده ذلك عن دينه)) والكفر قد اتفقوا
على اجتناب القتل فيه فيكون حجة، وتبويب البخاري يُشعر بهذا؛ لقوله
(١) ((شرح ابن بطال)) ٢٩٦/٨.

٢٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
على الكفر، وقال قبل ذلك أحاديث الباب الثلاثة حجة لأصحاب مالك
فيما ذكره.
فصل :
وقد أعترض هذا قوم بقوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ
ج
بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] ولا حجة لهم فيه في الآية؛ لقوله تعالى ﴿وَمَنْ
يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا﴾ [النساء: ٣٠]، وهما محرمان، وليس من أهلك
نفسه في الطاعة بعادٍ ولا ظالم، ولو كان كما قالوا لما جاز لأحد أن
يتقحم المهالك في الجهاد، وقد افترض على كل مسلم مقارعة
رجلين من الكفار ومبارزتهما، وهذا من أبين الهلكات والضرر ومن
فر من أثنين فقد أكبر المعصية وتعرض لغضب الله.
فصل :
وقول خباب ه لرسول الله وَله: ألا تدعو الله أن يكفينا؟ يعني:
عدوان الكفار عليهم بمكة قبل هجرتهم وصبرهم (وإبقائهم) (١) بالحديد.
وفيه من الفقه: أنه العَيْه لم يترك الدعاء في ذلك على أن الله قد
أمرهم بالدعاء أمرًا عامًّا بقوله: ﴿أَدْعُونِيِّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]
وبقوله: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ﴾ [الأنعام: ٤٣] (إلا)(٢) لأنه
الكفيل علم من الله تعالى أنه قد سبق في قدره وعلمه أنه يجري عليهم
ما جرى من البلوى والمحن؛ ليؤجروا عليها على ما سلفت عادته تعالى
في سائر أتباع الأنبياء من الصبر والشدة في ذات الله ثم يعقبهم (بالصبر)(٣)
(١) كذا صورتها بالأصل، وفي ((شرح ابن بطال)) ٢٩٦/٨: (وإيثاقهم).
(٢) من (ص١).
(٣) كذا بالأصل، وفي ((شرح ابن بطال)) ٢٩٧/٨: (بالنصر)، وهو أوجه.

٢٩
كِتَابُ الإِكْرَاهِ
=
والتأييد والظفر وجزيل الأجر، وأما غير الأنبياء فواجب عليهم الدعاء عند
كل نازلة تنزل بهم؛ لأنهم لا يعلمون الغيب فيها، والدعاء من أفضل العبادة
ولا يخلو الداعي من إحدى الثلاث التي وعد الشارع بها(١).
وفيه: علامات النبوة، وذلك خروج ما قال الفئة من تمام الدين
وانتشار الأمر وإنجاز الوعد من ذلك.
فصل :
وقول سعيد: (وإن عمر موثقي على الإسلام) كان ذلك قبل أن يسلم
أربعة، وكان سعيد ابن عمه وزوج أخته، وحكاية عمر في دخوله عليهم
وسماعه القراءة وشج سعيد واغتساله، وإسلامه مشهور (٢).
وقوله في حديث خباب : (وهو متوسد ببردة). قال الداودي: هي
المئزر، وإنما كان الرداء. وقال الجوهري: إنها كساء أسود مربع فيه
صور تلبسه الأعراب، والجمع: برد (٣)، والبُرُد جمع بُرْد بغير هاء
على وزن فُعْل، وجمعه برود، وأبراد، والمئشار مهموز من أشرت
الخشبة، (قاله الجوهري)(٤)، ووشرت بالمنشار غير مهموز لغة من
أشرت.
(١) يشير المصنف - رحمه الله- إلى ما رواه الترمذي (٣٦٠٤) كتاب: الدعوات، باب:
في الاستعاذة، عن أبي هريرة مرفوعًا: ((ما من رجل يدعو الله بدعاء إلا استجيب له، فإما
أن يعجل له في الدنيا، وإما أن يدخر له في الآخرة، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه)) ..
الحديث. وأصله سلف برقم (٦٣٤٠)، ورواه مسلم (٢٧٣٥).
(٢) رواها ابن هشام في ((سيرته)) ٣٦٥/١-٣٦٨، وعبد الله بن أحمد في ((فضائل
الصحابة)) ٣٤٧/١-٣٤٨ (٣٧٤). وذكرها ابن حبان في ((سيرته)) ص٨٦.
(٣) ((الصحاح)) ٢/ ٤٤٧.
(٤) من (ص١). وانظر: ((الصحاح)) ٥٧٩/٢.

٣٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٢ - بابُ بَيْعِ المُكْرَهِ وَنَحْوِهِ فِي الحَقِّ وَغَيْهِ
٦٩٤٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَثُ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي المَسْجِدِ إِذْ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ وَةُ
فَقَالَ: ((انْطَلِقُوا إِلَى يَهُودَ)». فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى جِثْنَا بَيْتَ الِدْرَاسِ، فَقَامَ النَّبِيُّ
وَّ فَنَادَاهُمْ: ((يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا)). فَقَالُوا: قَدْ بَلَّغْتَ يَا أَبَا القَاسِم.
فَقَالَ: (ذَلِكَ أُرِيدُ)). ثُمَّ قَالَهَا الثَّانِيَةَ. فَقَالُوا: قَدْ بَلَّغْتَ يَا أَبَا القَاسِمِ. ثُمَّ قَالَ الثَّالِثَةَ
فَقَالَ: ((اعْلَمُوا أَنَّ الأَرْضَ الله وَرَسُولِهِ، وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُجْلِيَكُمْ، فَمَنْ وَجَدَ مِنْكُمْ
بِمَالِهِ شَيْئًا فَلْيَبِعْهُ، وَإِلَّا فَاعْلَمُوا أَنَّمَا الأَرْضُ للهِ وَرَسُولِهِ)). [انظر: ٣١٦٧ - مسلم:
١٧٦٥ - فتح ١٢ / ٣١٧]
ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي المَسْجِدِ إِذْ خَرَجَ رَسُولُ
اللهِ وََّ فَقَالَ: ((انْطَلِقُوا إِلَى يَهُودَ)). فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى أتينا بَيْتَ
المِدْرَاسِ، فَقَامَ الَّ فَنَادَاهُمْ: ((يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا)).
فَقَالُوا: قَدْ بَلَّغْتَ يَا أَبَا القَاسِمِ. فَقَالَ: ((ذاك أُرِيدُ)). ثُمَّ قَالَهَا ثلاثًا. ثم
قال: ((اعْلَمُوا أَنَّ الأَرْضَ لله وَلِرَسُولِهِ، وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُجْلِيَكُمْ، فَمَنْ
وَجَدَ مِنْكُمْ بِمَالِهِ شَيْئًا فَلْيَبِعْهُ، وَإِلَّا فَاعْلَمُوا أَن الأَرْضَ لله وَلَرَسُولِهِ)).
(الشرح)(١) :
عندنا أن بيع المكره بغير حق باطل بخلاف ما إذا أكره بحق (كما)(٢)
إذا كان عليه دين، وامتنع من أدائه، فإن الحاكم له أن يبيعه عليه، وله أن
يكرهه على بيعه، وكذا قال المهلب: وما باعه المضغوط في حق وجب
عليه فذلك ماض سائغ لا رجوع فيه عند الفقهاء؛ لأنه يلزمه أداء الحق
(١) كذا في (ص١) وفي الأصل: فصل.
(٢) كذا في الأصل وفي (ص١): (نحو).

٣١
كِتَابُ الإِكْرَاهِ
=
إلى صاحبه من غير المبيع، فلما لم يفعل كان بيعه أختيارًا منه ولزمه،
ووجه الاستدلال على هذِه المسألة من هذا الحديث هو أن إخراج
الشارع لليهود (حق)(١)؛ لأنه إنما فعل ذلك بوحي من الله فأباح لهم
بيع أموالهم فكان بيعهم جائزًا؛ لأنه لم يقع الإكراه على البيع من
أجل أعيان الشيء المبيع، وإنما وقع من أجل الحق الذي لزمهم في
الخروج فلذلك كان بيع من وجب عليه الحق جائزًا، وأما بيع المكره
ظلمًا وقهرًا، فقال محمد بن سحنون: أجمع أصحابنا وأهل العراق
على أن بيع المكره على الظلم والجور لا يجوز(٢).
وقال الأبهري: إنه إجماع. وقال مطرف وابن عبد الحكم وأصبغ:
سواء وصل الثمن إلى المضغوط، ثم دفعه إلى الذي ألجأه إلى بيع
ما باعه أو كان الطالب هو تولى قبض الثمن من المبتاع؛ لأنه إنما
يقبضه لغيره لا لنفسه، فإن ظفر بمتاعه بِيَد من أبتاعه أو بيد من اشتراه
من الذي أبتاعه فهو أحق به ولا شيء عليه من الثمن، ليرجع الباعة
بعضهم على بعض حتى يرجع المبتاع الأول على الظالم الذي وصل
إليه الثمن، فإن فات المبتاع رجع بقيمته الذي فات عنده أو بالثمن
الذي بيع به أي ذلك كان أكثر، فإن فات عند أحدهم بأكل أو لبس
رجع بقيمته إن شاء أو يخير البيع ويأخذ الثمن من المبتاع(٣) عند
الجماعة خلا ابن سحنون فإنه قال: يأخذ الثمن من المشتري؛ لأنه
رآه متعديًا في دفعه لمن لا يستحقه.
(١) من (ص١).
(٢) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٢٧٤/١٠.
(٣) ((النوادر والزيادات)) ٢٨٢/١٠.

٣٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قال الخطابي : استدل البخاري بهذا الحديث في جواز بيع المكره،
وإنما المكره من أكره على بيع ما لم يُرِد بيعه، قال: واليهود لو لم يبيعوا
أرضهم لم يحملوا عليه، وإنما شحوا على أموالهم فاختاروا بيعها كأنهم
اضطروا إلى بيعها كمن رهقه دين فاضطر إلى بيع ماله فيكون جائزًا ولو
أكره عليه لم يجز(١)، ولا تلزم هذِه المعاوضة؛ لأنه بوب باب: بيع
المكره في الحق وغيره، وإنما ينبغي على ما بوب أنه لم يذكر في
الباب الإكراه على البيع في غير الحق.
فائدة :
(بيت المِدْرَاسِ): الموضع الذي يتدارسون فيه التوراة، ومر (عبارة
الخطابي فيه: إن الأرض لهم وإنهم باعوها.
وعبارة أبي جعفر فيه: إن الأرض لرسوله؛ لأنه لم يوجف عليها
فليتأمل)(٢)، وقال لهم ذلك ثلاثًا؛ تأكيدًا للإبلاغ ولو أنذرهم مرة
لا کتفى.
وقوله: ((أريد أن أجليكم)) قال الداودي؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَنْبِذْ إِلَيْهِمْ
عَلَى سَوَآءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨] قال: وهُذِه من الأرض التي خص الله بها رسوله
إذ لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب.
قال: وقوله: (لله ولرسوله)) يعني: الحكم فيها لهما، قال: وقيل:
قوله: (الله)) مفتاح كلام.
(١) ((أعلام الحديث)) ٢٣١٣/٤.
(٢) عليها: من .. إلى، وقال في الهامش: من قوله: وعبارة الخطابي إلى قوله:
فليتأمل ليس هذا مكانه وإنما هو قبل ذلك، ويحتمل أن يكون بعد ذلك، والله
أعلم.

٣٣
= كِتَابُ الإكْرَاهِ
وقوله: ((أجليكم)) هو رباعي من أجلى.
قال الجوهري: الجلاء: الخروج من البلد، وقد جلوا عن أوطانهم
وجلوتهم أنا، يتعدى ولا يتعدى، ويقال أيضًا: أجلوا عن البلد وأجليتهم
أنا، كلاهما بالألف (١).
(١) ((الصحاح)) ٦/ ٢٣٠٤.

٣٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٣ - باب لَ يَجُوزُ نِكَاحُ المُكْرَهِ
﴿وَلَا تُكْرِهُواْ فَنَتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنَا﴾ [النور: ٣٣] الآية
٦٩٤٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَيُجَمِّع ابنيْ يَزِيدَ بْنِ جَارِيَةَ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ خَنْسَاءَ بِنْتِ خِذَامِ
الأَنَّصَارِيَّةِ أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهْيَ تَيِّبٌ، فَكَرِهَتْ ذَلِكَ، فَأَتَتِ النَّبِيَّ ◌ََّ فَرَدَّ نِكَاحَهَا.
[انظر: ٥١٣٨ -فتح ٣١٨/١٢]
٦٩٤٦- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابن جُرَيْجِ، عَنِ ابن أبي
مُلَيْكَةَ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو - هُوَ ذَكْوَانُ - عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ
اللهِ، يُسْتَأْمَرُ النِّسَاءُ فِي أَنْضَاعِهِنَّ؟ قَالَ: ((نَعَمْ)). قُلْتُ: فَإِنَّ الِبِكْرَ تُشْتَأْمَرُ فَتَسْتَحِي
فَتَسْكُتُ. قَالَ: ((سُكَاتُهَا إِذْنُهَا)). [انظر: ٥١٣٧ - مسلم: ١٤٢٠ - فتح ٣١٩/١٢]
ثم ساق حديث خَنْسَاءَ بِنْتِ خِذَامِ الأَنْصَارِيَّةِ أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهْيَ
ثَيِّبٌ، فَكَرِهَتْ ذَلِكَ، فَأَتَتِ النَّبِيَّ نَ فَرَدَّ نِكَاحَهَا.
وقد سلف(١).
وحديث عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، يُسْتَأُمَرُ
النِّسَاءُ فِي أَبْضَاعِهِنَّ؟ قَالَ: ((نَعَمْ)). قُلْتُ: إِنَّ الِكْرَ تُسْتَأْمَرُ فَتَسْتَحِي
فَتَسْكُتُ. فَقَالَ: ((سُكَاتُهَا إِذْنُهَا)) وسلف أيضًا(٢).
وإدخال البخاري الآية في هذا الباب لا أدري ما وجهه إلا أن يقال:
قد نهى عن الإكراه على البغاء الذي لم يحل أصلًا، فكذا الإكراه على
النكاح.
(١) سلف برقم (٥١٣٨) كتاب النكاح، باب: إذا زوج ابنته وهي كارهة فنكاحه مردود.
(٢) سلف برقم (٥١٣٧) كتاب النكاح، باب: لا يُنْكِح الأبُ وغيرُه البكرَ والثيبَ
إلا برضاها.

٣٥
كِتَابُ الإِكْرَاهِ
وفي حديث خنساء دليل أن نكاح المكره لا يصح، وهو مذهبنا
ومذهب مالك، قال محمد بن سحنون: أجمع أصحابنا على إبطال
نكاح المكره والمكرهة، قالوا: ولا يجوز المقام عليه؛ لأنه لم ينعقد (١).
وقال ابن القاسم: لا يلزم المكره ما أكره عليه من نكاح أو طلاق
أو عتق أو غيره(٢).
قال محمد بن سحنون: وأجاز أهل العراق نكاح المكره، قالوا :
ولو أكره على أن ينكح أمرأة بعشرة آلاف درهم وصداق مثلها ألف
درهم، أن النكاح جائز ويلزمه الألف ويبطل الفضل(٣).
قال محمد بن سحنون: فكما أبطلوا الزائد على الألف بالإكراه،
فكذلك لزمهم إبطال النكاح به، وقولهم خلاف السنة الثابتة في قصة
خنساء، وفي أمره الَّ باستثمار النساء في أبضاعهن، فلا معنى لقولهم،
وأما من جهة النظر فإنه نكاح على خيار ولا يجوز النكاح به.
قال سحنون: وإنما شُبه بنكاح الخيار؛ لأنه إذا أجازه ورضي به فإنما
رضي بما كان له رده فأشبه ما عقد على الخيار، وما عقد به لو مات
أحدهما قبل أنقضاء مدته لم يتوارثا عند جميع أصحاب مالك.
قال سحنون: فإن وطئها المكره على النكاح غير مكره على الوطء
والرضا بالنكاح لزمه النكاح على المسمى من الصداق ودرئ عنه الحد،
وإن قال: وطئتها على غير رضى مني بالنكاح فعليه الحد والصداق
المسمى؛ لأنه مدع لإبطال المسمى بهذا، وتحد المرأة إن أقدمت
(١) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٢٥٨/١٠.
(٢) أنظر: ((المدونة)) ١٢٧/٢.
(٣) ((النوادر والزيادات)) ٢٥٧/١٠.

٣٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وهي عالمة أنه مكره على النكاح، وأما المكرهة عليه وعلى الوطء
فلا حد عليها، ولها الصداق، ويحد الواطئ(١).
فصل :
وفي خبر خنساء قبول خبر الواحد وقبول خبر المرأة.
فصل :
وقولها: (البكر تستأمر فتستحي)، أكثر العلماء على أن نكاح ابنته
الصغيرة جائز؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَِّى لَمْ يَحِضْنَّ﴾ [الطلاق: ٤] والإنكاح
الصدِّيق الصدِّيقة، وانفرد ابن سيرين فقال: لا يزوجها إلا برضاها.
وقال أحمد: إذا بلغت تسع سنين ونحوها استأمرها(٢)، وذكر ابن
القصار أن البكر الصغيرة لا خلاف فيها أنه يُجبرها.
وقال الأوزاعي وأبو حنيفة والثوري: إن كانت صغيرة أجبرها وإن
كانت كبيرة فلا (٣)، وحمل أصحاب مالك قوله: ( ((والبكر تستأمر)))
على اليتيمة، وكذا هو مفسر في رواية شعبة، وفيه رد على الخطابي
في قوله: الاستثمار لا يكون إلا نطقًا والاستئذان يكون بدونه،
وقوله: (تستحي) هو بياء واحدة، وفيه لغة أخرى (تستحيي) بيائين،
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْىٍ﴾ [البقرة: ٢٦].
(١) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٢٥٧/١٠-٢٥٩.
(٢) أنظر: ((المغني)) ٩/ ٤٠٤.
(٣) أنظر: ((الإشراف)) ٢٤/١، ٢٦.

٣٧
= كِتَابُ الإِكْرَاهِ
٤ - باب إِذَا أُكْرِهَ حَتَّى وَهَبَ عَبْدًا أَوْ بَاعَهُ لَمْ يَجُزْ
وَبِهِ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: فَإِنْ نَذَرَ المُشْتَرِي فِيهِ نَذْرًا فَهِوَ جَائِزٌ
بِزَعْمِهِ، وَكَذَلِكَ إِنْ دَبَّرَهُ.
٦٩٤٧ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِینَارٍ، عَنْ جَابِ
◌َّهِ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنَّصَارِ دَبَّرَ ◌َمْلُوكًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ وَه
فَقَالَ: ((مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟)). فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ النَّخَّامِ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ. قَالَ: فَسَمِعْتُ
جَابِرًا يَقُولُ: عَبْدَا قِبْطِيًّا مَاتَ عَامَ أَوَّلَ. [انظر: ٢١٤١ - مسلم: ٩٩٧ - فتح ٣٢٠/١٢]
ثم ساق حديث جَابِرِ ◌َ في المدبر أنه لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، فَبَلَغَ
ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ وَهِ فَقَالَ: ((مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟)). فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ النَّخَّامِ.
كذا وقع، وصوابه نعيم النحام، كما نبه عليه الدمياطي- بثمانمائة
درهم، قال: فسمعتُ جابرًا يقول: عبدًا قبطيًّا مات عام أَوَّلَ.
وقد سلف.
والإجماع قائم على أن الإكراه على البيع والهبة لا يجوز، وما ذكر
فيه عن أبي حنيفة وهو المراد بـ(بعض الناس) أنه إن أعتقه أو دبره
الموهوب أو المشتري فهو جائز، فإنما قاس ذلك على البيع الفاسد،
فإنه إذا مات بتدبير أو عتق مضى، وكان على المفوت له القيمةُ يوم
فَوَته، والفرق بين بيع المكره وبين البيع الفاسد بيِّن، وذلك أن
بائع البيع الفاسد راض بالبيع وطيبة به نفسه، لكنه لمَّا أوقعه على
خلاف السنة فسد، وكان فيه القيمة، والمشتري إنما اشتراه بوجه من
وجوه الحل والتراضي الذي شرطهما الله في البيع. والمكره على الهبة
والبيع لم تطب نفسه على ذلك فلا يجوز إمضاء ما لم تطب به نفسه
بتفویته.

٣٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وقال محمد بن سحنون: أجمع أهل العراق معنا أن بيع المكره
باطل، وهذا يدل أن البيع عندهم غير ناقل للملك، ثم نقضوا هذا
بقولهم: إذا أعتق المشتري أو رد فليس للبائع رد ذلك فيقال لهم:
هل (وقع) (١) الإكراه ناقلًا للملك؟ فإن قالوا: لا، بطل عتق المشتري
وتدبيره كما بطلت هبته، وإن كان ناقلًا للملك فأجيزوا كل شيء صنع
المشتري من هبة وغيرها، وإذا قصد المشتري الشراء بعد علمه
بالإكراه صار كالغاصب (٢)، وقد أجمع العلماء في عتق الغاصب أن
للسيد أن يزيله ويأخذ عبده.
وقال أهل العراق: له أن يضمن إن شاء الذي ولي الإكراه، وإن شاء
المشتري العتق فجعلوه في معنى الغاصب، وقالوا: إن بيع المشتري
شراءً فاسدًا ماض ويوجب القيمة، ففرقوا بينه وبين البيع الفاسد
وجعلوه كالغاصب(٣).
ووجه استدلال البخاري بحديث جابر في هذه المسألة: أن الذي
دبره لما لم يكن له مال غيره كان تدبيره سفهًا في فعله، فرد الشارع
ذلك من فعله، وإن كان ملكه للعبد صحيحًا كان من اشتراه شراءً
فاسدًا ولم يصح له ملكه إذا دبره أو أعتقه أولى أن يرد فعله من أجل
أنه لم يصح له ملكه(٤)، وأما الداودي فقال: ذكر البخاري لبيع
المدبر ليس من هذا الباب؛ لأنه لا إكراه فيه إلا أن يريد أنه الكليطي
باعه وكان كالمكره له على بيعه ولم يرد بالإكراه فيما يجوز؛ لأن
(١) كذا بالأصل، وفي ((شرح ابن بطال)) ٣٠١/٨: (بيع).
(٢) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٢٧٧/١٠، و((شرح ابن بطال)) ٣٠٠/٨-٣٠١.
(٣) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٢٧٧/١٠.
(٤) ((شرح ابن بطال)) ٣٠١/٨.

٣٩
كِتَابُ الإِكْرَاهِ
حاكمًا لو أكره رجلًا على بيع ماله ليؤدي دينه كان إكراهه جائزًا، والذي
ذكر المالكية في هذه القصة أنه دبر وعليه دين، ولذلك باعه الشارع.
فائدة(١) :
قوله: (فاشتراه نعيم بن النحام) كذا وقع هنا، وفي الأحكام، في
باب: بيع الإمام على الناس(٢). وصوابه نعيم النحام كما نبه عليه
الدمياطي.
(١) وقع بهامش الأصل: تقدمت نحوها هنا أول الباب.
(٢) يأتي برقم (٧١٨٦).

٤٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٥ - باب مِنَ الإِكْرَاهِ
كَرهَا وكُرهًا -يعني: بالفتح في الكاف والضم - وَاحِدٌ.
٦٩٤٨ - حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الشَّيْبَانُّ
سُلَيْمَانُ بْنُ فَيْرُوزَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابنِ عَبَّاسِ. قَالَ الشَّيْبَانُّ: وَحَدَّثَنِي عَطَاءٌ أَبُو
الحَسَنِ السُّوَائِيُّ، وَلَا أَظُنُّهُ إِلَّ ذَكَرَهُ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوْ اُلْنِسَآءَ كَرْهًا﴾ [النساء: ١٩] الآيَةَ: قَالَ: كَانُوا إِذَا مَاتَ
الرَّجُلُ كَانَ أَوْلِيَاؤُهُ أَحَقَّ بِامْرَأَتِهِ، إِنْ شَاءَ بَعْضُهُمْ تَزَوَّجَهَا، وَإِنْ شَاءُوا زَوَّجَهَا، وَإِنْ
شَاءُوا لَمْ يُزَوِّجُهَا، فَهُمْ أَحَقُّ بِهَا مِنْ أَهْلِهَا، فَنَزَلَتْ هَذِه الآيَةُ بِذَلِكَ. [انظر: ٤٥٧٩ -فتح
٣٢٠/١٢]
ثم ساق حديث عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، وعن عَطَاءٍ
وهو أَبُو الحَسَنِ السُّوَائِيُّ، قال: وَلَا أَظُنُّهُ إِلَّا ذَكَرَهُ عَنِ ابن عَبَّاسٍ
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُواْ النِّسَآءَ كَرْهًا﴾ الآيَةَ. قَالَ:
كَانُوا إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ كَانَ أَوْلِيَا ؤُهُ. إلى آخره كما سلف في التفسير.
قال المهلب: فائدة هذا الباب - والله أعلم- ليعرفك أن كل من
أمسك أمرأته، ولا إرب له فيها طمعًا أن تموت فلا يحل له ذلك
بنص القرآن.