النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
كِتَابُ الرَّجُمِ
=
٣٤- باب مَنْ أَمَرَ غَيْرَ الإِمَامِ بِإِقَامَةِ الحَدِّ غَائِبًا عَنْهُ
٦٨٣٥، ٦٨٣٦ - حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا ابن أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ
عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدِ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَغْرَابِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ بَ وَهُوَ
جَالِسٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَقْضِ بِكِتَابِ اللهِ. فَقَامَ خَصْمُهُ فَقَالَ: صَدَقَ، أَقْضِ لَهُ يَا
رَسُولَ اللهِ بِكِتَابِ اللهِ، إِنَّ ابني كَانَ عَسِيفًا عَلَى هذا فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، فَأَخْبَرُونٍ أَنَّ عَلَى
ابني الرَّجْمَ، فَاقْتَدَيْتُ بِمِائَةٍ مِنَ الغَنَمِ وَوَلِيدَةٍ، ثُمَّ سَأَلَّتُ أَهْلَ العِلْمِ فَزَعَمُوا أَنَّ مَا
عَلَى ابني جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ. فَقَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لِأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا
بِكِتَابِ اللهِ، أَمَّا الغَنَمُ وَالْوَلِيدَةُ فَرَدٌّ عَلَيْكَ، وَعَلَى ابنكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ
عَامِ، وَأَمَّا أَنْتَ يَا أَنَيْسُ فَاغْدُ عَلَى أَمْرَأَةٍ هذا فَارْجُمْهَا)). فَغَدَا أَنَيْسَ فَرَجَمَهَا.
[انظر: ٢٣١٥، ٢٣١٤ - مسلم: ١٦٩٧، ١٦٩٨ - فتح ١٢ / ١٦٠]
ذكر فيه حديث أبي هريرة وزيد بن خالد في قصة العسيف، وترجم
عليه كما سيأتي باب: هل يجوز للحاكم أن يبعث واحدًا يقوم مقامه في
إقامتها(١)، وليس من باب الشهادات التي لا يجوز فيها إلا رجلان
فصاعدًا .
وقوله: ( (فإن اعترفت فارجمها))) ظاهر في عدم تعدد الإقرار
كما سلف.
وقال ابن التين: واحتج به من قال يحكم القاضي بعلمه، وهو
مذهب عبد الملك وسحنون أنه يقضي بما سمع في مجلس الحكومة (٢)،
ومذهب الشافعي أنه يقضي بما علمه في كل موطن(٣).
(١) سيأتي برقم (٧١٩٣) كتاب الأحكام.
(٢) أنظر: ((الإشراف)) ٢٨٣/٢، ((القوانين الفقهية)) ص ٢٩٢.
(٣) انظر: ((الأم)) ٢١٦/٦، ((الوسيط)) ٣٠٥/٤.

٢٤٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
قلت: إلا في حدود الله. ومذهب مالك: لا يقضي بعلمه في
شيء(١)، وفرق أهل العراق فقالوا: يقضي في حقوق الآدميين
بما علمه بعد القضاء ولا يقضي فيما علمه قبله(٢)، أحتج المانع بقوله
التعليق: ((لو كنت راجما أحدًا بغير بينة لرجمتها))(٣) في قصة هلال
وشريك. قال: وأما قوله: ((فان أعترفت فارجمها)) فيحتمل أن يكون
اعترافها بموضع بينة.
فصل :
وقد ترجم على هذا الحديث أيضًا قريبا باب: هل يأمر الإمام
رجلا فيضرب الحد غائبا عنه (٤). وقد فعله عمر، وهذا الباب والذي
نحن فيه معناهما واحد ومعناها كلها أنه يجوز للإمام أن يبعث رجلًا
واحدًا يقوم مقامه في إقامة الحدود وتنفيذ الأحكام، وأن الواحد
يجوز في ذلك كما أسلفناه.
(١) أنظر: ((عيون المجالس)) ١٥٣٥/٤-١٥٣٦، ((الكافي)) ص ٥٠٠.
(٢) أنظر: ((مختصر الطحاوي)) ص ٣٣٢، ((الإشراف)) ٢٨٣/٢، ((الاستذكار)) ٢٢/
١٥.
(٣) سلف برقم (٥٣١٠) من حديث ابن عباس.
(٤) سيأتي برقم (٦٨٥٩).

٢٤٣
كِتَابُ الرَّجُمِ
(بسم الله الرحمن الرحيم - الحمد لله وحده
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم)(١).
٣٥- باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى:
وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَن يَنْكِحَ الْمُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَتِ
فَمِن ◌َّا مَلَكَتْ أَيْمَشْكُمْ مِّن فَيَتِّكُمُ الْمُؤْمِنَتِّ
إلى قوله: ﴿وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
[النساء: ٢٥]. [فتح ١٦١/١٢]
هكذا في أصول البخاري لم يذكر فيه حديثًا، وأما ابن بطال فأدخل
فيه حديث أبي هريرة # في الباب بعده(٢)، ثم ذكره فيه أيضًا لكن من
طريق آخر، وأباه ابن التين فذكره كما ذكرناه.
والطّوْل في اللغة: الفضل ومنه: تطول الله علينا .
والمحصنات: العفيفات أو الحرائر قولان. وقوله: ﴿فَمِن مَّا مَلَكَتْ
أَيْمَنُكُمْ﴾ المراد السراري. وقوله: ﴿بَعْضُكُمْ مِّنْ بَعْضِ﴾ فيه قولان:
أحدهما: إنكم مؤمنون وأنتم إخوة. والثاني: إنكم (سواء)(٣)،
وإنما قيل لهم هذا (فيما روي)(٤) لأنهم كانوا في الجاهلية يعيرون
بالهجينة ويسمون ابن الأمة هجينا، فقال تعالى: ﴿بَعْضُكُمْ مِّنْ بَعْضِ﴾ .
والمسافحات: الزانيات والأخدان: الصدقاء.
(٢) ((شرح ابن بطال)) ٨/ ٤٧٠.
(١) من (ص١).
(٣) في (ص١): بنو آدم.
(٤) من (ص١).

٢٤٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وقوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ قرئ بضم الهمزة أي زوجن وبفتحها، وفيه
قولان: أحدهما: أسلمن، وهو قول ابن مسعود وعلي وابن عمر وأنس
والنخعي، وذكر عن عمر والشعبي، وبه قال مالك والليث والأوزاعي
والكوفيون والشافعي فيما حكاه ابن بطال(١) وغيره، وسواء كانت
عندهم متزوجة أم لا (أنها لا تحد)(٢) إذا زنت. قال بعض الناس:
إن أحصنا رجما كالأحرار. وقال داود: يجلد العبد مائة والأمة
خمسين نصف جلد الحرة؛ لأنه لا يقول بالقياس.
ثانيهما: التزويج، وهو قول ابن عباس وطاوس وقتادة، وبه قال
أبو عبيد، فإذا زنت ولا زوج لها أدبت، ولا حد عليها. وقال
الزهري: تحد إذا زنت وهي متزوجة بالكتاب، وتحد إذا لم تتزوج
بالسنة، والاختيار عند أهل النظر ﴿أُحْصِنَّ﴾ بالضم، لأنه قد سلف
ذكر إسلامهن في قوله ﴿اُلْمُؤْمِنَتِ﴾. وفي ((علل ابن الجوزي)) عن
ابن عباس مرفوعًا: ((ليس على الأمة حد حتى تحصن))(٣).
ثم قال: الصحيح. وقال إسماعيل في الأول بُعد لسبقه الإيمان،
فيبعد أن يقال: ﴿مِّن فَيَتِكُمُ الْمُؤْمِنَتِ﴾ فإذا آمن. ويجوز في كلام
الناس على بعده في التكرير، وأما القرآن فنزل على أحسن الوجوه
وأبينها، والقول الثاني يرده حديث أبي هريرة الآتي. قال: فالأمر
عندنا أنها إذا زنت وهي محصنة مجلودة بالكتاب، وإن زنت قبل أن
تحصن فبالسنة، وإنما استوى فيها الإحصان وغيره؛ لأنها جعل عليها
إذا زنت نصف ما على الحرائر من العذاب، وكان عذاب الحرائر في
(١) ((شرح ابن بطال)) ٤٧٠/٨.
(٢) في (ص١): أنها تحد.
(٣) ((العلل المتناهية)) ٣٠٩/٢ (١٢٢٧).

٢٤٥
كِتَابُ الرَّجُمِ
الزنا الرجم في موضع والجلد في آخر، فلما جُعِلَ عليها النصف علمنا
أنه الجلد.
وزعم أصحاب القول الآخر - منهم الطحاوي- أنه لم يقل في
حديث أبي هريرة: (ولم تحصن) غير مالك، وليس كما زعموا، وقد
رواه يحيى بن سعيد عن الزهري، كما رواه مالك، ورواه أيضًا طائفة
عن ابن عيينة، عنه (١)، عن الزهري، وهم أئمة الحديث(٢). وأغرب
الداودي فقال: قوله: (ولم تحصن) يعني: ولم تعتق.
فصل :
والعنت: الزنا، وأصله في اللغة المشقة.
فصل :
وإنما شدد في نكاح الإماء لرق ولدها وامتهانها في الخدمة، وهو
شاق على الزوج، وقد (اختلف)(٣) قول مالك وابن القاسم هل يجوز
للحر نكاح الأمة إذا كان ولده رقيقا، فمنعه مرة إلا بوجود شرطين:
عدم الطول، وخشية العنت، وأجازه أخرى لقوله ﴿ وَأَنْكِحُواْ الْأَيَى
مِنْكُمْ﴾ ووجه المنع آية ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ .
وأكثر قول مالك المنع، وأكثر قول ابن القاسم الجواز كما نبه عليه
(٤)
ابن التين (2) .
(١) ورد في هامش الأصل: الصواب حذف: عنه.
(٢) ((شرح ابن بطال)) ٤٧٠/٨-٤٧١.
(٣) في الأصل: (أسلفنا). والمثبت من (ص١).
(٤) أنظر: ((المدونة)) ١٦٤/٢-١٦٥، ((النوادر والزيادات)) ٥١٨/٤، ((عيون
المجالس)) ١٠٩٥/٣-١٠٩٦، ((المنتقى)) ٣٢٣/٣.

٢٤٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
واختلف إذا تزوج حرة، فقال مالك: ليس ذلك بطول، وقال
ابن حبيب: هو طول وتحرم عليه الأمة(١). وقال مسروق والمزني:
إذا وجد طولا أنفسخ نكاح الأمة وإن لم يتزوج الحرة(٢). وقوله ﴿مِّن
فَنَيَتِّكُمُ الْمُؤْمِنَتِ﴾ فيه دليل أنه لا يجوز نكاح الأمة الكافرة من دليل
الخطاب، والمعروف من مذهب مالك أن نكاح الأمة الكتابية
لا يجوز(٣). وقال أشهب عند محمد فيمن أسلم وتحته أمة كتابية:
لا يفرق بينهما (٤). فأخذ منه بعضهم جواز نكاح الأمة الكتابية، وهذا
صحيح إذا قلنا أن الاستدامة كالابتداء.
(١) أنظر المصادر السابقة.
(٢) انظر: ((روضة الطالبين)) ١٣٣/٧.
(٣) أنظر: ((المنتقى)) ٣١٩/٣-٣٢٠، ((عيون المجالس)) ١٠٩٦/٣-١٠٩٧.
(٤) ((النوادر والزيادات)) ٥٨٩/٤.

٢٤٧
كِتَابُ الرَّجُمِ
-
باب إِذَا زَنَتِ الأَمَةُ
٦٨٣٧، ٦٨٣٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ
عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدِ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَةَ
سُئِلَ عَنِ الأَمَةِ إِذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصَنْ، قَالَ: ((إِذَا زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ
فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ بِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ)). قَالَ ابن شِهَابٍ:
لَا أَدْرِي بَعْدَ الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ. [انظر: ٢١٥٣، ٢١٥٤ - مسلم: ١٧٠٤ - فتح ١٢ / ١٦٢]
ذكر فيه حديث مالك عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ سُئِلَ عَنِ الأَمَةِ
إِذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصَنْ، قَالَ: ((إِذَا زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثلاثا، ثُمَّ بِيعُوهَا
وَلَوْ بِضَفِيرٍ)). قَالَ ابن شِهَابٍ: لَا أَدْرِي بَعْدَ الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ.

٢٤٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٣٦- باب لَا يُثَرَّبُ عَلَى الأَمَةِ إِذَا زَنَتْ وَلَا تُنْفَى
٦٨٣٩- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ وَّةَ: ((إِذَا زَنَتِ الأَمَّةُ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا
فَلْيَجْلِدْهَا وَلَا يُثَرِّبْ، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا وَلَا يُثَرِّبْ، ثُمَّ إِنْ زَنَتِ الثَّالِثَةَ
فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ)). تَابَعَهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،
عَنِ النَّبِيِّ ◌ِِّ. [انظر: ٢١٥٢ - مسلم: ١٧٠٣ - فتح ١٢ /١٦٥]
ثم ساق حديث الليث عَنْ سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
◌َّ أَنَّهُ سَمِعَهُ مرفوعًا: ((إِذَا زَنَتِ الأَمَةُ وتبين زِنَاهَا فَلْيَجْلِدْهَا وَلَا يُثَرِّبْ، ثُمَّ
إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا وَلَا يُثَرِّبْ، ثُمَّ إِنْ زَنَتِ فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلِ مِنْ شَعَرٍ)).
تَابَعَهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾، عَنِ رسول الله
. 醬
الشرح :
قد أسلفنا الكلام على قوله (ولم تحصن)، قال ابن عبد البر: روى
مالك هذا الحدیث عن ابن شهاب بهذا الإسناد(١)، وتابعه يونس بن یزید
ويحيى بن سعيد، ورواه عقيل عن (الزهري)(٢) وابن أخي الزهري، عن
الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله أن شبلا أو شبل بن خالد المزني أخبره
أن عبد الله بن مالك الأوسي أخبره أن رسول الله و لو سئل عن الأمة إذا
زنت .. الحديث. إلا أن عقيلًا وحده قال: مالك بن عبد الله الأوسي.
وقال الزهري (وابن أخي الزهري)(٣): عن عبد الله بن مالك.
(١) ((الموطأ)) ص٥١٦ (١٤).
(٢) في هامش الأصل: لعله بحذف الزهري هنا؛ لأنه لا معنى لتكراره.
(٣) ورد بهامش الأصل: قوله: وابن أخي الزهري يحرر، والظاهر أنه زائد.

٢٤٩
ـ كِتَابُ الرَّحْمِ
وكذلك قال يونس بن يزيد، عن الزهري، عن شبل بن خالد، عن
عبد الله بن مالك، فجمع يونس الإسنادين جميعا فيه. وانفرد مالك
ومعمر بحديث أبي هريرة وزيد بن خالد(١).
وقال الدارقطني في ((الموطآت)): إلا أن يحيى بن يحيى لم يذكر في
حديثه عن مالك: وزيد بن خالد. وجعله عن أبي هريرة وحده، وقد تابعه
غير واحد منهم عبدُ الوهاب بن عطاء. وفي كتاب أبي قرة: ذكر
ابن جريج: أخبرني أبي، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي
هريرة، فذكره.
وفي ((السنن)) للكجي: حدثنا محمد بن كثير، ثنا سفيان، عن
عبد الأعلى، عن ميسرة أبي جميلة، عن علي قال: زنت جارية
لرسول الله صل فأمرني أن أقيم عليها الحد فإذا هي لم يجف عليها
الدم فأخبرت رسول الله وَلّ فقال: ((دعها)) فتركتها، ثم أقمت عليها
الحد، فقال: ((أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم))(٢) قال أبو قرة:
ذكر ابن جريج: أخبرني عمر بن عطاء، عن عكرمة مولى عبد الله أنه
أخبره في حديثه أن رسول الله وَلّه قال: ((إذا أحدثت الوليدة فاجلدوها
-ثلاث مرات- ثم إذا زنت الرابعة فبيعوها ولو بحبل من شعر)).
فصل :
استدل بهذا الحديث من لم يوجب النفي على النساء أحرارًا كن
أو إماء ولا على العبيد.
(١) ((التمهيد)) ٩/ ٩٤-٩٥.
(٢) رواه أبو داود (٤٤٧٣) من طريق إسرائيل، عن عبد الأعلى به. وانظر ((البدر المنير))
٨/ ٦٢٧.

٢٥٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
روي ذلك عن الحسن وحماد، وهو قول مالك والأوزاعي
(وعبد)(١) الله بن الحسن وأحمد وإسحاق(٢).
وقال الشافعي وأبو ثور: عليهن النفي وعلى الإماء والعبيد، وهو
قول ابن عمر(٣). واحتج الشافعي بعموم قوله الثّة ((من زنى ولم
يحصن فعليه حد مائة وتغريب عام))، فعم ولم يخص، وبقوله تعالى
﴿فَعَلَتِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، والتغريب
له نصف، واحتج عليه مخالفه بحديث الباب حيث لم يذكر فيه، لأنه
محال أن يأمر ببيع من لم يقدر مبتاعه على قبضه من بائعه إلا بعد
مضي ستة أشهر، وأيضا فإن العبيد والإماء لا وطن لهم كما سلف.
فصل :
وفيه إقامة السيد الحد على عبده، وهي مسألة خلافية، قال الشافعي
وأحمد وإسحاق وأبو ثور: نعم في الحدود كلها، وبه قال جماعة من
الصحابة، وأقاموا الحدود على عبيدهم، منهم ابن عمر وابن مسعود
وأنس بن مالك، ولا مخالف لهم من الصحابة. وقال الثوري في
رواية الأشجعي: يحده المولى في الزنا، وبه قال الأوزاعي، وخالف
مالك والليث فقال: يحده في الزنا والشرب والقذف إذا شهد عنده
الشهود لا بإقرار العبد إلا القطع خاصة، فإنه لا يقطعه إلا الإمام.
وقال الكوفيون: لا يقيمها الإمام خاصة، فإذا علم السيد أن عبده زنى
(١) في (ص١): وعبيد.
(٢) أنظر: ((الاستذكار)) ٥٤/٢٤، ((الشرح الكبير)) مع ((الإنصاف)) ٢٥٤/٢٦.
وهو المذهب عند الإمام أحمد، وعنه: أن المرأة تنفى إلى دون مسافة القصر؛
لتقرب من أهلها فيحفظوها.
(٣) أنظر ((البيان)) ٣٥٥/١٢-٣٥٦، ((الشرح الكبير)) للرافعي ١٣٥/١١-١٣٦.

٢٥١
كِتَابُ الرَّجُمِ
يوجعه ضربًا ولا يبلغ به الحد، وهو قول الحسن بن حي، وحجتهم
ما روي عن الحسن وعبد الله بن محيريز وعمر بن عبد العزيز أنهم
قالوا: الجمعة والحدود (والزكاة)(١) والنفي والحكم إلى السلطان
خاصة(٢). واحتج الأول بحديث الباب حيث قال: ((فليجلدها))،
وسائر الحدود قياسا على الجلد الذي جعله للسيد. وروي عن
ابن عمر وابن مسعود وأنس وغيرهم أنهم كانوا يقيمون الحدود على
عبيدهم، ولا مخالف لهم من الصحابة وحجة مالك ظاهر حديث أبي
هريرة، وإنما استثنى القطع؛ لأن فيه مثلة بالعبد فيدعي السيد أن عبده
سرق ليزيل عنه العتق الذي يلزمه بالمثلة على من يراه، فمنع منه قطعا
للذريعة، وحد الزنا وغيره لا مثلة فيه فلا تهمة عليه، وقد قال بعض
أصحاب مالك: إن للسيد قطعه إذا قامت عليه بينة. وقال ابن المنذر:
يقال للكوفيين: إذا جاز ضربه تعزيرًا وذلك غير واجب على الزاني ومنع
مما (أطلقته السنة)(٣)، فذلك خلاف السنة الثابتة (٤). قال الزهري:
مضت السنة أن يحد العبد والأمة أهلوهم في الزنا إلا أن يرفع أمرهم
إلى السلطان فليس لأحد أن يفتات عليه، وقد سلف حديث: ((أقيموا
الحدود على ما ملكت أيمانكم)) قال ابن أبي ليلى: أدركت بقايا
الأنصار يضربون الوليدة من ولائدهم إذا زنت في مجالسهم.
(١) من (ص١).
(٢) أنظر: ((الهداية)) ٣٨٥/٢، ((عيون المجالس)) ٢١٠٩/٥-٢١١٠، ((البيان))
٣٧٧/١٢-٣٧٨، ((روضة الطالبين)) ١٠٢/١٠، ((المغني)) ٣٣٤/١٢-٣٣٩،
((المحلى)) ١٦٤/١١ - ١٦٥.
(٣) في الأصل: أطلقه السيد، والمثبت من (ص١).
(٤) ((الإشراف)) ٣٤/٣.

٢٥٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
فصل :
وقوله ( ((ولا يثرب))) يدل على أن كل من وجب عليه حد وأقيم عليه
أنه لا ينبغي أن يثرب عليه ولا يعدد، وإنما يصلح التثريب واللوم قبل
مواقعة الذنب للردع والزجر عنه.
فصل :
وقوله: ( ((وليبعها ولو بضفير)) ) معناه عند الفقهاء الندب والحض
على مباعدة الزانية؛ لما في السكوت على ذلك من خوف الرضا به،
وذلك ذريعة إلى تكثير أولاد الزنا، وقد قالت أم سلمة: يا رسول الله،
أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: ((نعم، إذا كثر الخبث))(١) قال بعض
أهل الحديث: الخبث: أولاد الزنا. وقال أهل الظاهر بوجوب بيعها
إذا زنت الرابعة وجلدت(٢)، ولم يقل به أحد من السلف، وكفى بهذا
جهلا، ولا يشتغل بهذا القول لشذوذه، وقد نهى الشارع عن إضاعة
المال فكيف يأمر ببيع أمة لها قيمة بحبل شعر لا قيمة له، إنما أراد
بذلك النهي عنها والأمر بمجانبتها، فخرج لفظه على المبالغة في
ذلك، وهذا من فصيح كلام العرب.
فصل :
استنبط بعضهم من هذا الحديث جواز الغبن في البيع وأن المالك
الصحيح يجوز له أن يبيع ماله العدد الكبير بالتافه اليسير، وهو متفق
عليه إذا عرف قدر ذلك. واختلف إذا لم يعرف قدره هل يجوز ذلك،
وحد بعض البغاددة بالثلث من الثمن على القول برد ذلك، واستبعد
(١) سلف برقم (٣٣٤٦)، ورواه أيضًا مسلم (٢٨٨٠) وهو من حديث زينب بنت
جحش، وروى أحمد ٢٩٤/٦-٢٩٥ من حديث أم سلمة قريبًا منه.
(٢) ((المحلى)) ١٦٦/١١-١٦٧.

٢٥٣
ـ كِتَابُ الرَّجُمِ
بعضهم هذا الاستنباط، وإنما المراد أن تشترى هذِه الأمة لا يكاد يبذل
فيها إلا اليسير، هذا غالب العادة في شراء المعيب، ولهذا حض بائعها
على ذلك.
فصل :
الضفير هو الحبل، وعبارة الداودي: بعد ذلك: الذي يضفر على
ثلاث فيصير عريضًا. وقال أهل اللغة: فحل الشيء من الشعر وغيره
عريضًا، والضفيرة: كل خصلة من الشعر على حدتها .
فصل :
سكت عن الجلد لعلم السامع.
فصل :
في تحرير مذهب مالك في إقامة الحد على عبده وأمته حد الزنا
والشرب والقذف لا يقيمه إلا السيد قطعا عند إقامة البينة كما قد
أسلفناه، وفي إقراره روايتان في ((المبسوط)): نعم، وفي ((المدونة):
لا (١). وهي ما أسلفناه. وذكر ابن الجلاب عنه في الزنا روايتين هل
يقيمه بعلمه وقطع التدبير فيه وقصاصًا، لا خلاف عندهم في المنع إذا
لم تقم بينة، وكذا إذا قامت على المشهور من مذهبهم، وحكي عن
أصحاب مالك نعم، وقال بعض متأخريهم: لو قيل: إنه لا يعتق عليه
إذا قطعه قصاصا مع عدم البينة وإنكار العبد لكان له وجه، لأن وجود
قطع العبد بالقبض ودعواه عليه شبهة بينة للسيد. واختلف إذا كانت
الأمة لها زوج في الزنا هل يقيمه السيد إذا شهد عنده أم لا؟ (٢)
(١) ((المدونة)) ٤٠٨/٤-٤٠٩.
(٢) أنظر: ((الذخيرة)) ٨٥/١٢.

٢٥٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
فصل :
التثريب: اللوم والتعزير ومنه ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمْ﴾ [يوسف: ٩٢]
واستنبط منه الداودي أن من عير حرة أو أمة بعد أن حدت يؤدب لها .

٢٥٥
= كِتَابُ الرَّحْمِ
٣٧- باب أَحْكَامِ أَهْلِ الذِّقَّةِ
وَإِحْصَانِهِمْ إِذَا زَنَوْا وَرُفِعُوا إِلَى الإِمَامِ
٦٨٤٠- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الشَّيْبَانُّ:
سَأَلَّتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى عَنِ الرَّجْمِ فَقَالَ: رَجَمَ النَّبِيُّ ◌ََّ. فَقُلْتُ: أَقَبْلَ النُّورِ أَمْ
بَعْدَهُ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي. تَابَعَهُ عَلِيَّ بْنُ مُسْهِرٍ وَخَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وَالْحَارِيُّ وَعَبِيدَةُ بْنُ
حُمَيْدٍ عَنِ الشَّيْبَانِيّ. وَقَالَ بَعْضُهُمُ: المائِدَةُ. وَالأَوَّلُ أَصَحُ. [انظر: ٦٨١٣ - مـ
فتح ١٢ /١٦٦]
٦٨٤١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ
عُمَرَ رضي الله عنهما أنَّهُ قَالَ: إِنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ يَِّ فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ رَجُلًا
مِنْهُمْ وَامْرَأَةَ زَنَّيَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ وَالَ: ((مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ
الرَّجْم؟)). فَقَالُوا: نَفْضَحُهُمْ وَيُحْلَدُونَ. قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ: كَذَبْتُمْن إِنَّ فِيهَا
الرَّجْمَ. فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا، فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَىْ آيَةِ الرَّجُمْ فَقَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا
بَعْدَهَا. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ، أَزْفَعْ يَدَكَ. فَرَفَعَ يَدَهُ فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجُمِ. قَالُوا:
صَدَقَ يَا نُحَمَّدُ، فِيهَا آيَةُ الرَّجُمِ. فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللهِ وَ لَ فَرْجِمَا، فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَجْنِي
عَلَى المَزْأَةِ يَقِيهَا الِحِجَارَةَ. [انظر: ١٣٢٩ - مسلم: ١٦٩٩ - فتح ١٦٦/١٢]
ذكر فيه حديث ابن أبي أوفى السالف في باب: رجم المحصن مع
متابعاته(١).
وحديث ابن عمر رضي الله عنهما في رجم اليهوديين السالف في
الرجم بالبلاط قريبا (٢). وفي آخره: (فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَحْنِي عَلَى المَرْأَةِ
يَقِيهَا الحِجَارَةَ).
(١) سلف برقم (٦٨١٣).
(٢) سلف برقم (٦٨١٩).

٢٥٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
كذا هو في الأصول بالحاء. وفي رواية: (يجنأ) بالجيم، وقد سلف
ما فيه. قال الخطابي: الأكثر بالجيم. أي: يميل عليها(١).
وقد اختلف العلماء في إحصان أهل الذمة، فقالت طائفة في
الزوجين الكتابيين يزنيان ويرفعان إلينا: عليهما الرجم وهما محصنان.
هذا قول الزهري والشافعي(٢).
قال الطحاوي: وروي عن أبي يوسف أن أهل الكتاب يحصن
بعضهم بعضا، ويحصن المسلم النصرانية، ولا تحصنه النصرانية(٣).
واحتج الشافعي بحديث الباب وقال: إنما رجمهما؛ لأنهما كانا
محصنين، وقال النخعي: لا يكونان محصنين حتى يجامعا بعد
الإسلام، وهو قول مالك والكوفيين وقالوا: الإسلام من شرط
الإحصان (٤). وقالوا في حديث الباب: إنما رجمهما بحكم التوراة
حين سأل الأحبار عن ذلك، إنما كان من تنفيذ الحكم عليهم لكتابهم
التوراة وكان ذلك أول دخوله الثّفي المدينة، ثم نزل عليه القرآن بعد
ذلك الذي نسخ خطه وبقي حكمه بالرجم لمن زنى، فليس رجمه لهم
من باب إحصان الإسلام في شيء، وإنما هو من باب تنفيذ الحكم
عليهم بالتوراة، وكان حكمها الرجم على من أحصن ومن لم يحصن،
وكان على الشارع أتباعه والعمل به؛ لأن على كل نبي أتباع شريعة
النبي الذي قبله حتى يحدث الله له شريعة تنسخها، فرجمهما على
(١) ((أعلام الحديث)) ١٨٢٨/٣.
(٢) أنظر: ((البيان)) ٣٥٤/١٢، (الشرح الكبير)) للرافعي ١٣٨/١١-١٣٩، ((المغني))
٣١٧/١٢.
(٣) ((مختصر الطحاوي)) ص٢٦٢.
(٤) أنظر: ((الاستذكار)) ١٢/٢٤-١٣.

٢٥٧
- ڪِتَابُ الرَّجُمِ
ذلك الحكم، ثم نسخ الله ذلك بقوله ﴿وَأَلَّتِى يَأْتِينَ اُلْفَحِشَةَ مِن
نِسَابِكُمْ﴾ إلى قوله ﴿فَأَمْسِكُوهُنَ فِى الْبُيُوتِ﴾ الآية [النساء: ١٥]. فكان
هذا ناسخًا لما قبله ولم يفرق في ذلك بين المحصن ولا غيره، ثم
نسخ ذلك بالآية التي بعدها، ثم جعل الله لهن سبيلا فقال الطبية:
((خذوا عني)) الحديث(١).
ففرق حينئذ بين حد المحصن وغيره وهذا قول الطحاوي(٢)، ونزل
بعد ذلك على رسول الله وَّه ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ يُتْلَى
عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١] فلم يحكم بعد هذه الآية بين أهل الكتاب إذا
تحاكموا إليه إلا بالقرآن، إلا أن العلماء اختلفوا في وجوب الحكم
بين أهل الذمة على ما أسلفناه، فروي التخيير فيه عن ابن عباس
وعطاء والشعبي والنخعي، وهو قول مالك وأحد قولي الشافعي،
وجعلوا قوله تعالى: ﴿فَأَحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢]
محكمة غير منسوخة. وقال آخرون: إنه واجب، وجعلوا قوله:
﴿وَأَنِ أَحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] ناسخة للتخيير روي عن
مجاهد وعكرمة، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وهو الأظهر من قولى
الشافعي، وتأول الأولون قوله: ﴿وَأَنِ أَحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَآ أَنَزَلَ اُللَّهُ﴾ إن
حكمت كما سلف واضحا، وما أسلفناه أن ذلك كان أول دخوله
المدينة هو ما في كتاب ابن بطال(٣)، والذي في السير: أن ذلك كان
في السنة الرابعة.
(١) رواه مسلم (١٦٩٠) من حديث عبادة بن الصامت.
(٢) ((مختصر الطحاوي)) ص٢٦٢.
(٣) ((شرح ابن بطال)) ٤٧٥/٨، وانظر ((الاستذكار)) ١٥/١٢، و((المعني)) ٣٨١/١٢-
٣٨٣.

٢٥٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
فرع :
قال ابن التين: إذا زنى اليوم أحد من أهل الذمة مُكن أهل الذمة
منه، فإن شاءوا رجمه رجموه ما لم يكن عبدًا أو أمة لمسلم، وقد
اختلف إذا زنى مسلم بذمية فقال ابن القاسم: ترد إلى أهل ذمتها
وقال أشهب ليس لهم رجمها؛ لأنه الَّ إنما رجمهما قبل أن يكون
لهم ذمة(١).
فصل :
وقوله: (نفضحهم) أي نكشف مساوئهم، يقال فضحه فافتضح.
(١) ((المدونة)) ٤٠١/٤، ((المنتقى)) ١٣٣/٧.

٢٥٩
كِتَابُ الرَّحْمِ
=
٣٨- باب: إِذَا رَمَى امْرَأَتَّهُ
أَوِ امْرَأَةَ غَيْهِ بِالزِّنَا عِنْدَ الحَاكِمِ،
هَلْ عَلَى الحَاكِم أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهَا ويسألها عَمَّا رُمِيَتْ بِهِ؟
٦٨٤٢، ٦٨٤٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ
عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُثْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدِ أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ
أَنَّ رَجُلَيْنِ أَخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ◌َلَه فَقَالَ أَحَدُهُمَا: آقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللهِ. وَقَالَ
الآخَرُ - وَهُوَ أَفْقَهُهُمَا - أَجَلْ يَا رَسُولَ اللهِ، فَاقْضٍ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللهِ، وَأُذَنْ لِي أَنْ أَتَكَلَّمَ.
قَالَ: (تَكَلَّمْ)). قَالَ: إِنَّ ابني كَانَ عَسِيفًا عَلَى هذا - قَالَ مَالِكٌ: وَالْعَسِيفُ: الأخِيرُ-
فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابني الرَّجْمَ، فَاقْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةٍ شَاةٍ وَبِجَارِيَةٍ لي،
ثُمَّ إِي سَأَلْتُ أَهْلَ العِلْمِ فَأَخْبَرُونِي أَنَّ مَا عَلَى ابنِي جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَإِنَّمَا
الرَّجْمُ عَلَى أَمْرَأَتِهِ. فَقَالَّ رَسُولُ اللهِ ◌َّهِ: ((أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لِأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا
بِكِتَابِ اللهِ، أَمَّا غَنَمُكَ وَجَارِيَتُكَ فَرَدٌّ عَلَيْكَ)). وَجَلَدَ ابنهُ مِائَةً وَغَرَّبَهُ عَامًا، وَأَمَرَ
أُنَيْسَا الأَسْلَمِيَّ أَنْ يَأْتِيَ آَمْرَأَةَ الآخَرِ: ((فَإِنِ أَعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا)). فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا.
[انظر: ٢٣١٥، ٢٣١٤ - مسلم: ١٦٩٧، ١٦٩٨ - فتح ١٢ / ١٧٢]
ذكر فيه حديث أبي هريرة وزيد بن خالد رضي الله عنهما في قصة
العسيف.
وقد قام الإجماع على أن من قذف امرأته أو أمرأة غيره أو رجلا
بالزنا فلم يأت على ذلك ببينة أن الجلد يلزمه إلا أن يقر له المقذوف
بالحد ويعترف به(١): فلهذا أوجب على الحاكم أن يبعث إلى أمرأة
يسألها عما رميت به؛ لأنه لا يلزمها الحد عند عدم البينة إلا بإقرارها،
ولو لم تعترف المرأة في هذا الحديث لوجب على والد العسيف الحد
(١) انظر: ((الإشراف)) لابن المنذر ٤٥/٣، ((الإقناع)) ١٨٤٩/٤.

٢٦٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
لقذفه، لو لم يلزمه الحد، ولو لم يعترف ابنه بالزنا؛ لأنه يسقط عنه حد
القذف لابنه، وقد سلف خلاف العلماء فيمن أقر بالزنا بامرأة معينة
وجحدت، في باب: الاعتراف بالزنا فراجعه.