النص المفهرس
صفحات 501-520
كِتَاب ◌ِاسْتِنَةِ المَرْتَزِين ٨٨- وَأْمُعَانِدِينَ وَقتَّالِهِمْ ١- [باب] إِثْمِ مَنْ أَشْرَكَ بِاللّهِ وَعُقُوبَتِهِ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: ١٣] وقال: ﴿لَيِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥]. ٦٩١٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﴾ قَالَ: لَا نَزَلَتْ هذِهِ الآيَةُ: ﴿ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوْاْ إِيَمَنَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ نَّهِ وَقَالُوا: أَيَُّا لَمْ يَلْبِسْ إِيمَانَهُ بِظُلْم؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ِّهِ: ((إِنَّهُ لَيْسَ بِذَاَ، أَلاَ تَسْمَعُونَ إِلَى قَوْلِ لُقْمَانَ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾؟ [لقمان: ١٣])). [انظر: ٣٢ - مسلم: ١٢٤- فتح ١٢/ ٢٦٤] ٦٩١٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا الْجَرَيْرِيُّ. وَحَدَّثَنِي قَيْسُ ابْنُ حَقْصٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ الْجَرَئِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ٥٠٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ابْنُ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِهِ ﴾ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ بَله: «أَكْبَرُ الكَبَائِرِ الإِشْرَاكُ باللهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ)) ثَلاثَا أَوْ ((قَوْلُ الزُّورِ)). فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ. [انظر: ٢٦٥٤ - مسلم: ٨٧- فتح ١٢/ ٢٦٤] ٦٩٢٠ - حَدَّثَنِي نُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا شَيْبَانُ، عَنْ فِرَاسٍ، عَنِ الشَّغْبِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو رضي الله عنهما قَالَ: جَاءَ أَغْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ◌ََّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الكَبَائِرُ؟ قَالَ: ((الإِشْرَاكُ باللهِ)). قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: (ثُمَّ عُقُوقُ الوَالِدَيْنِ)). قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: (الْيَمِينُ الغَمُوسُ)). قُلْتُ: وَمَا اليَمِينُ الغَمُوسُ؟ قَالَ: ((الَّذِي يَقْتَطِعُ مَالَ أَمْرِئٍ مُسْلِم هُوَ فِيهَا كَاذِبٌ)). [انظر: ٦٦٧٥ -فتح ١٢ / ٢٦٤] ٦٩٢١ - حَدَّثَنَا خَلَادُ بْنُ يَجْيَى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ وَالأَغْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ ابن مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَّوَّاخَذُ بِمَا عَمِلْنَا فِي الَجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ: ((مَنْ أَحْسَنَ فِي الإِسْلاَمِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا عَمِلَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَمَنْ أَسَاءَ فِي الإِسْلاَمِ أَخِذَ بِالأَوَّلِ وَالآخِرِ)). [مسلم: ١٢٠ - فتح ٢٦٥/١٢] ذکر فیه أحادیث: أحدها : حديث عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﴾ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هُذِه الْآيَةُ: ﴿ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوَأْ إِيَمَنَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَاب رسول الله وَ﴿ فَقَالُوا: أَيُّنَا لَمْ يَلْبِسْ إِيمَانَهُ بِظُلْم؟ فَقَالَ الَِّهِ: ((إِنَّهُ لَيْسَ بِذَاكَ، أَلاَ تَسْمَعُونَ إِلَى قَوْلِ لُقْمَانَ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾؟ [لقمان: ١٣])). وقد سلف في الإيمان والتفسير وأحاديث الأنبياء(١) وغير ذلك. (١) سلف في ((التفسير)) برقم (٤٦٢٩)، وفي أحاديث الأنبياء برقم (٣٣٦٠). ٥٠٣ كِتَابُ اسْتِتَابَةِ المُرْتَدِّينَ وَالمُعَانِدِينَ وَقِتَالِهِمْ - ثانيها : حديث عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َلّهِ: (أَكْبَرُ الكَبَائِرِ الإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ - ثَلاَثًا- وقَوْلُ الزُّورِ)). فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ . وقد سلف أيضًا. ثالثها : حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رسول اللهِ وَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الكَبَائِرُ؟ قَالَ: ((الإِشْرَاكُ باللهِ)). قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: (ثُمَّ عُقُوقُ الوَالِدَيْنِ)). قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ((الْيَمِينُ الغَمُوسُ)). قُلْتُ: وَمَا الْيَمِينُ الغَمُوسُ؟ قَالَ: ((الَّذِي يَقْتَطِعُ بها مَالَ آَمْرِئٍ مُسْلِم بيمين هُوَ فِیھَا كَاذِبٌ)). وقد سلف قريبًا . رابعها : حديث أَبِي وَائِلٍ، عَنِ ابن مَسْعُودٍ ﴾ُ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنُؤَاخَذُ بِمَا عَمِلْنَا فِي الجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ: ((مَنْ أَحْسَنَ فِي الإِسْلاَمِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا عَمِلَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَمَنْ أَسَاءَ فِي الإِسْلاَمِ أَخِذَ بِالأَوَّلِ وَالآخِرِ)). (الشرح)(١) : الآية الأولى دالة على عظم الشرك، ولا شك أنه لا إثم أعظم منه، ولا عقوبة أشد من عقوبته في الدنيا والآخرة؛ لأن الخلود الأبدي لا يكون في ذنب غير الشرك بالله، ولا يحبط الإيمان غيره؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨] وإنما سمى الله وّ الشرك ظلمًا؛ لأن الظلم أصله وضع الشيء في (١) في الأصل: فصل. ٥٠٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = غير موضعه؛ لأنه كان يجب عليه الأعتراف بالعبودية والإقرار بالربوبية حين أخرجه من العدم إلى الوجود وخلقه من قبل ولم يك شيئًا، ومنَّ عليه بالإسلام والصحة والرزق إلى سائر نعمه التي لا تحصى، فظلم نفسه ونسب النعمة إلى غير منعمها؛ لأن الله هو الرزاق والمحيي والمميت، فحصل الإشراك. وذكر بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةٌ﴾ [لقمان: ٢٠] أن رجلاً من العباد عدَّ نَفَسَه في اليوم والليلة فبلغ أربعة عشر ألف نَفَس، فكم يرى لله تعالى على عباده من النعم في غير النفس مما يعلم ومما لا يعلم ولا يهتدى إليه، وقد أخبر الرب جل جلاله أن من بدل نعمة الله كفرًا فهو صالي إلى جهنم، وقال تعالى: ﴿وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ ٢٩٦" [إبراهيم: ٢٨، ٢٩]. فصل : وأما الآية الثانية فهي مما خوطب به، والمراد غيره، ومعناها: إذا أتصل بالموت؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَنْ دِينِهِ، فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ الآية [البقرة: ٢١٧]. وقيل: بنفس الردة تحبط أعماله، وفائدة الخلاف في إعادة الحج الذي حجه قبلها، واختلف في عود ملكه إذا أسلم، وفي عود أم ولده وزوجته، وفي إرثه من مات في حال ردته، وفي أفعاله ونكاحه إذا تزوج كتابية، وحكم ما عقده على نفسه من يمين بطلاق وغيره، وحد قاذفه، وفي بطلان إحصانه، والأصح عندنا أن ملكه موقوف، فإذا عاد إلى الإسلام استمر وإلا فلا. ٥٠٥ = كِتَابُ اسْتِتَابَةِ المُرْتَدِّينَ وَالمُعَانِدِينَ وَقِتَالِهِمْ فصل : ومعنى حديث ابن مسعود : ((من أحسن في الإسلام)) بالتمادي عليه ومحافظته والقيام بشروطه ((لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية)) ذكره المهلب. وقام الإجماع على أن الإسلام يجبُّ ما قبله(١). قال: ومعنى قوله: ((ومن أساء في الإسلام)) أي: في عقده والتوحيد بالكفر بالله، فهذا يؤاخذ بكل كفر سلف له في الجاهلية والإسلام، ولا تكون الإساءة إلا الكفر؛ لإجماع الأمة أن المؤمنين لا يؤاخذون بما عملوا في الجاهلية. وقال الخطابي: ظاهره خلاف ما أجمعت عليه الأمة من أن الإسلام يجبُّ ما قبله، بقوله: ﴿إِن يَنْتَهُوَأْ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] وتأويله إذا أسلم مرة لم يؤاخذ بما كان سلف من كفره، ولم يعاقب عليه، فإن كان أساء في الإسلام غاية الإساءة، وارتكب أكبر المعاصي ما دام تائبًا على الإسلام، وإنما يؤاخذ بما جاءه من المعصية في الإسلام، ويغفر ما كان منه في الكفر، ويبكّت به، يقال: أليس قد فعلت كيت وكيت وأنت كافر، هل منعك إسلامك معاودة مثله إذا أسلمت، ثم يعاقب عقوبة مسلم، ولا يخلد في النار(٢). وقال أبو عبد الملك: إن من أسلم إسلامًا صحيحًا لا نفاق فيه ولا شك لم يؤاخذ للآية السالفة. ومعنى ((من أساء في الإسلام)) أي أسلم رياء وسمعة فهو منافق يؤاخذ بالأول والآخر. (١) انظر: ((أعلام الحديث)) ٤/ ٢٣١١. (٢) ((أعلام الحديث)) ٢٣١١/٤ - ٢٣١٢. ٥٠٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وقال الداودي: معنى ((من أحسن في الإسلام)): مات عليه. قال تعالى ﴿إِن يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ ومن أساء مات على غيره. ٥٠٧ كِتَابُ اسْتِتَابَةِ المُرْتَدِّينَ وَالمُعَانِدِينَ وَقِتَالِهِمْ ٢- باب حُكْم المُرْتَدِّ وَالْمُرْتَدَّةِ واستتابتهما وَقَالَ ابن عُمَرَ وَالزُّهْرِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ: تُقْتَلُ المُرْتَدَّةُ. وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿كَيْفَ يَهْدِى اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَنِهِمْ وَشَهِدُوّاْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌ وَجَاءَ هُمُ الْبَيْنَتُّ وَلَهُ لَا يَهْدِى اُلْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَغْنَةَ اللَّهِ وَالْمَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خَلِينَ فِيَهّا لَا يُحَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُظَرُونَ (٣) إِلَّا إِنَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (9َ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَنِهِمْ ثُمَّ أَزْدَادُواْ كُفْرًا لَّنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ ﴾﴾ [آل عمران: ٨٦- ٩٠]. وَقَالَ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ فَرِقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ يَرُدُوكُمْ بَعْدَ إِنِكُمْ كَفِرِينَ ﴾ [آل عمران: ١٠٠]. وَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ أَزْدَادُواْ كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً (٣٦)﴾ [النساء: ١٣٧]. وَقَالَ: ﴿مَنْ يَرْقَدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِ فَسَوْفَ يَأْتِى اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ: أَذِلَّةٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤] وَقَالَ: ﴿وَلَكِن مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ أَسْتَحَبُّواْ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ اُلْكَفِرِينَ الـ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَرِهِمٌّ وَأُوْلَِكَ هُمُ الْغَفِلُونَ (١٠٨ لَا جَرَمَ﴾ يَقُولُ: حَقًّا ﴿أَنَّهُمْ فِى الْأَخِرَةِ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ﴾ ﴿مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦ - ١١٠] ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَدِلُونَّكُمْ حَتَّى يَرُدُوَكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ ٥٠٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == أَسْتَطَعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنَكُمْ عَن دِينِهِ، فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُؤْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِّ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧]. ٦٩٢٢ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّغْمَانِ مُحَمَّدُ بْنُ الفَضْلِ، حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: أُنَ عَلَيّ ◌َُّ بِزَنَادِقَةٍ فَأَحْرَقَهُمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابن عَبَّاسٍ فَقَالَ: لَوْكُنْتُ أَنَا لَمْ أُخْرِقْهُمْ لِنَهْي رَسُولِ اللهِ وَّةَ، وَلَقَتَلْتُهُمْ لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ وََّ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ)). [انظر: ٣٠١٧ -فتح ١٢ / ٢٦٧] ٦٩٢٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَخْيَى، عَنْ قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنِي ◌ُمَيْدُ بْنُ هِلاَلٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بُزْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: أَقْبَلْتُ إِلَى النَّبِيِّ نَّهِ وَمَعِي رَجُلاَنِ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِي وَالآخَرُ عَنْ يَسَارِي، وَرَسُولُ اللهِ وَلِّ يَسْتَاكُ، فَكِلاَهُمَا سَأَلَ. فَقَالَ: (يَا أَبَا مُوسَى)). أَوْ ((يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ)). قَالَ: قُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَطْلَعَانِي عَلَى مَا فِي أَنْفُسِهِمَا، وَمَا شَعَرْتُ أَنَّهُمَا يَطْلُبَانِ العَمَلَ. فَكَأَّ أَنْظُرُ إِلَى سِوَاكِهِ تَحْتِ شَفَتِهِ قَلَصَتْ، فَقَالَ: ((لَنْ أَوْ لاَ- نَسْتَعْمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ، ولكن أَذْهَبْ أَنْتَ يَا أَبَا مُوسَى - أَوْ يَاعَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْس - إِلَى الْيَمَنِ)). ثُمَّ أَتَّبَعَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ أَلْقَى لَهُ وِسَادَةً قَالَ: آَنْزِلْ. وَإِذَا رَجُلٌ عِنْدَهُ مُوثَّقٌ. قَالَ: مَا هذا؟ قَالَ: كَانَ بَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ. قَالَ: أَجْلِسْ. قَالَ: لاَ أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ، قَضَاءُ اللهِ وَرَسُولِهِ. ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ. [انظر: ٢٢٦١ - مسلم: ١٧٣٣ - فتح ١٢/ ٢٦٨] تعليق ابن عمر رضي الله عنهما أخرجه ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن سفيان، عن عبد الكريم، عمن سمع ابن عمر رضي الله عنهما(١). وتعليق الزهري أخرجه الدارقطني من حديث عبد الرزاق عن معمر . عنه (٢) (١) ((المصنف)) ٥٥٧/٥ (٢٨٩٧٨). (٢) ((السنن)) ١١٩/٣. ٥٠٩ = كِتَابُ اسْتِتَابَةِ المُرْتَدِّينَ وَالمُعَانِدِينَ وَقِتَالِهِمْ وتعليق إبراهيم أخرجه ابن أبي شيبة عن عبد الصمد، عن هشام، عن حماد، عنه . وحدثنا محمد بن بشر، عن سعيد، عن أبي معشر، عن إبراهيم: تستتاب فإن تابت وإلا قتلت. وحدثنا وكيع، ثنا سفيان، عن سعيد، عن أبي معشر، عن إبراهيم في المرتدة عن الإسلام قال: تستتاب فإن تابت وإلا قتلت، وحدثنا حفص، عن عبيد، عن إبراهيم قال: لا تقتل(١). وكأن البخاري أراد بهذا تضعيف حديث عدم قتلها. أخرجه الدارقطني من حديث ابن عباس رضي الله عنهما رفعه: ((لا تقتل المرأة إذا أرتدت)) ثم قال: لا يصح عن رسول الله وَ ل﴾، ولا رواه شعبة، ورواه عنه عبد الله بن عيسى(٢)، وهو كذاب يضع الحديث على عفان، ثم رواه من حديث أبي رزين عنه في المرأة ترتد قال: (تحبس)(٣) ولا تقتل (٤) - وأورده ابن بطال بلفظ: لا تقتل النساء إذا هن أرتددن عن الإسلام ولكن يحبسن ويجبرن عليه(٥). وفي رواية لابن أبي شيبة من حديث أبي عاصم، عن سفيان، وأبي حنيفة، عن عاصم [عن](٦) أبي رزين بلفظ: [يحبسن](٧). (١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٥٥٨/٥ (٢٨٩٩١، ٨٩٩٢) ٤٤٦/٦ (٣٢٧٦٨، ٣٢٧٧٢). (٢) ورد بهامش الأصل: هو عبد الله بن عيسى الجزري. (٣) كذا في الأصل، وعند الدارقطني: تجبر. (٤) ((سنن الدارقطني)) ١١٧/٣-١١٨. (٥) ((شرح ابن بطال)) ٨/ ٥٧٣ موقوفًا. (٦) في الأصول: (و)، والمثبت من ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٥٥٧/٥ (٢٨٩٨٥). (٧) في الأصول: (يحبسا) والمثبت من ((المصنف)). ٥١٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وقال ابن معين: كان الثوري يعيب على أبي حنيفة حديثًا كان يرويه [ولم](١) يروه غيره عن عاصم عن أبي رزين، ثم ساقه من حديث عبد الرزاق عن سفيان، عن أبي حنيفة، عن عاصم. ومن طريق آخر عن أبي حنيفة، ومن طريق أبي عاصم، عن سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين. قال أبو عاصم: نرى أن الثوري إنما دلسه على أبي حنيفة، فكتبتهما جميعًا(٢) . ثم رواه من طريق طلق بن غنام، عن أبي مالك النخعي، عن عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس مثله، ولفظه: تحبس. ومن حديث محمد بن إسماعيل بن عياش، عن أبيه، ثنا محمد بن عبد الملك الأنصاري ثنا الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: ارتدت امرأة يوم أحد فأمر رسول الله وَل﴿ أن تستتاب، فإن تابت وإلا قتلت، ومن حديث نجيح بن إبراهيم الزهري، ثنا معمر بن بكار السعدي، ثنا إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن ابن المنكدر، عن جابر أن أمرأة يقال لها أم (رومان)(٣) ارتدت عن الإسلام، فأمر العلني أن يعرض عليها الإسلام، فإن رجعت وإلا قتلت. ومن حديث حصين، عن ابن أخي الزهري، عن عمه، عن ابن المنكدر عن جابر طُه بلفظ: إذا ارتدت عن الإسلام أن تذبح. وفي حديث الخليل بن ميمون الكندي ثنا عبد الله بن أذينة، عن هشام بن الغاز، عن ابن المنكدر عنه، وفيه: فأبت أن تسلم فقتلت(٤). (١) ليست في الأصول، والمثبت من ((سنن الدارقطني)). (٢) ((سنن الدارقطني)) ٢٠٠٠/٣-٢٠٠١. (٣) كذا في الأصول، وفي الدار قطني: (مروان). (٤) ((سنن الدار قطني)) ١١٨/٣-١١٩. ٥١١ كِتَابُ اسْتِتَابَةِ المُرْتَدِّينَ وَالمُعَانِدِينَ وَقِتَالِهِمْ = ثم ساق البخاري آيات مناسبة للتبويب، فقال: وقال الله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِى اَللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَنِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَأُوْلَتِكَ هُمُ اُلْضَاَلُونَ﴾، وقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ اَلْكِتَبَ يَرُدُوَكُمْ بَعْدَ إِمَنِّكُمْ كَفِينَ )﴾، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ ثُمَّ ١٠٠) كَفَرُواْ ثُمَّ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ أَزْدَادُواْ كُفْرًا﴾ الآية، وقال: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِ، فَوْفَ يَأْتِى اَللَّهُ بِقَوْمٍ يُحُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾، ﴿وَلَكِن مَّنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ﴾، إلى قوله: ﴿لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَائِلُونَكُمْ حَّى يَرُدُوكُمْ عَن دِينِكُمْ﴾ إلى ﴿خَالِدُونَ﴾. ثم ساق حديث عِكْرِمَةَ قَالَ: أُتِيَ عَلِيٍّ ◌َ﴿هَ بِزَنَادِقَةٍ فَأَحْرَقَهُمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابن عَبَّاسٍ فَقَالَ: لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أُحْرِقْهُمْ لِنَهْي رَسُولِ اللهِ بَ: ((لا تعذبوا بعذاب الله)) وَلَقَتَلْتُهُمْ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ وَهُ: ((مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ)) . وحديث أَبِي مُوسَى قَالَ: أَقْبَلْتُ إِلَى رسول اللهِوَ ﴿ وَمَعِي رَجُلاَنٍ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ إلى أن قال: ((اذْهَبْ أَنْتَ يَا أَبَا مُوسَى - أَوْ يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسِ - إِلَى الْيَمَنِ)). ثُمَّ أَتَّبَعَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ أَلْقَى لَهُ وِسَادَةً قَالَ: آنْزِلْ. فإِذَا عنده رَجُلٌ مُوثَقٌ. قَالَ: مَا هذا؟ قَالَ: كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ. قَالَ: أَجْلِسْ. قَالَ: لاَ أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ، قَضَاءُ اللهِ وَرَسُولِهِ. ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ. وحديث عكرمة عن مولاه، وسلف في الجهاد، وهو من أفراده. وأخرجه الإسماعيلي بلفظ: إن عليًّا أتي بقوم قد ارتدوا عن الإسلام -أو قال: زنادقة- ومعهم كتب لهم، فأمر بنار فأججت وألقاهم فيها . ٥١٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وفي أبي داود من حديث أيوب أن عليًّا ظ حرق ناسًا ارتدوا عن الإسلام، فبلغ ذلك ابن عباس .. الحديث. لم يتردد فيهم. والترمذي كذلك ثم قال: حسن صحيح، والنسائي بلفظ: إن ناسًا ارتدوا عن الإسلام ... الحديث. وفي رواية من طريق قتادة أن عليًّا ◌َلله أتي بأناس من الزط يعبدون وثنًا فأحرقهم، فقال ابن عباس .. الحديث(١). فصل : قال ابن الطلاع في ((أحكامه)): لم يقع في شيء من المصنفات المشهورة أنه التّه قتل مرتدًّا ولا زنديقًا، وقتل الصديق أمرأة يقال لها: أم قرفة أرتدت بعد إسلامها(٢). فصل : روى ابن أبي شيبة من حديث عبد الرحمن بن عبيد، عن أبيه قال: كان أناس يأخذون العطاء والرزق ويصلون مع الناس، وكانوا يعبدون الأصنام في السر، فأتى بهم علي عته، فوضعهم في المسجد -أو قال: في السجن- ثم قال: يأيها الناس ما ترون في قوم كانوا يأخذون معكم العطاء والرزق ويعبدون هذه الأصنام؟ قال الناس: تقتلهم. قال: لا ، ولكن أصنع بهم كما صنع بأبينا إبراهيم، فحرقهم بالنار. ثم ساق عن أيوب بن النعمان قال: شهدت عليًّا ه في الرحبة وجاءه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، إن هنا أهل بيت لهم وثن في دار يعبدونه. فقام علي # يمشي حتى انتهى إلى الدار فأمرهم (١) أبو داود برقم (٤٣٥١)، والترمذي برقم (١٤٥٨)، والنسائي ١٠٤/٧ -١٠٥. (٢) رواه الدارقطني في ((سننه)) ١١٤/٣. ٥١٣ - كِتَابُ اسْتِتَابَةِ المُرْتَدِّينَ وَالمُعَانِدِينَ وَقِتَالِهِمْ فدخلوا، فأخرجوا إليه تمثال (رجل)(١)، فألهب على أهل الدار(٢). وعن سويد بن غفلة أن عليًّا حرق زنادقة بالسوق، فلما رمى عليهم النار قال: صدق الله ورسوله، ثم انصرف(٣). وعن قابوس بن أبي المخارق، عن أبيه قال: بعث علي # محمد بن أبي بكر أميرًا على مصر، فكتب إليه يسأله عن زنادقة: منهم من يعبد الشمس، ومنهم من يعبد غير ذلك، ومنهم من يدعي الإسلام، فكتب علي ◌ّه وأمره بالزنادقة أن يقتل من كان يدعي الإسلام ويترك سائرهم يعبدون ما شاءوا(٤). وذكر أبو المظفر طاهر بن محمد الإسفرائيني في كتابه ((التبصير في الدين)) أن الذين حرقهم علي # طائفة من الروافض تدعى السبائية أدعوا أن عليًّا إله، وكان رئيسهم عبد الله بن سبأ وكان أصله يهوديًّا(٥)(٦). فصل : اختلف العلماء في استتابة المرتد على قولين، فروي عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود(٧) أنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وهو قول أكثر العلماء. (١) كذا في الأصل، وفي ((المصنف)): رخام. (٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٥٥٨/٥ (٢٨٩٩٤-٢٨٩٩٥). (٣) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٥٥٨/٥ (٢٨٩٩٣). (٤) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٥٥٨/٥-٥٥٩ (٢٨٩٩٦). (٥) ورد في هامش الأصل: كذا ذكر ابن تيمية أن الذين أحرقهم عليٍّ بالنار ادعوا فيه الإلهية في الرد على ابن مظهر. (٦) ((التبصير في الدين)) ص ١٢٣. (٧) أنظر هذِه الآثار في ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٥٥٦/٥-٥٥٧ (٢٨٩٧٦، ٢٨٩٧٧)، ((شرح معاني الآثار)) ٢١٠/٣-٢١٢ (٥١٠٥-٥١١١). ٥١٤ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح وهل هي واجبة أو مستحبة؟ قولان للشافعي، أصحهما: أنها واجبة، والخلاف عند المالكية أيضًا ومذهبه الوجوب، وإذا قلنا : واجبة هل تأخيره ثلاثًا واجب أو مستحب، فيه روايتان عن مالك وكذلك الشافعي(١)، وقالت طائفة: لا يستتاب ويجب قتله حين يرتد في الحال، روي (ذلك)(٢) عن الحسن البصري(٣) وطاوس(٤)، وذكره الطحاوي عن أبي يوسف(٥) وهو قول أهل الظاهر، واحتج بحديث الباب: ((من بدل دينه فاقتلوه)) ولم يذكر فيه استتابة، وكذا حديث معاذ وأبي موسى: لا أجلس حتى يقتل، ولم يذكر استتابة هنا. نعم، روى ابن أبي شيبة من حديث حميد بن هلال أن معاذًا (قال: ما هذا؟ قيل: يهودي)(٦) أسلم ثم أرتد وقد استتابه أبو موسى شهرين فقال معاذ: لا أجلس حتى أضرب عنقه(٧). قال الطحاوي: جعل أهل هذه المقالة حكم المرتد حكم الحربيين إذا بلغتهم الدعوة أنه يجب قتالهم دون أن يؤذنوا، قالوا: وإنما تجب الاستتابة لمن خرج عن الإسلام لا عن بصيرة، فأما إن خرج منه عن بصيرة فإنه يقتل دون استتابة (٨) . (١) انظر: ((عيون المجالس)) ٢٠٨٣/٥-٢٠٨٥، ((البيان)) للعمرانى ٤٦/١٢-٤٧، ((روضة الطالبين)) ١٠/ ٧٦. (٢) من (ص١). (٣) انظر: ((عيون المجالس)) ٢٠٨٣/٥، ((المغني)) ٢٦٧/١٢. (٤) رواه عبد الرزاق في ((مصنفه)) ١٦٥/١٠ (١٨٧٠٠)، وانظر المصدر السابق. (٥) ((شرح معاني الآثار)) ٢١٠/٣. (٦) في الأصل: قتل يهوديًّا، والمثبت من (ص١). (٧) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٥٥٧/٥ (٢٨٩٧٩). (٨) ((شرح معاني الآثار)) ٢١٠/٣. ٥١٥ =ِ كِتَابُ اسْتِتَابَةِ المُرْتَدِّينَ وَالمُعَانِدِينَ وَقِتَالِهِمْ وقال عطاء: إن ولد في الإسلام ثم أرتد لم يستتب، وإن كان كافرًا وأسلم ثم أرتد فإنه يستتاب(١). وقال أبو يوسف: إن بدر بالتوبة خليت سبيله ووكلت أمره إلى الله تعالى(٢). وقال أبو حنيفة: يستتاب ثلاث مرات في ثلاثة أيام في ثلاث جمع، كل يوم مرة أو كل جمعه مرة. وعن علي : يستتاب شهرًا. وعن الثوري: يستتاب أبدًا(٣)، واختلف في مذهب مالك هل يخوَّف في الثلاثة الأيام بالقتل؟ وهل يقتل من أرتد إذا كان إسلامه عن ضيق أو غرم؟ قال ابن القصار: والدليل على أنه يستتاب الإجماع، وذلك أن عمر قال في المرتد الذي قتل: هلا حبستموه ثلاثة أيام، وأطعمتموه كل يوم رغيفًا؛ لعله يتوب الله عليه، اللهم لم أحضر ولم آمر ولم أرض إذ بلغني، ولم يختلف الصحابة في استتابة المرتد، فكأنهم فهموا من قوله: ((من بدل دينه فاقتلوه)) أن المراد بذلك إن لم يتب، يدل له قوله تعالى: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتَواْ الزَّكَوَةَ فَخَلُواْ سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] عموم في كل كافر. وأما حديث معاذ وأبي موسى فلا حجة فيه لمن لم يقل بالاستتابة؛ لأنه روي أنه كان أستتابه أبو موسى كما سلف، وقد جاء عدم الاستتابة أيضًا وهو يخدش في الإجماع السالف. روى ابن أبي شيبة، عن غندر، عن سماك، عن ابن الأبرص، عن علي # أنه أتي برجل كان نصرانيًّا فأسلم ثم تنصر، فسأله عن كلمة فقال له: ما أدري غير أن عيسى (١) أنظر: ((عيون المجالس)) ٢٠٨٣/٥. (٢) ((شرح معاني الآثار)) ٢١٠/٣. (٣) أنظر: ((الهداية)) ٤٥٨/٢، ((عيون المجالس)) ٢٠٨٥/٥-٢٠٨٦. ٥١٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ابن الله. فقام إليه (علي)(١) نجّاه برجله، وقام الناس إليه فضربوه حتى قتلوه، وفي رواية: ثم أحرقه (٢). وروى الدارقطني من حديث عبد الملك بن عمير قال: شهدت عليًّا ، وجيء بأخي بني عجل تنصر بعد إسلامه، فقال له علي: ما حديث حدثته عنك؟ قال: ما هو؟ (قال: أنك تنصرت. قال: أنا على دين المسيح. فقال علي)(٣): وأنا على دين المسيح. قال علي: ما تقول فيه؟ قال: فتكلم بكلمة خفيت عني، فقال علي : طئوه، فوطئوه حتى مات، قال: فقلت لرجل ما قال؟ فقال: المسيح ربه (٤). وروى ابن أبي شيبة أيضًا من حديث ليث عن طاوس، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لا تساكنكم اليهود ولا النصارى إلا أن يسلموا، فمن أسلم منهم ثم أرتد فلا تضربوا إلا عنقه(٥). فصل : واختلفوا في استتابة المرتدة، فروي عن علي أنها لا تستتاب وتسترق، وبه قال عطاء وقتادة، ولم يقل بهذا جمهور العلماء، وقالوا: لا فرق بين استتابة المرتد والمرتدة. وروي عن أبي بكر الصديق مثله، وممن قال به ابن عمر والحسن والأوزاعي والليث ومالك، وشذ أبو حنيفة وأصحابه فقالوا بما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما في ذلك، وقال: إنه راوي حديث (١) من (ص١). (٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٥٥٩/٥ (٢٨٩٩٨). (٣) من (ص١). (٤) ((سنن الدار قطني)) ١١١/٣-١١٢. (٥) ابن أبي شيبة ٥٥٩/٥ (٢٩٠٠٠). ٥١٧ كِتَابُ اسْتِتَابَةِ المُرْتَدِّينَ وَالمُعَانِدِينَ وَقِتَالِهِمْ = الباب ولم ير قتل المرتدة، فهو أعلم بمخرج الحديث، بل تحبس إن كانت في دار الإسلام حتى تسلم، وإن لحقت بدار الحرب استرقت، وإن كانت أمة أجبرها سيدها على الإسلام، واحتجوا بأنه التَّ نهى عن قتل النساء، قالوا: والمرتدة لا تقاتل فوجب ألا تقتل كالحربية، حجة الجماعة حديث الباب و((من)) فيه تصلح للذكر والأنثى فهو عموم يدخل فيه النساء أيضًا؛ لأنه التَّها لم يخص أمرأة من رجل(١). قال ابن المنذر: وإذا كان الكفر من أعظم الذنوب وأجل حرم أحترمه المسلمون من الرجال والنساء، ولله أحكام في عباده وحدود دون الكفر ألزمه عباده، منها: الزنا والسرقة وشرب الخمر وحد القذف والقصاص، وكانت الأحكام والحدود التي (هي)(٢) دون الارتداد لازمة للرجال والنساء مع عموم الحديث ((من بدل دينه فاقتلوه)) فكيف يجوز أن يفرق أحد بين أعظم الذنوب، فيطرحه عن النساء ويلزمهن ما دون ذلك، هذا غلط (بين)(٣). وأما حديث ابن عباس السالف من رواية الثوري عن بعض أصحابه عن عاصم بن بهدلة، عن أبي رزين، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لا تقتل النساء إذا هن أرتددن عن الإسلام ولكن يحبسن ويجبرن عليه (٤)، فإنما رواه أبو حنيفة، عن عاصم(٥). (١) أنظر: ((مختصر الطحاوي)) ص٢٥٩، ((الهداية)) ٤٥٨/٢، ((شرح فتح القدير)) ٣٨٨/٤، ((عيون المجالس)) ٢٠٨٣/٥-٢٠٨٤، ((الكافي)) ص٥٨٤، ((الأم)) ١٥٩/٦- ١٦٥، ((روضة الطالبين)) ٧٥/١٠، ((المغني)) ٢٦٤/١٠-٢٦٦. (٣) من (ص١). (٢) من (ص١). (٤) ابن أبي شيبة ٤٤٦/٦ (٣٢٧٦٣). (٥) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٥/ ٥٥٧ (٢٨٩٨٧). ٥١٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وقد قال أحمد: لم يروه الثقات من أصحاب عاصم كشعبة وابن عيينة وحماد بن زيد، وإنما رواه الثوري، عن أبي حنيفة، وقد قال أبو بكر بن عياش: قلت لأبي حنيفة: هذا الذي قاله ابن عباس إنما قاله فيمن أتى بهيمة أنه لا قتل عليه، لا في المرتدة. قال: فتشكك فيه وتلون ولم يقم به. فدل على أنه خطأ، ولو صح لكان قول ابن عباس رضي الله عنهما يعارضه؛ لأن أبا بكر الصديق مخالف له، وقد قال: تستتاب المرتدة، ثم يرجع إلى حديث ابن عباس حديث الباب الذي هو حجة على كل أحد. وأما قياسهم لها على الحربية فالفرق بينهما أن الحربية (إنما)(١) لم تقتل إذا لم تقاتل؛ لأن الغنيمة تتوقف بترك قتلها؛ لأنها تسبى وتسترق، والمرتدة لا تسبى ولا تسترق، فليس في أستبقائها غنم. فصل : واختلفوا في الزنديق هل يستتاب، فقال مالك والليث وأحمد وإسحاق: يقتل ولا تقبل له توبة (٢)، قال مالك: والزنادقة: ما كان عليه المنافقون من إظهار الإيمان وكتمان الكفر(٣). واختلف قول أبي حنيفة وأبي يوسف، فمرة قالا: يستتاب، ومرة قالا : لا (٤). (١) في الأصل: لأنها. والمثبت من ((شرح ابن بطال)) وهو الأليق بالسياق. (٢) أنظر: ((عيون المجالس)) ٢٠٨١/٥، ((التمهيد)) ١٥٥/١٠-١٥٧، ((الشرح الكبير)) ١٣٣/٢٧-١٣٤، ((الإنصاف)» ١٣٣/٢٧-١٣٧. (٣) ((التمهيد)) ١٥٤/١٠. (٤) ((شرح السير الكبير)) ١٧٩/٥، ((شرح فتح القدير)) ٧١/٦-٧٢. ٥١٩ = كِتَابُ اسْتِتَابَةِ المُرْتَدِّينَ وَالمُعَانِدِينَ وَقِتَالِهِمْ قال الشافعي: يستتاب كالمرتد، وهو قول أبي عبيد الله بن الحسن، وذكر ابن المنذر عن علي مثله (١). وقيل لمالك: لِمَ تقتله ورسول الله وَّ لم يقتل المنافقين وقد عرفهم؟ فقال: لأن توبته لا تعرف، وأيضًا فإن الشارع لو قتلهم وهم يظهرون الإيمان لكان قتلهم بعلمه، ولو كان قتلهم بعلم لكان ذريعة إلى أن يقول الناس: قتلهم للضغائن والعداوة، ولامتنع من الإسلام والدخول فيه إذا رأى الشارع يقتل من دخل في الإسلام؛ لأن الناس كانوا عهد بالكفر، هذا معنى قوله(٢). وقد روي عنه الكفيها أنه قال: (لئلا يقول الناس إنه يقتل أصحابه))(٣)، وحكى بعض المتأخرين على مذهب مالك: إن أتى تائبًا قبل أن يظهر عليه قبلت توبته، وإن ظهر عليه فاعترف ولم يرجع قبل ولم يورث، وإن اعترف ومات وكذب البينة وتمادى على الجحود قتل ولم تقبل توبته، ولم ينظر إلى جحود الآخر. واحتج الشافعي(٤) بقوله ◌َّك في المنافقين ﴿أَّخَذُواْ أَيْمَنَهُمْ جُنَّةً﴾ [المجادلة: ١٦] وهذا يدل على أن إظهار الأيمان (جنة من القتل. قال: وقد جعل الشارع الشهادة بالأيمان)(٥) تعصم الدم والمال، فدل أن من أهل القبلة من شهد بها غير مخلص وإنما تحقن دمه وماله وحسابه على الله تعالى. (١) ((الإقناع)) ٥٨٥/٢-٥٨٦. (٢) ((التمهيد)) ١٥٤/١٠. (٣) سلف برقم (٣٥١٨) كتاب: المناقب، باب: ما ينهى من دعوى الجاهلية. (٤) ((الأم)) ١٥٨/٦. (٥) من (ص١). ٥٢٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - (وقد أجمعوا)(١) أن أحكام الدنيا على الظاهر، وإلى الله تعالى السرائر. وقد قال القَّه (لخالد بن الوليد (٢) حين قتل الذي استعاذ بالشهادة)(٣): ((أفلا شققت عن قلبه)) (٤) فدل أن ليس له إلا الظاهر. قال: وأما قولهم: إن الشارع لم يقتل المنافقين لئلا نقول: إنه قتلهم بعلمه، وأنه يقتل أصحابه، قيل: وكذلك لم يقتلهم بالشهادة عليهم كما لم يقتلهم بعلمه، فدل أن ظاهر الإيمان جنة من القتل. وفي (سنته) (٥) الَّ في المنافقين دلالة على أمور: منها: أنه لا يقتل من أظهر التوبة من الكفر بعد الإيمان. ومنها: أنه حصن دماءهم وقد رجعوا إلى غير يهودية ولا نصرانية ولا دين يظهرونه، إنما أظهروا الإسلام وأسروا الكفر فأقرهم الشارع على أحكام المسلمين فناكحوهم ووارثوهم، وأَسْهَم لمن شهد الحرب منهم، ونزلوا في مساجد المسلمين ولا أبين كفرًا ممن أخبر الله تعالى عن كفره بعد إيمانه. وقال ابن المواز: لو أظهروا نفاقهم قتلهم الشارع(٦). والاتفاق على أنتقال حكمهم اليوم عن الحكم الأول؛ لأن الحكم فيه اليوم القتل بما شهر من الكفر أحرى على مثل ذلك. (١) في الأصل: قلنا. (٢) كذا في (ص١) خالد بن الوليد. وهو خطأ وإنما هو أسامة بن زيد. (٣) من (ص١). (٤) رواه مسلم (١٥٨/٩٦) كتاب: الإيمان، باب: تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله، من حديث إسامة بن زيد. (٥) بياض في الأصل، والمثبت من (ص١). (٦) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٥١٨/١٤، ٥١٩.