النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
- كِتَابُ الرَّحْمِ
ولما كان قوله مقبولًا في اللمس والغمز كان قوله مقبولًا في
الإحصان، فالباب واحد في ذلك. ولا شك أنه إذا لم يعلم بحاله أن
سؤاله عن إحصانه واجب، وإن علم بإقراره قبل فلا .
واختلف إذا لم يسمع منه إقرار ولا إنكار على ثلاثة أقوال للمالكية،
قال ابن القاسم: يقبل قوله وإن طال مكثه مع زوجته، إلا أن يعلم غير
ذلك بظهور حمل أو سماع.
وقال في النكاح الثالث من ((المدونة)): إذا أحدت أمرأة في زنا،
وكانت أقامت عشرين سنة لم يقبل قولها(١).
وقال عبد الملك: عند محمد لا يقبل قول من أنكر من الزوجين،
والرجم قائم ولو لم يقم معها إلا ليلة واحدة، قال محمد: وهو قول
أصحابنا وقول ابن القاسم (٢).
وإن اختلفا بعد الدخول حد المنكر، واختلف في المقر فقيل: يحد
حد البكر، وقيل: حد الثيب، إلا أن يرجع عما كان أقر به، وإن كان
الزوج يدعي الإصابة، ثم الآن [قال](٣) كنت قلت ذلك لأملك
الرجعة، أو كانت الزوجة مدعية الإصابة، وقالت: قلت ذلك لأشتمل
الصداق أو غير ذلك من العذر حلف، وحد حد البكر.
فصل :
قوله: (فلما أذلقته الحجارة جمز) سلف معنى أذلقته، و(جمز):
أسرع يهرول.
(١) ((المدونة الكبرى)) ٢٠٨/٢.
(٢) ((النوادر والزيادات)) ٢٣٣/١٤.
(٣) زيادة يقتضيها السياق.

٢٠٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
قال الجوهري وابن فارس: الجمز: ضرب من السير أشد من
العَنَق(١). وقال بعض السلف (الرجل)(٢): أتق الله قبل أن يجمز بك،
يريد: السير السريع في جنازته. وقال الكسائي: الناقة تعدو الجمز.
وهو العدو الذي ينزو.
فصل :
قد أسلفنا اختلاف العلماء في الأعتراف بالزنا الذي يجب فيه الحد،
هل يفتقر إلى عدد؟ على ثلاثة مذاهب، وأن ابن أبي ليلى(٣) والثوري
وأحمد(٤) اعتبروه في مجلس، وأن أبا حنيفة(٥) والكوفيين أعتبروه في
مجالس، وأن الشافعي(٦) ومالكًا(٧) وأبا ثور(٨) قالوا: يكفي مرة،
وروي عن الصديق وعمر، وقد أجبنا عن شبهة من أعتبر بعدده، قالوا:
ولما كان الزنا مخصوصًا من بين سائر الحقوق بأربعة شهداء جاز أن
يكون مخصوصًا بإقرار أربع مرات، وحجة من لم يشترطه قصة الغامدية،
وقوله لأنيس: ((فإن اعترفت فارجمها)) ولم يقل أربعًا، فلا معنى
لاعتباره، وأيضًا فإنه لا يدل على مخالفة الزنا لسائر الحقوق في أنه
مخصوص بأربعة شهداء على مخالفته في الإقرار؛ لأن القتل مخالف
للأموال في الشهادات، فلا يقبل في القتل إلا شاهدان، ويقبل في
(١) ((الصحاح)) ٨٦٩/٣ مادة: (جمز)، ((مجمل اللغة)) ١٩٧/١.
(٢) من (ص١).
(٣) ((الإشراف على مذاهب أهل العلم)) ١٣/٣.
(٤) ((المغني)) ٣٥٤/١٢.
((المحيط البرهاني)) ٤٢٨/٦.
(٥)
(٦) ((العزيز شرح الوجيز)) ١١/ ١٥٠-١٥١.
(٧) ((الذخيرة» ٥٨/١٢.
(٨) ((الإشراف)) ١٣/٣.

٢٠٣
كِتَابُ الرَّجُمِ
=
الأموال شاهد وامرأتان، ثم اتفقنا في باب الإقرار أنه يقبل فيه إقرار
مرة، ولو وجب اعتبار الإقرار بالشهادة لوجب أن لا يقبل في الموضع
الذي لا يقبل فيه إلا شاهدان [أو](١) الإقرار مرتين، وقد أجمع العلماء
أن سائر الإقرارات في الشرع يكفي فيها مرة واحدة، وإن أقر بالردة
مرة واحدة يلزمه أسم الكفر، والقتل لازم عليه، فلزم في الزنا مثله،
وإنما لم يقم عليه أول مرة؛ لما سلف من أنه التَّه لما رآه مخيل الصورة
فزعًا أراد التثبت في أمره، هل به جنة أم لا؟ مع أنه كره ما سمع منه
فأعرض عنه رجاء أن يستر على نفسه ويتوب إلى الله، ألا ترى أنه
لقنه بقوله: (لعلك لمست أو غمزت)) فلا معنى لاعتبار العدد في
الإقرار(٢).
(١) ليست في الأصول والسياق يقتضيها.
(٢) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٨/ ٤٤٧-٤٤٨.

٢٠٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٣٠- باب الاْتِرَافِ بِالزِّنَا
٦٨٢٧، ٦٨٢٨ - حَدَّثَنَا عَلَّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَفِظْنَاهُ مِنْ في
الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ وَزَيْدَ بْنَ خَالِدٍ قَالَا: كُنَّا عِنْدَ
النَّبِيِّ ◌َّةِ، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: أَنْشُدُكَ اللّهَ إِلَّ قَضَيْتَ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللهِ. فَقَامَ خَضْمُهُ
- وَكَانَ أَقْقَهَ مِنْهُ - فَقَالَ: أَقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللهِ، وَأُذَنْ لِيٍ. قَالَ: ((قُلْ)). قَالَ: إِنَّ
ابني كَانَ عَسِيفًا عَلَى هذا، فَنَى بِامْرَأَتِهِ، فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةٍ شَاةٍ وَخَادِمٍ، ثُمَّ
سَأَلْتُ رِجَالاً مِنْ أَهْلِ العِلْمِ فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابنِي جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامِ،
وَعَلَى أَمْرَأَتِهِ الرَّجْمَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لِأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَّا
بِكِتَابِ اللهِ جَلَّ ذِكْرُهُ، الِمِائَةُ شَاةٍ وَالْخَادِمُ رَدٌّ، وَعَلَى ابنَكَ جَلْدُ مِائَةٍ
وَتَغْرِيبُ عَامِ، وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى آمْرَأَةِ هذا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا)). فَغَدَا
عَلَيْهَا فَاغْتَرَفَّتْ فَرَجَهَا. قُلْتُ لِسُفْيَانَ: لَمْ يَقُلْ: فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابني الرَّجْمَ.
فَقَالَ: أَشُكُّ فِيهَا مِنَ الزُّهْرِيِّ، فَرُبَّمَا قُلْتُهَا وَرُبَّمَا سَكَتُّ. [انظر: ٢٣١٤، ٢٣١٥ - مسلم:
١٦٩٧، ١٦٩٨ - فتح ١٢ / ١٣٦].
٦٨٢٩ - حَدَّثَنَا عَلِّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنِ
ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ عُمَرُ: لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَطُولَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ
حَتَّى يَقُولَ قَائِلٌ: لَا نَجِدُ الرَّجُمَ فِي كِتَابِ اللهِ. فَيَضِلُّوا بِتَزْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللهُ، أَلَا وَإِنَّ
الرَّجْمَ حَقُّ عَلَى مَنْ زَنَى وَقَدْ أَخْصَنَ إِذَا قَامَتِ البَيِّنَةُ أَوْ كَانَ الَمْلُ أَوْ الأَغْتِرَافُ -
قَالَ سُفْيَانُ: كَذَا حَفِظْتُ - أَلَا وَقَدْ رَجَمَ رَسُولُ اللهِ إِّهِ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ. [انظر: ٢٤٦٢ -
مسلم: ١٦٩١ - فتح ١٢/ ١٣٩].
ذكر فيه حديث عَلِيٍّ بْنِ عَبْدِ اللهِ، تَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَفِظْنَا مِنْ فِي الزُّهْرِيِّ
قَالَ: حدثني عُبَيْدُ اللهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ وَزَيْدَ بْنَ خَالِدِ الجهني رضي الله
عنهما في قصة العسيف وفي آخره: ((فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا)). فَاعْتَرَفَتْ
فَرَجَمَهَا. قُلْتُ لِسُفْيَانَ: لَمْ يَقُلْ: عَلَى ابني الرَّجْمَ.

٢٠٥
= كِتَابُ الرَّجُمِ
فَقَالَ: (أَشُكُ)(١) فِيهَا مِنَ الزُّهْرِيِّ، فَرُبَّمَا قُلْتُهَا وَرُبَّمَا سَكَتُّ.
ثم ساق حديث ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ عُمَرُ ثُ: لَقَدْ
خَشِيتُ أَنْ يَطُولَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ حَتَّى يَقُولَ قَائِلٌ: لَا نَجِدُ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ
اللهِ. فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أُزَلَهَا اللهُ، أَلَا إِنَّ الرَّجْمَ حَقُّ عَلَى مَنْ زَنَى وَقَدْ
أَحْصَنَ إِذَا قَامَتِ البَيِّنَةُ أَوْ كَانَ الحبلِ أَوْ الأَعْتِرَافُ - قَالَ سُفْيَانُ: كَذَا
حَفِظْتُ - أَلَا وَقَدْ رَجَمَ رَسُولُ اللهِ وَهُ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ.
الشرح :
فيه أحكام:
أحدها: الترافع إلى السلطان الأعلى فيما قد قضى فيه غيره ممن هو
دونه إذا لم يوافق الحق.
ثانيها: فسخ كل صلح، ورد كل حكم وقع على خلاف السنة.
ثالثها: أن ما قبضه الذي قضى له بالباطل لا يصلح له ملكه.
رابعها: أن العالم قد يفتي في مصر فيه من هو أعلم منه، ألا ترى أنه
سأل والشارع بين أظهرهم، وكذلك كان الصحابة يفتون في زمنه.
خامسها: في سؤاله أهل العلم، ورجوعه إلى الشارع دليل على أنه
يجوز للرجل أن لا يقتصر على قول واحد من العلماء.
سادسها: جواز قول الخصم للإمام العدل: أقض بيننا بالحق. حيث
قال: أقض بيننا بكتاب الله. وقد علم أنه لا يقضي إلا بما أمره الله، ولم
ينكر ذلك عليه، وقال الملكان لداود التعليم: ﴿فَأَحْكُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٢]
وذلك إذا لم يرد السائل التعريض.
(١) في الأصل: الشك. والمثبت من (ص١).

٢٠٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وقوله: (وكان أفقههما) يعني -والله أعلم - الاستئذانه التعليها في الكلام
وترك صاحبه لذلك تأكيدًا .
واختلف العلماء في تأويل ذلك، فقال بعضهم: الرجم في قوله
تعالى: ﴿وَيَدْرَؤُأْ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ الآية [النور: ٨]، فالعذاب الذي تدرؤه
الزوجة عن نفسها باللعان هو الذي يجب عليها بالبينة أو بالإقرار
[أو](١) بالنكول عن اللعان، وقد بين الشارع آية الرجم في الثيب
برجم ماعز وغيره.
وقال آخرون: الرجم مما نُسخ من القرآن خطه وثبت حكمه.
وقال آخرون: معنى قوله: ((لأقضين بينكما بكتاب الله)) أي: بحكم
الله وبفرضه، وهذا سائغ في اللغة، قال الله تعالى: ﴿كِنَبَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾
ج
[النساء: ٢٤] أي: حكمه فيكم وقضاؤه عليكم، ومنه قوله تعالى: ﴿أَمْ
◌ِندَهُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ﴾﴾ [الطور: ٤١] أي: يقضون، وكذلك قوله
﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤] وكل ما قضى به
الشارع فهو حكم الله.
وفيه: أنه التّها لم يجعلهما قاذفين حين أخبراه، وليس في الحديث
أنه سأل (ابن)(٢) الرجل هل زنى وهل صدقا عليه أم لا؟، ولكن من
مفهوم الحديث أنه أقر؛ لأنه لا يجوز أن يقام الحد إلا بالإقرار
أو بالبينة، ولم يكن عليهما بينة لقوله: ((فإن اعترفت فارجمها)).
وفيه: النفي والتغريب للبكر الزاني، خلافًا لأبي حنيفة(٣) في إسقاط
النفي عنه، وسيأتي أقوالهم فيه في مواضعه.
(١) زيادة يقتضيها السياق.
(٢) من (ص١).
(٣) ((المحيط البرهاني)) ٣٩٢/٦.

٢٠٧
ـ كِتَابُ الرَّجُمِ
وفيه: رجم الثيب بلا جلد على ما ذهب إليه أئمة الفتوى في
الأمصار، وقد سلف.
وفيه: أيضًا استماع الحاكم بينة أحد الخصمين وصاحبه غائب،
وفُتْيَاهُ له دون خصمه، ألا ترى أنه العَيْه قد أفتاهما والمرأة غائبة
وكانت إحدى الخصمين.
وفيه: تأخير الحدود عند ضيق الوقت؛ لأنه اللّه أمره بالغدو إلى
المرأة، فإن أعترفت رجمها، ويحتمل أنه كان غدوه بلا تأخير.
وفيه: إرسال الواحد في تنفيذ الحكم.
وفيه: إقامة الحد على من أقر على نفسه مرة واحدة؛ لأنه العليا لم
يقل لأنيس فإن اعترفت أربعًا. وقد سلف قريبًا ما فيه.
وفيه: دليل على صحة قول مالك(١) وجمهور الفقهاء أن الإمام
لا يقوم بحد من قذف بين يديه حتى يطلبه المقذوف؛ لأن له أن يعفو
عن قاذفه أو یرید سترًا .
ألا ترى أنه قال بين يدي رسول الله وَالقول: إن ابني كان عسيفًا على
هذا فزنى بامرأته فقذفها، فلم يقم عليه الحد؛ لأنها لما اعترفت بالزنا
سقط حكم قذفها، ومثله حديث العجلاني حين رمى أمرأته برجل فلاعن
بينه وبين امرأته؛ لأنه لم يطلبه بحده، ولو طلبه به لحد، إلا أن يقيم البينة
على ما قال، والمخالف في هذه المسألة هو ابن أبي ليلى(٢)، فإنه
يقول: إن الإمام يحد القاذف وإن لم يطلبه المقذوف. وقوله خلاف
السنن الثابتة، وسيأتي ما بقي من معاني هذا الحديث بعد هذا في
(١) ((شرح صحيح البخاري)) لابن بطال ٤٥٢/٨.
(٢) ((شرح ابن بطال)) ٤٥٢/٨.

٢٠٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
مواضعه - إن شاء الله تعالى- وكذلك حديث ابن عباس يأتي الكلام عليه
في الباب بعد هذا إن شاء الله تعالى(١).
وقد اختلف العلماء فيمن أقر بالزنا بامرأة معينة وجحدت المرأة،
فقال مالك: يقام عليه حد الزنا، وإن طلبت حد القذف أقيم عليه أيضًا،
وكذلك لو أقرت هي وأنكر هو (٢).
وقال أشهب: يحد للزنا دون القذف(٣)؛ لأنه لا يخلو أن يكون
صادقًا أو كاذبًا فالأول لا يحد لقذفه، وإلا حد للقذف دون الزنا،
فعلى أي وجه كان يجمع عليه الحدان.
وقال الأبهري: بل ثمَّ قسم ثالث، وهو أن يكون مكرهًا لها على
الزنا فيكون صادقًا في إقراره على نفسه كاذبًا في قذفه، فيجتمع الحدان.
وقال أبو حنيفة(٤) والأوزاعي(٥): عليه حد القذف، ولا حد عليه للزنا .
وقال أبو يوسف ومحمد(٦) والشافعي (٧): من أقر منهما فإنما عليه
حد الزنا فقط .
(١) ((شرح ابن بطال)) ٨/ ٤٥٠-٤٥٢.
(٢) ((التمهيد)) ٩١/٩.
(٣) ((النوادر والزيادات)) ١٤/ ٢٥١ بلفظ قال: وإن سمى أمرأة تُعرف فأنكرت حد لها،
ويحد للزنا بجلد أو برجم إن لم يرجع بعد جلد الفرية.
(٤) (بدائع الصنائع)) ٧/ ٦١.
(٥) ((التمهيد)) ٩/ ٩١.
(٦) ((المحيط البرهاني)) ٤٣١/٦.
(٧) ((البيان شرح المهذب)) ٣٧٤/١٢ وفي ((الروضة)) ٩٤/١٠: لو قال: زنيت بها،
فأنكرت، لزمه حد الزنا وحد القذف، وفي ((العزيز)) ١١/ ١٥٢ ولو كان قد قال:
زنيت بفلانة، فهو مقر بالزنا، قاذف لها فإن أنكرت أو قالت: كان قد تزوجني
فعليه حد الزنا وحد القذف.

٢٠٩
كِتَابُ الرَّجُمِ
=
حجة مالك أن حد الزنا واجب عليه بإقراره، وليس إقراره دليلًا على
صدقه على المقذوف؛ لأنا لو علمنا صدقه ببينة أو بإقرار المرأة لم يجب
عليه الحد، فلما لم يكن إلى البينة ولا إلى الإقرار سبيل وجب لها أن
تطلب حقها من القاذف، كما لو أقر رجل أن زوجته أخته لحرمت علیه،
ولم يثبت نسبها بقوله وحده.
وحجة أبي حنيفة والأوزاعي أيضًا أنه لما قذفها ولم يأت بأربعة
شهداء لزمه حد القذف للآية، فلما حد لها استحال أن يحد في الزنا،
فحكمنا لها بالإحصان، وأيضًا فإنه لا يجوز أن يجتمع حدان أبدًا،
فإذا اجتمعا ثبت إلزامهما، وإنما كان عنده حد القذف ألزم من حد
الزنا؛ لأنه من أقر على نفسه بالزنا ثم رجع فإنه يقبل رجوعه، ومن
قذف أحدًا لم ينفعه الرجوع، وكذلك من وجب عليه حد الزنا،
(والقذف)(١) وكان عليه القتل، فإنه يحد القذف ويقتل، ولا يحد
الزنا .
حجة الشافعي: أنا قد أحطنا علما أنه لا يجب عليه الحدان جميعًا؛
لأنه إن كان زانيًا فلا حد عليه للقذف، وإن كان قاذفًا لمحصنة فليس
بزان، وهو قاذف، فحده القذف، وإنما وجب عليه حد الزنا؛ لأن
من أقر على نفسه وهو مدع فيما أقر به غيره، فلذلك لم يقبل قوله
عليها، ويؤخذ بإقراره على نفسه.
فصل :
العسيف: هو الأجير، كما قاله مالك(٢).
(١) من (ص١)
(٢) ((الموطأ)) ص ٥١٤.

١
٢١٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
قال ابن عبد البر: وقد يكون العبد ويكون السائل(١).
وزاد في ((المحكم)) في العسيف: الأجير المستهان به. قال: وقيل:
هو المملوك المستهان(٢)، وقيل: كل خادم عسيف، والجمع عسفاء
على القياس، وعسفة على غير قياس، وفي ((شرح الموطأ)) لعبد
الملك بن حبيب السلمي: العسيف: الغلام الذي لم يبلغ الحلم.
(١) ((التمهيد)) ٩/ ٧٥.
(٢) ((المحكم)) ٣١٠/١.

٢١١
كِتَابُ الرَّجُمِ
=
٣١- باب رَجْمِ الحُبْلَى مِنَ الزِّنَا إِذَا أَحْصَنَتْ
٦٨٣٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنِي إِنْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ،
عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُثْبَةَ بْنِ مَسْعُودْ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ:
كُنْتُ أُقْرِئُ رِجَالاً مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مِنْهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فَبَيْنَمَا أَنَّا فِي مَنْزِلِهِ
بِمِنَّى، وَهُوَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الَخْطَّابِ فِي آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا، إِذْ رَجَعَ إِلَّ عَبْدُ الرَّحْمنِ فَقَالَ:
لَوْ رَأَيْتَ رَجُلًا أَتَى أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، الْيَوْمَ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَلْ لَكَ فِي قُلَانٍ؟ يَقُولُ:
لَوْ قَدْ مَاتَ عُمَرُ لَقَدْ بَايَعْتُ فُلَانًا، فَوَاللَّهِ مَا كَانَتْ بَيْعَةُ أَبِي بَكْرٍ إِلَّ فَلْتَةً فَتَمَّتْ.
فَغَضِبَ عُمَرُ ثُمَّ قَالَ: إِّ إِنْ شَاءَ اللهُ لَقَائِمْ العَشِيَّةَ فِي النَّاسِ، فَمُحَذِّرُهُمْ هؤلاء الذِينَ
يُرِيدُونَ أَنْ يَغْصِبُوهُمْ أُمُورَهُمْ. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ لَا تَفْعَلْ، فَإِنَّ
المؤْسِمَ يَجْمَعُ رَعَاعَ النَّاسِ وَغَوْغَاءَهُمْ، فَإِنَّهُمْ هُمُ الذِينَ يَغْلِبُونَ عَلَى قُزِبِكَ حِينَ تَّقُومُ
فِي النَّاسِ، وَأَنَا أَحْشَى أَنْ تَقُومَ فَتَقُولَ مَقَالَةً يُطَيُِّهَا عَنْكَ كُلُّ مُطَيٍِّ، وَأَنْ لَا يَعُوهَا،
وَأَنْ لَا يَضَعُوهَا عَلَى مَوَاضِعِهَا، فَأَمْهِلْ حَتَّى تَقْدَمَ المَدِينَةَ فَإِنَّهَا دَارُ الهِجْرَةِ وَالسُّنَّةِ،
فَتَخْلُصَ بِأَهْلِ الفِقْهِ وَأَشْرَافِ النَّاسِ، فَتَقُولَ مَا قُلْتَ مُتَمَكِّنَا، فَيَعِي أَهْلُ العِلْمِ
مَقَالَتَكَ، وَيَضَعُونَهَا عَلَى مَوَاضِعِهَا. فَقَالَ عُمَرُ: أَمَا والله - إِنْ شَاءَ اللهُ- لِأَقُومَنَّ بِذَلِكَ
أَوَّلَ مَقَامٍ أَقُومُهُ بِالْدِينَةِ.
قَالَ ابن عَبَّاسِ: فَقَدِمْنَا المَدِينَةَ فِي عَقِبٍ ذِي الَحَجَّةِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ
عَجَّلْنَا الرَّوَاحَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ، حَتَّى أَجِدَ سَعِيدَ بْنَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ
جَالِسًا إِلَى رُكْنِ اِنْبَرِ، فَجَلَسْتُ حَوْلَهُ تَمَسُّ رُكْبَتِي رُكْبَتَهُ، فَلَمْ أَنْشَبْ أَنْ خَرَجَ عُمَرُ
بْنُ الْخَطَّابِ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ مُقْبِلًا قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ: لَيَقُولَنَّ العَشِيَّةَ
مَقَالَةً لَمْ يَقُلْهَا مُنْذُ أَسْتُخْلِفَ. فَأَنْكَرَ عَلَيَّ وَقَالَ: مَا عَسَيْتَ أَنْ يَقُولَ مَا لَمْ يَقُلْ قَبْلَهُ.
فَجَلَسَ عُمَرُ عَلَى اِنْبَرِ، فَلَمَّا سَكَتَ المُؤَذِّنُونَ قَامَ فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ قَالَ:
أَمَّا بَعْدُ، فَإِّ قَائِلٌ لَكُمْ مَقَالَةً قَدْ قُدِّرَ لِي أَنْ أَقُولَهَا، لَا أَدْرِي لَعَلَّهَا بَيْنَ يَدَيْ أَجَلي،
فَمَنْ عَقَلَهَا وَوَعَاهَا فَلْيُحَدِّثْ بِهَا حَيْثُ أَنْتَهَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ، وَمَنْ خَشِيَ أَنْ لَا يَعْقِلَّهَا

٢١٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
فَلَا أُحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَكْذِبَ عَلَيَّ، إِنَّ اللهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا فَلَّه بِالْحَقٌ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتَابَ،
فَكَانَ مِمَّا أَنْزَلَ اللهُ آيَةُ الرَّجْم، فَقَرَ أْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا، رَجَمَ رَسُولُ اللهِ وٍَّ وَرَجَمْنَا
بَعْدَهُ، فَأَخْشَى إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: والله مَا نَجِدُ آيَةَ الرَّجْمِ فِي كِتَابٍ
اللهِ، فَيَضِلُّوا بِتَزْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللهُ، وَالرَّجُمُ فِي كِتَابِ اللهِ حَقُّ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا
أُخْصِنَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، إِذَا قَامَتِ البَيْنَةُ أَوْ كَانَ الَحَبَلُ أَوْ الأَغْتِرَافُ، ثُمَّ إِنَّا كُنَّا
نَقْرَأُ فِيمَا نَقْرَأُ مِنْ كِتَابِ اللهِ أَنْ لَا تَزْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ، فَإِنَّهُ كُفْرَ بِكُمْ أَنْ تَزْغَبُوا عَنْ
آبَائِكُمْ -أَوْ إِنَّ كُفْرًا بِكُمْ أَنْ تَزْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ - أَلَا ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللهِ بَلَ قَالَ:
(لَاتُطْرُونِي كَمَا أُطْرِيَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ، وَقُولُوا: عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ)). ثُمَّ إِنَّهُ
بَلَغَنِي أَنَّ قَائِلًا مِنْكُمْ يَقُولُ: والله لَوْ مَاتَ عُمَرُ بَايَعْتُ فُلَانًا. فَلَا يَغْتَرَّنَّ أَمْرُؤْ أَنْ يَقُولَ:
إِنَّمَا كَانَتْ بَيْعَةُ أَبِي بَكْرٍ فَلْتَّةً وَمَّتْ أَلَا وَإِنَّهَا قَدْ كَانَتْ كَذَلِكَ، ولكن اللهَ وَقَى شَرَّهَا،
وَلَيْسَ مِنْكُمْ مَنْ تُقْطَعُ الأَغْنَاقُ إِلَيْهِ مِثْلُ أَبِي بَكْرٍ، مَنْ بَايَعَ رَجُلًا عَنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنَ
المُسْلِمِينَ فَلَا يُبَايَعُ هُوَ وَلَا الذِي بَايَعَهُ تَغِرَّةً أَنْ يُقْتَلَا، وَإِنَّهُ قَدْ كَانَ مِنْ خَبَرِنَا حِينَ
تَوَقَّى اللهُ نَبِيَّهُ وَّهِ، إِلَّ أَنَّ الأَنْصَارَ خَالَفُونَا وَاجْتَمَعُوا بِأَسْرِهِمْ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ،
وَخَالَفَ عَنَّا عَلِيَّ وَالزُّبَيْرُ وَمَنْ مَعَهُمَا، وَاجْتَمَعَ المُهَاجِرُونَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقُلْتُ لِأَبِي بَكْرٍ:
يَا أَبَا بَكْرٍ، أَنْطَلِقْ بِنَا إِلَى إِخْوَانِنَا هؤلاء مِنَ الأَنَّصَارِ. فَانْطَلَقْنَا نُرِيدُهُمْ، فَلَمَّا دَنَوْنَا
مِنْهُمْ لَقِيَنَا مِنْهُمْ رَجُلَانِ صَالِجَانِ، فَذَكَرَا مَا تَلَى عَلَيْهِ القَوْمُ فَقَالَا: أَيْنَ تُرِيدُونَ يَا
مَعْشَرَ الُهَاجِرِينَ؟ فَقُلْنَا: نُرِيدُ إِخْوَانَنَا هؤلاء مِنَ الأَنَّصَارِ. فَقَالَا: لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا
تَقْرَبُوهُمْ، أَقْضُوا أَمْرَكُمْ. فَقُلْتُ: والله لَنَأْتِيَنَّهُمْ.
فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَاهُمْ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، فَإِذَا رَجُلٌ مُزَمَّلٌ بَيْنَ ظَهْرَانَتِهِمْ،
فَقُلْتُ: مَنْ هذا؟ فَقَالُوا: هذا سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ. فَقُلْتُ: مَا لَهُ؟ قَالُوا: يُوعَكُ. فَلَمَّا
جَلَسْنَا قَلِيلًا تَشَهَّدَ خَطِيبُهُمْ، فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَنَحْنُ
أَنْصَارُ اللهِ وَكَتِيبَةُ الإِسْلَامِ، وَأَنْتُمْ -مَغْشَرَ المُهَاجِرِينَ - رَهْطٌ، وَقَدْ دَفَّتْ دَافَّةٌ مِنْ
قَوْمِكُمْ، فَإِذَا هُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَخْتَزِلُونَا مِنْ أَصْلِنَا وَأَنْ يَحْضُنُونَا مِنَ الأَمْرِ. فَلَمَّا سَكَتَ

٢١٣
كِتَابُ الرَّحْمِ
=
أَدْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ، وَكُنْتُ زَوَّرْتُ مَقَالَةً أَعْجَبَتْنِي أُرِيدُ أَنْ أُقَدِّمَهَا بَيْنَ يَدَيْ أَبِي بَكْرٍ،
وَكُنْتُ أُدَارِي مِنْهُ بَغْضَ الحَدِّ، فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: عَلَى رِسْلِكَ.
فَكَرِهْتُ أَنْ أُغْضِبَهُ، فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَكَانَ هُوَ أَحْلَمَ مِنِّي وَأَوْقَرَ، والله مَا تَرَكَ مِنْ كَلِمَةٍ
أَعْجَبَتْنِي فِي تَزْوِيرِي إِلَّ قَالَ فِي بَدِيهَتِهِ مِثْلَهَا أَوْ أَفْضَلَ مِنْهَا حَتَّى سَكَتَ، فَقَالَ: مَا
ذَكَرْتُمْ فِيكُمْ مِنْ خَيْرٍ فَأَنْتُمْ لَهُ أَهْلٌ، وَلَنْ يُغْرَفَ هذا الأَمْرُ إِلَّ لهذا الحَيِّ مِنْ قُرَيْشٍ،
هُمْ أَوْسَطُ العَرَبِ نَسَبَّا وَدَارَا، وَقَدْ رَضِيتُ لَكُمْ أَحَدَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ، فَبَايِعُوا أَنَّهُمَا
شِئْتُمْ. فَأَخَذَ بِيَدِي وَبِيَدِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ وَهُوَ جَالِسٌ بَيْنَنَا، فَلَمْ أَكْرَةٍ مَِّا قَالَ
غَيْرَهَا، كَانَ وَالله أَنْ أُقَدَّمَ فَتُضْرَبَ عُنُقِي لَا يُقَرُّنِي ذَلِكَ مِنْ إِثْمْ أَحَبَّ إِلَّ مِنْ أَنْ أَتَأَمَّرَ
عَلَى قَوْمٍ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ، اللَّهُمَّ إِلَّ أَنْ تُسَوِّلَ إِلَيَّ نَفْسِي عِنْدَ المَوْتِ شَيْئًا لَا أَجِدُهُ الآنَ.
فَقَالَ قَائِلٌ مِنَ الأَنَّصَارِ: أَنَا جُذَيْلُهَا المُحَكَّكُ وَعُذَيْقُهَا المُرَجَّبُ، مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ يَا
مَعْشَرَ قُرَيْشٍ.
فَكَثُرَ اللَّغَطُ وَارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ، حَتَّى فَرِقْتُ مِنَ الأَخْتِلَافِ. فَقُلْتُ: أَبْسُطْ
يَدَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ. فَبَسَطَ يَدَهُ فَبَايَغْتُهُ وَبَايَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ، ثُمَّ بَايَعَتْهُ الأَنَّصَارُ، وَنَزَوْنَا عَلَى
سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: قَتَلْتُمْ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ. فَقُلْتُ: قَتَلَ اللهُ سَعْدَ بْنَ
عُبَادَةَ. قَالَ عُمَرُ: وَإِنَّا والله مَا وَجَدْنَا فِيمَا حَضَزْنَا مِنْ أَمْرٍ أَقْوىْ مِنْ مُبَايَعَةٍ أَبِي بَكْرٍ،
خَشِينَا إِنْ فَارَقْنَا القَوْمَ وَلَمْ تَكُنْ بَيْعَةٌ أَنْ يُبَايِعُوا رَجُلًا مِنْهُمْ بَعْدَنَا، فَإِمَّا بَايَعْنَاهُمْ عَلَى
مَا لَا نَزْضَى، وَإِمَّا نُخَالِفُهُمْ فَيَكُونُ فَسَادٌ، فَمَنْ بَايَعَ رَجُلًا عَلَى غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنَ
المُسْلِمِينَ فَلَا يُتَابَعُ هُوَ وَلَا الذِي بَايَعَهُ تَغِرَّةً أَنْ يُقْتَلَا. [انظر: ٢٤٦٢ - مسلم: ١٦٩١ - فتح
١٢/ ١٤٤]
كأنه يريد -والله أعلم- باب: هل يجب على الحبلى رجم أم لا؟
ذكر فيه حديث ابن عباس رضي الله عنهما: كُنْتُ أَقْرِئُ رِجَالًا مِنَ
المُهَاجِرِينَ مِنْهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ .. الحديث بطوله.

٢١٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وموضع الحاجة منه: إِذَا أُحْصِنَ مِنَ النساء والرِّجَالِ، إِذَا قَامَتِ
البَيِّنَةُ أَوْ (كَانَ)(١) الحَبَلُ أَوْ الأَعْتِرَافُ.
والكلام عليه من وجوه - تجمع صورًا(٢) من العلم:
أحدها: معنى قوله: (كُنْتُ أُقْرِئُ رِجَالاً مِنَ المُهَاجِرِينَ) يعني :
القرآن، وهو يدل على أن العلم يأخذه الكبير عن الصغير، لأن ابن
عباس لم يكن في المهاجرين؛ لصغر سنه. وأغرب الداودي فقال:
يعني يقرأ عليهم ويلقنونه(٣). قال: وكان في وفاة رسول الله وَل
إنما حفظ المفصل من المهاجرين والأنصار وأخذ عنهم الحديث.
قال: كنت آتي باب الرجل من الأنصار فأجلس ثم أنصرف ولا أدخل؛
إجلالا للعلم ولو شئت لدخلت. لا جرم أعترضه ابن التين فقال:
هُذا خروج عن الظاهر بل عن النص؛ لأن قوله: (أُقْرِئُ رِجَالًا):
أعلمهم وأقرئهم القرآن.
ووقع في كلام بعض الشراح أن في ((الغرائب)) للدارقطني: هو
عبد الرحمن بن عوف. وهذا قصده، فهو في البخاري كما أسلفناه.
وقال الكوفيون: تُرْجَمُ بعد الوضع على ما رواه عمران بن حصين:
أن أمرأة أتت رسول الله وَ له فذكرت أنها زنت، فأمر بها أن تقعد حتى
تضعه، فلما وضعته أمر برجمها وصلى عليها، وقيل: إن رأى الإمام أن
يسترضع له فعل، وإن رأى أن يؤخرها فعل.
واختلفوا في المرأة توجد حاملًا لا زوج لها، فقال مالك: إن
قالت: اسْتُكْرِهتُ أو تزوجتُ، لا يقبل منها، ويقام عليها الحد إلا أن
(١) من (ص١).
(٢) في (ص١): ضروبًا.
(٣) عَلَّم عليها في الأصل ثم كتب في الهامش: بيان: ويلقنوه.

٢١٥
= ڪِتَابُ الرَّجُمِ
تقيم بينة على ما ادعته من ذلك أو تجيء تدمي أو استغاثت أو استعانت
حتى أتت وهي على ذلك.
وقال ابن القاسم: إن كانت غريبة طارئة فلا حَدَّ عليها. وقال ابن
التين: مذهب مالك أنها تحد. وقال محمد: لا يجب حد الزنا
إلا بالإقرار، ولا رجوع بعده حتى تحد، أو بشهادة أربعة على
الرؤية، وبظهور حمل بامرأة غير طارئة لا يعلم لها نكاح ولا ملك،
هُذا قول مالك وأصحابه، وكلام محمد معارض في الحضر، وحقه
زيادة: ولا إكراه ولا خطأ. وقال الكوفيون والشافعي: لا حد عليها
إلا أن تقر بالزنا، أو تقوم عليها بينة، ولم يفرقوا بين طارئة وغيرها،
واحتجوا بحديث: ((ادرءوا الحدود بالشبهات))(١).
وحجة مالك قول (عمر)(٢) # في الحديث: (الرجم في كتاب الله
حق على من زنى إذا أحصن، إذا قامت البينة .. ) إلى آخره. فسوَّى بين
البينة والإقرار، وبين وجود الحبل، في أن ذلك كله موجب للرجم.
وقد روي مثل هذا القول عن عثمان وعلي وابن عباس، ولا مخالف
لهم في الصحابة.
وروي عن عمر أيضا في أمرأة ظهر بها حمل، فقالت: كنت نائمة
فما أيقظني إلا الرجل وقد ركبني. فأمر أن ترفع إليه في الموسم وناس
من قومها، فسألهم عنها فأثنوا عليها خيرًا، فلم يرى عليها حدًّا وكساها،
وأوصى بها أهلها، وقال به بعض متأخري المالكية.
(١) رواه الترمذي (١٤٢٤) من حديث عائشة مرفوعًا بلفظ: ((ادرءوا الحدود عن
المسلمين ما استطعتم)). والحديث بلفظه، قال عنه ابن حجر في ((الدراية)) ٢/ ١٠١ :
لم أجده مرفوعًا، وانظر ((تلخيص الحبير)) ٥٦/٤.
(٢) من (ص١).

٢١٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
(ثالثها)(١): قول القائل: (لو قد مات عمر لقد بايعت فلانا)(٢) -
يعني رجلا من الأنصار؛ لأنه لم ير الخلافة في قريش مكتوبة في
القرآن، فعرفه عمر أن ثبوت ذلك بالسنة.
وفيه: أن رفع مثل الخبر إلى السلطان واجب؛ لما يخاف من الفتنة
على المسلمين، ألا ترى إنكار عمر ته تلك المقالة، وقال: لم نعرف
هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش. والمعروف: هو الشيء الذي
لا يجوز خلافه، وهذا يدل أنه لم يختلف في ذلك على عهد رسول
الله وَلّ، ولو اختلف فيه لعلم الخلاف فيه.
والمعروف: ما عرفه أهل العلم وإن جهله كثير من غيرهم، كما أن
المنكر: ما أنكره أهل العلم. والدليل على أن الخلافة في قريش
أحاديث كثيرة، منها قوله التَّة: ((الأئمة من قريش))(٣).
ومنها أنه العَّه أوصى بالأنصار من وَلِيَ من أمر المسلمين أن يقبل
من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم، فأخبر أنهم مستوصى بهم محتاجون
أن يقبل إحسانهم ويتجاوز عن مسيئهم.
(١) كذا في الأصل، والصواب: ثانيها.
(٢) في هامش الأصل: فلان هو: طلحة بن عبيد الله. كذا قاله ابن بشكوال والخطيب،
وقد عزى التصريح به إلى ((فوائد البغوي عن علي بن الجعد)). والله أعلم.
(٣) رواه أحمد ١٢٩/٣، والنسائي في ((الكبرى)) ٤٦٧/٣ (٥٩٤٢) وغيرهما من
حديث أنس، وقد صححه العراقي في ((المغني عن حمل الأسفار)) (٣٧٣٤)
والحافظ في ((الفتح)) ١١٤/١٣، و((تلخيص الحبير)) ٤٢/٤ (١٧٣٠)، وكذا
الألباني في ((الإرواء)) (٥٢٠).
قلت: وفي الباب عن علي وأبي برزة الأسلمي وغيرهما كثير؛ هذا ومن اللطيف
في هذا الأمر أن طرقه جمعها الحافظ ابن حجر في جزء مفرد عن نحو من أربعين
صحابيًّا، وسماه (لذة العيش بطرق الأئمة من قريش)) انظر: (الفتح)) ٦/ ٥٣٠.

٢١٧
كِتَابُ الرَّجُمِ
وفيه: دليل واضح أنهم ليس لهم في الخلافة حق، ولذلك قال
عمر: إني لقائم العشية فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم
أمورهم، فالغصب لا يكون إلا أخذ ما لا يجب، وإخراج الأمر عن
قريش هو الغصب.
رابعها: في قول ابن (عوف)(١) لعمر حين أراد أن يقوم في الموسم
دليل على جواز الاعتراض على السلطان في الرأي إذا خشي من ذلك
الفتنة واختلاف الكلمة.
خامسها: قول ابن عوف: (يا أمير المؤمنين لا تفعل فإن الموسم
يجمع رعاع الناس وغوغاءهم). الرعاع -بفتح الراء -: الشباب
الأوغاد، ذكره في ((الصحاح))(٢) واحدها: رعاعة، والغوغاء -ممدود -:
سفلة الناس وأخلاطهم، وأصله الجراد حين يخف للطيران، ثم
أستعير للسفلة من الناس والمسرعين إلى الشر، ويجوز أن تكون
الغوغاء: الصوت والجلبة؛ لكثرة لغطهم وصياحهم. وفي حديث
علي: وسائر الناس همج رعاع(٣). والهمج: رذالة الناس، وذباب
صغير يسقط على وجوه الغنم والحمير، وقيل: هو البعوض. فشبه به
رعاع الناس، يقال: هم همج هامج. على التأكيد.
وقوله قبله: (يريدون أن يغصبوهم على أمرهم) الغصب: أخذ
ما لا يجب. وإخراج الأمر عن قريش غصب.
(١) من (ص١).
(٢) ((الصحاح)) ١٢٢٠/٣.
(٣) رواه الخطيب في ((تاريخ بغداد ٣٧٩/٦، والمزي في ((تهذيب الكمال)) ٢٢٠/٢٤
(٤٩٨٩٦) كلاهما عن كميل بن زياد أنه قال: أخذ بيدي أمير المؤمنين على .. به
مطولًا .

٢١٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وروي - كما قال ابن التين - بالعين المهملة والصاد، قال: ولعله من
قولهم فلان أعصب. أي: لا ناصر له. والمعصوب: الضعيف. ومن
قولهم: عصبت الشاة إذا أنكسر أحد قرنيها وأعصبتها أنا. وقيل: هي
التي أنكسر قرنها الداخل، وهو المشاش.
وقال الداودي: معناه: يغصبونهم أمرهم، يعني: من غير مشورة،
وإنما كان الأمر مستقيمًا كلما مات خليفة اختاروا منهم، فلما صار
الأمر إلى السلف عاد ملكًا.
وقوله: (يغلبون على قربك) أي: على القرب منك عند الأجتماع
والمزاحمة، وروي بالنون، أي: مثلك. وذكره ابن التين أولًا: على
قربك، وفسره بما سلف، ثم قال: وروي بالنون، وروي بالباء.
خامسها(١): قال ابن عوف: (وأن لا يعوها ولا يضعوها على
مواضعها)، يدل أنه لا يجب أن يوضع دقيق العلم إلا عند أهل الفهم
له والمعرفة بمواضعه دون العوام والجهلة.
وقوله: (يطيرونها عند كل مطير) أي: تتأول على غير وجهها .
وفيه: دليل أنه لا يجب أن يحدث بحديث يسبق منه إلى الجهال
الإنكار لمعناه، لما يخشى من افتراق الكلمة في تأويله.
سادسها: قوله: (فأمهل حتى تقدم المدينة .. ) إلى آخره. فيه: دليل
على أن أهل المدينة مخصوصون بالعلم والفهم، ألا ترى اتفاق عمر مع
عبد الرحمن على ذلك ورجوعه إلى رأيه.
وفيه: الحض على المسارعة إلى استماع العلم، وأن الفضل في
القرب من العالم.
(١) هكذا مكررة في الأصل.

٢١٩
= كِتَابُ الرَّجُمِ
سابعها: قوله: لسعيد بن زيد (ليقولن العشية مقالة لم يقلها) أراد به
أن ينبهه ليحضر فهمه لذلك، وأما إنكار سعيد عليه فلعلمه باستقرار
الأمور من السنن والفرائض عندهم.
وقوله: (فمن عقلها ووعاها فليحدث بها) يعني: على حسب ما وعى
وعقل.
وفيه: الحض لأهل الفهم والضبط للعلم على تبليغه ونشره، وفي
قوله: (ومن خشي أن لا يعقلها فلا أحل لأحد أن يكذب عليَّ) النهي
لأهل التقصير والجهل عن الحديث بما لا يعلمونه، ولا ضبطوه.
وقوله قبل ذلك: (فقدمنا المدينة في عقب ذي الحجة). يقال: جاء
في عقب الشهر، وعلى عقبه. بفتح العين وكسر الباء إذا جاء وقد بقي منه
بقية، ويقال: جاء في عقب الشهر، وفي عقبه .. بضم العين وإسكان
القاف إذا جاء بعد تمامه.
وقوله بعده: (فلما كان يوم الجمعة عجلت الرواح حين زاغت
الشمس).
فيه: دلالة لمن قال: إن الساعات المذكورة في قوله: ((من راح في
الساعة الأولى فكأنما قرب ... )) (١) كذا إلى آخره. أن ذلك في الساعة
السابعة، وهو وجه عندنا وقول مالك، والأصح عندنا: إنها من أول
النهار، وبه قال ابن حبيب منهم.
وقوله لسعيد بن زيد: (ليقولن العشية مقالة). أراد أن ينبهه ليحضر
فهمه على ما يقوله؛ لعلمه باستقرار الأمور من الفرائض والسنن.
وفيه: دليل أن (عشية): من الرواح إلى الليل.
(١) سلف برقم (٨٨١).

٢٢٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وقوله: (لعلها بين يدي أجلي) قال الداودي: يريد عند أجلي، وكان
كذلك، ومات في ذلك الشهر وكان رأى رؤيا أن ديكًا نقره في بطنه ثلاث
نقرات، فقيل له: علج يطعنك. وقال كعب: والله لا ينسلخ ذو الحجة
حتى يدخل الجنة.
ثامنها: إدخاله في هذا الحديث آية الرجم، وأنها نزلت على رسول الله
وَّ﴿ وقرئت وعمل بها، ثم قوله: (لا ترغبوا عن آبائكم). أنه كان أيضًا من
القرآن ورفع خطه وبقي (حكمه)(١)، فمعنى ذلك أنه لا يجب لأحد أن
يتنطع فيما لا نص له فيه من القرآن، وفيما لا يعلم من سنته، ويقرر
برأيه، فيقول ما لا يحل له بما سولت له نفسه الأمارة بالسوء، وبما نزغ
به الشيطان في قلبه حتى يسأل أهل العلم بالكتاب والسنة (عنه كما)(٢)
تنطع الذي قد قال: لو قد مات عمر لبايعت فلانًا. لما لم يجد الخلافة
في قريش مرسومة في الكتاب، فعرفه عمر أن الفرائض والقرآن منه
ما ثبت حكمه عند أهل العلم به ورفع خطه، فلذلك قدم عمر هاتين
القضيتين اللتين لا نص لهما في القرآن، وقد كانتا فيه، ولا يعلم ثبات
حكمهما إلا أهل العلم، كما لا يعرف أهل بيت الخلافة (ولمن)(٣)
تجب إلا من عرف مثل هذا الذي يجهله کثیر من الناس.
تاسعها: في قول عمر : (أخشى إن طال بالناس زمان) دلالة على
دروس العلم مع مرور الزمان، ووجود الجاهلين السبيل إلى التأويل بغير
علم فيضلوا (ويضلوا) (٤) كما قال التعليئلة.
(١) ليست في الأصل، والمثبت من الهامش حيث قال: ولعله سقط: حكمه.
(٢) في الأصل: (عندما)، والمثبت من ابن بطال ٤٥٩/٨.
(٣) في الأصل: (ولم)، والمثبت من المصدر السابق.
(٤) من (ص١).