النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ كِتَابُ الدِّيَّاتِ = الثاني: في الميثاق هل هو مسلم أو كافر كما سلف. فصل : قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ يعني: عن الرقبة خاصة، قاله مجاهد، وقال مسروق: عن الرقبة والدية(١)، والأول أولى، كما قال الطبري؛ لأن دية الخطأ على عاقلة القاتل، والكفارة على القاتل بالإجماع، فلا يقضي صوم صائم عما لزم الآخر في ماله(٢). فصل : قوله: ﴿تَوْبَةً مِّنَ اَللَّهُ﴾ يعني: رحمة من الله لكم وإلى التيسير عليكم بتخفيفه عنكم بتحرير الرقبة المؤمنة إذا أيسرتم بها ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي: لم يزل عليمًا بما يصلح عباده فيما يكلفهم من فرائضه، حكيمًا بما يقضي فيه ويأمر. (١) (تفسير الطبري)) ٤/ ٢١٧ (١٠١٧٧-١٠١٧٨). (٢) ((تفسير الطبري)) ٢١٧/٤. ٣٦٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ١٢- باب إِذَا أَقَرَّ بِالْقَتْلِ مَرَّةً قُتِلَ ٦٨٨٤ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا حَبَّنُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٍ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكِ أَنَّ تَهُودِيًّا رَضَّ رَأْسَ جَارِيَةٍ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، فَقِيلَ لَهَا: مِنْ فَعَلَ بك هذا؟ أَفُلَانٌ أَفُلَانٌ؟ حَتَّى سُمِّيَ اليَهُودِيُّ، فَأَومَاَتْ بِرَأْسِهَا، فجيء باليهودِيِّ فاغترف، فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ◌َيِّ فَرُضَّ رَأْسُهُ بِالْحِجَارَةِ. وَقَدْ قَالَ هَمَّاٌ: بِحَجَرَيْنِ. [انظر: ٢٤١٣ - مسلم: ١٦٧٢ - فتح ١٢/ ٢١٣] ذكر فيه حديث أنس # في المرضوضة، وهو حجة على الكوفيين في قولهم في أنه لابد أن يقر مرتين، كما لا بد في الزنا من أربعة. وقولهم خلاف الحديث؛ لأنه لم يذكر فيه أن اليهودي أقر أكثر من مرة واحدة ، ولوكان فيه حكم معلوم لبينه، وبه قال مالك والليث والشافعي، وقد سلف في أبواب الزنا مذاهب العلماء فيه. ٣٦٣ كِتَابُ الدِّيَّاتِ = ١٣- باب قَتْلِ الرَّجُلِ بِالْمَرْأَةِ ٦٨٨٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ ◌ّ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ قَتَلَ يَهُودِيًّا بِجَارِيَةٍ قَتَلَهَا عَلَى أَوْضَاحِ لَهَا. [انظر: ٢٤١٣ - مسلم: ١٦٧٢ - فتح ٢١٣/١٢] ذكر فيه حديث أنس # في الأوضاح مختصرًا ، وهو ظاهر فيما ترجم له، وهو قول فقهاء عامة الأمصار وجماعة العلماء، وكذلك تقتل المرأة بالرجل، وشذ الحسن، ورواه عن عطاء فقالا: إن قتل أولياء المرأة الرجل بها أدَّو نصف الدية ، وإن قتل أولياء الرجل المرأة أخذوا من أوليائها نصف دية الرجل، وروي مثله عن الشعبي، عن علي ﴾(١)، وبه قال عثمان البتي ، حجة الجماعة حديث الباب حيث قتل اليهودي بالمرأة، فدل على إثبات القصاص بين الرجال والنساء، وفيه قتل الكافر بالمسلم. (١) أنظر هذِه الآثار في ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٤٠٩/٥-٤١٠ (٢٧٤٧١ - ٢٧٤٧٦). ٣٦٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ١٤- باب القِصَاصِ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ في الجِرَاحَاتِ وَقَالَ أَهْلُ العِلْمِ: يُقْتَلُ الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ. وَيُذْكَرُ عَنْ عُمَرَ : تُقَادُ المَرْأَةُ مِنَ الرَّجُلِ فِي كُلِّ عَمْدٍ يَبْلُغُ نَفْسَهُ فَمَا دُونَهَا مِنَ الجِرَاحِ. وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ وَإِبْرَاهِيمُ وَأَبُو الزِّنَادِ، عَنْ أَضْحَابِهِ. وَجَرَحَتْ أُخْتُ الرُّبَيِّعِ إِنْسَانًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: (الْقِصَاصُ)). ٦٨٨٦ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِّ، حَدَّثَنَا نَحْيَى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: لَدَدْنَا النَّبِيَّ وَِّ فِي مَرَضِهِ، فَقَالَ: ((لَا تَلُدُّونِ)). فَقُلْنَا: كَرَاهِيَةُ المَرِيضِ لِلذَّوَاءِ. فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: ((لَا يَبْقَى أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلَّا لُدَّ، غَيْرَ العَبَّاسِ فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ)). [انظر: ٤٤٥٨- مسلم: ٢٢١٣ - فتح ١٢/ ٢١٤] قد فرغنا الكلام منه آنفًا. ثم قال: (وَيُذْكَرُ عَنْ عُمَرَ: تُقَادُ المَرْأَةُ مِنَ الرَّجُلِ فِي كُلِّ عَمْدٍ يَبْلُغُ نَفْسَهُ فَمَا دُونَهَا مِنَ الجِرَاحِ). هذا قول مالك والشافعي والثوري والأوزاعي وأكثر الفقهاء، وخالف أبو حنيفة فقال: لا قصاص بين الرجال والنساء فيما دون النفس من الجراح، احتج أصحابه بأن المساواة عندهم معتبرة في النفس دون الأطراف. ألا ترى أن اليد الصحيحة لا تؤخذ بيد شلاء ، والنفس الصحيحة تؤخذ بالمريضة، (وهذِه)(١) نكتهم وعليها (يبوبون)(٢) الكلام، وكذلك لا يقطعون يد المرأة بيد الرجل، ولا يد (الحرة (١) من (ص١). (٢) كذا بالأصل وفي ((ابن بطال)) ٥١٦/٨: (يبنون). ٣٦٥ كِتَابُ الدِّيَّاتِ = بالحر)(١) وإن جرى القصاص بينهما في النفس. قال ابن المنذر: ولما أجمعوا أن نفسه (بنفسها)(٢)، وهي أكبر الأشياء، واختلفوا فيما دونها، كان ما اختلفوا فيه مردودًا إلى ما أجمعوا عليه؛ لأن الشيء إذا أبيح منه الكثير فالقليل أولى. وحديث الربيع يبين أن القصاص بين الرجل والمرأة فيما دون النفس؛ ولأن كل شخصين جرى القصاص بينهما في النفس فكذلك فيما دونها كالرجلين والمرأتين، وإنما لم تؤخذ اليد الصحيحة بالشلاء؛ لأن اليد الشلاء ميتة والنفس الحية لا تؤخذ بالنفس الميتة فسقط اعتراضهم. فصل : ولما ذكر البخاري عن عمر ما ذكر أعقبه بقوله: وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ وَإِبْرَاهِيمُ وَأَبُو الزِّنَادِ، عَنْ أَصْحَابِهِ. قال: وَجَرَحَتْ أُخْتُ الرُّبَيِّع إِنْسَانًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: «الْقِصَاصُ)). ثم ساق حديث عائشة رضي الله عنها: لَدَدْنَا رسول اللهَ وَّ فِي مَرَضِهِ، فَقَالَ: (لَا تَلُدُّونِ)). فَقُلْنَا: كَرَاهِيَةُ المَرِيضِ لِلذَّوَاءِ. فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: ((لَا يَبْقَى أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلَّا لُدَّ، غَيْرَ العَبَّاسِ فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ)) وقد سلف. أثر عمر غ أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح: حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن شريح قال: أتاني عروة البارقي من عند عمر بن الخطاب ﴾ أن جراحات الرجال والنساء .. الحديث(٣). (١) كذا بالأصل، وفي ((ابن بطال)) ٥١٦/٨: (الحر بالعبد). (٢) في الأصل: (بنفسه)، والمثبت من ((شرح ابن بطال)) ٥١٦/٨. (٣) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٤١١/٥ (٢٧٤٨٧). ٣٦٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - والتعليق عن عمر بن عبد العزيز وأبي الزناد أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد جيد عن وكيع، ثنا سفيان، عن عبد الله بن ذكوان أبى الزناد، عن عمر بن عبد العزيز. قال: وحدثنا وكيع، ثنا سفيان، عن جعفر بن برقان عن عمر، به(١). فصل : قوله: (وجرحت أخت الرُّبَيّع إنسانًا) هو بضم الراء وفتح الباء الموحدة وتشديد المثناة تحت. وهذا أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة ثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، ثنا ثابت بن أسلم، ثنا أنس بن مالك قال: جرحت أخت الربيع .. الحديث(٢). وادعى ابن التين أنه كذا وقع هنا في غير موضع من البخاري، أن الربيع هي الجانية، وكذا في كتاب مسلم، والذي رأيناه في نسخ البخاري الصحيحة هنا الربيع بحذف أخت(٣). فصل : وقد أسلفنا أتفاق علماء الأمصار على قتل الرجل بالمرأة وعكسه إذا كان عمدًا إلا من شذ، وأن مالكًا والثوري والأوزاعي والشافعي، وأكثر الفقهاء ذهبوا إلى أن القصاص بين الرجال والنساء في الجراحات كما (١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٤١٠/٥ (٢٧٤٧٧). (٢) مسلم (١٦٧٥) كتاب: القسامة، باب: إثبات القصاص في الأسنان وما في معناها. (٣) ورد بهامش الأصل: والذي راجعته الآن لبعض أصولنا الدمشقية الصحيحة فيها (أخت) كما قال ابن التين، وكذا في أصلنا الذي قرأناه على شيخنا العراقي بالقاهرة من رواية أبي ذر، وهذا المكان فيه كلام كثير للناس، وصوب شيخنا عدم (أخت)، وصوب بعضهم (أخت) والله أعلم. ٣٦٧ كِتَابُ الدِّيَّاتِ = هو في النفس. ولم يخالف فيه إلا أبو حنيفة كما سلف. وفي حديث اللدود قصاص الرجل من المرأة؛ لأن أكثر البيت (كانوا)(١) نساء، وفيه أيضًا أخذ الجماعة بالواحد، ووجهه المخالفة فيما نهاهم، وأنه يؤخذ الناس بالقصاص في أقل من الجراحات؛ لأنه التعليق أمر بأن يقتص له ممن لده في مرضه وآلمه. وهذا دون جراحة ولا قصد لأذى، والقصاص أيضًا في الجراح خلافًا لداود في القتل، ولأبي حنيفة في الجراح. فصل : واللدود ما يصب من الأدوية في أحد شقي الفم ، وقد لد الرجل فهو ملدود وألددته أنا، والتد هو، قاله الجوهري، والذي في الأصل لددناه ثلاثي، وعليه يدل قول الجوهري: لدّ الرجل(٢)، إذ لو كان رباعيًا لكان ألد الرجل فهو ملد. (١) علم عليها في الأصل: كذا. [قلت: ولعله يقصد أن الصواب: (كنَّ)]. (٢) ((الصحاح)) ٥٣٥/٢. ٣٦٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ١٥- باب مَنْ أَخَذَ حَقَّهُ أَوِ اقْتَضَّ دُونَ السُّلْطَانِ ٦٨٨٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزَّنَادِ، أَنَّ الأَخْرَجَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: إِنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ وَّهَ يَقُولُ: ((نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ [يَوْمَ القِيَامَةِ])). [انظر: ٢٣٨ - مسلم: ٨٥٥ - فتح ١٢/ ٢١٥] ٦٨٨٨ - وَبِإِسْنَادِهِ: ((لَوِ أَطَّلَعَ فِي بَيْتِكَ أَحَدٌ وَلَمْ تَأْذَنْ لَهُ خَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ، مَا كَانَ عَلَيْكَ مِنْ جُنَاحِ)). [٦٩٠٢ - مسلم: ٢١٥٨ - فتح ١٢/ ٢١٦] ٦٨٨٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ، حَدَّثَنَا يَخْيَى، عَنْ حُمَيْدٍ، أَنَّ رَجُلًا أَطَّلَعَ فِي بَيْتِ النَّبِيّ وَّلَهَ، فَسَنَّدَ إِلَيْهِ مِشْقَصًا. فَقُلْتُ: مَنْ حَدَّثَكَ؟ قَالَ: أَنَسُ بْنُ مَالِكِ. [انظر: ٦٢٤٢ - مسلم: ٢١٥٧ - فتح ٢١٦/١٢] ذكر فيه حديث أبي هُرَيْرَةَ عَُّ، سَمِعَ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ)». وبإسناده: (لَوِ اُطَّلَعَ عليك أَحَدٌ فِي بَيْتِكَ وَلَمْ تَأْذَنْ لَهُ فخَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ، مَا كَانَ عَلَيْكَ مِنْ جُنَاحِ)). حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا يَحْيَى، عَنْ حُمَيْدٍ، أَنَّ رَجُلًا أَطَّلَعَ فِي بَيْتِ النَّبِيِّ وَّةِ، فَسَدَّدَ إِلَيْهِ مِشْقَصًا. فقُلْتُ: مَنْ حَدَّثَكَ؟ قَالَ: أَنَسٌُ ◌َُه. الحديث الأول ظاهر لما ترجم له دون الثاني؛ لأن تسديد المشقص إليه كان من فعله، وكل سلطان يتأتى منه، وحديث سهل بن سعد الآتي في باب: من أطلع في بيت قوم ففقئوا عينه(١)، شاهد للباب أيضًا، وفي رواية صحيحة: ((فلا تودية ولا قصاص)) (٢). (١) يأتي برقم (٦٩٠١). (٢) رواه ابن حبان ٣٥١/١٣ (٦٠٠٤) ولفظه: ((فلا دية ولا قصاص)). ٣٦٩ كِتَابُ الدِّيَّاتِ = وروي عن عمر أيضًا مع أبي هريرة، وبه قال الشافعي، وفي ((نوادر ابن أبي زيد)) عن مالك مثله، والمعروف عن ابن وهب ويحيى بن عمر: إذا عضه فجذب يده فقلع سنه أنه لا شيء وهو هدر، ومشهور مذهب مالك: أن عليه القود كما سيأتي، وفي رواية لابن أبي عاصم: ((حرج)) بدل ((جناح))(١)، وفي أخرى: ((ما كان عليه من ذلك شيء)) (٢) وفي أخرى: ((يحل لهم فقء عينه))(٢). وروى من حديث ثوبان مرفوعًا: ((لا يحل لامرئ من المسلمين أن ينظر في جوف بيت حتى يستأذن، فإن فعل فقد دخل))(٢). وقال الطحاوي: لم أجد لأصحابنا في المسألة نصًا، غير أن أصلهم أن من فعل شيئًا دفع به عن نفسه مما له فعله أنه لا يضمن ما تلف به كالمعضوض اذا انتزع يده مِنْ فيِّ العاض؛ لأنه دفع عن نفسه، فلما كان من حق صاحب البيت أن لا يطلع أحد في بيته قاصدًا لذلك أن له منعه ودفعه فكان ذهاب عينه هدرًا، على هذا يدل مذهبهم. قال أبو بكر الرازي: ليس هذا بشيء، ومذهبهم أنه يضمن؛ لأنه يمكنه أن يمنعه من الاطلاع من غير فقء العين بخلاف المعضوض؛ لأنه لم يمكنه خلاصه إلا بكسر سن العاض (٣). وروى ابن عبد الحكم عن مالك أن عليه القود؛ ولأنه التعليئل؟ قال: ((لو أعلم أنك تنظر لفقأت عينك)) (٤) وهو لا يقول إلا ما يجوز فعله، ومن فعل ما يجوز فعله لم يكن عليه قود. (١) ((الديات)) ص ٨٣. (٢) ((الديات)) ص٨٤. (٣) ((التفسير الكبير)) ١٩٩/٢٣. (٤) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) ١١١/٦ (٥٦٧٠). ٣٧٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وقال المالكيون: مما يدل على أن الحديث خرج مخرج التغليظ، إجماعهم على أن رجلًا لو أطلع على عورة رجل أو بيته أو دخل داره بغير إذنه لا يجب عليه أن يفقأ عينه، وهجوم الدار أشد وأعظم من التسلل. وقد أتفقوا على أن من فعل فعلًا استحق عليه العقوبة من قتل أو غيره؛ لأنه لا يسقط عنه سواء كان في موضعه أو فارقه. وقد روي عن أصحاب رسول الله وسلّ أنهم توعدوا ولم ينفذوه، فروى الزهري عن عمر أنه قال لقيس بن مكشوح المرادي: نبئت أنك تشرب الخمر. قال: والله يا أمير المؤمنين لقد أقللت وأسأت، أما والله ما مشيت خلف ملك قط إلا حدثت نفسي بقتله، قال: فهل حدثتك نفسك بقتلي؟ قال: لو هممت فعلت. قال: أما والله لو قلت لضربت عنقك، أخرج لعنك الله، والله لا بت الليلة معي فيها. فقال له عبد الرحمن بن عوف: لو قال: نعم، (ضربت عنقه؟)(١) قال: (لا)(٢) والله، ولكن أسترهبته بذلك(٣). وروى جرير بن عبد الحميد عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن قال: قال علي #: لا أوتى برجل وقع بجارية امرأته (إلا رجمته، فما كان إلا يسيرًا حتى أتي برجل وقع بجارية امرأته) (٤) فقال: أخرجوه عني أخزاه الله. قلت: وحمل الحديث على ظاهره أولى. (١) في الأصل: (لضربت عنقك) والمثبت من (ص١). (٢) من (ص١). (٣) ذكره المتقي الهندي في ((كنز العمال)) ٦٩١/٣، وعزاه لابن جرير في ((تهذيب الآثار)). (٤) من (ص١). ٣٧١ - كِتَابُ الدِّيَّاتِ فصل : اتفق أئمة الفتوى - كما نقله المهلب وغيره- على أنه لا يجوز لأحد أن يقتص من أحد حقه دون السلطان، وليس للناس أن يقتص بعضهم من بعض؛ لأن ذلك من الفساد، وإنما ذلك للسلطان أو منصوبه ؛ ولهذا جعله الله لقبض أيدي الناس وليوصل الطالب إلى حقه وينتصف المظلوم من ظالمه، ولو ترك الأمر إلى أن ينتصف كل أمرئ بنفسه فسدت الأمور، وقد يتجاوز الأمر فيأخذ ما يجب له أو يتجاوز ما يجب له، وتأول أكثرهم هذا الحديث على أنه خرج على التغليظ والتوعد والزجر عن الاطلاع على العورات، وإنما اختلفوا فيمن أقام الحد على عبده أو أمته كما سلف، ويجوز عند العلماء أن يأخذ حقه دون السلطان في المال خاصة إذا جحده إياه ولم يقم له بينة على حقه، على ما جاء في حديث هند مع أبي سفيان السالف قبل، فإن كان السلطان لا ينتصر للمظلوم ولا يوصله إلى حقه جاز له أن يقتص دون الإمام. فصل : قوله: ((فخذفته)) هو بالخاء والذال المعجمتين، أي: رميته بحصاة أو نواة تأخذها بين سبابتك، أو تجعل مخذوفة ترمي بها بين إبهامك والسبابة، قاله الهروي. وقوله: ((فسدد إليه مشقصًا)) هو بالسين المهملة من سدد كما هو في الأصول، وقال ابن التين: رويناه بتشديد الشين (المعجمة، كذا قال، ومعناه: أوثقه. قال: وروي بالسين)(١) أي: قومه وهداه إلى ناحيته، (١) من (ص١). ٣٧٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = والمشقص من السهام: ما طال وعرض، وقيل: هو العريض النصل، وسلف الخلاف فيه. فصل : وقوله: ( ((نحن الآخرون السابقون)) ) يعني: آخر الأمم في الدنيا وسابقيهم في الآخرة إلى الجنة، وأدخله في الباب وليس معه؛ لأنه سمع الحديثين معًا. ٣٧٣ كِتَابُ الدِّيَّاتِ = ١٦- باب إِذَا مَاتَ في الزِّحَامِ أَوْ قُتِلَ ٦٨٩٠ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ: هِشَامٌ أَخْبَرَنَا، عَنْ أَبِيِهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَا كَانَ يَوْمَ أُحُدٍ هُزِمَ المُشْرِكُونَ، فَصَاحَ إِنِيسُ: أَىُ عِبَادَ اللهِ، أُخْرَاكُمْ. فَرَجَعَتْ أُولَاهُمْ، فَاجْتَلَدَتْ هِيَ وَأُخْرَاهُمْ، فَنَظَرَ حُذَيْفَةُ فَإِذَا هُوَ بِأَبِهِ اليَمَانِ فَقَالَ: أَيْ عِبَادَ اللهِ، أَبِي أَبِي. قَالَتْ: فَوَاللَّهِ مَا اخْتَجَزُوا حَتَّى قَتَلُوهُ. قَالَ حُذَيْفَةُ: غَفَرَ اللهُ لَكُمْ. قَالَ عُزْوَةُ: فَمَا زَالَتْ فِي حُذَيْفَةَ مِنْهُ بَقِيَّةٌ حَتَّى لَحَقَ بِاللهِ. [انظر: ٣٢٩٠- فتح ١٢/ ٢١٧] ذكر فيه حديث عائشة -رضي الله عنها- في قتل والد حذيفة السالف، وقد سلف فقهه ومذاهب العلماء فيه. ومعنى: (مَا أَحْتَجَزُوا حَتَّى قَتَلُوهُ): ما تركوه ولا كفوا عنه، ومن ترك شيئًا فقد أنحجز عنه. ٣٧٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ١٧- باب إِذَا قَتَلَ نَفْسَهُ خَطَأَ فَلَا دِيَةَ (فيه)(١) ٦٨٩١ - حَدَّثَنَا الَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ◌ََّ إِلَى خَيْبَرَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: أَسْمِغْنَا يَا عَامِرُ مِنْ هُنَيْهَاتِكَ. فَحَدَا بِهِمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ نَّهِ: (مَنِ السَّائِقُ؟)) قَالُوا: عَامِرٌ. فَقَالَ: ((رَحِمَهُ اللهُ). فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَّا أَمْتَغْتَنَا بِهِ. فَأُصِيبَ صَبِيحَةَ لَيْلَتِهِ، فَقَالَ القَوْمُ: حَبِطَ عَمَلُهُ، قَتَلَ نَفْسَهُ. فَلَمَّا رَجَعْتُ -وَهُمْ يَتَحَدَّثُونَ أَنَّ عَامِرَا حَبِطَ عَمَلُهُ- فَجِئْتُ إِلَى النَّبِيِّ فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، زَعَمُوا أَنَّ عَامِرَا حَبِطَ عَمَلُهُ. فَقَالَ: ((كَذَبَ مَنْ قَالَهَا، إِنَّ لَهُ لأَجْرَيْنِ أَثْنَيْنِ، إِنَّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ، وَأَيُّ قَتْلِ يَزِيدُهُ عَلَيْهِ؟!)). [انظر: ٢٤٧٧- مسلم: ١٨٠٢ - فتح ٢١٨/١٢] زاد الإسماعيلي: ولا إذا قتل عمدًا. ذكر فيه حديث سلمة : خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ نَّهِ إِلَى خَيْبَرَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: أَسْمِعْنَا يَا عَامِرُ .. الحديث، ولم يبين فيه صفة قتل عامر نفسه كما ترجم له، حتى قال الإسْمَاعيلي: ليس مطابقًا لما بوب له. وبينه قبل في كتاب الأدب: أن سيفه كان قصيرًا فتناول به يهوديًّا ليضربه، فرجع ذبابه فأصاب ركبته فمات منه، وفي آخره: ((قل عربي نشأ بها مثله)) بدل قوله هنا : ( ((وَأَيُّ قَتْلِ يَزِيدُهُ عَلَيْهِ))، وفي رواية أبي ذر: ( ((وأي قتيل يزيد عليه))). قال ابن بطال: وأبو الفضل، وكأنه الصواب(٢). واختلف العلماء فيمن قتل نفسه، أو أصابها عمدًا أو خطأ : فقال ربيعة ومالك والشافعي وأبو حنيفة والثوري: لا تعقله العاقلة. وقال الأوزاعي وأحمد وإسحاق: ديته على عاقلته، فإن عاش فهي (١) ورد بهامش الأصل: (له)، وقال: كذا في بعض أصولي الذي راجعته الآن. (٢) ((شرح ابن بطال)) ٥١٩/٨. ٣٧٥ = كِتَابُ الدِّيَّاتِ له، وإن مات فهي لورثته (١). واحتجوا بما روي أن رجلًا كان يسوق حمارًا، فضربه بعصا فأصابت عين نفسه ففقأتها، فقضى عمر ته بديته على عاقلته وقال: أصابته يد من أيدي المسلمين. وحديث الباب حجة للأول؛ حيث لم يوجب الشارع لعامر دية على عاقلة ولا غيرها، ولو وجب عليها شيء لبينه؛ لأنه مكان يحتاج فيه إلى البيان، بل شهد له بأن له أجرين والنظر ممتنع أن يجب للمرء على نفسه شيء بدليل الأطراف، وكذا النفس. واحتج مالك في ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطًَا﴾ [النساء: ٩٢] ولم يقل: من قتل نفسه خطأ، وإنما يجعل العقل فيما أصاب به إنسان إنسانًا، ولم يذكر ما أصاب به نفسه، ثم إن الدية إنما وجبت على العاقلة تخفيفًا على الجاني، فإذا لم يجب عليه لأحد شيء لم يحتج إلى التخفيف عنه، وجعلت الدية أيضًا على العاقلة معونة للجاني فتؤدى إلى غيره، فمحال أن يؤدى عنه إليه. فصل : قوله: ( ((إِنَّ لَهُ لأَجْرَيْنِ أَثْنَيْنِ، إِنَّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ)) ) لعله یرید أنه نزل به من البلاء ما أمتحن به حتى اختار الموت وتمناه، وهذا فسر به الهروي، قوله: ( ((أعوذ بك من جهد البلاء)) ). وقوله: ( ((مجاهد)) ) أي: في سبيل الله. وقيل: معناه جاهد في الخير مجاهد في سبيل الله، وروي: ((إنه لجاهد ومجاهد))(٢) أي: حضر مواطن من الجهاد عدة، مجاهد: جمع مجهد. (١) انظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ١١٤/٥، و((المغني)) ٣٣/١٢-٣٤. (٢) ورد بهامش الأصل: الرواية الثانية في الحديث: (لجاهد مجاهد)). ٣٧٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وقوله: ( ((وأي قتل (يزيده)(١) عليه))) وروي: ((يزيد))، وروي: ((قتيل))، أي: أنه بلغ أرقى الدرجات وفضل النهاية، وإنما قالوا: ج حبط عمله؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] وهذا إنما هو فيمن يتعمد قتل نفسه، إذ الخطأ لا ينهى عنه أحد. قال الداودي: ويحتمل أن يكون هذا قبل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَا﴾. وقوله: (أَسْمِعْنَا مِنْ هُنَيَاتِكَ) وروي: (هُنَيْهَاتِكَ) هنية: تصغير هناة، وأصلها : خصلات شعر. وفيه: جواز قول الشعر والرجز لمن يستعين به على عمل البر الذي هو فيه؛ لأن فيه معونة على السير وراحة للقلوب. (١) في الأصل: (يزيد)، والمثبت من (ص١). = كِتَابُ الدِّيَّاتِ ٣٧٧ ١٨- باب إِذَا عَضّ رَجُلًا فَوَقَعَتْ ثَنَايَاهُ ٦٨٩٢ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ: سَمِعْتُ زُرَارَةَ بْنَ أَوْفَى، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ رَجُلًا عَضَّ يَدَ رَجُلٍ فَنَزَعَ يَدَهُ مِنْ فَمِهِ فَوَقَعَتْ ثَِيَّتَاهُ، فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِيِّ ◌َ ـ﴿ فَقَالَ: «يَعَضُّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ كَمَا يَعَضُ الفَحْلُ، لَا دِيَةَ لَكَ)). [مسلم: ١٦٧٣ - فتح ٢١٩/١٢] ٦٨٩٣ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابن ◌ُرَئِجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَرَجْتُ فِي غَزْوَةٍ، فَعَضَّ رَجُلٌ فَانْتَزَعَ ثَنِيَّتَهُ، فَأَبْطَلَهَا النَّبِيُّ ◌َِّ. [ انظر: ١٨٤٨- مسلم: ١٦٧٤ - فتح ١٢/ ٢١٩] ذكر فيه حديث زُرَارَةَ بْنَ أَوْفَى- وهو أبو حاجب العامري الجرمي قاضي البصرة- عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رضي الله عنهما أَنَّ رَجُلًا عَضَّ يَدَ رَجُلٍ فَتَزَعَ يَدَهُ مِنْ فِيهِ فَوَقَعَتْ ثَنِيِّتَاهُ، فَاخْتَصَمُوا إِلَى رسول الله وَ لَ فَقَالَ: ((يَعَضُّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ كَمَا يَعَضُّ الفَحْلُ، لَا دِيَةَ لَكَ)). وحديث صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى، عَنْ أَبِهِ قَالَ: خَرَجْتُ فِي غَزْوَةٍ، فَعَضَّ رَجُلٌ (فَانْتَزَعَ)(١) ثَنِيَتَهُ، فَأَبْطَلَهَا النَّبِيُّ ◌ََّ. الشرح : حديث عمران # سلف (٢)، ولأبي داود من حديث يعلى: ((إن شئت أن أمكنه من يدك فيعضها ثم تنزعها من فيه))(٣) وهذا الرجل المعضوض أجير يعلى لا يعلى على ما صححه الحفاظ، وإن كان يحتمل تعدد الواقعة. (١) في الأصل: (فنزع). (٢) حديث عمران لم يذكره البخاري إلا في هذا الموضع، والذي سلف هو حديث يعلى بن أمية الذي بعده، سلف برقم (١٨٤٨). (٣) أبو داود (٤٥٨٥). ٣٧٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == واختلف العلماء في هذا الباب: فقالت طائفة: من عض يد رجل فانتزع المعضوض يده من في العاض فقلع سنًّا من أسنان العاض، فلا شيء عليه في السن، وروي عن الصديق وشريح، وهو قول الكوفيين والشافعي، قالوا: ولو جرحه المعضوض في موضع آخر فعليه ضمانه(١). وقال ابن أبي ليلى ومالك: هو ضامن لدية السن. وقال عثمان البتي: إن كان أنتزعها من ألم ووجع أصابه فلا شيء عليه، وإن أنتزعها من غير ألم فعليه الدية. حجة الأولين حديث الباب، وفي لفظ: ((أينزع يده من فيه فيعضه كما يعض الفحل، لا دية له)) وهذا خبر لا تجوز مخالفته لصحته، ولعدم مخالف له. قالوا: ولا يختلفون أن من شهر سلاحًا وأومأ إلى قتل رجل وهو صحيح العقل، فقتله المشهور عليه دفعًا له عن نفسه، أنه لا ضمان عليه، فإذا لم يضمن نفسه فدفعه عن نفسه كذلك لا يضمن مثله بدفعه إياه عن عضه. احتج أصحاب مالك فقالوا: يحتمل أن يكون سقوط الثنية من شدة (العض)(٢) لا من نزع صاحب اليد يده؛ لأنه قال: نزع يده فسقطت ثنية العاض؛ ولهذا لم يجب له شيء، وإن كان من فعل صاحب اليد، فقد كان يمكنه أن يخلص يده من غير قلع سنه، فلذلك وجب عليه ضمانها. (١) ((المبسوط)) ١٩١/٢٦، و((الأم)) ١٣٨/٧. (٢) في الأصل: (النزع). ٣٧٩ -- ڪِتَابُ الدِّيَّاتِ واعتذر ابن داود وابن بطال(١) عن هذا الحديث بأن مالكًا لم يروه، ولو رواه ما خالفه؛ ولأنه من رواية أهل العراق، وهو غير جيد؛ لأن حديث يعلى بن أمية -الذي هو مثل حديث عمران- رواه عنه ابنه صفوان وهما حجازيان، لا جرم أخذ به من (أصحابه)(٢) ابن وهب ويحيى بن عمر، وحكي عن مالك أيضًا، وقال يحيى بن عمر: لو بلغ مالكًا ما خالفه. ومن غرائب الحكايات: ما حكاه أبو الفرج الأصبهاني في ((تاريخه)): أن فلانًا -سماه- كان في سمار الوليد بن يزيد بن عبد الملك، فبينما هو عنده إذ نعس الخليفة فعطس الرجل عطسة شديدة انزعج لها الخليفة وقال: إنما أردت التشويش عليَّ بهذِه العطسة. فحلف أنها لعطاسته دائمًا. فقال: لئن لم تأتني بمن يشهد لك على ذلك لأنكلن بك، فجاء رجل من خواص الخليفة، فقال: أشهد أنه عطس يومًا فسقط ضرسان من أضراسه (٣). فصل : الثنية: مقدم الأسنان، ويعض: بفتح العين؛ لأن أصل ماضيه عضض على وزن علم، فيكون مستقبله بعضض، مثل: مس يمس (أصله: يمسس)(٤)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ [الفرقان: ٢٧] قال الجوهري: عن أبي عبيدة: وعضضه لغة في الرِّبَاب (٥). يعني: قبيلة. (١) ((شرح ابن بطال)) ٨/ ٥٢٢. (٢) غير واضحة بالأصل، والمثبت من (ص١). (٣) انظر: ((الأغاني)) ٤٩/٣ ففيها قصة شبيهة بهذه القصة. (٤) من (ص١). (٥) ((الصحاح)) ١٠٩١/٣. مادة (عضض). ٣٨٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ١٩- باب ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (١) [المائدة: ٤٥] ٦٨٩٤ - حَدَّثَنَا الأَنَّصَارِيُّ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسِ عَُ، أَنَّ ابنةَ النَّضْرِ لَطَمَتْ جَارِيَةً فَكَسَرَتْ ثَنِيَّتَهَا، فَأَتَوَا النَّبِيَّ رَِِّّ فَأَمَرَ بِالْقِصَاصِ. [انظر: ٢٧٠٣- مسلم: ١٦٧٥- فتح ٢٢٣/١٢] ذكر فيه حديث أنس بن مالك ◌ٍ أَنَّ ابنةَ النَّصْرِ لَطَمَتْ جَارِيَةً فَكَسَرَتْ ثَنِيَّتَهَا، فَأَتَوُا النَّبِيَّ وَلِّ فَأَمَرَ بِالْقِصَاصِ. قال تعالى: ﴿وَأَلْسِّنَ بِاُلْسِنٍ﴾. وأجمع العلماء أن هذِه الآية في العمد، فمن أصاب سن أحد عمدًا ففيه القصاص على حديث أنس هذا. واختلف العلماء في سائر عظام الجسد إذا كسرت عمدًا: فقال مالك: عظام الجسد كلها فيها القود إذ كسرت عمدًا: الذراعان والعضدان والساقان والقدمان والكعبان والأصابع، إلا ما كان مجوفًا مثل الفخذ وشبهه كالمأمومة والمنقلة والهاشمة والصلب، ففي ذلك الدية. وقال الكوفيون: لا قصاص في عظم يكسر ما خلا السن، للآية السالفة، وهو قول الليث والشافعي. واحتج الشافعي فقال: إن دون العظم حائل من لحم وجلد وعصب، فلو أستيقنا أنا نكسر عظمه كما كسر عظمه لا نزيد عليه ولا ننقص فعلنا، ولكنا لا نصل إلى العظم حتى ننال منه ما دونه مما ذكرنا أنا لا نعرف قدر ما هو أكثر أو أقل مما نال غيره، وأيضًا فلا نقدر أن يكون كسر ككسر أبدًا فهو ممنوع، وقد أتفقوا كما قال الطحاوي في عظم الرأس فكذلك سائر العظام، (١) كذا بالأصل، وفي ((اليونينية)) ٨/٩ ﴿وَأُلِسِّنَ بِالسِّنٍ﴾