النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
كِتَابُ الدِّيَّاتِ
=
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ ابنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: ((أَكْبَرُ
الكَبَائِرِ الإِشْرَاكُ باللهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَقَوْلُ الزُّورِ)). أَوْ قَالَ:
((وَشَهَادَةُ الزُّورِ)). [انظر: ٢٦٥٣ - مسلم: ٨٨ - فتح ١٢ / ١٩١]
٦٨٧٢ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ، حَدَّثَنَا أَبُو ظَبْيَانَ
قَالَ: سَمِعْتُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ رضي الله عنهما يُحَدِّثُ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ
وََّ إِلَى الْحُرَقَةِ مِنْ جُهَيْنَةَ. قَالَ: فَصَبَّحْنَا القَوْمَ فَهَزَمْنَاهُمْ. قَالَ: وَحَقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ
مِنَ الأَنْصَارِ رَجُلًا مِنْهُمْ. قَالَ: فَلَمَّا غَشِيْنَاهُ قَالَ: لَا إله إِلَّ اللهُ. قَالَ: فَكَفَّ عَنْهُ
الأَنْصَارِيُّ، فَطَعَنْتُهُ بِرُمْجِي حَتَّى قَتَلْتُهُ. قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ◌َّهِ. قَالَ:
فَقَالَ لِي: ((يَا أُسَامَةُ، أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ: لَا إله إِلَّ اللهُ؟)). قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ،
إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذَا. قَالَ: ((أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إله إِلَّ اللهُ؟)). قَالَ: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا
عَلَيَّ حَتَّى تَنَّيْتُ أَّ لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ. [انظر: ٤٢٦٩ - مسلم: ٩٦- فتح
١٢ / ١٩١]
٦٨٧٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، عَنْ أَبِ الَخَيْرِ،
عَنِ الصُّنَابِحِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ لَّهُ قَالَ: إِّ مِنَ النُّقَبَاءِ الذِينَ بَايَعُوا رَسُولَ
اللهِ وَّةِ، بَايَغْنَاهُ عَلَى أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاللهِ شَيْئًا، وَلَا نَشْرِقَ، وَلَا نَزْنَ، وَلَا نَقْتُلَ النَّفْسَ
التِي حَرَّمَ اللهِ، وَلَا تَنْتَهِبَ، وَلَا نَعْصِيَ، بِالْجَنَّةِ إِنْ فَعَلْنَا ذَلِكَ، فَإِنْ غَشِيْنَا مِنْ ذَلِكَ
شَيْئًا كَانَ قَضَاءُ ذَلِكَ إِلَى اللهِ. [انظر: ١٨- مسلم: ١٧٠٩ - فتح ١٢ /١٩٢]
٦٨٧٤- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ◌ُه،
عَنِ النَّبِيِّ وَّرِ قَالَ: ((مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا)). [٧٠٧٠ - مسلم: ٩٨- فتح
١٢/ ١٩٢] رَوَاهُ أَبُو مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ.
٦٨٧٥- حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ المُبَارَكِ، حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ
وَيُونُسُ، عَنِ الَحَسَنِ، عَنِ الأَخْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: ذَهَبْتُ لأَنَّصُرَ هذا الرَّجُلَ، فَلَقِيَنِي
أَبُو بَكْرَةَ فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ: أَنْصُرُ هذا الرَّجُلَ. قَالَ: ارْجِعْ، فَإِّ سَمِعْتُ رَسُولَ

٣٠٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((إِذَا التَّقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ)).
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هذا القَاتِلُ، فَمَا بَالُ المَقْتُولِ؟ قَالَ: ((إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ
صَاحِبِهِ)). [انظر: ٣١ - مسلم: ٢٨٨٨ - فتح ١٢ / ١٩٢]
هذا أخرجه إسماعيل بن أبي زياد الشامي في ((تفسيره)) عنه. ورواه
وکیع عن سفيان، عن خصیف، عن مجاهد، عنه .. فذكره؛ قال: وحدثنا
سفيان، عن منصور، عن مجاهد قال: أحياها (من غرق أو حرق، وفي
لفظ: من كف عن قتلها فقد أحياها)(١)، وعن ابن عباس أيضًا: إحياؤها
أن لا يقتل نفسًا حرمها الله، وقيل: يعطى من الثواب على قدر إحياء
الناس كلهم.
وقال زيد بن أسلم والحسن: من وجب له قصاص فعفى أعطاه الله
من الأجر مثل (ما)(٢) لو أحيا الناس جميعًا. وقيل: وجب شكره على
الناس جميعًا. قال قتادة: عظم الله تعالى أمره.
وألحقه من الإثم هذا. وقيل: يمثل أي: الناس جميعًا له خصماء.
وقيل: معناه: يجب عليه من القود ما يجب إن قتل جميع الناس؛ إذ
لا يكون غير قتلة واحدة لجميعهم(٣).
ثم ساق البخاري في الباب أحاديث دالة على تغليظ القتل والنهي عنه:
أحدها :
حديث عبد الله - هو ابن مسعود - عَنِ النَّبِيِّ بَِّ قَالَ: ((لَا تُقْتَلُ
نَفْسٌ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابن آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْهَا». أي: إثم ونصيب،
ومثله قوله تعالى: ﴿يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا﴾ [النساء: ٨٥] أي: نصيب،
(١) من (ص١).
(٢) من (ص١).
(٣) أنظر هذه الآثار في: ((تفسير الطبري)) ٥٤٢/٤-٥٤٥.

٣٠٣
كِتَابُ الدِّيَّاتِ
واشتقاقه من الكساء الذي يحويه راكب البعير على سنامه إذا أرتدفه
لئلا يسقط، وإنما كان عليه ذلك لأجل ابن آدم من قتله هابيل؛ لأنه
أول من سن القتل واستن به القاتلون بعده، وهذا نظير قوله التقييم :
((من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة،
ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة))(١).
الحديث الثاني :
حديث ابن عمر رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ بَِّ قَالَ: ((لَا تَرْجِعُوا
بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ)).
الثالث :
عن جرير عُ مرفوعًا مثله، وأنه قال ذلك في حجة الوداع، يسْتَنْصِتِ
النَّاسَ، رواه أبو بكرة وابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله وَ ظله.
قلت: حديث أبي بكرة أخرجه أبو داود، عن إسماعيل بن علية، عن
أيوب، عن محمد بن سيرين، عنه(٢)، ثم قال: وحدثنا عمرو بن زرارة،
عن ابن علية به(٣)، وخالفه حماد بن زيد والثقفي، فروياه عن أيوب، عن
محمد بن سيرين، (عنه)(٤) عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، (عن أبيه (٥).
قال ابن أبي عاصم: وحدثنا المقدمي، حدثنا يحيى بن سعيد، عن قرة،
(١) رواه مسلم (٦٩/١٠١٧)، كتاب: الزكاة، باب: الحث على الصدقة.
(٢) أبو داود (١٩٤٧).
(٣) طريق عمرو بن زرارة، رواه النسائي ٧/ ١٢٧.
(٤) هكذا في الأصل، وهي زيادة لا وجه لها.
(٥) سلف برقم (١٠٥، ٤٦٦٢) من طريق حماد بن زيد به.
وسلف برقم (٣١٩٧، ٤٤٠٦، ٥٥٥٠)، ورواه مسلم (٢٩/١٦٧٩)، وأبو داود
(١٩٤٨) من طريق عبد الوهاب الثقفي به.

٣٠٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
عن ابن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة)(١). ولفظ الثقفي:
«ستلقون ربكم ويسألكم عن أعمالكم، فلا ترجعوا بعدي ضلالا يضرب
بعضكم رقاب بعض)».
وقال ابن أبي عاصم: وثنا عن ابن عباس، حدثنا حسين بن
الأسود، ثنا محمد بن الصلت، ثنا مندل، عن أسيد بن عطاء، عن
عكرمة، عنه رفعه: ((لا يقفن أحدكم موقفًا يقتل الرجل فيه ظلمًا، فإن
اللعنة تنزل عليهم حتى يرفعوا عنه))(٢).
قلت: ليس مطابقًا لحديث أبي بكرة.
فصل :
يريد كفارًا بتحريم الدماء وحقوق الإسلام وحرمة المؤمنين، وليس
يريد الكفر الذي هو ضد الإيمان؛ لما تقدم من إجماع أهل السنة أن
المعاصي غير مخرجة من الإيمان.
وقال أبو عبد الله القزاز: يريد إذا فعلوه مستحلين لذلك.
قيل: ويريد يفعلون فعل الكفار في قتال بعضهم بعضًا. وقيل: يريد
لابسة السلاح، يريد كفر درعه يعني: إذا لبس فوقها ثوبًا. وقيل: يكفر
الناس؛ فيكفر كفعل الخوارج إذا استعرضوا الناس، كقوله: ((من قال
لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما))(٣) وقيل: كفارًا بالنعمة، فهو قريب
من الكفر لعظم الذنب.
(١) من (ص١) وحديث ابن أبي عاصم في (الديات)) ص٤٩.
(٢) ((الديات)) لابن أبي عاصم ص٥٠.
(٣) سلف برقم (٦١٠٤).

٣٠٥
كِتَابُ الدِّيَّاتِ
=
الحديث الرابع :
حديث مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عن شُعْبَةُ، عَنْ فِرَاسٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ
عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، قال: قال رسول الله وَّ: ((الْكَبَائِرُ: الإِشْرَاكُ باللهِ،
(وَالْيَمِينُ الغَمُوسُ) (١)، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ)). أَوْ قَالَ: ((الْيَمِينُ الغَمُوسُ)).
شَكَّ شُعْبَةُ. وَقَالَ مُعَاذٌ: ثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: ((الْكَبَائِرُ: الإِشْرَاكُ باللهِ،
وَالْيَمِينُ الغَمُوسُ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ)). أَوْ قَالَ: ((وَقَتْلُ النَّفْسِ)).
الحديث الخامس :
حديث عَبْدِ الصَّمَدِ، (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ)(٢)، ثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ،
سَمِعَ أَنَسًا عَن رسول الله وجَّهِ قَالَ: ((الْكَبَائِرُ)). وَثَنَا عَمْرٌو، أَنَا شُعْبَةُ،
عَنِ ابنِ أَبِي بَكْرةَ، سَمِعَ أَنَسًا، عَن رسول الله ◌ِوَس ◌َلَ قَالَ: ((أَكْبَرُ
الكَبَائِرِ: الإِشْرَاكُ باللهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَقَوْلُ الزُّورِ)).
أَوْ قَالَ: ((شَهَادَةُ الزُّورِ)».
وقد سلف الكلام على ذلك وليست محصورة. قيل لابن عباس: هي
سبع؟ قال: هي إلى السبعين أقرب: وعنه أيضًا إلى السبعمائة أقرب(٣).
وقيل: هي إحدى عشر.
وقال جماعة من أهل السنة: كل المعاصي سواء، لا يقال صغيرة
ولا كبيرة؛ لأن المعنى واحد، وظواهر الكتاب والسنة ترد عليهم.
وقال تعالى ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَابِرَ مَا تُنْهَوَّنَ عَنْهُ﴾ الآية [النساء: ٣١]
والغموس -بفتح الغين- التي تغمس صاحبها في الإثم، أي: تغرقه
في الإثم.
(١) هكذا في الأصل، ولم تذكر في أي نسخة من نسخ الصحيح، كما في ((اليونينية)).
(٣) رواه عبد الرزاق ١٠/ ٤٦٠.
(٢) من (ص١).

٣٠٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
الحديث السادس :
حديث أسامة ظ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِلَى الحُرَقَةِ مِنْ جُهَيْنَةَ ..
الحديث، والمقتول مرداس بن نهيك.
سلف في المغازي(١)، وفي كتاب ابن أبي عاصم حديث يشعر أن القاتل
غير أسامة، ذكره من حديث شهر بن حوشب، عن جندب بن سفيان
البجلي (٢). وفي ((السيرة)): فلما شهرنا عليه السلاح أنا والأنصاري قال:
أشهد أن لا إله إلا الله، فلم ننزع عنه حتى قتلناه، الحديث(٣).
ولابن أبي عاصم من حديث هشام بن حسان، عن الحسن بن أبي
الحسن أنه التَّ بعث خيلًا إلى فدك فأغاروا عليهم، وكان مرداس
الفدكي قد خرج من الليل، وقال لأصحابه: إني لاحق بمحمد:
(وأصحابه)(٤)، فبصر به رجل فحمل عليه، فقال: إني مؤمن، فقتله،
فقال التَّف: ((هلا شققت عن قلبه؟» قال أنس: إن قاتل مرداس
(مات)(٥) فدفنوه، فأصبح فوق القبر موضوعا، ثم أعادوه، فعاد، ثم
كذلك، فرفع ذلك إلى رسول الله مَيثير فأمر به فطرح في واد بين جبلين
بالمدينة، ثم قال: ((أما والذي نفسي بيده إن الأرض لتكفت أو تواري
من هو شر من صاحبكم، ولكن الله وعظكم)) فأنزل الله في شأنه
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا ضَرَيْتُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية [النساء: ٩٤](٦)، وهذا
ظاهر في أن قاتل مرداس غير أسامة.
(١) برقم (٤٢٦٩).
(٢) ((الديات)) ص٣٣ -٣٤.
(٣) (السيرة النبوية)) لابن هشام ٢٩٨/٤.
(٤) في الأصل: (وأصاب) والمثبت من ((الديات)).
(٥) من (ص١).
(٦) ((الديات)) ص٣٦-٣٧.

٣٠٧
= ڪِتَابُ الدِّيَّاتِ
وفي رواية يونس عن ابن إسحاق (قال)(١): حدثني يزيد بن
عبد الله بن قسيط، عن القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد، عن أبيه
قال: بعثنا رسول الله وَّل إلى إضم، فخرجت إلى نفر من المسلمين
فيهم أبو قتادة ومحلم بن جثامة، فمر بنا عامر بن الأضبط الأشجعي
على بعير له، فسلم علينا بتحية الإسلام، فأمسكنا عنه، وحمل عليه
محلم فقتله؛ لشيء كان بينه وبينه، وأخذ البعير ومُتَيِّعَه، فلما قدمنا
على رسول الله ◌َ﴿ وأخبرناه الخبر، نزل فينا القرآن. وذكر الآية
السالفة(٢).
زاد ابن جرير أن محلمًا توفي في حياة رسول الله وَّهُ فدفنوه فلفظته
الأرض مرة بعد أخرى، فأمر به القّ فألقي بين جبلين وجعل عليه
حجارة، وقال القَّئة: ((إن الأرض لتقبل من هو شر منه، ولكن الله أراد
أن يريكم آية في قتل المؤمن)) (٣).
قال ابن عبد البر: وقد قيل: إن هذا ليس بمحلم، فإن محلمًا نزل
حمص بأخرة، ومات بها أيام ابن الزبير (٤).
والاختلاف في هذه الآية كثير جدًا: نزلت في المقداد، أو في
غالب بن عبد الله الليثي، أو في سرية ولم يسم القاتل، أو أسامة،
أو محلم. وقيل غير ذلك، والكل متفقون على أن قتله كان خطأ.
(١) من (ص١).
(٢) رواه ابن إسحاق كما في ((السيرة النبوية)) ٣٠٢/٤.
ورواه أحمد ١١/٦، والطبري في ((تفسيره)) ٢٢٤/٤ (١٠٢١٧) من طريق ابن
إسحاق، به.
(٣) ((تفسير الطبري)) ٢٢٤/٤ (١٠٢١٦).
(٤) ((الاستيعاب)) ٢٤/٤.

٣٠٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
ومرداس بن نهيك، قال الكلبي فيه: الفدكي، وقال أبو عمر:
الفزاري(١). وقال ابن منده: مرداس بن عمر. وروى أبو سعيد قال: بعث
رسول الله وَل سرية فيها أسامة إلى بني ضمرة، فذكر قتل أسامة له،
وعن ابن إسحاق: حدثني شيخ من أسلم، عن رجال من قومه قالوا :
بعث رسول الله وَير غالب بن عبد الله الكلبي -كلب ليث- إلى بني مرة
وبها مرداس بن نهيك - حليف لهم من بني الحرقة- فقتله أسامة(٢).
فصل :
قتل أسامة لهذا الرجل إنما ظنه كافرًا، وجعل ما سمع منه من
الشهادة تعوذًا من القتل، وأقل أحوال أسامة في ذلك أن يكون قد
أخطأ في فعله؛ لأنه إنما قصد إلى قتل كافر عنده، ولم يكن عرف
بحكمه التَّ فيمن أظهر الشهادة بالإيمان أنه يحقن دمه، فسقط عنه
القَوَدُ؛ لأنه معذور بتأويله، وكذلك حكم كل من تأول فأخطأ في
تأويله معذور بذلك، وهو في حكم من رمى من يجب له دمه فأصاب
من لا يجب قتله؛ (لأنه لا يرد)(٣) عليه، وما لقي أسامة من رسول
الله ◌َّ في قتله هذا الرجل الذي ظنه كافرًا من اللوم والتوبيخ حتى
تمنى أنه لم يسلم قبل ذلك اليوم آلى على نفسه أن لا (يقاتل) (٤)
مسلما أبدًا، وكذلك (تخلفه)(٥) عن علي يوم الجمل وصفين، فهو
تعليم له ولغيره.
(١) ((الاستيعاب)) ٤٤٣/٣ (٢٣٩٨).
(٢) أنظر: ((السيرة النبوية)) لابن هشام ٢٩٨/٤.
(٣) كذا بالأصل، وفي ((شرح ابن بطال)) ٤٩٨/٨: (أنه لا قود) وهو أوجه.
(٤) في (ص١): يقتل.
(٥) في الأصل: (نقله) غير منقوطة، والمثبت هو الملائم للسياق.

٣٠٩
ڪِتَابُ الدِّيَّاتِ
=
(والحدود)(١) في الأحرار من الرجال والنساء واحدة، وحرمتهم
واحدة، ويبين ذلك قوله تعالى في نسق هذه الآيات: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ
فَمَن تَصَدَّفَ بِهِ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾ [المائدة: ٤٥] فعلمنا أن العبد والكافر
خارجان من ذلك؛ لأن الكافر لا يسمى مصدقًا ولا مكفرًا عنه، وكذا
العبد لا يجوز أن يصّدق بدمه ولا بجرحه؛ لأن ذلك إلى سيده، قال
تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ﴾ الآية [البقرة: ١٧٨].
وقال أبو ثور: لما أتفق جميعهم أنه لا قصاص بين العبيد والأحرار
فيما دون النفس، كانت النفس أحرى بذلك، ومن فرق منهم بين ذلك
فقد ناقض، وناقض أيضًا أبو حنيفة: إذا قتل عبده فلا يقتل به عنده،
وقال ابن القصار، عن النخعي: يقتل الحر بعبده وعبد غيره. قال:
وحكي عنه أن بينهما القصاص في الأطراف، وأظنه صحيحًا،
فمذهب النخعي هذا مستمر لم يتناقض في شيء؛ لأنه يقيد النفس
بالنفس في كل نفس، والأطراف أيضًا.
فصل :
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] قيل: أخذ
الدية، وذلك أنهم كانوا في بني إسرائيل يقتصون ولم يكن بينهم دية،
فخفف الله عن هذِه الأمة بالدية، كما سلف في التفسير عن ابن
شهاب، فذلك تخفيف مما كتب على أهل الكتابين، والمكتوب على
اليهود أن لا يعفى عن قاتل عمد وأن يقتل قاتل الخطأ إلا أن يعفو
الولي، وعلى أهل الإنجيل ترك القصاص وأخذ الدية في العمد
والخطأ، وقيل: هذا في الرجل يقتل عمدًا أو له أولياء فيعفو بعضهم
فللآخرين أن يطلبوا من الدية بقدر حصصهم.
(١) في الأصل: (وإبلاغ)، والمثبت من ((شرح ابن بطال)) ٤٩٩/٨.

٣١٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
واختلف إذا طلب ولي القوم الدية وأبى القاتل، ففي ((المدونة)):
لا يجبر القاتل، وليس لولي المقتول إلا القصاص(١)، وروى أشهب
عن مالك: يلزم القاتل الدية شاء أو أبَى.
فصل :
قوله بعد ذلك ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]
قال ابن عباس وغيره: يقتل ولا تؤخذ منه الدية.
فصل :
احتج لأبي حنيفة فيما سبق بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ
يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطًا﴾ الآية [النساء: ٩٢]، ثم قال: ﴿وَإِن كَانَ مِن
قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَقٌ﴾ الآية [النساء: ٩٢]، فلما كانت الكفارة
واجبة في قتل الكافر الذمي وجب أن تكون الدية كذلك، قال تعالى:
﴿وَتَحْرِثُ رَقَّبَةٍ مُؤْمِنَةٌ﴾ [النساء: ٩٢] كما قال في المؤمن فأراد الكافر؛
لأنه لو أراد المؤمن لقال: (وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق) وهو
مؤمن، كما قال: ﴿فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوِّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِرٌ﴾
[النساء: ٩٢] فأوجب فيه تحرير رقبة دون الدية؛ لأنه مؤمن من قوم
حربیین، عدو للمسلمين.
قال ابن عبد البر: وتأول مالك هُذِه الآية في المؤمنين؛ لأنه قال في
((الموطأ)): ﴿وَمَنْ قَثَلَ مُؤْمِنًا خَطًَا﴾ ثم قال: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ ثم قال:
﴿وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ﴾ يعني: المؤمن المقتول خطأ،
ورد قوله هذا بعض من ذهب مذهب الكوفيين، فقال: الحجة عليه أن الله
تعالى قال في هذِهِ الآية: ﴿فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِرٌ﴾
(١) ((المدونة)) ٤/ ٥١١.

٣١١
كِتَابُ الدِّيَّاتِ
=
فقال ذلك على أنه لم يعطفه على ما تقدم من قوله: ﴿وَمَنْ قَثَلَ مُؤْمِنًا
خَطًَّا﴾؛ لأنه لو كان معطوفًا عليه ما قال: ﴿وَهُوَ مُؤْمِرٌ﴾؛ لأن
قوله: ﴿وَمَنْ قَثَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا﴾ يغني عن وصفه بالإيمان؛ لأنه مستحيل أن
يقول: وإن كان المقتول خطأ من قوم عدو لكم وهو مؤمن. قالوا :
وكذلك قوله: ﴿وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيْثَقٌ﴾ غير
مضمر فيه المؤمن الذي تقدم ذكره، والتأويل مانع في الآية الكريمة
للفريقين.
وأصل الديات التوقيف، ولا توقيف في ذلك إلا ما أجمعوا عليه،
على أن أقل ما قيل فيه واجب، وقد اختلفوا فيمن زاد، والأصل تركه
الدية(١).
وقد احتج أيضًا له ما رواه الترمذي من حديث أبي (سعيد)(٢)
البقال، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ أنه العليا وَدى
العامرِيَّين بدية المسلمين، وكان لهما عهد من رسول الله وص له. ثم قال:
غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه(٣).
وقال في ((علله الكبير)): سألت محمدًا عنه وقلت له: أبو (سعيد) (٤)،
فقال: مقارب الحديث(٥).
قلت: ضعفه أيضًا غيره(٦)، ووافقه وكيع وأبو أسامة حماد بن
(١) ((الاستذكار)) ١٦٩/٢٥.
(٢) كذا بالأصل، وصوابه: (سعد) انظر: ((تهذيب الكمال)) ٥٢/١١ (٢٣٥١).
(٣) الترمذي (١٤٠٤).
(٤) كذا بالأصل، وصوابه: (سعد).
(٥) ((العلل الكبير)) ٥٨٣/٢.
(٦) في هامش الأصل: قوله: (ضعفه أيضًا غيره) -يعني غير البخاري - فيه نظر؛ لأن
لفظ البخاري من ألفاظ التعديل في المرتبة الرابعة لا من ألفاظ التجريح.

٣١٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
أسامة، وخرج له الحاكم في ((مستدركه))، وذكره في جملة الثقات في
عكرمة، وقال ابن المبارك: كتبنا عنه لقرب إسناده، وقال أبو موسى
المديني في كتابه: وعابه الشافعي، مختلف في حاله ويجمع حديثه.
وقال أبو داود: كان من القراء. وقال الشافعي: صدوق فيه ضعف.
وقال أبو زرعة الرازي: لين الحديث مدلس، قيل: هو صدوق، قال:
نعم كان [لا] يكذب. وقال الجوزجاني: يكتب حديثه ولا يترك(١).
واحتج له أيضًا بحديث أسامة أنه العقلية جعل دية المعاهد كدية
المسلم ألف دينار(٢). وعلته عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي. قال
الدار قطني: متروك الحديث(٣).
وروى الدارقطني من حديث أبي كرز عبد الله بن عبد الملك
الفهري، ثنا نافع، عن ابن عمر -رضي الله عنهما - أنه الكليه وَدى ذميًّا
ديةَ مسلم. ثم قال: أبو كرز متروك، ولم يروه عن نافع غيره (٤).
وقال ابن حبان: لا أصل له من كلام رسول الله وَّل ولفظه: دية ذمي
دية مسلم (٥).
وفي ((مراسيل أبي داود)) عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال: كان
عقل الذمي مثل عقل المسلم في زمن رسول الله وَ ل وأبي بكر وعمر
(١) أنظر ترجمته مفصلة في: ((طبقات ابن سعد)) ٣٥٤/٦، ((التاريخ الكبير)) ٥١٥/٣
(١٧١٧)، ((ضعفاء النسائي)) (٢٧٠)، ((الجرح والتعديل)) ٦٢/٤ (٢٦٤)،
((المجروحين)) ٣١٧/١، ((تهذيب الكمال)) ٥٢/١١ (٢٣٥١).
(٢) رواه ابن أبي عاصم في ((الديات)) ص ٨٧.
(٣) ((الضعفاء والمتروكون)) (٤٠٤) وانظر ترجمته في (تهذيب الكمال)) ٤٢٥/١٩.
(٤) ((سنن الدارقطني)) ١٢٩/٣.
(٥) ((المجروحين)) ١٧/٢-١٨. وقال الألباني -رحمه الله- في ((الضعيفة)) (٤٥٨):
منكر.

٣١٣
- كِتَابُ الدِّيَّاتِ
وعثمان، حتى كان يعني صدرًا من خلافة معاوية، فغيرها على النصف
من دية المسلم(١)، وأسنده ابن عدي من طريق بركة بن محمد- وهو غير
ثقة ولا مأمون- عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي
كثير، عنه، بزيادة: فلما استخلف عمر بن عبد العزيز رد الأمر إلى
القضاء الأول (٢).
وقال أبو عمر: هذا أثر لا يثبته أحد من أهل العلم لضعفه(٣).
وأخرج أبو داود من حديث ابن وهب، عن عبد الله بن يعقوب، عن
عبد الله بن عبد العزيز بن صالح الحضرمي، قال: قتل رسول الله وَلايه
مسلمًا بكافر، قتله غيلة، وقال: ((أنا أولى وأحق من أوفى بذمته)) (٤).
قال الجورقاني في ((موضوعاته)): هذا حديث منكر، وإسناده
منقطع، ولا يصح عن رسول الله وَل﴾(٥)، وقال ابن القطان: عبد الله بن
يعقوب، وعبد الله بن عبد العزيز مجهولان، لم أجد لهما ذكرًا(٦).
قال ابن حزم: روينا عن إبراهيم أن رجلًا مسلمًا قتل رجلاً من أهل
الحيرة، فَأَقَادَهُ عمرُ بن الخطاب. قال وكيع: وثنا أبو الأشهب، عن (أبي
نضرة)(٧) مثله سواء، وهذا مرسل.
(١) ((مراسيل أبي داود)) (٢٦٨). وقال الحافظ الزيلعي في (نصب الراية)) ٣٦٧/٤:
سنده صحيح.
(٢) ((الكامل في ضعفاء الرجال)) ٢٢٥/٢-٢٢٦.
(٣) ((الاستذكار)) ١٧١/٢٥.
(٤) رواه أبو داود في ((المراسيل)) (٢٥١).
(٥) ((الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير)) ١٧٧/٢ -١٧٨.
(٦) («بيان الوهم والإيهام)) ٧٠/٣ (٧٣٩).
(٧) في الأصل (أبي قرة)، والمثبت من ((المحلى)) ٣٤٨/١٠. وهو الصواب، وانظر:
(تهذيب الكمال)) ٤٧/٣٣.

٣١٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
=
ومن حديث ابن أبي سليم، عن الحكم بن عتيبة أن علي بن أبي
طالب، وابن مسعود قالا جميعًا: من قتل يهوديًّا أو نصرانيًّا قتل به.
وهو مرسل.
وصح عن عمر بن عبد العزيز؛ كما روينا من طريق عبدالرزاق، عن
معمر، عن عمرو بن ميمون قال: شهدت كتاب عمر بن عبد العزيز إلى
بعض أمرائه في مسلم قتل ذميًّا، فأمر بأن يدفعه إلى وليه إن شاء قتل وإن
شاء عفا عنه. قال ميمون: فدفع إليه فضرب عنقه، وأنا أنظر (١).
وصح أيضًا عن النخعي كما روينا، من طريق حماد بن سلمة، عن حماد
بن أبي سليمان، عنه قال: المسلم (الحر يقتل باليهودي والنصراني)(٢).
وظنه كافرًا كما سلف، وأن تشهده تعوذ من القتل، ولم يذكر
الكفارة ولا الدية. قال الداودي: إما أن يكون سكت عنه العلم
السامع، أو كان ذلك قبل نزول الآية بالدية والكفارة.
ولما لقي أسامة من رسول الله وَ﴾ ما لقي من التوبيخ، ود أنه لم يكن
أسلم إلا ذلك اليوم، آلى على نفسه أن لا يقاتل مسلمًا أبدًا كما سلف.
فصل :
في إسناده(٣) حصين، وهو ابن عبد الرحمن السلمي، وفي الصحيحين
أيضًا حصين بن جندب، أبو ظبيان الجنبي الكوفي، تابعيان.
الحديث السابع :
حديث أبي الخير - واسمه مرثد بن عبد الله اليَزَني - عَنِ الصُّنَابِجِيِّ
-عبد الرحمن بن عُسَيلة: أبو عبد الله - عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: إِنِّي
(١) ((مصنف عبد الرزاق)) ١٠/ ١٠١-١٠٢.
(٢) تشبه أن تكون في الأصل: (في الموعظة)، والمثبت من ((المحلى)) ٣٤٨/١٠.
(٣) في هامش الأصل: يعني: في إسناد حديث أسامة في ((صحيح البخاري)).

٣١٥
-- ڪِتَابُ الدِّيَّاتِ
مِنَ النُّقَبَاءِ الذِينَ بَايَعُوا رَسُولَ اللهِ وََّ، بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لَا نُشْرِكَ باللهِ
شَيْئًا، وَلَا نَزْنِيَ، وَلَا نَسْرِقَ، وَلَا نَقْتُلَ النَّفْسَ التِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالحَقِّ،
وَلَا نَنْتَهِبَ، وَلَا نَعْصِيَ، بِالْجَنَّةِ إِنْ فَعَلْنَا ذَلِكَ، فَإِنْ غَشِينَا مِنْ ذَلِكَ
شَيْئًا كَانَ قَضَاءُ ذَلِكَ إِلَى اللهِ.
هذا الحديث كان ليلة العقبة قبل أن تفرض الفرائض، إلا الصلاة.
وقوله: (ولا نَعْصِي) هو بالعين المهملة، وذكر ابن التين أنه روي
بالعين و(القاف)(١). قال: واختار الشيخ أبو عمر العين، وبان أن
الكلام قد فرغ، وأن (بالجنة) متعلق بقوله: (بايعناه) بالجنة على أن
لا نشرك. وذكرها ابن قرقول في ((مطالعه)) في العين والصاد المهملتين
في الاختلاف وقال في العين، كذا لأبي ذر والنسفي ولابن السكن
والأصيلي، وعند القابسي: ولا نقضي، أي: ولا نحكم بالجنة من
قبلنا ونقطع بذلك، قال القابسي: وهو مشكل في كتاب أبي زيد. قال
القاضي: الصواب بالعين كما تضمنته الآية ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ﴾
(٢) .
[الممتحنة: ١٢ ]
وقوله: (فإن غشینا من ذلك شيئًا کان قضاء ذلك إلى الله) فیه دلیل
لأهل السنة أن المعاصي لا يكفر بها. وقد سلف.
الحديث الثامن :
حديث ابن عمر رضي الله عنهما، عَن رسول الله وَله: «مَنْ حَمَلَ
عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا)).
رَوَاهُ أَبُو مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ
ـلى الله
وسام
(١) في هامش الأصل: لعله: (وبالقاف).
(٢) ((مشارق الأنوار)) ٩٥/٢.

٣١٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
والمراد بقوله: ( ((فليس منا)) ) أي: ليس بكامل الإيمان، ولا قائم
بجميع شرائطه.
الحديث التاسع :
حديث أبي بكرة : ((إِذَا التَّقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا .. )) الحديث.
وقد سلف في الإيمان في باب: ﴿وَإِن ◌َاِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أُقْنَتَّلُواْ﴾.
سندًا ومتنًا(١). وقلَّ أن يقع له مثل ذلك، وقد سلف في كتاب الإيمان
معنى قوله: ((القاتل والمقتول في النار)) وإنما خرج على الترهيب
والتغليظ في قتل المؤمن، فجعلهما في النار؛ لأنهما فعلا في تقاتلهما
ما يئول بهما إلى النار إن أنفذ الله عليهما وعيده، والله تعالى في
وعيده بالخيار عند أهل السنة. ويأتي أيضًا في كتاب الفتن بقية الكلام
فيه. وقيل: المراد: من قاتل بغير تأويل على عداوة أو عصبية، وأن
من قاتل باغيًا فقتل، فلا يدخل في هذا الوعيد؛ لأنه مأمور بالذب
عن نفسه.
وقوله: ( ((إنه كان حريصًا على قتل صاحبه)) ) احتج به القاضي
أبو بكر بن الطيب، أن من هم بمعصية ووطن عليها وعزم ما قوي في
اعتقاده وعزمه، فكذلك هذا جعله مأثومًا بالحرص على القتل، وتأوله
غيره على القتل على أنه إنما استوجب العقوبة بالفعل وهو التقاؤهما
وتقاتلهما، وعليه كثير من الفقهاء والمحدثين.
واحتجوا بقوله الفيفا: ((من هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه))(٢)،
وقال القاضي: معناه أنه لم يوطن نفسه على فعلها.
(١) برقم (٣١).
(٢) سلف برقم (٦٤٩١)، ورواه مسلم (١٣١) من حديث ابن عباس.
ورواه مسلم (١٢٩، ١٣٠) من حديث أبي هريرة.

٣١٧
كِتَابُ الدِّيَّاتِ
=
٣- باب [قَوْلِ اللّهِ تَعَالَى]:
◌َيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ إلى قوله:
﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]
قال قتادة: كان أهل الجاهلية فيهم بغي وطاعة للشيطان، فكان
الحي إذا كان فيهم عزة ومنعة، فقتل لهم عبد، قتله عبد قوم آخرين،
قالوا: لا نقتل به إلا حرًّا، وإذا كان فيهم أمرأة قتلتها امرأة؛ قالوا:
لا نقتل بها إلا رجلًا. فنهاهم الله عن البغي، وأخبر أن الحر بالحر
والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى(١).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة
ولكن الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة، فأنزل الله تعالى: ﴿النَّفْسَ
بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] فجعل تعالى الأحرار في القصاص سواء في
النفس وما دونها، وجعل العبيد متساوين فيما بينهم من العمد في
النفس وفيما دونها، رجالهم ونساؤهم(٢).
قال أبو عبيد: فذهب ابن عباس -فيما يُرى - إلى أن هذِه الآية التي
في المائدة: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ ليست بناسخة للتي في البقرة: ﴿الْخُرُّ
بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ ولا هي خلافها، ولكنهما جميعًا محكمتان، إلا أنه
رأى أن آية المائدة مفسرة للتي في البقرة، وتأول قوله: ﴿النَّفْسَ
بِالنَّفْسِ﴾ إنما هو على أن نفس الأحرار متساوية فيما بينهم دون
العبيد ذكورًا كانوا أو إناثًا، وأن أنفس المماليك متساوية فيما بينهم،
وأنه لا قصاص للماليك على الأحرار.
(١) رواه الطبري في ((تفسيره)) ١٠٨/٢، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) ٢٥/٨-٢٦.
(٢) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٢/ ١١٠، والبيهقي ٣٩/٨-٤٠.

٣١٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وذهب أهل العراق إلى أن قوله تعالى: ﴿الْخُرُّ بِالْحُرِّ﴾ نسخت ﴿النَّفْسَ
بِالنَّفْسِ﴾. وقالوا: ليس بين الأحرار والعبيد قصاص في النفس خاصة،
ولا فرق فيما دون ذلك بينهم قصاص، واضطرب قولهم؛ لأن التنزيل
إنما هو على نسق واحد، فأخذوا (بأول)(١) الآية.
وذكر عن الشعبي ﴿الْخُّ بِآلْحُرُّ﴾ نزلت في حيَّيْنِ من قبائل العرب كان
بينهم قتال، كان لأحدهما فضل على الآخر، فقالوا: نقتل بالعبد منا
الحر منكم، وبالمرأة الرجل. فنزلت، ثم أنزلت بعد في المائدة:
﴿وَكَنَبَنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ فبهذا يحتجون، قالوا: وليس
في قوله: ﴿الْخُّ بِالْخُرُ﴾ نفي لغيره.
وقال إسماعيل بن إسحاق: قد قال قوم: يقتل الحر بالعبد والمسلم
بالذمي، هذا قول الثوري والكوفيين، قال أبو حنيفة: يقاد المسلم
بالذمي في العمد وعليه في قتله الخطأ الدية والكفارة، ولا يقتل
بالمعاهد وإن تعمد قتله.
وقال أحمد: دية الكتابي إذا قتله مسلم عمدًا مثل دية المسلم،
واحتجوا بآية ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾.
وفي الدارقطني من حديث ليث، عن الحكم قال: قال علي وابن
مسعود: إذا قتل الحر العبد متعمدًا فهو قود(٢). ولا تقوم به حجة
لوقفه(٣). وفيه من حديث حجاج عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن
(١) في الأصل: (بأوئل) غير مهموزة، والمثبت من (ص١).
(٢) رواه الدارقطني في ((السنن)) ١٣٣/٣.
(٣) قال الدارقطني: لا تقوم به حجة؛ لأنه مرسل. اهـ قلت: كأنه يعني أنه موقوف،
كما ذكر المصنف.

٣١٩
كِتَابُ الدِّيَّاتِ
=
جده أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانا لا يقتلان الحر بقتل العبد(١)،
وسيأتي عن علي أنه السنة.
وقال مالك والليث والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور:
لا يقتل حر بعبد، هذا مذهب أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وزيد بن
ثابت .
وفي الدارقطني من حديث جويبر عن الضحاك، عن ابن عباس ـ
نصي به
رفعه: ((لا يقتل حر بعيد))(٢) ومن حديث جابر عن ابن عباس رضي الله
عنهما قال علي: من السنة أن لا يقتل مسلم بكافر، ولا حر بعبد(٣).
قال إسماعيل: وغلط الكوفيون في التأويل؛ لأن معنى الآية إنما هي
النفس المكافئة للأخرى في حرمتها وحدودها؛ لأن القتل حد من
الحدود، ولو قذف حرُّ عبدًا لما كان عليه حد القذف، وكذلك الذمي،
والحدود في الحر يقتل باليهودي والنصراني، وروي عن الشعبي مثله،
وهو قول ابن أبي ليلى وعثمان البتي والحسن بن حي. زاد ابن أبي
عاصم: وأبان بن عثمان وعبد الله بن مسعود(٤)، وأحد قولي أبي
يوسف، وقد اختلف عن عمر بن عبد العزيز في ذلك.
كما روينا عن عبد الرزاق، عن معمر، عن سماك بن الفضل قاضي
اليمن، قال: كتب عمر بن عبد العزيز في زياد بن مسلم - وكان قد قتل
ذميًّا عندنا باليمن -: أن غرمه خمسمائة ولا تقده(٥).
(١) ((سنن الدار قطني)) ١٣٤/٣.
(٢) (سنن الدارقطني)) ١٣٣/٣.
(٣) ((سنن الدارقطني)) ١٣٣/٣-١٣٤. وفيه: عن جابر، عن عامر قال: قال علي.
وسيذكره المصنف هكذا قريبًا.
(٤) ((الديات)) ص١١٦.
(٥) (مصنف عبد الرزاق)) ١٠/ ١٠٢ (١٨٥١٩).

٣٢٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وقول آخر: روينا عن عمر بن الخطاب في المسلم يقتل الذمي إن
كان ذلك منه خلقًا أو عادة أو كان لصًّا عاديًا، فأقده به. وروي:
فاضرب عنقه، وإن كان ذلك في عصبية وشبهها، فأغرمه الدية،
وروي: فأغرمه أربعة آلاف، ولا يصح عن عمر؛ لأنه من طريق
عبد الله بن محرر -وهو هالك- عن أبي المليح بن أسامة، عنه، وهو
مرسل، أو من طريق عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز في كتابة
لأبيه، أن عمر. أو من طريق حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن
القاسم بن أبي بزة أن عمر، وهو مرسل، ومن طريق عمرو بن دينار،
عنه، وهو مرسل.
وروى ابن أبي شيبة، عن أبي أسامة، عن هشام قال: قرأت كتاب
عمر بن عبد العزيز: أن دية اليهودي والنصراني على الثلث من دية
المسلم. وعن وكيع، عن سفيان، عن أبي الزناد، عن عمر بن
عبد العزيز قال: دية المعاهد على النصف من دية المسلم(١).
وروى ابن حزم من طريق عبد الرزاق، أنبا معمر، عن الزهري، عن
سالم، عن أبيه: أن رجلًا مسلمًا قتل رجلاً من أهل الذمة عمدًا فرفع إلى
عثمان بن عفان، فلم يقتله به وغلظ عليه الدية كدية المسلم. قال
الزهري: وقتل خالد بن المهاجر بن خالد بن الوليد رجلًا ذميا في
زمن معاوية فلم يقتله به، وغلظ عليه الدية ألف دينار.
قال ابن حزم: هذا في غاية الصحة عن عثمان، ولا يصح في هذا
شيء غير هذا عن أحد من الصحابة، إلا ما روينا عن عمر من حديث
شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، عن النزال بن سبرة أن رجلًا مسلمًا
(١) ((المصنف)) ٤٠٧/٥ (٢٧٤٤٣ - ٢٧٤٤٤).