النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١ كِتَابُ الدِّيَّاتِ = ويفترق بأن الأول يؤدي إلى الهلاك غالبًا فتغدر لذلك. حجة مالك حديث الباب في السن، ولما جاز فيه إذا كسرت وهي عظم فكذلك سائر العظام (إلا عظمًا)(١) أجمعوا أنه لا قصاص فيه؛ الخوف ذهاب النفس منه؛ ولأنه لا يقدر على الوصول فيه إلى مثل الجناية بالسواء، فلا يجوز أن يفعل ما يؤدي في الأغلب إلى التلف (إذا كان الخارج الأول لم يؤد فعله إلى التلف)(٢). قال ابن المنذر: ومن قال: لا قصاص في عظم فهو مخالف للحديث، والخروج إلى النظر مع وجود الخبر، غير جائز، واتفق جمهور الفقهاء على أن دية الأسنان في الخطأ في كل سن خمس من الإبل. وذكر ابن القوطي في القود من اللسان إذا لم يكن مبلغًا اختلافًا. وذكر عن محمد بن عبد الحكم أنه يقيد من الفخذ. وقال ابن الجلاب فيما نقله القاضي عبد الوهاب عنه: إن كان الكسر من مفصل مستوٍ ففيه القصاص؛ لأن المماثلة ممكنة، وإن كان منتفيًا فلا قود فيه؛ إذ لا يمكن المماثلة، عملًا بقول مالك: إن كان يستطاع منه القود أُقيد منه. قال ابن القصار: هذه من عنده، وهو من أفراده(٣). قال في ((المعونة)): واختلف عنه في المنقلة هل يقاد بها؟ وكذلك اختلف عنه في كسر غير الفخذ من الأعضاء(٤)، قاله ابن الجلاب، (١) من (ص١). وورد بهامش الأصل إشارة إلى هذا السقط. (٢) من (ص١). (٣) أنظر تفصيل هذه المسألة بنصها تقريبًا في: ((الجامع لأحكام القرآن)) ٦/ ٢٠٢. وأنظر أيضًا: ((مختصر اختلاف العلماء)) ١١٢/٥، («المدونة»: ٤٣٥/٤، ٤٤١، («الإشراف)» ١١٨/٣. (٤) ((المعونة)) ٢٦١/٢. ٣٨٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وقال الأبهري: ليس باختلاف، وقد أجاب مالك بجواب فقال: إن استطيع القود منه وإلا عقل المجني عليه وهذا أخص، ويجب رد الفروع إليه. فصل : الحديث ساقه البخاري مرة مطولًا، وأن الحالف فيه أنس بن النضر، ووقع في مسلم: أن الحالف أم الربيع(١)، والصواب الأول، ويجوز تعدد الواقعة. قال أبو محمد بن حزم: ورد في أمر الربيع حديثان مختلفان، وحكمان أثنان في قضيتين مختلفتين لحادثة واحدة، أحد الحكمين في جراحة جرحتها الربيع إنسانًا، فقضى التكليف بالقصاص من تلك الجراحة، فحلفت أنها لا تقتص منها، فأبر الله قسمها ورضوا بالدية، والحكم الثاني: في ثنية أمرأة كسرتها فقضى بالقصاص، فحلف أخوها أنس بن النضر أن لا يقتص منها ورضوا بالأرش، فقال التعليم: ((إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبرَّه))(٢) فلا حرج كما ترى. أنهما حديثان جراحة وثنية ودية وأرش، وحلفت أمها في الواحدة، وحلف أخوها في الثانية، وكان هذا قبل أحد؛ لأن أنس بن النضر قتل يوم أحد. قال: وهذا الحديث يبين أن كل ما أخذه من له القصاص من جرح أو نفس فهو دية، سواء كان شيئًا مؤقتًا محدودًا أو كان قد تراضوا به في ترك القصاص الواجب، ونحن على يقين من أن الذي جرحته الربيع قد (١) حديث البخاري سلف برقم (٢٧٠٣)، ورواه مسلم (٢٤/١٦٧٥)، كتاب: القسامة، باب: إثبات القصاص في الأسنان. (٢) أنظر التخريج السابق. ٣٨٣ ـ كِتَابُ الدِّيَّاتِ أخذ مالًا بدل أقتصاصه من الجرح، ولم يأت أنه كان عددًا مؤقتا محدودًا، فإذا لم يأت ذلك، فنحن على يقين أنه لو كان في تلك الجراحة دية مؤقتة لا تزيد ولا تنقص لما حبس الله ذلك عنا ولا عفا أثره حتى لا ينقله أحد، فصح أن تلك الدية المأخوذة كانت فداء عن القصاص فقط، وبهذا نقول، فوضح أنه ليس في هذين الخبرين إلا القود على ما تراضيا عليه (١). (١) ((المحلى)) ٤٠٩/١٠ -٤١٠. ٣٨٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ٢٠- باب دِيَةِ الأَصَابِعِ ٦٨٩٥ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ِِّ قَالَ: ((هذِهِ وهذِهِ سَوَاءٌ)) يَغْنِي: الِنْصَرَ وَالإِنْهَامَ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابن أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُغْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وََّ نَحْوَهُ. [فتح ٢٢٥/١٢] ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِّ وَِّ قَالَ: ((هذِه وهذِهِ سَوَاءٌ)) يَعْنِي: الخِنْصَرَ وَالإِبْهَامَ. وعنه: سَمِعْتُ النَّبِيَّنَِّ، نَحْوَهُ. هذان الطريقان ذكرهما من حديث شعبة، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا، وكأنه ساق الثاني لتصريح ابن عباس بسماعه من رسول الله وَله، وإن (كان)(١) روايته عنه بلفظ: عن، متصلة أيضًا. والخنصر -بالكسر -: الأصبع الصغرى. وذكره ابن أبي حاتم في ((علله)) من حديث عبيد الله بن موسى، عن همام، عن قتادة(٢). ورواه ابن حزم من حديث محمد بن سليمان المنقري، ثنا سليمان بن داود، ثنا يزيد بن زريع، ثنا ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال رسول الله وَلجر: ((في الأصابع عشر عشر)) ثم قال: هذا حديث صحيح لإدخاله فيه المنقري ثقة، وسليمان بن داود (١) من (ص١). (٢) ((علل الحديث)) ١/ ٤٦١. ٣٨٥ كِتَابُ الدِّيَّاتِ هو الهاشمي أحد الأئمة من نظراء أحمد بن حنبل وابن زريع لا يسأل عنه، وسماع (سعيد) (١) صحيح؛ لأنه سمع من أيوب، وقد روينا من طریق ابن وضاح: حدثنا موسى بن معاوية، حدثنا وكيع، حدثنا شعبة، فذكر الحديث الأول بلفظ: ((هذِه وهذِه سواء)) وجمع بين إبهامه وخنصره. ومن طريق أبي داود بإسناد شعبة: ((الأصابع سواء، والأسنان سواء، الثنية والضرس سواء هذِه وهذِه (سواء)(٢))) (٣). قال ابن حزم: لا نعلم في الديات في الأعضاء أثر يصح في توقيتها وبيانها إلا هذا (٤). قلت: قال علي بن المديني وأحمد في ((عللهما)): ثنا قريش بن أنس قال: حلف لي سعيد بن أبي عروبة بالله ما (كتب)(٥) عن قتادة(٦). وقال البزار في ((سننه)): يحدث عن جماعة ولم يسمع منهم(٧). وقال الآجري عن أبي داود: كان ابن أبي عروبة في الأختلاط يقول: (عن)(٨) قتادة عن أنس أو أنس عن قتادة وقوله: لا نعلم .. إلى آخره، قد صح فيه حديث آخر ذكره آدم بن أبي إياس العسقلاني تلميذ شعبة في كتاب شعبة بن الحجاج قال: حدثنا غالب التمار، عن حميد بن هلال، عن أوس بن مسروق التميمي، عن أبي موسى (١) في (ص١): ابن سعد. (٢) من (ص١). (٣) أبو داود (٤٥٥٩). ((المحلى)) ٤١١/١٠. (٤) (٥) كلمة غير واضحة بالأصل، والمثبت من (ص١). (٦) ((الطبقات الكبرى)) لابن سعد ٢٧٣/٧. (٧) ((مسند البزار)) ١١٤/١. (٨) من (ص١). ٣٨٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح الأشعري: قال رسول الله وَالر: ((الأصابع كلها سواء))(١) قال شعبة: فقلت لغالب: عشر عشر، فقال: نعم، ولَمَّا رواه أبو داود أدخل حميدًا بين غالب ومسروق. وعن أبي الوليد، عن شعبة، عن غالب، عن مسروق، قال أبو داود: رواه غندر، عن شعبة، عن غالب (قال)(٢): سمعت مسروقًا، ورواه النسائي عن أبى الأشعث، عن خالد، عن سعيد، عن قتادة، عن مسروق، وقال ابن عساكر: الصواب والصحيح: مسروق بن أوس. قلت: وغالب هو: ابن مهران التمار، وثقه ابن سعد(٣)، وذكره ابن حبان وغيره في ((الثقات))(٤)، وقال أبو حاتم الرازي: صالح الحديث(٥)، وحميد حديثه في الصحيحين، وأوس بن مسروق ذكره ابن حبان في ((ثقاته))(٦) وخرج له مع ابن خزيمة في (صحيحيهما)). وروى ابن أبي عاصم في ((الديات)) بإسناد جيد من حديث الأسود بن عامر، عن حماد (بن سلمة)(٧)، عن قتادة به، [و](٨) عن عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر، عن ابن عباس -رضي الله عنهما -: أنه الكفّ قضى في العين القائمة إذا بخست، وفي اليد الشلاء إذا قطعت، والسن السوداء إذا كسرت ثلث الدية. قال الأسود: ثلث ديتها ليس (١) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ٩/ ٣٨٤. (٢) من (ص١). (٣) ((الطبقات الكبرى)) ٢٦٩/٧. (٤) ((الثقات)) ٣٠٨/٧. (٥) ((الجرح والتعديل)) ٦٩/٧. (٦) ٤٥٦/٥، ويقال له مسروق بن أوس. (٧) من (ص١). (٨) في هامش (س): لعله سقط: و. ٣٨٧ كِتَابُ الدِّيَّاتِ - ثلث دية النفس (١). قال: وثناه أبو بكر، ثنا يزيد بن هارون، ثنا ابن أبي عروبة، عن قتادة (٢)، (ورواه ابن أبي عاصم من حديث يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن قتادة)(٣)، عن عكرمة(٤). [و](٥) عن سعيد بن المسيب قال: بعث مروان إلى ابن عباس يسأله عن الأصابع فقال: قضى رسول الله ﴾ في اليد خمسين فريضة في كل أصبع عشرة (٦). فصل : ثبت في كتاب الديات الذي كتبه سيدنا رسول الله صَ لّ لآل عمرو بن حزم أنه قال: ((في اليد خمسون من الإبل: في كل أصبع عشر من الإبل))(٧) وأجمع العلماء على أن في اليد نصف الدية، وأصابع اليد والرجل سواء، وعلى هذا أئمة الفتوى، ولا فضل لبعض الأصابع عندهم على بعض. قال ابن المنذر: روينا ذلك عن عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود وزيد بن ثابت، وجاءت رواية شاذة عن عمر (٨) وعروة وابن الزبير بفضل بعض الأصابع على بعض. روى الثوري وحماد بن زيد، عن يحيى، عن سعيد بن المسيب أن عمر 5 جعل في الإبهام خمس عشرة، وفي البنصر تسعًا، وفي الخنصر (١) ((الديات)) ص ٩٧. (٢) ((الديات)) ص ٩٧. (٣) من (ص١). (٤) ((الديات)) ص٦٩ - ٧٠. (٥) زيادة لا يستقيم السياق بدونها. (٦) ((الدیات)) ص ٧٠. (٧) رواه أبو داود (٤٥٦٤). (٨) ((الإشراف على مذاهب أهل العلم)) ١٠٩/٣-١١٠. ٣٨٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == ستًّا، وفي السبابة والوسطى عشرًا عشرًا، حتى وجد في كتاب ((الديات)) عند آل عمرو بن حزم: أنه القَّا قال: ((الأصابع كلها سواء)) فأخذ به، وترك قوله الأول، ورواه جعفر بن عون عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب قال: قضى عمره في الإبهام بثلاث عشرة، والتي تليها ثنتي عشرة، وفي الوسطى بعشر، وفي التي تليها (بتسع)(١)، وفي الخنصر بست، وروى معمر، عن هشام، عن عروة، عن أبيه قال: إذا قطعت الإبهام والتي تليها ففيها نصف دية اليد، فإذا قطعت إحداهما ففيها عشر من الإبل، ولم يلتفت أحد من الفقهاء إلى هذين القولين؛ لما ثبت عن صاحب الشريعة أنه قال: ((هذِه وهذِه سواء)) -يعني: الخنصر والإبهام- وحديث عمرو بن حزم: ((في كل إصبع عشر من الإبل)). وذكر ابن المنذر، عن الشعبي قال: كنت جالسًا مع شريح إذ أتاه رجل فقال: أخبرني عن دية الأصابع؟ فقال: في كل إصبع عشر من الإبل، فقال: سبحان الله، أسواء هي؟ -يعني: الإبهام والخنصر - قال: ويحك، إن السنة منعت قياسكم، أتبع ولا تبتدع، فإنك لن تضل ما أخذت بالسنن، سواء أذناك ويداك تغطيهما العمامة والقلنسوة وفيها نصف الدية، وفي اليد نصف الدية. قال ابن حزم: باليقين ندري أنه ليس هنا إلا عمد أو خطأ، وقد صح عن الشارع أنه قال: ((رفع عن أمتي الخطأ))(٢) وقال جل وتعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ، وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، فكان ممكنًا أن يستثني كل واحد منهما من الآخر، فيمكن أن يكون (١) في الأصول (بسبع)، ولعل ما أثبتناه الصواب؛ ليصبح المجموع خمسين . (٢) تقدم تخريجه. ٣٨٩ = ڪِتَابُ الدِّيَّاتِ المراد ب﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ﴾، و((رفع عن أمتي الخطأ)) إلا في دية الأصابع، وكان يمكن أن يكون المراد في الأصابع عشر عشر خاصة في العمد لا في الخطأ، ولم يجز لأحد أن يصير إلى أخذ الأشباه إلا بنص أو إجماع؛ لأنه خبر عن الله وعن رسوله بَّر، وقد وجدنا الناس مختلفين؛ فطائفة قالت: لا شيء في العمد - يعني: في الأصابع- إلا القود فقط، ولا دية هنالك(١). وقالت أخرى: فيه القود أو الدية، ووجدنا الاختلاف في وجود الدية في العمد في ذلك، ثم رجعنا إلى الخطأ في ذلك فلم نجد إجماعًا متفقًا على وجوب الدية في الخطأ في ذلك، ثم وجدنا القائلين بالدية في غير ذلك مختلفين فيما دون الثلث، فطائفة قالت: هي في مال الجاني، وأخرى قالت: هي على عاقلته، فلم نجد إجماعًا هنا في هذا، فبطل أن يجب في الخطأ في ذلك شيء؛ لأنه لا نص بيَّن هذِه العشرة على من هي؟ وإذا لم يبين بالنص والإجماع على من هي؟ فمن الباطل أن يكون الله يلزمنا غرامة لا يبين لنا من هو الملتزم (بها)(٢)، فسقط أن يكون في الخطأ غرامة أصلًا فيما دون النفس، ورجعنا إلى العمد فلم يكن بد من إيجاب الدية -دية الأصابع- كما أمر رسول الله وَ له إما على العامد وإما على المخطئ، أو على عاقلته بنصوص القرآن التي أوردناها، فلم يبق إلا العامد، فالدية في ذلك واجبة على العامد بلا شك إذ لم يبين إلا هو. (١) ((المحلى)) ٣٤٣/١٠. (٢) من (ص١). ٣٩٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وأيضا، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَجَزَّوُاْ سِئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] وكان العامد مسيئًا بسيئة، فالواجب بنص القرآن أن يساء إليه بمثلها، والدية إذا أوجبها الله على لسان رسوله وفي إساءة مسيء فهي مثل سيئة ذلك المسيء بلا شك، وكذلك الحدود إذا أمر الله رَك بها أيضًا، فإذا كانت المماثلة بالقود في الأصابع وجبت المماثلة بالدية في ذلك، وفي حديث ابن المسيب: أن عمر ع قضى في الإبهام بخمس عشرة إلى آخر ما سلف، ووافقه على الأول غيره كما سلف. وعن علي: الأصابع عشر عشر (١)، وسلف ما قاله الشعبي، وعن مسروق كذلك قال، ورويناه أيضًا عن ابن عباس رضي الله عنهما(٢)، وزيد بن ثابت قال: وليعلم العالمون أنه لم يأت عن أحد من الصحابة أن هُذِهِ الدية في الخطأ، وأعجب من ذلك من لا يرىُ هُذِه الدية في العمد أصلًا، ولا يراها إلا في الخطأ، فعكس الحق عكسًا(٣). وأما مفاصل الأصابع، فروينا من حديث قتادة عن عكرمة، عن عمر أنه قضى في كل أنملة بثلث دية الأصابع. وعن سليمان بن موسى قال: في كتاب عمر بن عبد العزيز إلى الأجناد في كل قصبة من قصب الأصابع قطع أو شلت ثلث دية الأصابع، إلا ما كان من إبهامها فإنما لها قصبتان، ففي كل قصبة من الإبهام نصف ديتها، وعن إبراهيم مثله. قال ابن حزم: ولا نعرف في هذا خلافًا. والذي نقول به (هو) (٤) أنه (١) رواها عبد الرزاق في ((مصنفه)) ٣٨٣/٩، وابن أبي شيبة ٣٦٨/٥ (٢٦٩٩٢). (٢) رواه النسائي ٨/ ٥٧. (٣) ((المحلى)) ٤٣٧/١٠. (٤) من (ص١). ٣٩١ ـ كِتَابُ الدِّيَّاتِ الكليفي حكم في كل أصبع بعشر من الإبل، فواجب لا شك أن العشر المذكورة تقابل للأصبع، ففي كل جزء من الأصبع جزء من العشر، وأما الأصبع تشل فقد جاء عن رسول الله وَّلة: ((في الأصابع عشر عشر)) فهذا عموم لا يخرج منه إلا ما أخرجه نص أو إجماع(١). وقد قيل: إن شلل الأصابع دية كاملة. والواجب القول بذلك؛ لعموم النص الذي ذكرنا، وأما كسره فيفتق صباح أو عشاء فلا شيء فيه عندنا، وهذا النص الذي ذكرناه يقتضي أن أصابع اليدين والرجلين سواء؛ لعموم ذكر الأصابع. وروينا من طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن رجل، عن مكحول، عن زيد بن ثابت أنه قال: في الأصبع الزائدة ثلث دية الأصبع. قال معمر: يعني: أن الأصبع الزائدة والسن الزائدة ثلث ديتها. وقال آخرون: فيها حكم. وقال آخرون: لا شيء فيها. وفي حديث عمرو بن شعيب قال: كان في كتاب أبي بكر وعمر أن في الرِّجْل إذا يبست فلم يستطع أن يبسطها، أو بسطها فلم يستطع أن يقبضها، أو لم تنل الأرض، ففيها نصف الدية، فإن نال منها شيء الأرض فبقدر ما نقص منها. وفي اليد إذا لم يأكل بها ولم يشرب بها ولم يأتزر بها، ففيها نصف الدية. فصل : وذكر ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال: كان يقال: إذا كسرت اليد أو الرجل ثم برأت ولم ينقص منها شيء أرشها مائة وثمانون درهمًا، وعن عبد الله بن ذكوان أن عمر # قضى في رجل كسرت ساقه وجبرت (١) المصدر السابق. ٣٩٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = واستقامت بعشرين دينارًا. وقال شريح: على الكاسر أجر الجابر. وعن زيد بن ثابت في الساق تكسر خمسون دينارًا، وإذا برأت على عثم ففيها خمسون دينارًا. وقال سليمان بن يسار: فيها قلوصان. وقال الحسن: يرضخ له شيء. وإذا قطعت اليد الشلاء ففيها ثلث الدية، قاله سعيد بن المسيب وإبراهيم وعمر بن الخطاب وابن عباس. وقال مسروق وإبراهيم: فيها حكم. وعن علي وعمر بن عبد العزيز وزيد بن ثابت: في الرجل نصف الدية(١). وفي حديث عكرمة بن خالد عن رجل من آل عمر، قال رسول الله وَثِ ير: ((في الرجل خمسون))(٢) وقاله الشعبي عن ابن مسعود. وفي ((الموطأ)) عن ربيعة قال: سألت ابن المسيب عن ( ... )(٣) كم في أصبع المرأة؟ فقال: عشر من الإبل. قلت: فكم في أصبعين؟ فقال: عشرون من الإبل. قلت: فكم في ثلاث؟ فقال: ثلاثون من الإبل. فقلت: فكم في أربع؟ قال: عشرون من الإبل. فقلت: حين عظم جرحها واشتدت مصيبتها نقص عقلها! فقال سعيد، أعراقي أنت؟ قلت: بل عالم متثبت أو جاهل متعلم، فقال سعيد: هي السنة يا ابن أخي (٤). (١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٣٧٤/٥، ٣٧٧-٣٧٨ (٢٧٠٥٧- ٢٧٠٥٨، ٢٧١٠١ - ٢٧١١٠). (٢) رواه البزار في ((مسنده)) ٣٨٦/١ (٢٦١) عن عكرمة بن خالد عن أبي بكر بن عبيد الله بن عمر عن أبيه عن عمر. (٣) بياض في الأصل. (٤) ((الموطأ)) ص٥٣٦. ٣٩٣ كِتَابُ الدِّيَّاتِ = ٢١- باب إِذَا أَصَابَ قَوْمٌّ مِنْ رَجُلٍ هَلْ يُعَاقِبُ أَوْ يَقْتَصُّ مِنْهُمْ كُلِّهِمْ؟ وَقَالَ مُطَرِّفٌ عَنِ الشَّعْبِيِّ فِي رَجُلَيْنِ شَهِدَا عَلَى رَجُلِ أَنَّهُ سَرَقَ فَقَطَعَهُ عَلِيٍّ، ثُمَّ جَاءَا بِآخَرَ وَقَالَا: أَخْطَأْنَا. فَأَبْطَلَ شَهَادَتَهُمَا وَأُخِذَا بِدِيَةِ الأَوَّلِ، وَقَالَ: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكُمَا تَعَمَّدْتُمَا لَقَطَعْتُكُمَا. ٦٨٩٦- وَقَالَ لِي ابن بَشَّارٍ: حَدَّثَنَا يَخْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ غُلَامَا قُتِلَ غِيلَةً، فَقَالَ عُمَرُ: لَوِ اشْتَرَكَ فِيهَا أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ. وَقَالَ مُغِيرَةُ بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ: إِنَّ أَرْبَعَةً قَتَلُوا صَبِيًّا، فَقَالَ عُمَرُ مِثْلَهُ. وَأَقَادَ أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَعَلِيّ وَسُوَيْدُ بْنُ مُقَرٍِّ مِنْ لَطْمَةٍ. وَأَقَادَ عُمَرُ مِنْ ضَرْبَةٍ بِالدِّرَّةِ. وَأَقَادَ عَلِيَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَسْوَاطٍ. وَاقْتَصَّ شُرَيْحٌ مِنْ سَوْطٍ وَخُوشٍ. [فتح ١٢/ ٢٢٧] ٦٨٩٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَخْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: لَدَدْنَا رَسُولَ اللهِ وَّهِ فِي مَرَضِهِ، وَجَعَلَ يُشِيرُ إِلَيْنَا: ((لَا تَلُدُّونِي)). قَالَ: فَقُلْنَا: كَرَاهِيَةُ المَرِيضِ بِالدَّوَاءِ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: ((أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ تَلُدُّونِي؟!)). قَالَ: قُلْنَا: كَرَاهِيَةٌ لِلدَّوَاءِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ◌َِّ: ((لَا يَبْقَى مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا لُدَّ وَأَنَا أَنْظُرُ، إِلَّ العَبَّاسَ فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ)). [انظر: ٤٤٥٨ - مسلم: ٢٢١٣ - فتح ٢٢٧/١٢] (وَقَالَ مُطَرِّفٌ عَنِ الشَّعْبِيِّ فِي رَجُلَيْنِ شَهِدَا عَلَى رَجُلِ أَنَّهُ سَرَقَ فَقَطَعَهُ عَلِيٍّ ◌َثُ، ثُمَّ جَاءا بآخَرَ فقَالَا: أَخْطَأْنَا. فَأَبْطَلَ شَهَادَتَهُمَا وَأُخِذا بِدِيَةِ الأَوَّلِ، وَقَالَ: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكُمَا تَعَمَّدْتُمَا لَقَطَعْتُكُمَا). ٣٩٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وهذا التعليق أخرجه الطبري عن بندار، عن شعبة، عن قتادة، عنه (١). ثم قال البخاري: وَقَالَ لِي محمد بن بَشَارٍ: حَدَّثَنَا يَحْيَىُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رجلًا قتل غُلَامًا قُتِلَ غِيلَةً، فَقَالَ عُمَرُ عَثه: لَوِ أُشْتَرَكَ فِيهَا أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ بِه. وَقَالَ المُغِيرَةُ بْنُ حَكِيم، عَنْ أَبِهِ: أنَّ أَرْبَعَةً قَتَلُوا صَبِيًّا، فَقَالَ عُمَرُ مِثْلَهُ. هذا التعليق ذكره ابن أبي شيبة فقال: حدثنا عبد الله بن نمير، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب أن (رجلًا)(٢) قتل بصنعاء، وأن عمر قتل به سبعة نفر، وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به جميعًا. وحدثنا وكيع، حدثنا هشام، عن قتادة، عن ابن المسيب قال: قال عمر: لو أشترك فيه أهل صنعاء لقتلتهم جميعًا. وحدثنا وكيع، ثنا العمري، عن نافع، عن ابن عمر أن عمر قتل سبعة من أهل صنعاء برجل، وقال بمثله. وحدثنا أبو معاوية عن مجالد، عن الشعبي، عن المغيرة بن شعبة أنه قتل سبعة برجل، وحكي نحوه عن علي # وعن سليمان بن موسى وعطاء(٣). وفي ((موطأ مالك)) عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب أن عمر عليّنه قتل نفرًا خمسة أو ستة برجل واحد قتلوه قتل غيلة، فقال عمر طه : لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعا (٤). (١) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ٨٩/١٠ (١٨٤٦٢) من طريق معمر عن قتادة عنه، ورواه الدارقطني في ((السنن)) ١٨٢/٣ من طريق مطرف عن الشعبي عنه. (٢) في (ص١): إنسانًا. (٣) ((المصنف)) ٤٢٨/٥ (٢٧٦٨٤ -٢٧٦٩٠). (٤) ((الموطأ)) ص٥٤٣. ٣٩٥ كِتَابُ الدِّيَّاتِ = قال ابن عبد البر: لم يقل أحد من رواة هذا الحديث فيه: قتل غيلة غير مالك(١). قلت: قد رواه البخاري عن غيره كما سلف، وفيه ذلك. وروى الدارقطني من حديث يزيد بن عطاء، عن سماك، عن أبي المهاجر، عن عبد الله من بني قيس بن ثعلبة قال: كان رجل من أهل صنعاء يسبق الناس في كل سنة، فلما قدم وجد مع وليدته سبع رجال يشربون الخمر، فأخذوه فقتلوه وألقوه في بئر، فلما جاء الذي من بعده فسئل عنه، فأخبر أنه قضى بين يديه، والحديث فيه أن عمر ذه كتب: أقتلهم (أجمعين)(٢) واقتل (ما)(٣) معهم فإنه لو كان أهل صنعاء اشتركوا في دمه لقتلتهم به (٤). فصل : وكأن البخاري -رحمه الله- أراد بأثر عمر # الرد على محمد بن سيرين حيث قال في الرجل (يقتله الرجلان: يُقتل أحدهما)(٥) وتؤخذ الدية من الآخر. وقال الشعبي في الرجل يقتله النفر قال: يدفع إلى أولياء المقتول، فيقتلون من شاءوا ويعفون عمن شاءوا، ونحوه عن ابن المسيب والحسن (٦) وإبراهيم (٦). (١) ((الاستذكار)) ٢٣٤/٢٥. (٢) في (ص١): جميعًا. (٣) من (ص١). (٤) ((سنن الدار قطني)) ٢٠١/٣-٢٠٢. (٥) ساقط من الأصل، والمثبت من (ص١). (٦) ((المصنف)) ٣٨٩/٥-٣٩٠. ٣٩٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - فصل : قال البخاري: وأقاد أبو بكر وابن الزبير وعلي وسويد بن مقرن عنه من لطمة، وأقاد عمر # من ضربة بالدرة، وأقاد علي * من ثلاثة أسواط، واقتص شريح من سوط وخموش. أما التعليق عن أبي بكر فأخرجه ابن أبي شيبة عن شبابة، عن شعبة، وعن يحيى الحضرمي قال: سمعت طارق بن شهاب يقول: لطم أبو بكر رجلًا لطمة فقيل: ما رأيت كاليوم هنعة ولطمه فقال أبو بكر: إن هذا أتاني ليستحملني فحملته، فإذا هو يمنعهم، فحلفت: لا أحمله. ثلاث مرات. ثم قال له: اقتص. فعفا الرجل(١). وروى ابن وهب في ((مسنده) : حدثنا حيي بن عبد الله المعافري عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو أن أبا بكر قال لرجل: استقد -يعني من نفسه، وهو خليفة- فقال له عمر: والله لا يستقيد، ولا تجعلها سنة. قال أبو بكر: فمن لي من الله يوم القيامة؟ فقال عمر: أرضه. فأمر له أبو بكر براحلة وقطيفة وخمسة دنانير أرضاه بها(٢). والتعليق عن ابن الزبير أخرجه ابن أبي شيبة أيضًا عن ابن عيينة، عن عمرو، عنه: أنه أقاد من لطمة (٣). والتعليق عن علي، أخرجه أيضًا عن أبي عبد الرحمن المسعودي عبد الله بن عبد الملك، عن ناجية أبي الحسن، عن أبيه، أن عليًّا قال في رجل لطم رجلًا فقال للملطوم: أقتص (منه)(٤)(٥). قال: (١) ((المصنف)) ٤٦٢/٥ (٢٨٠٠١). (٢) رواه البيهقي في ((السنن الكبرى)) ٤٩/٨. (٣) ((المصنف)) ٤٦٢/٥ (٢٧٩٩٩). (٤) من (ص١). (٥) ((المصنف)) ٤٦٢/٥ (٢٧٩٩٦). ٣٩٧ ـ كِتَابُ الدِّيَّاتِ وحدثنا أبو خالد، عن أشعث، عن فضيل، عن عبد الله بن معقل قال: كنت عند علي ﴾ فجاءه رجل يساره، فقال علي: يا قنبر أخرج هذا واجلده، ثم جاء المجلود فقال: إنه زاد عليَّ ثلاثة أسواط. فقال له علي: ما تقول؟ قال: صدق يا أمير المؤمنين. قال: خذ السوط واجلد ثلاث جلدات، ثم قال: يا قنبر، إذا جلدت فلا تتعدى الحدود(١). والتعليق عن سويد أخرجه وكيع عن سفيان بن سعيد عن مغيرة، عن إبراهيم، عن الشعبي عنه. والتعليق عن عمر # أخرجه أبو الفرج الأصبهاني في ((تاريخه)) بإسناد ضعيف وانقطاع. والتعليق عن شريح رواه عن وكيع، ثنا سفيان، عن أبي إسحاق عنه: أنه أقاد من لطمة وخموش. وروى ابن أبي عاصم من حديث ابن مرداس الثقفي قال: طردت إبلًا لأخي فتبعها نفر فرموه بالحجارة حتى قتلوه، فأتيت رسول الله تَّ بهم فأقادهم به(٢). وسماه أبو عمر وغيره مرداس بن عروة، وذكروا حديثه هذا بلفظ: أن رجلا رمى رجلا بحجر فأمر به العليه فأقاده منه. فصل : ذهب جمهور العلماء إلى أن الجماعة إذا قتلوا واحدًا قتلوا به أجمع على نحو ما فعل عمر، وروي مثله عن علي ع والمغيرة بن شعبة، ومن التابعين سعيد بن المسيب وعطاء والحسن والنخعي والشعبي وجماعة أئمة الأمصار. (١) ((المصنف)) ٤٦٣/٥ (٢٨٠٠٥). (٢) ((الديات)) ص٦١. ٣٩٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وفيها قول ثان روي عن عبد الله بن الزبير ومعاذ: أن لولي المقتول أن يقتل واحدًا من الجماعة ويأخذ بقية الدية من الباقين، مثل أن يقتله عشرة أنفس فله أن يقتل واحدًا (منهم)(١) ويأخذ من التسعة تسعة أعشار الدية، وبه قال ابن سيرين والزهري(٢). وفيها قول ثالث قاله أهل الظاهر: أنه لا قود على أحد منهم أصلًا، وعليهم الدية، وقاله ربيعة أيضًا، وهو خلاف ما أجمعت عليه الصحابة، حجة الجماعة قوله تعالى: ﴿وَمَن قُئِلَ مَظْلُوْمًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ، سُلْطَانًا فَلَ يُسْرِف فىِ الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣] فلا فرق بين أن يكون القاتل واحدًا أو جماعة لوقوع أسم القتلة عليهم؛ لأن الله جعل الحجة لولي المقتول عليهم، وعلى مثله يدل حديث عائشة رضي الله عنها في اللدود الذي ساقه البخاري في الباب، حيث أمر أن يلدَّ كل من في البيت لشهودهم اللدود الذي نهاهم عنه وما کان من الألم واشتراکھم في ذلك، وهو حجة في قصاص الواحد من الجماعة، ولو لم تقتل الجماعة للواحد لأدى ذلك إلى رفع المثلة في القصاص الذي جعله الله حياة، ولم يشأ أحد أن يقتل أحدًا ثم لا يقتل به إلا أدعى من يقتله معه ليسقط عنه القتل، وأيضًا فإن النفس لا تتبعض بالإتلاف بدليل أنه لا يقال: قاتل بعض نفس؛ لأن كل واحد (قد)(٣) حصل من جهته بعمل ما يتعلق به خروج الروح عنده، وهذا لا يتبعض لامتناع أن يكون بعض الروح خرج [بفعل](٤) أحدهم وبعضها بفعل الباقين، فكان كل (١) من (ص١). (٢) انظر: ((الإشراف)) ٦٩/٣. (٣) من (ص١). (٤) زيادة ليست في الأصول يقتضيها السياق، وهي في (شرح ابن بطال)) ٨/ ٥٢٧. ٣٩٩ = ڪِتَابُ الدِّيَّاتِ واحد منهم قاتل نفس، ومثل هذا لو أن جماعة رفعوا حجرًا لكان كل واحد منهم رافعًا له؛ لأن الحجر لا يتبعض كما أن النفس لا تتبعض. فإن قلت: إنما يقال لكل واحد منهم: قاتل نفس، كما يقال في الجماعة: أكلنا الرغيف وليس كل واحد منهم أكل الرغيف كله، قيل: إنما كان هذا؛ لأن الرغيف يتبعض، فصح أن يقال لكل واحد: أكل بعض الرغيف، ولما لم يصح التبعيض في النفس لم يصح أن يقال: قاتل بعض نفس. وقوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] الألف واللام للجنس، فتقديره: الأنفس بالأنفس وكذلك قوله: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرُّ﴾ [البقرة: ١٧٨] تقديره: الأحرار بالأحرار، فلا فرق بين جماعة قتلوا واحدًا أو جماعة؛ ولأن كل حق وجب للإنسان على غيره إذا انفرد، فإنه يجب عليه وإن شورك فيه، أصله حد القذف، وهو إجماع الصحابة. فصل : وأما القود من اللطمة وشبهها كضربة السوط والدرة، فقد ذكر البخاري ما أسلفناه عن عثمان وخالد بن الوليد مثل ذلك، وهو قول الشعبي وجماعة من أهل الحديث. وقال الليث: إن كانت اللطمة في العين فلا قصاص فيها؛ للخوف على العين، ويعاقبه السلطان، وإن كانت على الخد ففيها القود. وقالت طائفة: لا قصاص في اللطمة، روي هذا عن الحسن وقتادة، وهو قول مالك والكوفيين والشافعي(١)، وعبارة ابن التين أنه مشهور مذهب مالك. (١) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ١٢٦/٥، و((الإشراف)) ١١٩/٣. ٤٠٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح وقال الداودي: اختلف قول مالك فيه، بأن قال: ليس لطمة المريض والضعيف مثل لطمة القوي، وليس العبد الأسود يلطم مثل الرجل له الحالة والهيئة، وإنما في ذلك كله الاجتهاد فجهلنا بمقدار اللطمة(١). واختلفوا في القود من ضربة السوط والعصا، فقال ابن القاسم: يقاد فيها، قال الليث: ويزاد عليه للتعدي، وقال الشافعي والكوفيون: لا يقاد إلا أن يجرح. وقال الشافعي: إن جَرَحَ السوطُ ففيه الحكومة(٢). وحديث لدِّ الشارع لأهل البيت حجة لمن جعل القود في كل ألم، وإن لم يكن جرح ولا قصد لأذى، بسوط كان الألم أو بيد أو غيره، وقد قال ابن القاسم فيمن نتف لحية رجل أو رأسه أو شاربه عمدًا: يؤدب. وقال المغيرة: يعاقب ويسجن. (وقال أشهب في ذلك: وفي الأشعار القصاص)(٣). وقال الشيخ أبو محمد في ((نوادره)): أعرف لأصبغ أن القصاص فيها بالوزن. قال: وعاب ذلك غيره، قصوره(٤) القصاص على قول أشهب لو جنى على شعره فابيض شعره ببخر بالكبريت ونحوه من الأدوية المبيضة للشعر. فإن أتلف منبتها (غاشاه)(٥) بالأدوية المانعة لنبات الشعر. (١) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٤٠/١٤. (٢) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ١٢٦/٥. (٣) من (ص١). (٤) ((النوادر والزيادات)) ٤٠/١٤. (٥) من (ص١).