النص المفهرس

صفحات 541-560

٥٤١
= كِتَابُ اسْتِتَابَةِ المُرْتَدِّينَ وَالمُعَانِدِينَ وَقِتَالِهِمْ
القاضي عياض قال: لا نعلم خلافًا في استباحة (دم)(١) من (سب)(٢)
بين علماء الأمصار وسلف الأمة، وقد ذكر غير واحد الإجماع على
قتله وتكفيره(٣). وأشار ابن حزم إلى الخلاف في تكفير المستخف
به، والمعروف ما قدمناه(٤). قال ابن سحنون: أجمع العلماء أن
شاتمه والمنتقص له كافر والوعيد جارٍ عليه بعذاب الله تعالى، وحكمه
عند الأمة القتل، ومن شك في كفره وعذابه كفر(٥). واحتج إبراهيم بن
(الحسين)(٦) الفقيه في مثل هذا بقتل خالد بن الوليد مالك بن نويرة لقوله
عن رسول الله وَل صاحبكم (٧).
قلت: قتله له كان على غير هذا، كما ذكر الواقدي وسيف ( .. )(٨)
والحاكم. وقال الخطابي: لا أعلم أحدًا من السلف اختلف في وجوب
قتله إذا كان مسلمًا (٩) .
روى ابن وهب عن مالك: من قال: إن رداءه -ويروى: زره-
وسخ، وأراد به عيبه، قتل(١٠) .
وقال بعض علمائنا: أجمع العلماء على أن من دعا على نبي من
الأنبياء بالويل أو بشيء من المكروه أنه يقتل بلا استتابة، وأفتى
(١) ساقطة من الأصل، والمثبت من (ص١).
(٢) كذا في الأصل. وفي ((الشفا)) (سبه). وهو الصواب.
(٤) أنظر: ((المحلى)) ٤٠٨/١١.
(٣) ((الشفا)) ص٢١٥-٢١٦.
(٥) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٥٢٦/١٤. ولم يذكر الإجماع على ذلك.
(٦) كذا في الأصل، وفي (ص٢): (الحسن بن خالد).
(٧) انظر: ((سبل الهدى والرشاد)) ٢٤/١٢.
(٨) كلمة غير واضحة بالأصول.
(٩) ((أعلام الحديث)) ٢٣١١/٤، ٢٤١١.
(١٠) ((النوادر والزيادات)) ٥٢٩/١٤.

٥٤٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
القابسي فيمن قال في رسول الله ◌َّ الجمَّال يتيم أبي طالب بقتله(١).
وأفتى ابن أبي زيد بقتل رجل سمع قومًا يتذاكرون صفة رسول الله وَالاله
إذ مر بهم رجل قبيح الوجه واللحية، فقال لهم: تريدون تعرفون صفة
محمد (هو في)(٢) صفة هذا المار في خلقته ولحيته(٣).
وقال أحمد بن أبي سليمان: من قال: إنه الكلئلا كان أسود يقتل.
وقال في رجل قيل له: لا وحق رسول الله وَ له فقال: فعل الله برسول
الله كذا (وذكر) (٤) كلامًا قبيحًا فقيل له: يا عدو الله ما تقول؟ فقال:
أشد من كلامه الأول ثم قال: إنما أردت برسول الله العقرب.
فقال ابن أبي سليمان للذي سأله أتشهد عليه وأنا شريكك؟ يريد في
قتله وثواب ذلك(٥). وقال ابن عتاب: الكتاب والسنة موحيان بأن من
قصده بأذى أو نقص معرضًا أو مصرحًا فقتله واجب (٦).
قال أبو الفضل(٧) وكذلك أقول: حكم من غمصه أو عيره برعاية
الغنم أو السهو أو النسيان أو السحر، وما أصابه من جرح أو هزيمة
لبعض جيوشه أو أذى من عدو أو شدة من زمنة أو بالميل إلى نسائه
فحكم هذا كله لمن قصد به النقيصة القتل، والحجة في ذلك قوله
تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧] وقال في قاتل
المؤمن مثل ذلك فمن لعنته في الدنيا القتل، قال تعالى: ﴿مَّلْعُونِينٌ
(١) أنظر: ((سبل الهدى والرشاد)) ٢٤/١٢.
(٢) في (ص١): هي من.
(٣) أنظر: ((الشفا)) ص٢١٤-٢١٧.
(٤) في الأصل: وكذا، والمثبت من (ص١).
(٥) أنظر: ((الشفا)) ص ٢١٧.
(٦) المصدر السابق ص٢١٩.
(٧) هو القاضي عياض.

٥٤٣
كِتَابُ اسْتِتَابَةِ المُرْتَدِّينَ وَالمُعَانِدِينَ وَقِتَالِهِمْ
=
أَيْنَمَا تُقِفُواْ﴾ [الأحزاب: ٦١] وقال في المحاربين وذكر عقوبتهم: ﴿ذَلِكَ
لَهُمْ خِزْيٌ فِى الذُّنْيَا﴾ [المائدة: ٣٣] وقد يقع القتل بمعنى اللعن، قال
٢﴾ [الذاريات: ١٠]، و﴿قَنَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى
تعالى: ﴿قُئِلَ الْخَرَّصُونَ
يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون: ٤]، أي: لعنهم الله. وقال: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا
يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكْمُوكَ﴾ [النساء: ٦٥] وقال تعالى: ﴿لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ
صَوْتِ النَّبِ﴾ [الحجرات: ٢] إلى قوله: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَلُكُمْ﴾ [الحجرات: ٢]
ولا يحبط العمل إلا الكفر والكافر يقتل.
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوَكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ [المجادلة: ٨] ثم
قال: ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَُّ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [المجادلة: ٨] وقال: ﴿الَّذِينَ
يُؤْذُونَ النَّبِىَ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنْ﴾ [التوبة: ٦١] ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ
[التوبة: ٦١] وقال: ﴿وَلَيِنِ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا
اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبٌ﴾ [التوبة: ٦٥] إلى قوله: ﴿قَدْ كَفَرْتُ بَعْدَ إِمَنِكُمْ﴾
[التوبة: ٦٦] قال أهل التفسير: كفرتم بقولكم في رسول الله.
وأما الآثار فذكر الدارقطني من حديث عبد العزيز بن محمد بن
الحسن بن زبالة، وقد خرجه ابن حبان وغيره: ثنا عبد الله بن
موسى بن جعفر، عن علي بن موسى، عن أبيه عن جده، عن
محمد بن علي بن حسين، عن أبيه، عن الحسين بن علي، عن أبيه
أن رسول الله وَ ل﴾ قال: ((من سب نبيًّا فاقتلوه، ومن سب أصحابي
فاضربوه)). وأخرجه الطبراني في (أصغر معاجمه)) بلفظ ((من سب
الأنبياء [قُتِل](١) ومن سب أصحابي جلد))(٢) وفيه عبيد الله العمري
(١) ساقطة من الأصل، والمثبت من ((المعجم الصغير)) للطبراني.
(٢) ((المعجم الصغير)) ٣٩٣/١ (٦٥٩).

٥٤٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ضعفه النسائي جدًّا، وقال: كذاب، وفي الصحيح: ((من لكعب بن
الأشرف فإنه يؤذي الله ورسوله؟)) كما سلف، ووجه إليه من قتله غيلة
دون دعوة بخلاف غيره من المشركين وعلل بالأذى، فدل أن قتله إياه
كان لغير الإشراك بل الأذى، وكذلك قتل أبي رافع. قال البراء كان
يؤذي رسول الله وَّر ويُعين عليه. وفي حديث آخر أن رجلًا كان يسبه
فقال: ((من يكفيني عدوي؟)) فقال خالد: أنا فبعثه إليه فقتله (١) .
قال ابن حزم: وهو حديث صحيح مسند رواه عن رسول الله وَخاله
رجل من بلقين، قال ابن المديني: وهو اسمه، وبه يعرف.
وذكر عبد الرزاق أنه التكليفي سبه رجل فقال: ((من يكفيني عدوي؟))
فقال الزبير: أنا، فقتله (٢). وفي ((صحيح مسلم)) أن رجلًا كان يتهم
بأم ولد رسول الله وَّله فقال لعلي: ((أذهب فاضرب عنقه))، فوجده
مجبوبًا(٣) .
وفيه بيان واضح كما قال ابن حزم: أن من آذاه وجب قتله(٤).
وروى البزار عن ابن عباس رضي الله عنهما أن عقبة بن أبي معيط
نادى يا معاشر قريش مالي أقتل من بينكم صبرًا؟ فقال له التَّ: ((بكفرك
وافترائك على رسول الله)).
وروى أن امرأة كانت تسبه فقال: ((من يكفيني عدوتي؟)) فخرج إليها
خالد فقتلها(٥) .
(١) انتهى من ((الشفا)) ٢١٥/٢-٢٢١.
(٢) ((مصنف عبد الرزاق)) ٣٠٧/٥ (٩٧٠٥).
(٣) مسلم (٢٧٧١) كتاب: التوبة، باب: براءة حرم النبي وَلّ.
(٤) ((المحلى)) ٤١٣/١١.
(٥) ((مصنف عبد الرزاق)) ٣٠٧/٥ (٩٧٠٥).

٥٤٥
كِتَابُ اسْتِتَابَةِ المُرْتَدِّينَ وَالمُعَانِدِينَ وَقِتَالِهِمْ
=
وروي أن رجلًا كذب رسول الله وسلّ فبعث عليًّا والزبير إليه ليقتلاه،
وروى ابن قانع أن رجلًا جاء إلى رسول الله وَّله فقال: يا رسول الله،
سمعت أبي يقول فيك قولًا قبيحًا فقتلته فلم يشق ذلك على رسول الله
وَيّر، وبلغ المهاجر بن أبي أمية أمير اليمن لأبي بكر أن أمرأة هناك
في الردة غنَّت بسب رسول الله وَّةٍ فقطع يدها ونزع ثنيتها، فبلغ ذلك
أبا بكر فقال له: لولا فعلت هذا لأمرتك بقتلها؛ لأن حد الأنبياء
لیس یشبه الحدود.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: هجت امرأة من خطمة رسول الله
وَّة فقال ((من لي بها؟)) فقال رجل من قومها: أنا يا رسول الله فنهض
فقتلها وأخبره، فقال: ((لا ينتطح فيها عنزان)). وعن ابن عباس أن
أعمى كانت له أم ولد تسب رسول الله صل﴾ فيزجرها فلا (تنزجر)(١)
فلما كانت ذات ليلة فقتلها وأعلم رسول الله 8# بذلك فأهدر دمها،
أخرجه أبو داود والنسائي(٢) .
وفي حديث أبي برزة الأسلمي: كنت يومًا جالسًا عند أبي بكر
فغضب على رجل من المسلمين، وحكى القاضي إسماعيل وغيره من
الأئمة في هذا الحديث أنه سب أبا بكر، ورواه النسائي وأبو داود من
حديث يزيد بن رافع، عن حميد بن هلال، عن عبد الله بن مطرف بن
عبد الله بن الشخير، عن أبي برزة: أتيت أبا بكر ته وقد أغلظ لرجل
فرده عليه قال: فقلت يا خليفة رسول الله دعني أضرب عنقه فقال:
أجلس فليس ذاك إلا لرسول الله وَل﴾(٣). ولابن حزم: فقال أبو بكر:
(١) في (ص١): ترجع.
(٢) أبو داود (٤٣٦١)، والنسائي ١٠٧/٧-١٠٨.
(٣) أبو داود (٤٣٦٣)، والنسائي ٧/ ١١٠.

٥٤٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
ليس هذا إلا لمن شتم رسول الله صَل﴾(١). وأخرجه الحاكم في ((مستدركه))
أيضًا (٢)، قال القاضي أبو بكر محمد بن نصر: ولم يخالف عليه أحد،
واستدل الأئمة بهذا الحديث على قتل من أغضب النبي ◌َّ بكل
ما أغضبه أو آذاه أو سبه، ومن ذلك كتاب عمر بن عبد العزيز إلى
عامله بالكوفة وقد أستشاره في قتل رجل سب عمر، فكتب إليه عمر
أنه لا يحل قتل أمرئ مسلم يسب أحدًا من الناس إلا رجلا سب
رسول الله وَل، فمن سبه فقد حل دمه، زاد ابن حزم: والذي نفسي
بيده لو قتلته لأقتلنك به، ولو قطعته لقطعتك به، ولو جلدته أقدته
منك، وإذا جاءك كتابي فسبه كالذي سبني واعف عنه (٣).
وقال مالك: من شتم الأنبياء قتل(٤). فإن قلت: لما لم يقتل
اليهودي الذي قال له: السام عليك، وهذا دعاء عليه، قلت: سلف
الجواب عنه من كلام الطحاوي.
وقال عياض: قيل له هذا كان أول الإسلام، والشارع كان في أوله
يتألف على الإسلام الناس، ويميل قلوبهم إليه، ويحبب إليهم الإيمان
ويزينه في قلوبهم ويدارئهم، ويقول (لأصحابه: ((إنما بعثتم ميسرين
ولم تبعثوا معسرين))(٥) ويقول)(٦): ((يسروا ولا تعسروا))(٧).
(١) ((المحلى)) ٤١٠/١١.
(٢) ((المستدرك)) ٤/ ٣٥٥.
(٣) ((المحلى)) ٤١٠/١١.
(٤) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ١٤/ ٥٢٧.
(٥) سلف برقم (٢٢٠) كتاب: الوضوء، باب: صب الماء على البول في المسجد.
(٦) من (ص١).
(٧) سلف برقم (٦٩) كتاب: العلم، باب: ما كان النبي ◌ُّ يتخولهم بالموعظة والعلم
كي لا ينفروا، ورواه مسلم برقم (١٧٣٢) كتاب: الجهاد والسير، باب: في الأمر
بالتيسير وترك التنفير.

٥٤٧
كِتَابُ اسْتِتَابَةِ المُرْتَدِّينَ وَالمُعَانِدِينَ وَقِتَالِهِمْ
فلما استقر الإسلام وأظهره الله على الدين كله قتل من قدر عليه،
حتى ألقوا بأيديهم ولقوه مسلمين وبواطن المنافقين مستترة وحكمه
على الظاهر، وأكثر تلك الكلمات إنما كان يقولها القائل (منهم) (١)
خفية أو مع أمثاله وينكرونها ويحلفون عليها حتى فاء كثير منهم
باطنا (٢). وذكر ابن حزم أن قول القائل: فإن هذِه قسمة ما أريد بها
وجه الله تعالى(٣)، كان في خيبر (٤) وهو كان قبل أن يأمر الله تعالى
نبيه بقتل المرتدين، وكذا حديث النبي الذي أدماه قومه(٥) .
وقوله: ((لا يعلمون)) يعني: بنبوته، وقال بعض أئمتنا: ولعله لم يثبت
عنده التَّي من أقوالهم ما رفع إليه، وإنما نقله الواحد من لم يصل
(رتبة)(٦) الشهادة في هذا الباب من صبي أو عبد أو أمرأة، والدماء
لا تستباح إلا بعدلين، وعلى هذا يحمل أمر اليهودي في (السام)(٧)
وإنهم لووا به ألسنتهم ولم يبينوه، ألا ترى كيف نبهت عليه عائشة
رضي الله عنها، ولو كان صرح بذلك لم تنفرد بعلمه، ولهذا نبه
الشارع على فعلهم وقلة صدقهم في سلامهم وخيانتهم في ذلك ليًّا
بألسنتهم وطعنًا في الدين(٨)، أو لعله رأى أنه ليس بصريح سب
(١) من (ص١).
(٢) ((الشفا)) ٢٢٥/٢-٢٢٦.
(٣) سلف برقم (٣١٥٠) كتاب: فرض الخمس، باب: ما كان النبي ◌ُّ يعطي المؤلفة
قلوبهم ..
(٤) ورد بهامش الأصل: لعله حنين.
(٥) ((المحلى)) ٤١١/١١.
(٦) من (ص١)، وفي الأصل: في.
(٧) كذا في الأصل، وفي (ص١): السلام.
(٨) ((الشفا)) ٢٢٦/٢-٢٢٧.

٥٤٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
ولا دعاء إلا بما لابد له منه من الموت الذي لابد من لحاقه لجميع
البشر، وقيل: بل المراد: يسأمون دينكم، والسأم والسآمة: الملال،
وهذا دعاء على سآمة الدين ليس بصريح سب كما ترجمه البخاري.
وقال بعض علمائنا: ليس هذا بتعريض بالسب إنما هو تعريض
بالأذى، وقد تقدم أن الإيذاء والسب في حقه القلي سواء.
قال أبو محمد بن نصر: ولم يذكر في هذا الحديث هل كان هذا
اليهودي من أهل العهد والذمة أو الحرب، ولا يترك موجب الأدلة
للأمر المحتمل، والأولى من ذلك كله والأظهر من هذِه الوجوه
مقصد الاستئلاف لعلهم يؤمنون، ولذلك ترجم البخاري بعد هذا على
حديث القسمة المتقدم في الغزوات باب: من ترك قتال الخوارج
للتألف ولئلا ينفر الناس عنه. فإن قلت: قد جاء في الحديث
الصحيح عن عائشة رضي الله عنها: ما أنتقم رسول الله وقدلا لنفسه في
شيء يؤتى إليه قط إلا أن تنتهك حرمات الله فينتقم الله(١).
فاعلم أن هذا لا يقتضي أنه لا ينتقم ممن سبه أو آذاه أو كذبه، فإن
هُذِه من حرمات الله التي أنتقم لها، وإنما يكون ما لا ينتقم له منه
فيما لا يتعلق بسوء أدب مما لم يقصد فاعله أذاه، لكن مما جبلت
عليه الأعراب من الجفاء والجهل أو جبل عليه البشر من الغفلة كجبذ
الأعرابي، وكرفع صوت الآخر عنده، وكما كان من تظاهر زوجيه
عليه، وأشباه هذا مما يحسن الصفح عنه، أو يكون هذا مما آذاه به
كافر، رجا بعد ذلك إسلامه، كعفوه عن اليهودي الذي سحره - قلت:
(١) سلف برقم (٣٥٦٠) كتاب: المناقب، باب: صفة النبي ◌َّ، ورواه مسلم
(٢٣٢٧) كتاب: الفضائل، باب: مباعدته وَّ للآثام ...

٥٤٩
= كِتَابُ اسْتِتَابَةِ المُرْتَدِّينَ وَالمُعَانِدِينَ وَقِتَالِهِمْ
لكنه لم يسلم- وعن الأعرابي الذي أراد قتله، وعن اليهودية التي
سمته (١).
وذكر ابن حزم: أن اليهودية واليهودي والسحر كان يتعين قبل نزول
سورة براءة، فهو منسوخ ولا يحل العمل بمنسوخ البتة(٢).
قال عياض: وأما من قال شيئًا من ذلك غير قاصد السب والإيذاء
ولا معتقده، ولكنه تكلم بذلك جهلا أو لضجر أو سكر اضطره إليه أو قلة
ضبط لسانه وعجرفة وتهور في كلامه، فحكمه حكم الوجه الأول القتل
دون تلعثم إذ لا يعذر أحد في الكفر لجهالة ولا لشيء مما ذكرناه إذا كان
عقله في فطرته سليمًا، إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان(٣)، قال
محمد بن سحنون: المأسور يسب رسول الله 3 18 في أيدي العدو يقتل
إلا أنه يعلم تبصره أو إكراهه، وعن ابن أبي زيد: لا يعذر بدعوىُ
زلل اللسان في مثل هذا .
وأفتى القابسي فيمن شتم الشارع في سكره بأنه يقتل؛ لأنه يظن به أن
يعتقد هذا ويفعله في صحوه، وأيضًا فإنه حد لا يسقطه السكر كالقذف
والقتل وسائر الحدود؛ لأنه أدخله على نفسه؛ لأن من شرب الخمر على
علم من زوال عقله بها وإتیان ما ینکر منه، فهو كالعامد لما يكون بسببه،
ولهذا ألزمناه الطلاق والعتاق والقصاص والحدود(٤).
وقد اختلف أئمتنا في رجل أغضبه رجل فقيل له: صل على محمد
النبي، فقال: لا صلى الله على من صلى عليه، فقيل لسحنون: هو كمن
(١) ((الشفا)) ٢٢٩ - ٢٣٠.
(٢) ((المحلى)) ٤١٧/١١.
(٣) ((الشفا)) ٢٣١/٢.
(٤) المصدر السابق ٢٣٢/٢.

٥٥٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
شتم رسول الله وير أو شتم الملائكة الذين يصلون عليه، قال: لا، إذا
كان على وصف من الغضب؛ لأنه لم يكن مضمرًا الشتم (١).
وقال أصبغ وأبو إسحاق البرقي: لا يقتل؛ لأنه إنما شتم الناس (٢)،
وهذا نحو قول سحنون؛ لأنه لم يعذره بالغضب في شتمه القلبئها، ولكنه
لما أحتمل الكلام عنده ولم يكن معه قرينة تدل على (شتمه الشارع
ولا الملائكة ولا ثم مقدمة يحمل عليها كلامه، بل القرينة تدل
على)(٣) أن مراده الناس غير هؤلاء، وذهب الحارث بن مسكين
القاضي وغيره في مثل هذا إلى القتل(٤). وعبارة ابن حزم: أصحابنا
توقفوا في كفر من سب النبي ◌ُّ من المسلمين.
وقالت طائفة: إنه ليس كفرًا، روينا عن علي ◌َّه أنه قال: لا أوتى
برجل قذف داود بالزنا إلا جلدته حدين(٥).
فصل :
ومن سب أحدًا من الصحابة جلد، وإن سب عائشة رضي الله عنها
قتل، كما ذكره في ((الزاهي)) عن مالك قال: لقوله تعالى: ﴿يَعِظُّكُمُ اللَّهُ أَنْ
تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ، أَبَدًا﴾ [النور: ١٧] فمن عاد لمثله كفر، ومن كفر قتل،
(قال)(٦): وفي سب أمهات المؤمنين غير عائشة قولان: أحدهما:
يقتل؛ لأنه سب النبي وَلّر بسبه الحليلة. والثاني: أنها كالصحابي يحد
(١) المصدر السابق ٢٣٥/٢.
(٢) ((النوادر والزيادات)) ٥٢٩/١٤ -٥٣٠.
(٣) من (ص١).
(٤) ((الشفا)) ٢٣٥/٢.
(٥) ((المحلى)) ٤٠٩/١١.
(٦) من (ص١).

٥٥١
= كِتَابُ اسْتِتَابَةِ المُرْتَدِّينَ وَالمُعَانِدِينَ وَقِتَالِهِمْ
حد المفتري. قال: ومن قال لواحد منهم هو ابن زانية وأمه مسلمة حُد
عند بعض أصحابنا حدين، حدًّا له بسبه أمه، وحدًا لها لإيمانها .
وقيل: من سب عائشة رضي الله عنها بما في القرآن براءتها منه فهو
کفر، وإن سبها بخلافه فلا .
فصل :
وقوله القَّ لعائشة رضي الله عنها: ((إن الله رفيق يحب الرفق)) قال
الشيخ أبو الحسن بن القابسي: لم يقع في كل حديث، ويجب إثبات هذا
الأسم لهذا الحديث لصحته؛ إذ الأسماء لا تؤخذ إلا من الكتاب والسنة
والإجماع.
واختلف الأصوليون هل تدخل الأسماء قياسًا مثل سيد وعارف؟
فصل :
رده الكليتان على اليهود: (وعليكم)) رواه أنس #ه بالواو ورواية
عائشة: (بل عليكم))، وفي رواية ابن عمر: ((عليك))، وفي لفظ:
(علیکم)) بغیر واو.
وقال ابن أبي حبيب: لم يقل وعليك؛ لأنه إذا قلتها حققت على
نفسك ما قال، ثم أشركته معك فيه، ولكن عليك كأنه رد عليه.
والقاضي أبو محمد يقول: الراد: وعليكم(١) بالواو.
وقال الشيخ أبو محمد في ((رسالته)): ومن قال عليك السلام بكسر
السين: وهي الحجارة فقد قيل ذلك.
وذكر عن ابن طاوس: يرد عليهم: علاك السام، أي: ارتفع عليك،
والسام: الموت.
(١) ((المعونة)) ٢/ ٥٧٠.

٥٥٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
واختلف هل يرد عليهم السلام؟ فأباه أكثر العلماء وسمح فيه
(١)
بعضهم (١).
واختلف هل يبدءون؟ فمنعه الأكثر وأجازه بعضهم إذا كنت مفتقرًا
إليه لحاجة(٢)، وقد سلف كل ذلك في موضعه واضحًا.
(١) أنظر: ((الآداب الشرعية)) ٣٨٩/١ -٣٩٠.
(٢) المصدر السابق ٣٨٧/١-٣٨٩.

٥٥٣
كِتَابُ اسْتِتَابَةِ المُرْتَدِّينَ وَالمُعَانِدِينَ وَقِتَالِهِمْ
=
٦- باب قَتْلِ الخَوَارِجِ وَالْمُلْحِدِينَ
بَعْدَ إِقَامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ
وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَنْهُمْ
حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]. وَكَانَ عبد الله بن
عمر رضي الله عنهما يَرَاهُمْ شِرَارَ خَلْقِ اللهِ، وَقَالَ: إِنَّهُمُ
أَنْطَلَقُوا إِلَىْ آيَاتٍ نَزَلَتْ فِي الْكُفَّارِ فَجَعَلُوهَا عَلَى المُؤْمِنِينَ.
٦٩٣٠ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَقْصٍ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَغْمَشُ، حَدَّثَنَا
خَيْثَمَةُ، حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ: قَالَ عَلَيّ ◌َّهُ: إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ◌ِِّ حَدِيثًا
فَوَاللَّهِ، لأَنْ أَخِرَّ مِنَ السَّمَاءِ أَحَبُّ إِلَّ مِنْ أَنْ أَكْذِبَ عَلَيْهِ، وَإِذَا حَدَّثْتُكُمْ فِيمَا بَيْنِي
وَبَيْنَكُمْ فَإِنَّ الَحَزْبَ خَذْعَةٌ، وَإِّ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ إِلّه يَقُولُ: ((سَيَخْرُجُ قَوْمٌ فِي
آخِرِ الزَّمَانِ حُدَّاثُ الأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الأَحْلاَمِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ البَرِيَّةِ، لاَ
يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ،
فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَّهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ)). [انظر:
٣٦١١ - مسلم: ١٠٦٦- فتح ١٢ /٢٨٣]
٦٩٣١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ يَخْيَى بْنَ
سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبَرَبِي ◌ُحَمَّدُ بْنُ إِنْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَعَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّهُمَا أَتَّيَا أَبَّا
سَعِيدٍ الْخُذْرِيَّ فَسَأَلاَهَ عَنِ الَحَرُورِيَّةِ: أَسَمِعْتَ النَّبِيَّ يَِّ؟. قَالَ: لاَ أَدْرِي مَا الحَرُورِيَّةُ،
سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌ََّ يَقُولُ: ((يَخْرُجُ فِي هذِهِ الأُمَّةِ - وَلَمْ يَقُلْ مِنْهَا - قَوْمٌ تَحْقِرُونَ
صَلاَتَكُمْ مَعَ صَلاَتِهِمْ، يَقْرَءُونَ القُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ حُلُونَهُمْ - أَوْ حَنَاجِرَهُمْ-
يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهُم مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَيَنْظُرُ الرَّامِي إِلَى سَهْمِهِ إِلَى
نَصْلِهِ إِلَى رِصَافِهِ، فَيَتَمَارِىُّ فِيَ الفُوقَةِ هَلْ عَلِقَ بِهَا مِنَ الدَّمِ شَيْءٌ)). [انظر:
٣٣٤٤ - مسلم: ١٠٦٤ - فتح ١٢ /٢٨٣]

٥٥٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٦٩٣٢ - حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ سُلَيْمَانُ، حَدَّثَنِي ابن وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ، أَنَّ أَبَاهُ
حَدَّثَهُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ - وَذَكَرَ الَحَرُورِيَّةَ - فَقَالَ: قَالَ النَّبِيُّ وَهُ: «يَمْرُقُونَ مِنَ
الإِسْلاَم مُرُوقَ السَّهْم مِنَ الرَّمِيَّةِ)). [فتح ١٢ / ٢٨٣].
تبويب البخاري هذا معناه أنه لا يجب قتل خارجي ولا غيره إلا بعد
الإعذار عليه، ودعوته إلى الحق وتبيين ما التبس عليه، فإن أبى من
الرجوع إلى الحق وجب قتاله بدليل الآية المذكورة توجب التأسي به
تعالى فيمن وجب قتاله أن يبين له وجه الصواب ويدعى إليه.
ثم ساق البخاري في الباب أحاديث.
والتعليق الذي ذكره عن ابن عمر رضي الله عنهما ذكر مسلم في
(صحيحه) معناه مسندًا (١)، وفيه دليل على أنهم ليسوا بكفار؛ لأن
الكافر لا يتأول كتاب الله بل يرده ویکذب به.
وفي كتاب ((التبصير)) للإسفراييني: كان (عبد الله بن عمرو)(٢) وعبد
الله بن عمر وعبد الله بن عباس وابن أبي أوفى وجابر وأنس بن مالك
وأبي هريرة وعقبة بن عامر وأقرانهم يوصون إلى أخلافهم بأن لا يسلموا
على القدرية ولا يعودوهم، ولا يصلوا خلفهم، ولا يصلوا عليهم إذا
ماتوا(٣) .
الحديث الأول :
حديث سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ قال: قَالَ عَلِيٍّ ◌َّهُ: إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ
وَّه (حَدِيثًا)(٤) فَوَاللَّهِ، لأَنْ أَخِرَّ مِنَ السَّمَاءِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَكْذِبَ
(١) رواه مسلم من حديث أبي ذر مرفوعًا (١٠٦٧) كتاب: الزكاة، باب: الخوارج شر
الخلق والخليقة.
(٢) من (ص١).
(٤) من (ص١).
(٣) ((التبصير في الدين)) ٢١/١.

٥٥٥
كِتَابُ اسْتِتَابَةِ المُرْتَدِّينَ وَالمُعَانِدِينَ وَقِتَالِهِمْ
=
عَلَيْهِ، وَإِذَا حَدَّثْتُكُمْ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ فَإِنَّ الحَرْبَ خَدْعَةٌ، وَإِنِّي سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِ وَّهَ يَقُولُ: ((سَيَخْرُجُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ أَحُدَّاثُ الأَسْنَانِ،
سُفَهَاءُ الأَحْلاَمِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ البَرِيَّةِ، لاَ يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ
حَنَاجِرَهُمْ، يَمْزَّقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَأَيْنَمَا
لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَّهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ)).
أخرجه البخاري عن عمر بن حفص، عن غياث، ثنا أبي، ثنا
الأعمش، ثنا خيثمة، ثنا سويد به، وساقه في باب علامات النبوة عن
محمد بن كثير، ثنا سفيان، عن الأعمش به (١) كما سلف هناك.
قال الإسماعيلي: خالف عيسى بن يونس فقال: عن الأعمش،
حدثني عمرو بن مرة، عن خيثمة به. وهذا يبين أن في رواية البخاري
أنقطاعًا؛ لكنه صرح بالتحديث في خيثمة، فلعله سمعه من خيثمة
مرة، ومرة من عمرو بن مرة، ووقع للدارقطني أن عيسى بن يونس
رواه كرواية الجماعة وهو عجيب(٢).
قال الدارقطني: ورواه محمد بن طلحة عن الأعمش، عن زيد بن
وهب، عن علي، ووهم فيه والصواب خيثمة، عن سويد ورواه أبو إسحاق
السبيعي، واختلف عنه فرواه (إسرائيل)(٣) عنه، عن قيس بن سويد، عن
علي ووهم، ورواه يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق فضبطه عن أبي
إسحاق، فقال عن أبي قيس الأودى، عن سويد، عن علي وهو
الصواب(٤).
(١) سلف برقم (٣٦١١) كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة ..
(٢) ((العلل)) ٢٢٨/٣.
(٣) في (ص١): إسحاق.
(٤) ((العلل)) ٢٢٨/٣-٢٢٩.

٥٥٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
ولفظ إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن أبي إسحاق،
عن أبي قيس عند البزار: ((قتالهم حق على كل مسلم)).
وقال: رواه إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سويد، عن علي ولم
يدخل إسرائيل بين أبي إسحاق وسويد أحدًا، وقد روي هذا المتن
عن رسول الله وَاللّه من وجوه، رواه أبو سعيد وأبو هريرة وسهل بن
حنيف وأبو بكرة(١).
ثم ساق من حديث أبي بكرة من طريق عثمان الشحام، عن مسلم بن
أبي بكرة، عن أبيه (مرفوعًا)(٢) ((سيخرج من أمتي أقوام أحداث الأسنان
يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم ألا إذا لقيتموهم فاقتلوهم ثم إذا
لقيتموهم فاقتلوهم))(٣) يعني: اقتلوهم ثم قال: هذا الحديث لا نعلم
أحدًا يرويه عن أبي بكرة إلا بهذا الطريق، وقد روي هذا الكلام عن
النبي ◌َّر ونحوه من وجوه بألفاظ مختلفة، وفي حديث أبي بكرة شيء
ليس في حديث غيره، وفي لفظ: رأى النبي ◌َّ رجلًا مطموم الشعر
عليه ثوبان أبيضان فقال: ((إن هذا وأصحابه يمرقون من الدين
كما يمرق السهم من الرمية، لا يتعلقون بشيء من الدين)) فقلنا :
ألا نقتله؟ فقال: ((لا)) (٤).
وفي ((سنن أبي داود)) بإسناد جيد من حديث عبيدة، عن علي
مرفوعًا: ((لولا أن تبطروا لنبأتكم ما وعد الله الذين يقتلونهم))(٥).
(١) ((مسند البزار)) ١٨٧/٢-١٨٩.
(٢) من (ص١).
(٣) رواه أحمد ٣٦/٥، (المستدرك)) ١٥٩/٢.
(٤) رواه أحمد ٤٢/٥، والبزار كما في ((كشف الأستار)) ٣٦١/٢.
(٥) أبو داود (٤٧٦٣)، وصححه الألباني في ((صحيح ابن ماجه)) (١٣٧).

٥٥٧
كِتَابُ اسْتِتَابَةِ المُرْتَدِّينَ وَالمُعَانِدِينَ وَقِتَالِهِمْ
=
وفي رواية: ((يخرج قوم من أمتي يقرءون القرآن ليست قراءتكم إلى
قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم، ولا صيامكم إلى صيامهم
بشيء يقرءون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم لا تجاوز صلاتهم
تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لو يعلم
الجيش الذين يصيبونهم ما قضي لهم على لسان نبيهم لاتَّكلوا عن
العمل))(١) .
وفي ((الشريعة)) للآجري بإسناد جيد عن بكير، عن بسر، عن
عبيد الله بن أبي رافع -مولى أم سلمة- عنه مرفوعًا أنه العليها وصف
أناسًا: ((إني لأعرف صفتهم، يقولون الحق لا يجاوز تراقيهم
(يمرقون)(٢) هذا منهم - وأشار إلى حلقه- هم أبغض خلق الله إلى
الله))(٣).
الحديث الثاني :
حديث أَبِي سَلَمَةَ وَعَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّهُمَا أَتَيَا أَبَا سَعِيدِ الخُدْرِيَّ
فَسَأَلاَهُ عَنِ الحَرُورِيَّةِ: أَسَمِعْتَ النَّبِيَّ ◌َ؟. قَالَ: لاَ أَدْرِي مَا
الحَرُورِيَّةُ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َِّ يَقُولُ: ((يَخْرُجُ فِي هذِهِ الأُمَّةِ -وَلَمْ يَقُلْ
مِنْهَا- قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلاَتَكُمْ مَعَ صَلاَتِهِمْ، يَقْرَءُونَ القُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ
حَنَاجِرَهُمْ - أَوْ- حُلُوقَهُمْ يَمْرُقُونَمِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْم مِنَ الرَّمِيَّةِ،
فَيَنْظُرُ الرَّامِي، إِلَى سَهْمِهِ، إِلَى نَصْلِهِ، إِلَى رِصَافِهِ، فَيَتَمَارَىُ فِي الفُوقَةِ
هَلْ عَلِقَ بِهَا مِنَ الدَّمِ شَيْءٌ)) وقد سلف.
(١) رواه مسلم (١٥٦/١٠٦٦) كتاب: الزكاة، باب: التحريض على قتل الخوارج.
(٢) من (ص١).
(٣) ((الشريعة)) ص ٣٠.

٥٥٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وله: ((يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، والله لئن أنا
أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد))(١).
ولمسلم («سيماهم التحليق هم شر الخلق أو من شر الخلق يقتلهم
أدنى الطائفتين إلى الحق)(٢).
وأخرجه أبو داود من حديث قتادة، عن أبي سعيد الخدري وأنس بن
مالك مرفوعًا «سيكون في أمتي اختلاف وفرقه، قوم يحسنون القول
ويسيئون الفعل، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين
مروق السهم، ثم لا يرجعون حتى يرتد على فرقة، فهم شر الخلق،
والخليقة طوبى لمن قتلهم، يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في
شيء، من قاتلهم كان أولى بالله منهم)) قالوا: يا رسول الله،
ما سيماهم؟ قال: ((التحليق))(٣).
وفي حديث قتادة، عن أنس # نحوه: ((سيماهم التحليق والتسبيد،
فإذا لقيتموهم فاقتلوهم)»(٤).
قال أبو داود: التسبيد: استئصال الشعر.
ولابن ماجه: ((يخرج قوم في آخر الزمان - أو في هذه الأمة)) وفيه:
((إذا لقيتموهم أو رأيتموهم فاقتلوهم))(٥).
الحديث الثالث :
حديث ابن وَهْبٍ: حَدَّثَنِي عُمَرُ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ
(١) سلف برقم (٣٣٤٤) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾.
(٢) مسلم (١٤٩/١٠٦٥) كتاب: الزكاة، باب: ذكر الخوارج وحفاتهم.
(٣) أبو داود (٤٧٦٥) وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (٣٦٦٨).
(٤) أبو داود (٤٧٦٦) وفيه: ((فإذا رأيتموهم فأنيموهم))، وابن ماجه (١٧٥).
(٥) ابن ماجه (١٧٥)، وصححه الألباني (٨٠٥٤).

٥٥٩
ـ كِتَابُ اسْتِتَابَةِ المُرْتَدِّينَ وَالمُعَانِدِينَ وَقِتَالِهِمْ
-وَذَكَرَ الحَرُورِيَّةَ- فَقَالَ: قَالَ رسول الله وَّهِ: (يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلاَمِ مُرُوقَ
السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ».
وعمر هذا هو ابن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب،
أخو أبي بكر وعاصم وزيد وواقد، مدني عسقلاني اتفقا عليه، ولابن
ماجه عنه مرفوعًا: ((يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، كلما خرج قرن
قُطع)) قال ابن عمر: سمعت رسول الله وَّر يقول: ((كلما خرج قرن
قطع - أكثر من عشرين مرة- حتى يخرج في أعراضهم الدجال))(١).
وفي الباب أحاديث غير من عددنا:
أولًا: حديث عمار أنه قال لسعد بن أبي وقاص: أما سمعت رسول
الله ◌َله يقول: ((يخرج قوم من أمتي يمرقون من الدين مروق السهم من
الرمية يقتلهم علي بن أبي طالب؟)) قال: نعم، ثلاث مرات. أخرجه
أبو القاسم الطبراني في ((الأوسط))(٢).
وحديث جابر أخرجه مسلم وسلف في المغازي.
وحديث ابن مسعود مرفوعًا: ((يخرج في آخر الزمان قوم أحداث
الأسنان)) الحديث أخرجه ابن ماجه(٣).
وحديث أبي ذر ورافع بن عمرو أخى الحكم الغفاري وابن عباس
وأبي أمامة مرفوعًا مثل ذلك، وفي الأخير: ((إنهم كلاب النار)) ثلاثًا،
للآجري مطولًا (٤).
(١) ابن ماجه (١٧٤) وحسنه الألباني في (صحيح الجامع)) (٨١٧١).
(٢) الطبراني في ((الأوسط)) ٦٩/٤ (٣٦٣٤)، قال الذهبي في ((ميزان الاعتدال))
٢٠٩/٣: هذا حديث منكر.
(٣) ابن ماجه (١٦٨).
(٤) ((الشريعة)) ص ٣٣-٣٤ (٥٧).

٥٦٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وله عن عائشة رضي الله عنها بإسناد فيه جهالة، وذكرت الخوارج:
سمعت رسول الله وَ﴾ يقول: ((إنهم شرار أمتي يقتلهم خيار أمتي))(١).
ولابن ماجه من حديث عبد الله بن أبي أوفي مرفوعًا: ((الخوارج
كلاب النار))(٢) وحديث أبي برزة أخرجه النسائي، وفي أوله: فقام
رجل أسود مطموم الشعر عليه ثوبان أبيضان، وقال: يا محمد
ما عدلت في القسمة. وفي إسناده شريك بن شهاب، قال النسائي :
ليس بالمشهور (٣)، وأما ابن حبان فذكره في ((ثقاته)) (٤).
وفي ((الكامل)) للمبرد من حديث عبد الله بن عمر: ((وعلامتهم ذو
الخويصرة))، أو ((ذو الخبيصرة)) (٥)، ويروى عن النبي ◌َّ أنه نظر إلى
رجل ساجد إلى أن صلى فقال: ((ألا رجل يقتله)) فحسر أبو بكر عن
ذراعيه وانتضى السيف وضمد نحوه، ثم رجع إلى رسول اللّه مَّ فقال:
أأقتل رجلًا يقول لا إله إلا الله؟ فقال رسول الله ◌َّ: ((ألا رجل
يفعل)) ففعل عمر مثل ذلك، فلما كان في الثالثة قصد له عليٍّ فلم
يره، فقال الكلية: ((لو قتل لكان أول فتنة أو آخرها))(٦).
فصل :
كل من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت الجماعة عليه يسمى
خارجيًّا، سواء كان في زمن الصحابة أو بعدهم، كما نبه عليه
الشهرستاني في (نحله))(٧).
(١) السابق ص٣٢ (٥٥).
(٢) ابن ماجه (١٧٣).
(٣) ((سنن النسائي)) (٤١٠٣).
(٤) ((الثقات)) ٣٦٠/٤.
(٥) وفي ((الكامل)) ذو الخنيصرة ٢٤٥/٢.
(٦) رواه الحارث في ((مسنده)) كما في بغية الحارث ص ٢٢٠ (٧٠١).
(٧) ((الملل والنحل)) ص ١١٤.