النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
= كِتَابُ الدِّيَّاتِ
فصل :
سلف تفسير قتل الغيلة قريبًا، فراجعه.
فصل :
يأتي في الأحكام مذاهب العلماء- إن شاء الله تعالى- في الشاهد
إذا تعمد الشهادة بالزور هل يلزمه الضمان؟ وملخص الكلام فيها هنا
فقال عبد الملك: لا شيء عليهما إذا غلطا، وقال أشهب: عليهما
الدية في مالهما. ونحوه في ((المدونة)) (١) وفيه قول ثالث ذكره ابن
الجلاب: أن العاقلة تحمل الدية، فأما قول علي # في العمد أنه
يقطع. فهو قول أشهب إذا أقر شهود الزنا بالعمد بعد قتل الزاني أنهم
يحدون ثم يقتلون، وابن القاسم يقول: يحدون ويضمنون الدية ولم
يفرق بين عمد وخطأ، وفي كتاب محمد نحوه أنهم يدونه في العمد.
وقال ابن الجلاب: الدية على العاقلة.
والحاصل أن في الخطأ والغلط ثلاثة أقوال: لا شيء عليه، يودون
من مالهم، يودون العاقلة.
وفي العمد ثلاثة أقوال أيضًا: القصاص، والباقي كالباقي، والرابع
يؤخذ بالاستقراء أن عاقلة الإمام تؤدي الدية. قاله فيمن رجم ثم
وجد مجبوبًا، وقال أشهب: إن الدية في المال خطأ وعمدًا،
وقال سحنون: إذا رجعوا لا عقوبة عليهم أتهموا في شهادتهم
أو شكوا؛ لأنه يخاف إذا عوقبوا أن لا يرجع أحد عن شهادته
باطل إذا أراد التوبة. وقال بعض المالكية: لو أدب المتهم لكان
أهلًا لذلك.
(١) ((المدونة)) ٢٠٣/٤.

٤٠٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
فصل :
قوله: (وخموش) هو بضم الخاء المعجمة: الخدش، يقال: خمش
وجهه، والخماشة ما ليس له أرش معلوم من الجراحات والجنايات،
والدرة بكسر الدال: ما يضرب بها.
وقوله: (تمالأ عليه أهل صنعاء) أي: اجتمعوا وتواطئوا.
وقوله في حديث عائشة في اللدود: ( ((لا يبقى منكم أحد إلا لد وأنا
أنظر)) ) قال الداودي: يريد ليذهب بعض غيظه لمخالفتهم أمره.

*
٢٢
كتابة القِيَامَة

£

٢٢- كتاب القَسَامَة
وَقَالَ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ: قَالَ النَّبِيُّ بَ: ((شَاهِدَاَ أَوْ يَمِينُهُ)).
[انظر: ٢٥١٥، ٢٥١٦] وَقَالَ ابن أَبِي مُلَيْكَةَ: لَمْ يُقِدْ بِهَا
مُعَاوِيَةُ، وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ إِلَى عَدِيِّ بْنِ أَرْطَاةَ
-وَكَانَ أَمَّرَهُ عَلَى البَصْرَةِ- فِي قَتِيلِ وُجِدَ عِنْدَ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ
السَّمَّانِينَ: إِنْ وَجَدَ أَصْحَابُهُ بَيِّنَةً، وَإِلَّا فَلَا تَظْلِمِ النَّاسَ، فَإِنَّ
هُذَا لَا يُقْضَى فِيهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ.
٦٨٩٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارِ، زَعَمَ أَنَّ
رَجُلًا مِنَ الأَنَّصَارِ يُقَالُ لَهُ سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ نَفَرًا مِنْ قَوْمِهِ أَنْطَلَقُوا إِلَى
خَيْبَرَ فَتَفَرَّقُوا فِيهَا، وَوَجَدُوا أَحَدَهُمْ قَتِيلًا، وَقَالُوا لِلَّذِي وُجِدَ فِيهِمْ: قَتَلْتُمْ صَاحِبَنَا.
قَالُوا: مَا قَتَلْنَا وَلَا عَلِمْنَا قَاتِلًا. فَانْطَلَقُوا إِلَى النَّبِيِّ ◌ِ لِ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنْطَلَقْنَا
إِلَى خَيْبَرَ فَوَجَدْنَا أَحَدَنَا قَتِيلًا. فَقَالَ: ((الْكُبْرَ الكُبْرَ)). فَقَالَ لَهُمْ: «تَأْتُونَ بِالْبَيَِّةِ
عَلَى مَنْ قَتَلَهُ)). قَالُوا: مَا لَنَا بَيِّنَةُ. قَالَ: ((فَيَحْلِفُونَ)). قَالُوا: لَا نَرْضَى بِأَيْمَانِ الَّهُودِ.
فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِ ◌ِ ◌ّ أَنْ يُبْطِلَ دَمَهُ، فَوَدَاهُ مِائَةً مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ. [انظر: ٢٧٠٢ - مسلم:
١٦٦٩ - فتح ١٢/ ٢٢٩]

٤٠٦
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٦٨٩٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الأَسَدِيُّ،
حَدَّثَنَا الحَجَّاجُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ، حَدَّثَنِي أَبُو رَجَاءٍ مِنْ آلِ أَبِي قِلَابَةَ، حَدَّثَنِي أَبُو قِلَابَةَ
أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ أَبْرَزَ سَرِيرَهُ يَوْمًا لِلنَّاسِ، ثُمَّ أَذِنَ لَهُمْ فَدَخَلُوا فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ
فِي القَسَامَةِ؟ قَالَ: نَقُولُ: القَسَامَةُ القَوَدُ بِهَا حَقٌّ، وَقَدْ أَقَادَتْ بِهَا الْخُلَفَاءُ. قَالَ لِي:
مَا تَقُولُ يَا أَبَا قِلَابَةَ؟ وَنَصَبَنِي لِلنَّاسِ. فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، عِنْدَكَ رُءُوسُ الأَجْنَادِ
وَأَشْرَافُ العَرَبِ، أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ ◌َخْسِينَ مِنْهُمْ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ نُحْصَنٍ بِدِمَشْقَ أَنَّهُ قَدْ
زَنَى لَمْ يَرَوْهُ أَكُنْتَ تَرْجُمُهُ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ خَمْسِينَ مِنْهُمْ شَهِدُوا عَلَى
رَجُلٍ بِحِمْصَ أَنَّهُ سَرَقَ أَكُنْتَ تَقْطَعُهُ وَلَمْ يَرَوْهُ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَوَاللَّهِ مَا قَتَلَ رَسُولُ
اللهِ مَّ أَحَدًا قَطَّ، إِلَّ فِي إِحدى ثَلَاثِ خِصَالٍ: رَجُلٌ قَتَلَ بِجَرِيرَةٍ نَفْسِهِ فَقُتِلَ،
أَوْ رَجُلٌ زَنَى بَعْدَ إِخْصَانٍ، أَوْ رَجُلٌ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَازْتَدَّ عَنِ الإِسْلَامِ.
فَقَالَ القَوْمُ: أَوَلَيْسَ قَدْ حَدَّثَ أَنَسُ بْنُ مَالِكِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وََّ قَطَعَ فِي السَّرَقِ
وَسَمَرَ الأَغْيُنَ ثُمَّ نَبَذَهُمْ فِي الشَّمْسِ؟. فَقُلْتُ: أَنَا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثَ أَنَّسٍ، حَدَّثَنِي أَنَسْ
أَنَّ نَفَرًا مِنْ عُكْلٍ ثَانِيَةً قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ مَّهِ فَبَايَعُوهُ عَلَى الإِسْلَامِ، فَاسْتَؤْخُوا
الأَرْضَ فَسَقِمَتْ أَجْسَامُهُمْ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ يَةِ، قَالَ: ((أَفَلَا تَخْرُجُونَ
مَعَ رَاعِيْنَا فِي إِبِلِهِ فَتُصِيبُونَ مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا؟)). قَالُوا: بَلَى. فَخَرَجُوا فَشَرِبُوا
مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا فَصَخُوا، فَقَتَلُوا رَاعِيَ رَسُولِ اللهِ لَّهِ وَأَطْرَدُوا النَّعَمَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ
رَسُولَ اللهِ إِلّ فَأَزْسَلَ فِي آثَارِهِمْ، فَأُدْرِكُوا فَجِيءَ بِهِمْ، فَأَمَرَ بِهِمْ فَقُطَّعَتْ أَيْدِيهِمْ
وَأَرْجُلُهُمْ وَسَمَرَ أَغْيُنَهُمْ ثُمَّ نَبَذَهُمْ فِي الشَّمْسِ حَتَّى مَاتُوا.
قُلْتُ: وَأَيُّ شَىءٍ أَشَدُّ مِمَّ صَنَعَ هؤلاء؟! ازْتَدُّوا عَنِ الإِسْلَامِ وَقَتَلُوا وَسَرَقُوا.
فَقَالَ عَنْبَسَةُ بْنُ سَعِيدٍ: والله إِنْ سَمِعْتُ كَالْيَوْمٍ قَطَ. فَقُلْتُ: أَتَرُدُّ عَلَيّ حَدِيثِي
يَا عَنْبَسَةُ؟ قَالَ: لَا ، ولكن جِئْتَ بِالْحَدِيثِ عَلَى وَجْهِهِ، وَالله لَا يَزَالُ هذا الجُنْدُ بِخَيْرٍ
مَا عَاشَ هذا الشَّيْخُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ.
قُلْتُ: وَقَدْ كَانَ في هذا سُنَّةٌ مِنْ رَسُولِ اللهِ يَِّ: دَخَلَ عَلَيْهِ نَفَرٌ مِنَ الأَنْصَارِ

٤٠٧
كِتَابُ القَسَامَةِ
=
فَتَحَدَّثُوا عِنْدَهُ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِنْهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ فَقُتِلَ، فَخَرَجُوا بَعْدَهُ فَإِذَا هُمْ بِصَاحِبِهِمْ
يَتَشَخَطُ فِي الدَّمِ، فَرَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ ◌َِّ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، صَاحِبْنَا كَانَ
تَحَدَّثَ مَعَنَا، فَخَرَجَ بَيْنَ أَيْدِينَا، فَإِذَا نَحْنُ بِهِ يَتَشَخَّطُ في الدَّمِ. فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ وَ
فَقَالَ: ((بِمَنْ تَظُنُّونَ - أَوْ تَرَوْنَ - قَتَلَهُ؟)). قَالُوا: نَرِى أَنَّ اليَهُودَ قَتَلَتْهُ. فَأَرْسَلَ إِلَى
اليَهُودِ فَدَعَاهُمْ. فَقَالَ: ((آنْتُمْ قَتَلْتُمْ هذا؟)). قَالُوا: لَا. قَالَ: ((أَتَرْضَوْنَ نَفَلَ خَمْسِينَ
مِنَ اليَهُودِ مَا قَتَلُوهُ؟). فَقَالُوا: مَا يُبَالُونَ أَنْ يَقْتُلُونَا أَجْمَعِينَ ثُمَّ يَنْتَفِلُونَ. قَالَ:
(أَفَتَسْتَحِقُونَ الدَِّةَ بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْكُمْ؟)). قَالُوا: مَا كُنَّا لِنَحْلِفَ. فَوَدَاهُ مِنْ
عِنْدِهِ. قُلْتُ: وَقَدْ كَانَتْ هُذَيْلٌ خَلَعُوا خَلِيعَا لَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَطَرَقَ أَهْلَ بَيْتٍ مِنَ
اليَمَنِ بِالْبَطْحَاءِ، فَانْتَبَهَ لَهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَحَذَفَهُ بِالسَّيْفِ فَقَتَلَهُ، فَجَاءَتْ هُذَيْلٌ فَأَخَذُوا
اليَمَانَ فَرَفَعُوهُ إِلَى عُمَرَ بِالْمُؤْسِمِ وَقَالُوا: قَتَلَ صَاحِبَنَا. فَقَالَ: إِنَّهُمْ قَدْ خَلَعُوهُ. فَقَالَ:
يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْ هُذَيْلٍ مَا خَلَعُوهُ.
قَالَ: فَأَقْسَمَ مِنْهُمْ تِسْعَةٌ وَأَزْبَعُونَ رَجُلًا، وَقَدِمَ رَجُلٌ مِنْهُمْ مِنَ الشَّأْمِ فَسَأَلُوهُ أَنْ
يُقْسِمَ فَاقْتَدِى يَمِينَهُ مِنْهُمْ بِأَلْفِ دِرْهَم، فَأَدْخَلُوا مَكَانَهُ رَجُلًا آخَرَ، فَدَفَعَهُ إِلَى أَخِي
المَقْتُولِ فَقُرِنَتْ يَدُهُ بِيَدِهِ، قَالُوا: فَانْطَّلَقَا وَالْخَمْسُونَ الذِينَ أَقْسَمُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا
بِنَخْلَةَ، أَخَذَتْهُمُ السَّمَاءُ فَدَخَلُوا فِي غَارِ فِي الْجَبَلِ، فَانْهَجَمَ الغَارُ عَلَى الْخَمْسِينَ الذِينَ
أَقْسَمُوا فَمَاتُوا جَمِيعًا، وَأَفْلَتَ القَرِينَانِ وَاتَّبَعَهُمَا حَجَرَّ فَكَسَرَ رِجْلَ أَخِي المقْتُولِ،
فَعَاشَ حَوْلًا ثُمَّ مَاتَ.
قُلْتُ: وَقَدْ كَانَ عَبْدُ الَلِكِ بْنُ مَزْوَانَ أَقَادَ رَجُلًا بِالْقَسَامَةِ ثُمَّ نَدِمَ بَعْدَ مَا صَنَعَ،
فَأَمَرَ بِالْخَمْسِينَ الذِينَ أَقْسَمُوا فَمُحُوا مِنَ الدِّيوَانِ وَسَيََّهُمْ إِلَى الشَّأْمِ. [انظر: ٢٣٣ -
مسلم: ١٦٧١ - فتح ١٢ / ٢٣٠]
(وقال الأَشْعَتُ بْنُ قَيْسٍ ﴾: قَالَ لي النَّبِيُّ بِّ: «شَاهِدَاكَ أَوْ
يَمِينُهُ)).) وهذا سلف عنده مسندًا.
ثم قال: وَقَالَ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ: لَمْ يقِد بها مُعَاوِيَةٌ

٤٠٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وهذا قال ابن المنذر فيه: روينا عن معاوية وابن عباس ﴿ أنهما
قالا: القسامة توجب العقل، ولا (تشترط)(١) الدم(٢).
قال البيهقي: روينا عن معاوية خلافه(٣).
وقال ابن بطال: (قوله) (٤): (لم يقد بها معاوية)، لا حجة فيه مع
خلاف السنة (له)(٥) والخلفاء الراشدين الذين أقادوا بها، أو يحتمل
أن تكون المسألة لا لوث فيها، وقد صح عن معاوية أنه أقاد بها،
ذكر ذلك أبو الزناد في احتجاجه على أهل العراق، قال: وقال لي
خارجة بن زيد بن ثابت: نحن والله قتلنا بالقسامة وأصحاب رسول الله
وَ ل* متوافرون، إني لأرى يومئذ ألف رجل أو نحو ذلك فما أختلف
منهم أثنان في ذلك(٦).
قال البيهقي: وأصح ما روي في القتل بالقسامة وأعلاه بعد حديث
سهل: ما رواه عبد الرحمن بن أبي الزناد [عن أبيه] (٧) قال: حدثني خارجة
ابن زيد بن ثابت قال: قتل رجل من الأنصار -وهو (سكران)(٨) - رجلًا
من بني (النجار)(٩)، ولم يكن على ذلك شهادة إلا (لطخ) (١٠) وشبهه
(١) ورد بهامش الأصل: لعله تسقط.
(٢) ((الإشراف)) ١٤٧/٣.
(٣) ((سنن البيهقي)) ١٢٧/٨.
(٤) من (ص١).
(٥) من (ص١).
(٦) ((شرح ابن بطال)) ٥٣٦/٨.
(٧) ساقطة من الأصول والمثبت من ((معرفة السنن والآثار)) للبيهقي ١٢/ ٢٠ حيث ينقل
المصنف.
(٨) في الأصول: (سلمان) وهو خطأ، والمثبت من ((معرفة السنن والآثار)) ١٢/ ٢١.
(٩) في الأصول: (العجلان) وهو خطأ، والمثبت من ((المعرفة)) ٢١/١٢.
(١٠) في الأصول: (لا تصلح)، والمثبت من ((معرفة السنن والآثار)) ٢١/١٢ وهو أشبه.

٤٠٩
= كِتَابُ القَسَامَةِ
فاجتمع رأي الناس على أن يحلف ولاة المقتول، ثم يسلم إليهم
فيقتلوه، قال خارجة: فركبت إلى معاوية فقصصت عليه القصة،
فكتب إلى سعيد بن العاصي: إن كان ما ذكرنا [له](١) حقًّا أن يحلفنا
على القاتل، ثم يسلمه إلينا، فجئت إلى سعيد بالكتاب فأحلفنا
خمسین يمينا ثم سلمه إلينا.
قال أبو الزناد: (وأمرني)(٢) عمر بن عبد العزيز (فردد قسامة)(٣)
على سبعة نفر أو خمسة نفر.
ثم ساقه البيهقي بإسناده إليه، قال: رويناه من وجه آخر عن ابن أبي
الزناد، عن أبيه من غير ذكر معاوية وسعيد، غير أنه قال: وفي الناس
يومئذ الصحابة وفقهاء الناس ما لا يحصى، وما أختلف اثنان منهم
أن يحلف ولاة المقتول أن يقتلوا أو يسجنوا (فحلفوا) (٤) خمسين
يمينًا فقتلوا، وكانوا يخبرون أن رسول الله وسلّ قضى بالقسامة. وروینا
عن عمر أنه قال: القسامة توجب العقل ولا (تسقط بالدم)(٥)،
وهو عن عمر منقطع (٦).
وروى ابن أبي شيبة عن وكيع، عن حماد بن سلمة عن ابن أبي مليكة
أن ابن الزبير وعمر بن عبد العزيز أقادا بالقسامة (٧)، وحدثنا عبد الأعلى،
(١) ساقطة من الأصول والمثبت من ((معرفة السنن والآثار)) ٢١/١٢.
(٢) كذا في الأصول، وفي ((معرفة السنن والآثار)) ٢١/١٢: (وأمر لي).
(٣) كذا في الأصول، وفي ((معرفة السنن والآثار)) ٢١/١٢: (فرددت قسامة).
(٤) في الأصل (فحلف) والمثبت من (ص١) وهو الموافق لمصدر التخريج.
(٥) كذا في (ص١)، وفي ((معرفة السنن والآثار)) ٢٢/١٢: (تشيط الدم) وكذا هو في
(السنن الكبرى)) للبيهقي ١٢٩/٨، وفي ((مصنف عبد الرزاق)) ٤١/١٠.
(٦) انتهى من ((معرفة السنن والآثار)) ٢١/١٢-٢٢ بتصرف.
(٧) ((المصنف)) ٢٤٢/٥ (٢٧٨٢١).

٤١٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
عن معمر، عن الزهري قال: دعاني عمر بن عبد العزيز فسألني عن
القسامة وقال: بدا لي أن أردها؛ إن الأعرابي يشهد، والرجل الغائب
يجيء فيشهد. فقلت: يا أمير المؤمنين إنك لن تستطيع ردها، قضى
بها رسول الله ومثله والخلفاء بعده(١).
وثنا ابن نمير ثنا سعيد عن قتادة أن سليمان بن يسار حدث أن عمر
ابن عبد العزيز قال: ما رأيت مثل القسامة (قط)(٢) أقيد بها، والله تعالى
يقول: ﴿وَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وقالت الأسباط:
﴿وَمَا شَهِدْنَآ إِلَّا بِمَا عَلِّمْنَا﴾ [يوسف: ٨١] قال سليمان: فقلت:
القسامة حق، قضى بها رسول الله وَلي﴾(٣). وكأن البخاري ذهب
إلى ترك القتل بالقسامة لما ذكره من الآثارالتي صدر بها الباب
بغير إسناد.
وحديث القسامة ذكره قبل التفسير، وفي باب الموادعة والمصالحة
مع المشركين في باب فرض الخمس.
وروى ابن أبي شيبة عن عبد السلام بن حرب، عن عمرو،
عن الحسن أن أبا بكر وعمر والجماعة الأول لم يكونوا يقتلون
بالقسامة.
وحدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن الحسن بن عمرو، عن فضيل،
عن إبراهيم قال: القود بالقسامة جور.
وفي رواية أبي معشر: القسامة يستحق فيها الدية، ولا يقاد فيها،
(١) ((المصنف)) ٤٣٩/٥ (٢٧٧٩٨).
(٢) ساقطة من الأصل.
(٣) ((المصنف)) ٤٣٩/٥ (٢٧٧٩٩)، ولكن عن محمد بن بشرن عن سعيد.

٤١١
= ڪِتَابُ القَسَامَةِ
وكذا قاله قتادة. وقال الزهري: لا يقتل بالقسامة إلا واحد (١).
ثم قال البخاري: وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة،
وكان أمره على البصرة في قتيل وجد عند بيت من بيوت السمانين،
وإن وجد أصحابه بينة وإلا فلا تظلم الناس، فإن هذا لا يقضى فيه
إلى يوم القيامة، وهذا خلاف ما أسلفناه عنه.
ثم ساق البخاري أيضًا من حديث أبي نعيم، ثنا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ
بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، زَعَمَ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ: سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ
أَخْبَرَهُ أَنَّ نَفَرًا مِنْ قَوْمِهِ أَنْطَلَقُوا إِلَى خَيْبَرَ فَتَفَرَّقُوا فِيهَا، وَوَجَدُوا أَحَدَهُمْ
قَتِيلًا .. الحديث. فوداه مائة من إبل الصدقة.
وسعيد هذا هو أبو الهذيل الطائي الكوفي، أخو عقبة، أتفقا عليه.
قال ابن عبد البر: وما نعلم في شيء من الأحكام المروية عن رسول
الله ◌َّهُ في الاضطراب والتضاد ما في هذِه القصة، فإن الآثار فيها
متضادة متدافعة، وهي قصة واحدة(٢).
وذكر أبو القاسم البلخي في ((معرفة الرجال)) عن ابن إسحاق قال:
سمعت عمرو بن شعيب يحلف في المسجد الحرام: والله الذي لا إله
إلا هو إن حديث سهل بن أبي حثمة في القسامة ليس كما حدث،
ولقد أوهم.
وذكر أبو داود سليمان بن الأشعث بإسناد جيد عن عبد الرحمن بن
بجيد أن سهلًا -والله- أوهم -الحديث- أنه القلي كتب إلى يهود وقد
وجد بين أظهرهم قتيل: ((فدوه))، فكتبوا يحلفون بالله خمسين يمينًا
(١) ((المصنف) ٤٤٢/٥-٤٤٣ (٢٧٨٢٣-٢٧٨٢٧).
(٢) ((الاستذكار)) ٣٠٧/٢٥-٣٠٨.

٤١٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ما قتلناه، ولا علمنا له قاتلًا، فوداه رسول الله من عنده بمائة ناقة، وفي
رواية رافع بن خديج فاختاروا منهم خمسين واستحلفهم فأبوا، وفي لفظ
له عنده: فبدأ باليهود، وقال: ((أيحلف خمسون منكم؟» فأبوا، فجعلها
رسول الله ◌َوهدية على اليهود؛ لأنه وجد بين أظهرهم(١).
ولابن أبي عاصم من حديث الزهري عن أنس أنه العدئها بدأ ببني
حارثة في اليمين في دم صاحبهم المقتول بخيبر (٢)، وقال أبو عمر:
لم يخرجه البخاري إلا لإرسال مالك (له)(٣)، وقد خطأ جماعة من
أهل الحديث حديث سعيد بن عبيد، وذمُوا البخاري في تخريجه،
وتركه رواية يحيى بن سعيد(٤).
قال الأصيلي: أسنده عن يحيى: شعبة، وسفيان بن عيينة، وعبد
الوهاب الثقفي، وعيسى بن حماد، وبشر بن المفضل، وهؤلاء ستة،
وأرسله مالك عن يحيى بن سعيد (عن)(٥) بشير بن يسار، ولم يذكر
سهل بن أبي حثمة، وممن روى حديث يحيى مسندًا ابن عيينة
وحماد بن زيد وعباد بن العوام.
وقال الأثرم: قال أحمد: الذي أذهب إليه في القسامة حديث بشير
من رواية يحيى، فقد سلف، وصله عنه حفاظ، وهو أصح من حديث
سعيد بن عبيد (٦).
(١) أبو داود بأرقام (٤٥٢٥)، (٤٥٢٤)، (٤٥٢٦).
(٢) ((الديات)) ص٧٨.
(٣) من (ص١).
(٤) ((الاستذكار)) ٣٠١/٢٥.
(٥) في الأصل: ابن.
(٦) ((الاستذكار)) ٣٠٥/٢٥.

٤١٣
= كِتَابُ القَسَامَةِ
وأخرجه النسائي أيضًا من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن
جده أن محيصة الأصغر أصبح قتيلًا على أبواب خيبر .. الحديث.
وفي آخره: فقسم رسول الله وَّر عليهم وأعانهم بنصفها. ثم قال:
لا أعلم أحدًا تابع عمرًا على هذِه الرواية ولا سعيد بن عفير على
روايته عن بشير(١).
قلت: قد ذكره الدارقطني من حديث حبيب بن أبي ثابت عن بشير
مثله(٢). وقال البيهقي: يحتمل أن رواية (سعيد لا تخالف رواية)(٣)
يحيى بن سعيد، عن بشير، وكأنه أراد بالبينة أيمان المدعين في
اللوث، كما فسره يحيى بن سعيد، أو طالبهم بالبينة كما في هذِه
الرواية. فلما لم يكن عندهم بينة عرض عليهم الأيمان كما في رواية
يحيى بن سعيد، فلما لم يحلفوها ردها على اليهود كما في الروايتين
جميعًا (٤).
(ويؤيده)(٥) حديث عمرو بن شعيب ومرسل سليمان بن يسار
-يعني: المذكورين قبل - قال: ومن تكلم في دين الله وفي أخبار
رسول الله ◌ّ فلا ينبغي له أن يحتج في ذلك برواية الكلبي عن أبي
صالح، عن ابن عباس -رضي الله عنهما-، (عن رسول الله (وَلا)(٦)
في استحلافه خمسين من اليهود في قصة الأنصاري، ثم جعل عليهم
(١) ((سنن النسائي)) ١٢/٨.
(٢) ((سنن الدارقطني)) ١٠٩/٣.
(٣) ساقطة من الأصل.
(٤) ((سنن البيهقي)) ١٢٠/٨.
(٥) في (ص١): ويؤكده.
(٦) من (ص١).

٤١٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
الدية ولا يراد به عمر بن صبيح عن مقاتل بن حيان، عن صفوان، عن ابن
المسيب، عن عمر في قضائه بنحو ذلك.
وقوله: (إنما قضيت عليكم بقضاء نبينا)؛ لإجماع أهل الحديث على
ترك الاحتجاج بهما ولمخالفتهما في هذه الرواية الثقات الأثبات.
وروى ابن أبي عاصم من حديث ابن لھیعة، عن یزید بن أبي حبيب،
عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس .. الحديث.
وفيه: فدعا الثَّ اليهود بقسامتهم؛ لأنهم الذين أدعي عليهم الدم،
فأمرهم أن يحلفوا خمسين يمينًا أنهم برآء من قتله، فنكلت يهود عن
الأيمان، فدعى بني حارثة .. الحديث(١).
ورواه مسلم عن سهل ورافع، وقد بین لیث في روايته عن يحيى بن
سعيد عند مسلم، عن بشير أنه حسبان، وذلك أنه قال: قال (يحيى)(٢):
حسبته قال: وعن رافع، فحصل بذلك شك يحيى في ذكر رافع(٣). فكأن
روايته لم يذكر فيها شك في ذلك بحيث أن يقضى عليها بذكر الشك؛
(لأن زيادة الحفاظ مقبولة وإن جاز نفيه بعد الشك)(٤)، وأن يستشكله
بعد اليقين أيضًا جائز، وسهل إنما يروي عن رجال من كبراء قومه
لصغره. هذا على قول من قال: عن. وأما من قال: عن رجل. فهو
مرسل، واتصاله برافع، وقد حصل فيه ما بيناه.
ثم ساق البخاري من حديث أبي رجاء - واسمه سلمان، من آل أبي
قلابة- ثنا أَبُو قِلَابَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ أَبْرَزَ سَرِيْرَهُ يَوْمًا لِلنَّاسِ، ثُمَّ
(١) ((الديات)) ص٧٨-٧٩.
(٢) في الأصل: حدثني، والمثبت من (ص١).
(٣) مسلم (١٦٦٩)، كتاب: القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب: القسامة.
(٤) من (ص١).

٤١٥
= كِتَابُ القَسَامَةِ
أَذِنَ لَهُمْ فَدَخَلُوا فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي القَسَامَةِ؟ قَالَوا: نَقُولُ: القَسَامَةُ
القَوَدُ بِهَا حَقٌّ، قَدْ أَقَادَ بِهَا الخُلَفَاءُ. ثم ساقه بطوله.
وقد اختلف العلماء (في القسامة)(١)، فقال الجمهور: القسامة
ثابتة عن الشارع يبدأ فيها المدعون بالأيمان، فإن حلفوا استحقوا،
وإن نكلوا حلف المدعى عليهم خمسين يمينًا (وبرئوا)(٢). وهو قول
أهل المدينة: يحيى بن سعيد وأبي الزناد وربيعة ومالك، والليث
والشافعي وأحمد وأبي ثور(٣)، وحجتهم حديث البخاري السالف
الذي ذكرناه أولًا، وهو صريح، يبدأ به المدعين للدم باليمين.
وذهبت طائفة إلى أنه يبدأ بأيمان المدعى عليهم ويذرون. روي عن
عمر والشعبي والنخعي، وبه قال الثوري والكوفيون وأكثر البصريين
واحتجوا بحديث سعيد بن عبيد، عن بشير بن يسار أنه العليا قال
للأنصار: ((تأتون بالبينة على من قتله؟» قالوا: ما لنا بينة. قال:
((فيحلفون لكم؟)) قالوا: ما نرى بأيمان يهود. فأبوا، فبدأ بأيمان
المدعى عليهم، وهم اليهود. واحتجوا أيضًا بما رواه ابن جريج،
عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه الكلية
قال: ((لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم،
ولكن اليمين على المدعى عليهم)» أخرجاه (٤).
وفيها قول ثالث: وهو التوقف عن الحكم بالقسامة. روي عن
سالم بن عبد الله وأبي قلابة وعمر بن عبد العزيز والحكم بن عتيبة.
(١) في (ص١): في الحكم بالقسامة.
(٢) من (ص١).
(٣) أنظر: ((المعنى)) ٢٠٥/١٢.
(٤) سلف برقم (٢٥١٤). ورواه مسلم (١٧١١).

٤١٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
قال ابن عبد البر: ورواية عن قتادة، وهو قول مسلم بن خالد
الزنجي وفقهاء أهل مكة، وإليه ذهب ابن عيينة (١). واحتج الجمهور
بأن قالوا: حديث سعيد بن عبيد في تبدئة اليهود وهم عند أهل
الحديث كما سلف؛ لأن جماعة من أهل الحديث أسندوا حديث
بشير بن يسار، عن سهل أنه الكلية بدأ بالمدعين.
قال أحمد: الذي أذهب إليه في القسامة حديث يحيى بن سعيد، عن
بشير بن يسار، وقد وصله عنه حفاظ، وهو صحيح من حديث سعيد بن
عبيد. وقد أسلفناه عنه أيضًا(٢).
قال الأصيلي: فلا يجوز أن يعترض بخبر واحد على خبر جماعة،
مع أن سعيد بن عبيد قال في حديثه: فوداه رسول الله وٍَّ من إبل الصدقة.
والصدقة لا تعطى في الديات ولا يصالح بها عن غير أهلها.
قال ابن القصار والمهلب: وقد يجمع بين حديث سعيد ويحيى بأنه
التَليّ قال للأنصار: ((أترضون نفل خمسين من اليهود ما قتلوه؟)) بعد علمه
أن الأنصار قد نكلوا عن اليمين؛ لأنهم لم يعينوا أحدًا من اليهود
فيقسموا عليه. والقسامة لا تكون إلا على معين، فلما علم نكولهم رد
اليمين. وفي حديث يحيى حين (تكلم)(٣) حويصة ومحيصة وعبد
الرحمن، فقال لهم: ((فتبرئكم يهود بأيمان)) بعد أن قال لهم:
«تحلفون خمسین یمینا وتستحقون دم صاحبكم)) وقد روى ابن جريج،
عن عطاء، عن أبي هريرة ﴾ (أنه العليا)(٤) قال: ((البينة على من
أدعى واليمين على من أنكر إلا في القسامة)) أخرجه الدار قطني من
(١) ((الاستذكار)) ٣٢٦/٢٥-٣٢٧.
(٣) في (ص١): نكل.
(٢) سبق قريبًا.
(٤) من (ص١).

٤١٧
= كِتَابُ القَسَامَةِ
حديث مسلم بن خالد الزنجي، عن ابن جريج به. ومن حديث الزنجي،
عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أنه العليا (قال)(١)
فذكر مثله. قال الدارقطني: خالفه عبد الرزاق وحجاج فروياه عن ابن
جريج، عن عمرو مرسلًا، فبين أن اليمين في القسامة لا تكون في
جهة المدعى عليه(٢).
وقد احتج مالك، في ((الموطأ)) لهذه المسألة بما فيه الكفاية، فقال:
إنما فرق بين القسامة في الدم والأيمان في الحقوق أن الرجل إذا داين
الرجل أستثبت عليه في حقه، وأن الرجل إذا [أراد](٣) قتل الرجل [لم
يقتله](٤) في جماعة من الناس وإنما يلتمس الخلوة فلو لم تكن
القسامة إلا فيما تثبت فيه البينة وعمل فيها كما يعمل في الحقوق
بطلت الدماء واجترأ الناس عليها إذا عرفوا القضاء فيها، ولكن إنما
جعلت إلى ولاة المقتول ليبدءون بها ليكف الناس عن الدم، وليحذر
القاتل أن يؤخذ في مثل ذلك بقول المقتول. وهذا الأمر المجمع عليه
عندنا، والذي سمعت ممن أرضى، والذي أجتمعت عليه الأئمة في
القديم والحديث أن يبدأ المدعون(٥). فإن قلت: الشارع إنما قال:
(تحلفون وتستحقون دم صاحبكم)) (٦) على وجه الاستعظام لذلك
والإنكار عليهم والتقرير لا على وجه الاستفهام لهم. فالجواب: أنه
لا يجوز أن يريد الإنكار عليهم أصلًا، وذلك أن القوم لم يطلبوا
(١) من (ص١).
(٢) ((سنن الدارقطني)) ١٠٩/٣.
(٣) ما بين المعكوفتين مثبت من ((الموطأ))، وهو ساقط من الأصول.
(٤) ما بين المعكوفتين مثبت من ((الموطأ))، وهو ساقط من الأصول.
(٥) ((الموطأ)) ص٥٤٨-٥٤٩.
(٦) سيأتي برقم (٧١٩٢).

٤١٨
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
فينكر ذلك عليهم، وإنما طلبوا الدم فبدأهم وقال لهم: ((أتحلفون؟)) فعلم
أنه شرع لهم اليمين وعلق استحقاقه الدم بها، وإنما كان يكون منكرًا
عليهم لو بدءوا وقالوا: نحن نحلف (١).
فصل :#
وأما الذين أبطلوا الحكم بالقسامة، فإنهم ردوها بآرائهم لخلافها
عندهم حديث: ((البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه))(٢)
وهو خص القسامة بتقدمة المدعي بالأيمان وسنه لأمته.
وقد كانت في الجاهلية خمسين يمينًا على الدماء فأقرها الشارع
فصارت سنة، بخلاف الأموال التي سنَّ فيها يمينًا واحدة، والأصول
لا يرد بعضها بعضًا ولا يقاس بعضها على بعض؛ بل يوضع كل
واحد منها موضعه كالعرايا والمزابنة والمساقاة والقرائن مع
الإجارات، وعلى المسلمين التسليم في كل ما سنَّ لهم.
فإن قلت: كيف يحكم للأولياء وهم غيب عن موضع القتل؟ قيل:
اليمين يكون تارة على وجه اليقين وتارة على وجه الاستدلال؛ كالشهادة
تكون باليقين وتكون بالاستدلال على النسب والوفاة، وأن هذه زوجة
فلان وهذا باستدلال، كما يدعي الوارث لأبيه دينًا على رجل من
حساب أبيه، فيحلف كما يحلف على يقين، وذلك على ما ثبت عنده
بإخبار من يصدقه، ليس لأحد من العلماء يجيز لأحد أن يحلف على
ما لم يعلم، ولكنه يحلف على ما لم يحضر إذا صح عنده وعلمه
ما يقع العلم بمثله.
(١) أنظر: ((شرح ابن بطال)) ٥٣٣ - ٥٣٤.
(٢) سلف برقم (٢٥١٤).

٤١٩
كِتَابُ القَسَامَةِ
=
وقيل لابن المسيب: أعجب من القسامة أن يأتي الرجل يسأل عن
القاتل والمقتول لا يعرف واحدًا منهما ويقسم، قال: قضى رسول الله
وَّه بها في قتيل خيبر، ولو علم أن الناس يجترئون عليها ما قضى بها(١).
وقال أبو الحسن القابسي: العجب من عمر بن عبد العزيز على
مكانته في العلم كيف لم يعارض أبا قلابة في موضعه وليس أبو قلابة
من فقهاء التابعين؟
قال المهلب: وما أعترض به أبو قلابة من حديث العرنيين،
لا اعتراض فيه على القسامة بوجه من الوجوه؛ لجواز قيام البينة
والدلائل التي لا رفع لها على تحقيق الجناية على العرنيين، وليس
هذا من طريق القسامة في شيء؛ لأنها إنما تكون في الدعاوى
والاختفاء بالقتل حيث لا بينة ولا دليل، وأمرُ العرنيين كان بين
ظهراني الناس، ويمكن فيه الشهادة؛ لأنهم كشفوا وجوههم لقطع
السبيل والخروج عن المسلمين بالقتل واستياق الإبل، فقامت عليهم
الشواهد البينة، فأمرهم غير أمر من أدعي عليه بالقتل، ولا شاهد
يقوم عليه. وما ذكر من الذين أنهدم عليهم الغار لا يعارض به ما تقدم
من السنة في القسامة، وليس رأي أبى قلابة حجة على جماعة
التابعين، ولا ترد بمثله السنن، وكذلك محو عبد الملك من الديوان
لأسماء الذين أقسموا لا حجة فيه على إبطالها (٢)، وقد يكون عبد الملك
إنما قدم على ما صنع كأن لم يكن في تلك القصة ما يوجب القسامة
من اللوث.
(١) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ٣٨/١٠ (١٨٢٧٧).
(٢) أنظر: ((شرح ابن بطال)) ٥٣٦/٨-٥٣٧.

٤٢٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
فصل :
اختلفوا في وجوب القود بها فأوجبت طائفة القود بها، روي عن
عبد الله بن الزبير وعمر بن عبد العزيز والزهري وربيعة وأبي الزناد
وابن أبي ذئب، وبه قال مالك والليث وأحمد وداود وأبو ثور،
واحتجوا بحديث يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار أنه العقلية قال
للأنصار: ((أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم أو قاتلكم؟)) وهذا يوجب
القود، وقال إسحاق: من قال بالقود فيها لا أعيبه، وأما أنا فأذهب
إلى ما روي عن عمر بن الخطاب # أنه (قال)(١): لا يقاد بالقسامة،
وإنما تجب فيها الدية.
وقالت أخرى: لا قود بها وإنما توجب الدية، روي عن عمر وابن
عباس وهو قول النخعي والحسن، وإليه ذهب الثوري والكوفيون
والشافعي -في مشهور مذهبه- وإسحاق(٢)، واحتجوا بما رواه مالك
عن ابن أبي ليلى، عن عبد الله، عن سهل بن أبي حثمة، وهو قوله
الَّيْ للأنصار: ((إما أن تدوا صاحبكم أو تؤذنوا بحرب))(٣). وهذا يدل
على الدية لا على القود.
قالوا: ومعنى قوله الكلية في حديث يحيى بن سعيد: ((وتستحقون دم
صاحبكم)) يعني به دية دم قتيلكم؛ لأن اليهود ليس بصاحب لكم، فإذا
جاز أن يضمروا فيه جاز أن يضمر (فيه) (٤) دية دم صاحبكم، فكان
من حجة أهل المقالة عليهم أن قالوا: إن قوله: ((إما أن تدوا صاحبكم))
(١) من (ص١).
(٢) أنظر: ((الاستذكار)) ٣١٥/٢٥-٣١٧.
(٣) رواه مالك في ((الموطأ)) ص ٥٤٧، وسيأتي معلقًا قبل حديث (٧١٦٢).
(٤) من (ص١).