النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
= ڪِتَابُ الرَّحْمِ
إلا بإجماع لا تنازع فيه، أو بسنة لا مدفع لها، أو يكون التدافع في
الآيتين غير ممكن فيهما استعمالهما، ولا أستعمال أحدهما إلا بدفع
الأخرى، فيعلم أنها ناسخة لها(١).
وكذا قال ابن القصار: لو صح عندي النقل بذلك عن ابن عباس
لقلت بالنسخ في الآية، ولكن لا أعلم فيه نقلًا يعتمد، وإنما هو نسخ
بالتأويل، كذا قال، وسندها عند ابن عبد البر غير صحيح.
وقال النحاس: الرواية عنه في هذا مستقيمة(٢). ولا فرق عندي بين
قوله في الآية التي زعموا أنها منسوخة: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُم
بِاَلْقِسْطِ﴾، وبين قوله في الآية الناسخة: ﴿وَأَنِ أَحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ﴾
[المائدة: ٤٩]، والتخيير المتقدم قبل الآية الأولى نازل على هذِه،
وهذه الآية الثانية أيضًا على حكم التخيير الأول، وهذا مبني على
أصل، وذلك أن من صالحنا من أهل الذمة لا يخلو أن يشترطوا علينا
عدم الحكم أو وجوده بحكمهم أو بحكمنا، أو لا يقع شرط، فما كان
من شرط وجب الوفاء به، وقد شرط كفار قريش على الشارع أمورًا
عظيمة فالتزمها لهم، ووفَّى لهم حتى غدروا، فأما ما لم يكن بشرط
وترافعوا إلينا، فالإمام مخير بين الحكم بما أنزل الله أو الصرف.
فصل :
وقد أسلفنا اختلاف العلماء أيضًا في أهل الذمة إذا زنوا هل يرجمون
إذا رفعوا إلينا؟ فقال مالك: إذا زنوا أو شربوا، فلا يعرض لهم الإمام
إلا أن يظهروا ذلك في ديار المسلمين فيدخلوا عليهم الضرر، فيمنعهم
(١) ((الاستذكار)) ١٢/٢٤-١٦.
(٢) ((الناسخ والمنسوخ)) ٢٩٤/٢.

١٨٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ===
السلطان من الإضرار بالمسلمين. قال مالك: وإنما رجم الشارع
اليهوديين؛ لأنه لم يكن لليهود يومئذٍ ذمة وتحاكموا إليه. (ونقل
ابن الطلاع في ((أقضيته)) أنهم أهل ذمة)(١). وقال الزجاج في
((معانيه)): كانا من أهل خيبر.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: يحدون إذا زنوا كحد المسلم، وهو أحد
قولي الشافعي، ولما ذكر الطحاوي قول مالك: لم يكن لهم ذمة، قال:
لو لم يكن واجبًا عليهم لما أقامه التَّها، قال: وإذا كان من لا ذمة له قد
حد في الزنا، فمن له ذمة أحرى بذلك. قال: ولم يختلفوا أن الذمي
يقطع في السرقة، قال ابن عبد البر: وقال بعض من رأى أن آية
التخيير في الحكم بين أهل الذمة منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَأَنِ أَحْكُم
بَيْنَهُم﴾ [المائدة: ٤٩] على الإمام إذا علم من أهل الذمة حدًّا من حدود
الله أن يقيمه عليهم وإن لم يتحاكموا إليه؛ لأن الله يقول: ﴿وَأَنِ أَحْكُمْ
بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اُللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] ولم يقل: إذا تحاكموا إليك، قالوا:
والسنة تبين ذلك. يعني قول البراء: مر رسول الله وَيل بيهودي محمم
فدعاهم، الحديث(٢). كما ساقه أبو داود. وفيه: أنه حكم بينهم (٣)،
ولم يتحاكموا إليه، لكن في حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن
اليهود أتوه (٤)، وليس فيه أنهما رضيا بحكمه، وقد رجمهما، وسيكون
لنا عودة إلى ذلك في بابه - إن شاء الله تعالى- حيث ذكره البخاري.
(١) من (ص١).
(٢) ((الاستذكار)) ١٧/٢٤-١٨.
(٣) رواه أبو داود (٤٤٤٧).
(٤) المصدر السابق (٤٤٤٦).

١٨٣
كِتَابُ الرَّحْمِ
=
٢٥- باب الرَّجْمِ بِالْمُصَلَّى
٦٨٢٠ - حَدَّثَنِي ◌َحْمُودٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي
سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ جَاءَ النَّبِيَّ وََِّّ فَاعْتَرَفَ بِالزَّنَا، فَأَعْرَضَ عَنْهُ
النَّبِيُّ ◌ََّ حَتَّى شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((أَبِكَ جُنُونٌ؟)).
قَالَ: لَا. قَالَ: ((آحْصَنْتَ؟)). قَالَ: نَعَمْ. فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ بِالْصَلَّى، فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الِحِجَارَةُ
خَيْرَا وَصَلَّى عَلَيْهِ. لَمْ يَقُلْ يُونُسُ
صَد اله
عاليا
فَ، فَأُدْرِكَ فَرَجِمَ حَتَّى مَاتَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ
وسام
وَابْنُ جُرَئِجٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: فَصَلَّى عَلَيْهِ. [انظر: ٥٢٧٠ - مسلم: ١٦٩١ - فتح ١٢ / ١٢٩].
ذكر فيه حديث جَابِرِ هِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ .. الحديث.
وقد أسلفناه في أثناء باب: لا يُرجم المجنون والمجنونة وتكلمنا
على ما فيه. والمصلى هنا مصلى الجنائز يوضحه ما في الرواية
الأخرى: بقيع الغرقد، واعترض ابن بطال وابن التين على تبويبه
فقالا: لا معنى لهذا التبويب، والرجم في المصلى كالرجم في سائر
المواضع وإنما يذكر بذلك؛ لأنه مذكور في الحديث(١).
وهذا الرجل المعترف هو ماعز بن مالك الأسلمي، وقد سلف
ذكره، وروى يزيد بن هارون، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن
المسيب أن ماعز بن مالك أتى إلى أبي بكر الصديق فأخبره أنه زنى،
فقال له أبو بكر: هل ذكرت ذلك لأحد؟ قال: لا. قال أبو بكر:
استتر بستر الله، وتب إلى الله، فإن الناس يعيرون ولا يغيرون، وإن
الله يقبل التوبة عن عباده، فلم تقره نفسه حتى أتى إلى عمر، فقال له
مثل ما قال لأبي بكر (فقال له عمر مثل ما قال له أبو بكر)(٢) فلم
(١) ((شرح ابن بطال)) ٤٣٩/٨.
(٢) من (ص١).

١٨٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
تقره نفسه حتى أتى رسول الله وَالر وذكر الحديث(١).
فصل :
وفيه من الفقه: جواز رجم الثيب بلا جلد، وعليه فقهاء الأمصار(٢)
حيث لم يجلده الشارع وكذا في قصة الأسلمية، وخالف فيه أحمد (٣)
وإسحاق بن راهويه(٤) وأهل الظاهر(٥) وابن المنذر، فقالوا بالجمع.
وروي مثله عن علي (٦) وأبي (٧) والحسن بن أبي الحسن(٨) والحسن
ابن حي .
واحتجوا بحديث ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر أن رجلًا
زنى فأمر به رسول الله ◌َّ فُجدد، ثم أخبر أنه كان أحصن فأمر به
فرجم(٩)، وقالوا: هكذا حد المحصن، وبحديث عبادة بن الصامت
: ((والثيب بالثيب جلد مائة))(١٠) .
حجة الجماعة: عمر بن الخطاب والزهري، ومالك في أهل
المدينة، والأوزاعي في أهل الشام وسفيان وأبو حنيفة وأهل الكوفة
(١) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٥٣٢/٥ من طريق يزيد بن هارون، به والحديث
في (الموطأ)) ص ٥١٢ رواه مالك من طريق قيس بن سعيد، به.
(٢) ((الإشراف على مذاهب أهل العلم)) ٣/ ٧.
(٣)
(المغنى)) ٣٠٨/١٢.
(٤)
((المغني)) ٣١٣/١٢.
(٥)
((المحلى)) ٢٣٣/١١-٢٣٧.
(٦) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٥٣٦/٥ (٢٨٧٨٥).
(٧) ابن أبي شيبة ٥٣٦/٥ (٢٨٧٧٩).
(٨) ((الإشراف)) ٣/ ٧.
(٩) رواه أبو داود (٤٤٣٨) من طريق قتيبة عن ابن وهب عن ابن جريج به .
(١٠) مسلم (١٦٩٠) كتاب الحدود، باب حد الزنا.

١٨٥
= ڪِتَابُ الرَّحْمِ
والشافعي وأصحابه ما عدا ابن المنذر: أنه يجوز أن يكون إنما جلده
لعدم علمه بإحصانه، فلما علم به رجمه، وحديث عبادة منسوخ
بحديث ماعز والعسيف؛ لأنه التَّ رجمهما ولم يجلدهما، فثبت أن
هُذا حكم ناسخ لما قبله، كذا في كتاب ابن بطال(١) عنه، وفي (
(سننه)))(٢): فرماها التَّفي بمثل الحمصة(٣). يعني الغامدية. وروي
أيضًا: بجلاميد الحرة(٤). وبوظيف البعير.
فصل :
قال النسائي: ليس في شيء من الأحاديث قدر الحجر الذي يرمي
به، قلت: أسلفنا رميه بالجلاميد، وهي الصخور الكبار، واحدها جلمود
وجلمد بفتح الجيم أيضًا، قال: وقال مالك: لا يرمي بالصخور العظام،
ويأمر الإمام بذلك ولا يتولاه بنفسه، ولا يُرفع عنه حتى يموت، ويخلى
بينه وبين أهله يغسلونه ويصلون عليه، ولا يصلي عليه الإمام ردعًا لأهل
المعاصي، ولئلا يجترئ الناس على مثل فعله إذا رأوا أنه ممن لا يصلي
عليه الإمام لعظم ذنبه، وفي حديث جابر أنه اللّه صلى عليه من
رواية معمر عن الزهري، ففيه حجة لمن قال من العلماء أن للإمام أن
يصلي عليه إن شاء، وهو محمد بن عبد الحكم، وقد سلف كلام
الحفاظ فيه هناك، وروى عمران بن حصين أنه القليئها صلى على
الغامدية(٥) .
(١) ((شرح ابن بطال)) ٨/ ٤٤٠-٤٤١.
(٢) كذا بالأصل.
(٣) أبو داود (٤٤٤٤).
(٤) مسلم (١٦٩٤).
(٥) مسلم (١٦٩٦).

١٨٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
فصل :
قد أسلفنا عن جماعة أن حديث عبادة محكم، وأن أكثر أهل العلم
خالفوه ورأوا نسخه، وجماعة من (صغار)(١) الصحابة رووا حديث
ماعز، وحديث عبادة كان في أول الأمر وبين الروايتين مدة.
قال الشافعي: دلت سنة رسول الله مَّيّ على أن جلد البكرين الحرين
ثابت ومنسوخ عن الثيبين؛ لأن قوله: ((خذوا عني)) من أول ما نزل،
فنسخ به الأذى والحبس عن الزانيين، فلما رجم ماعزًا ولم يجلده
وأمر أنيسًا بامرأة الأسلمي إن اعترفت رجمها، دل على نسخ الجلد
عنهما؛ لأن كل شيء بدأ بعد أول فهو آخر(٢).
وقال أيضًا: لم يكن بين الأحرار في الزنا فرق إلا بالإحصان
بالنكاح، وخلاف الإحصان به، وإذا كان قول رسول الله وَاليوم ((قد
جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام))(٣).
ففي هذا دلالة على أنه أول ما نسخ الحبس عن الزانيين، وهذا بعد
الحبس، وأن كلَّ حد حده الزانيان فلا يكون إلا بعد هذا إذا كان هذا
أول حد الزانيين.
ونقل ابن عبد البر عن أبي بكر وعمر أنهما رجما ولم يجلدا(٤)،
لكن روى ابن أبي شيبة عن حفص بن غياث، ثنا أشعث، عن ابن
سيرين قال: كان عمر يرجم ويجلد، وكان علي يرجم ويجلد(٥).
(١) من (ص١).
(٢) ((معرفة السنن والآثار)) للبيهقي ٢٧٤/١٢.
(٣) سبق تخريجه من حديث عبادة بن الصامت.
(٤) ((التمهيد)) ٩/ ٨٠.
(٥) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٥٣٦/٥ (٢٨٧٨١).

١٨٧
كِتَابُ الرَّجُمِ
=
وفي رجم الغامدية دون جلدها أدل دليل على نسخ حديث عبادة؛
لأنه كان في حين نزول الآية في الزناة، وذلك أنهم كانت عقوبتهم
الإمساك في البيوت، فلما نزلت آية الجلد التي في سورة النور قام
التَّ فقال ((خذوا عني)) كما سلف من حديث عبادة، فكان هذا في
أول الأمر، ثم رجم الدَّر جماعة ولم يجلدهم معه.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: (كانت المرأة)(١) إذا زنت حُبست
في البيت حتى تموت (٢)، وكان الرجل إذا زنى أوذي بالتعيير وضرب
النعال(٣) فأنزل الله: ﴿فَجْلِدُواْ﴾ الآية [النور: ٢].
قال ابن عبد البر: وثم قول ثالث، وهو أن الثيب من الزناة إذا كان
شابًّا رُجم، وإن كان شيخًا جُلد ورجم، روي ذلك عن مسروق، وقالت
به فرقة من أهل الحديث، وهو قول ضعيف لا أصل له (٤)، وحكاه
ابن حزم عن أبي ذر وأبي بن كعب(٥).
فصل :
جاء في بعض طرق حديث ماعز: حتى ثنى (٦) عليه أربع مرات(٧).
وهو بفتح النون، أي: كرره أربعًا، وجاء أن الآخر زنى هو بهمزة
مقصورة، وكسر الخاء ومعناه الأرذل أو الأبعد أو الأدنى أو اللئيم
(١) من (ص١).
(٢) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٦٣٤/٣.
(٣) المصدر السابق ٦٣٨/٣.
(٤) ((الاستذكار)) ٥٢/٢٤.
(٥) ((المحلى)) ٢٣٤/١١.
(٦) ورد بهامش الأصل: ينبغي أن يقول: بتخفيف النون كما قاله النووي ((شرح مسلم))
وهذا اللفظ في مسلم.
(٧) (صحيح مسلم)) (١٦٩١).

١٨٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
أو الشقي، وكله متقارب، ومراده نفسه فحدها، لاسيما وقد فعل هذه
الفعلة القبيحة.
وقوله هنا: (فرجم حتى مات) وجاء معناه: حتى سكت وهو بالتاء
على الأشهر الأصوب لا بالنون والمعنى: مات.

١٨٩
كِتَابُ الرَّجُمِ
٢٦- باب مَنْ أَصَابَ ذَنْبًا دُونَ الحَدِّ فَأَخْبَرَ
الإِمَامَ فَلَا عُقُوبَةَ عَلَيْهِ بَعْدَ التَّوْبَةِ إِذَا جَاءَ مُسْتَفْتِيًّا
قَالَ عَطَاءٌ: لَمْ يُعَاقِبْهُ النَّبِيُّ ◌َّهِ. وَقَالَ ابن جُرَيْجٍ: وَلَمْ
يُعَاقِبِ الذِي جَامَعَ فِي رَمَضَانَ، وَلَمْ يُعَاقِبْ عُمَرُ صَاحِبَ
الظَّبْىٍ، وَفِيهِ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنِ ابن مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ
٦٨٢١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ أَنَّ رَجُلًا وَقَعَ بِامْرَأَتِهِ فِي رَمَضَانَ، فَاسْتَفْتَى رَسُولَ اللهِوَةِ، فَقَالَ:
((هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً؟». قَالَ: لَا. قَالَ: ((هَلْ تَسْتَطِيعُ صِيَامَ شَهْرَيْنِ؟)). قَالَ: لَا. قَالَ:
((فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا)). [انظر: ١٩٣٦ - مسلم: ١١١١ - فتح ١٢ / ١٣١].
٦٨٢٢ - وَقَالَ اللَّيْثُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الَحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ
مُحَمَّدِ بْنِ جَغْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ: أَتَى رَجُلٌ
النَّبِيَّ وََّ فِي المَسْجِدِ قَالَ: أَخْتَرَقْتُ. قَالَ: (مِمَّ ذَالَكَ؟)). قَالَ: وَقَعْتُ بِامْرَأَتِيٍ فِي
رَمَضَانَ. قَالَ لَهُ: (تَصَدَّقْ)). قَالَ: مَا عِنْدِي شَىءٍ. فَجَلَسَ وَأَتَاهُ إِنْسَانٌ يَسُوقُ حِمَارًا
وَمَعَهُ طَعَامٌ - قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: مَا أَذْرِي مَا هُوَ - إِلَى النَّبِيِّ وَّ، فَقَالَ: ((أَيْنَ
المُحْتَرِقُ؟)). فَقَالَ: هَا أَنَا ذَا. قَالَ: ((خُذْ هذا فَتَصَدَّقْ بِهِ)). قَالَ: عَلَى أَخْوَجَ مِنِّي؟
مَا لِأَهْلِي طَعَامٌ. قَالَ: ((فَكُلُوهُ)). [انظر: ١٩٣٥ - مسلم: ١١١٢ - فتح ١٢ /١٣٢]. قَالَ
أَبُو عَبْدِ اللهِ: الَحَدِيثُ الأَوَّلُ أَنْيَنُ، قَوْلُهُ: ((أَطْعِمْ أَهْلَكَ)).
ثم ساق حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عُه في المواقع أهله في رمضان. وقد
سلف في الصوم وغيره.
وفي آخره: قَالَ: عَلَى أَحْوَجَ مِنِّي؟ مَا لأَهْلِي طَعَامٌ. قَالَ: ((فَكُلُوهُ)) .

١٩٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وفي بعض النسخ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: الحَدِيثُ الأَوَّلُ أَبْيَنُ.
قَوْلُهُ: ((أَطْعِمْه أَهْلَكَ)) قول عطاء: كان مراده حديث المجامع أيضًا
كقول ابن جريج، ويجوز أن يريد حديث ابن مسعود أيضًا، وقال
الداودي: لعله يريد الذي قال: أتيت أمرأة ففعلت بها كل شيء
إلا (اللواط) (١)، وحديث أبي عثمان، عن ابن مسعود المشار إليه فهو
أبين شيء في الباب، وقد ساقه بطوله في باب: الصلاة كفارة، في
الرجل الذي أصاب من امرأة قبلة، فأخبره فنزل: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفَيِ
النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ الَّيْلِ﴾ (٢) [هود: ١١٤] وفي رواية: ((قم فصل ركعتين))،
وفي أخرى: فأقم علي ما شئت(٣). الحديث.
وقد أجمع العلماء -فيما حكاه ابن بطال -: أن من أصاب ذنبًا فيه
حد أنه لا ترفعه التوبة، ولا يجوز للإمام إذا بلغه العفو عنه. ومن التوبة
عندهم أن يطهر ويكفر بالحد إلا الشافعي، فذكر عنه ابن المنذر أنه قال:
إذا تاب قبل أن يُقام عليه الحد سقط عنه.
قلت: مراده بالنسبة إلى الباطن، أما بالنسبة إلى الظاهر فالأظهر من
مذهبه عدم سقوطه.
وأما من أصاب ذنبًا دون الحد ثم جاء (تائبًا)(٤) فتوبته تُسقط عنه
العقوبة، وليس للسلطان الاعتراض عليه، بل يؤكد بصيرته في التوبة
ويأمره بها، لينتشر ذلك فيتوب المذنب.
(١) كذا بالأصل.
(٢) سلف برقم (٥٢٦).
(٣) رواها أبو داود (٤٤٦٨).
(٤) في الأصل: مستفتيًا، والمثبت من (ص١).

١٩١
كِتَابُ الرَّجُمِ
=
ألا ترى أنه الصَّ لما فهم من المجامع في رمضان الندم على فعله من
صورة فزعه وقوله: (احترقت). لم يعاقبه ولا ذنَّبه، بل أعطاه ما يكفر
به (١)، وقد قال للرجل الذي قال: إني أصبت حدًّا فأقمه عليَّ:
((أليس قد صليت معنا؟)) فلم يستكشفه عنه، فدل أن الستر أولى؛ لأن
في الكشف عنه نوع تجسس المنهي عنه وجعلها شبهةً دارئةً للحد،
وجائز أن يظن ما ليس بحد حدًّا، فكان ذلك مما يكفر بالوضوء
والصلاة، وأطلع الله رسوله على ذلك، ولما لم يعم بالكناية دون
الإفصاح وجب ألا يكشف عليه؛ لأن الحد لا يقام بالشبهة بل يدرأ
بها، وحجة كونها غير ساقطة للحد إخبار الشارع عن توبة الجهنية
والغامدية(٢) وإقامة الحد عليهما، والسقوط خاص بالمحاربين دون
غيرهم، ولا يحتج في ذلك بحديث أنس الآتي في الباب بعد، حيث
قال: أصبت حدًّا، لما أسلفنا من احتمال أنه ظنه حدًّا وليس بحد،
وقال الخطابي: يحتمل أن يكون الله أوحى إليه أنه قد غفر له ذنبه ولو
أفصح بذكر الحد لأقامه عليه ولم يعف عنه(٣).
فصل :
ولم يعاقب عمر صاحب الظبي، يعني: حيث حكم على قبيصة بن
جابر في الظبي بشاة، وهو وعبد الرحمن بن عوف، فقال قبيصة: قلت
يا أمير المؤمنين إن أمره أهون من أن تدعو أحدًا يحكم معك، قال:
(١) ((شرح ابن بطال)) ٤٤٢/٨.
(٢) ورد بهامش الأصل: مقتضى كلام الشيخ محيي الدين أنهما واحدة وذلك أنه قال:
غامد بطن من جهينة ولم يسم الجهنية وسمى الغامدية سُبيعة وقيل: آمنة،
ذكرهما الخطيب.
(٣) ((أعلام الحديث)) ٤/ ٢٣٠٠.

١٩٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
فضربني بالدرة حتى سابقته عدوًا، ثم قال: قتلت الصيد وأنت محرم ثم
تغمض الفتوى.
والقصة أخرجها مالك عن عبد الملك بن (قرير)(١)، عن محمد بن
سيرين أن رجلًا جاء إلى عمر فقال: إني أجريت أنا وصاحب لي فرسين
نستبق إلى ثغرة ثنية فأصبنا ظبيًا ونحن محرمان فماذا ترى؟ فقال عمر
الرجل إلى جنبه: تعال حتى أحكم أنا وأنت قال: فحكما عليه بعنز،
فولى الرجل وهو يقول: هذا أمير المؤمنين، لا يستطيع أن يحكم في
ظبي، حتى دعا رجلًا يحكم معه، فسمع عمر قول الرجل فدعاه
فسأله: هل تقرأ سورة المائدة؟ قال: لا، قال: فهل تعرف هذا
الرجل الذي حكم معي؟ قال: لا، قال: فقال عمر: لو أخبرتني أنك
تقرأ سورة المائدة لأوجعتك ضربًا، ثم قال: إن الله تعالى يقول في
كتابه: ﴿يَحْكُمُ بِهِ، ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ هَدْيًا بَلِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، هذا
عبد الرحمن بن عوف(٢).
ورواها عن عبد الملك بن عمير، عن قبيصة بن جابر قال: خرجنا
حجاجًا فكنا إذا صلينا الغداة أبتدرنا رواحلنا نتماشى ونتحدث،
فبينما نحن ذات غداة إذ سنح لنا ظبي فابتدرناه فابتدرته فرميته بحجر
فأصاب حشاه، فركب (درعه)(٣) فمات، فلما قدمنا مكة سألنا عمر بن
الخطاب وكان حاجًّا وكان جالسًا وإلى جانبه عبد الرحمن بن عوف،
فسأله عن ذلك، فقال: أنا أرى ذلك، قال: فاذهب فأهد شاة
(١) في الأصل: قريب وفوقها: كذا، وبالهامش: لعله قرير.
(٢) ((الموطأ)) ص٢٦٧-٢٦٨.
(٣) في هامش الأصل: سيأتي تفسيره.

١٩٣
- كِتَابُ الرَّجُمِ
فخرجت إلى صاحبي فقلت: إن أمير المؤمنين لم يدر ما يقول حتى سأل
غيره، قال: فلم يفجأنا إلا عمر ومعه الدرة، فعلاني بالدرة فقال: أيقتل
في الحرم ويسفه الحكم؟! قال الله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ، ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾
[المائدة: ٩٥] وأنا عمر، وهذا عبد الرحمن بن عوف (١).
معنى (ركب درعه): خرَّ لوجهه على دمه. فقال: ذلك القتل.
والحشا: ما (أضطمت)(٢) عليه الضلوع، والجمع أحشاء،
والحشوة بالكسر والضم: الأمعاء(٣).
(١) رواه ابن عبد البر في ((الاستذكار)) ٢٧٩/٢٤ -٢٨٠.
(٢) في الأصل: (ضطمت) والمثبت هو الصحيح كما في ((صحاح الجوهري)).
(٣) انظر: ((الصحاح)) ٢٣١٣/٦) (حشا).

١٩٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٢٧- باب إِذَا أَقَرَّ بِالْحَدِّ وَلَمْ يُبَيِّنْ،
هَلْ لِلإِمَامِ أَنْ يَسْتُرَ عَلَيْهِ؟
٦٨٢٣ - حَدَّثَنِي عَبْدُ القُدُّوسِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَاصِمِ الكِلَائِيُّ،
ے
حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَخْيَى، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِ طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ
قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ◌َّةِ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِي أَصَبْتُ حَدّاً
فَأَقِمْهُ عَلَيَّ. قَالَ: وَلْ يَسَلَّهُ عَنْهُ. قَالَ: وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ◌ََّ، فَلَمَّا
قَضَى النَّبِيُّ ◌َِّ الصَّلَاةَ قَامَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الهِ، إِّ أَصَبْتُ حَدّاً فَأَقِمْ فِيَّ
كِتَابَ اللهِ. قَالَ: ((أَلَيْسَ قَدْ صَلَّيْتَ مَعَنَا؟)). قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: ((فَإِنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ
ذَنْبَكَ)). أَوْ قَالَ: ((حَدََّكَ)). [مسلم: ٢٧٦٤ - فتح ١٢/ ١٣٣].
حَدَّثَنِي عَبْدُ القُدُّوسِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَاصِم الكِلَابِيُّ،
ثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ
مَالِكٍ ﴾ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِّ وََّ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي
أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ. (قَالَ)(١): وَلَمْ يَسْأَلْهُ عَنْهُ. وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ
فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ وَّهِ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ وَّهَ الصَّلَاةَ قَامَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَصَبْتُ حَدَّا فَأَقِمْ عليّ فِي كِتَابَ اللهِ. قَالَ:
((أَلَيْسَ قَدْ صَلَّيْتَ مَعَنَا؟)). قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: ((فَإِنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ
ذَنْبَكَ)). أَوْ قَالَ: ((حَدََّ)). قال أبو عبد الله: الرجل جاء تائبًا وصلى.
هذا الحديث سلف الكلام عليه في الباب قبله، وقد أخرجه مسلم
أيضًا في التوبة، ومن الغريب ما ذكره الحافظ أبو بكر أحمد بن هارون
البرديجي في كتابه ((الفصل والوقف))، حيث قال: فأما حديث همام
(١) من (ص١).

١٩٥
كِتَّابُ الرَّجُمِ
الذي رواه عن عمرو بن عاصم عنه، (عن)(١) إسحاق بن عبد الله، عن
أنس أن رجلًا أتى رسول الله وَ له فقال: يا رسول الله إني زنيت فأقم عليَّ
الحد، ثم أقيمت الصلاة فصلى مع رسول الله وَله فقال له الشَّي: «قد كفر
الله عنك بصلاتك)) قال: فهذا عندي حديث منكر، هو عندي وهم من
عمرو بن عاصم، مع أن همامًا كان يحيى بن سعيد لا يرضاه، وهو
عندي صدوق يكتب حديثه، ولا يحتج به، وأبان العطار أمثل منه،
قال: وهذا الحديث ثنا به محمد بن عبد الملك الواسطي، عن
عمرو، هذا كلامه.
(١) من (ص١).

١٩٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٢٨- باب هَلْ يَقُولُ الإِمَامُ لِلْمُقِرِّ:
لَعَلَّكَ لَمَسْتَ أَوْ غَمَزْتَ؟
٦٨٢٤ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ الْجُغْفِيُّ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي
قَالَ: سَمِعْتُ يَعْلَى بْنَ حَكِيمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: لَا
أَتَّى مَاعِزُ بنُ مَالِكِ النَّبِيَّ ◌ِهِ قَالَ لَهُ: (((لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ أَوْ غَمَزْتَ أَوْ نَظَرْتَ؟)). قَالَ:
لَا يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: ((أَنِكْتَهَا؟)). لَا يَكْنِي. قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ بِرَحْمِهِ. [مسلم:
١٦٩٣ - فتح ١٢ / ١٣٥].
ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: لَمَّا أَتَى مَاعِزُ بْنُ
مَالِكٍ رسول الله وَِّ قَالَ لَهُ: ((لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ أَوْ غَمَزْتَ أَوْ نَظَرْتَ؟)).
قَالَ: لَا يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: ((أَنِكْتَهَا؟)). لَا يَكْنِي. قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ
أَمَرَ بِرَجْمِهِ .
الشرح :
هو دال على ما ترجم له، وهو جواز التلقين في الحدود ما يدرأ به
عنه الأذى، ألا ترى أنه العَّه قال له: (لعلك قبلت .. )) إلى آخره ليدرأ عنه
الحد، لفظ الزنا يقع على نظر العين وجميع الجوارح، فلما أتى بلفظ
مشترك لم يحده حتى وقف على صحيح ما أتاه بغير إشكال؛ لأن من
شريعته درء الحدود بالشبهات، فلما أفصح وبين أمر برجمه، وهو دال
على أن الحدود لا تقام إلا بالإفصاح.
ألا ترى أن الشهود لو شهدوا على رجل بالزنا، ولم يقولوا: رأيناه
أولج فيها، كان حكمهم حكم من قذف لا حكم من شهد؛ رفقًا من الله
بعباده وسترًا عليهم ليتوبوا، وقد استعمل التلقين بالإيماء أيضًا الصحابة
الراشدون بعده، عمر وعلي وابن مسعود.

١٩٧
ـ كِتَابُ الرَّجُمِ
روى مالك عن يحيى بن سعيد أن عمر أتاه رجل وهو بالشام، فذكر
أنه وجد مع امرأته رجلًا، فبعث عمر أبا واقد إلى امرأته فسألها عما قال
زوجها لعمر، وأخبرها بأنها لا تؤخذ بقوله، وجعل يلقنها أشباه ذلك
لتنزع، فأبت أن تنزع، فرجمها عمر ﴾(١).
وروى معمر بإسناده أن عمر أُتي برجل، فقيل: إنه سارق، فقال
عمر: إني لأرى يد رجل (ما هو) (٢) بيد سارق، فقال الرجل: والله
ما أنا بسارق فخلى سبيله(٣).
وعن الشعبي قال: أُتي علي # بامرأة يقال لها: شراحة وهي حبلى
من الزنا فقال: ويحك، لعل رجل استكرهك؟ قالت: لا. قال: فلعله
وقع عليك وأنت نائمة؟ قالت: لا. قال: فلعل زوجك من عدونا من أهل
الشام فأنت تكرهي أن يدلي عليك؟ قالت: لا، فجعل يلقنها هذا
وأشباهه (وتقول: لا. فرجمها(٤).
وعن أبي مسعود: أتُي بسارق سرق بعيرًا)(٥)، فقال: هل وجدته؟
قال: نعم. فخلى سبيله(٦)، فهذا وجه التلقين بالتعريض لمن يعرف
الحد وما يلزمه فيه، وأما تلقين الجاهل ومن لا يعرف الكلام فهو
تصريح .
(١) ((الموطأ)) ص ٥١٤.
(٢) هي كذلك في الأصل. وكتب فوقها: كذا.
(٣) ((مصنف عبد الرزاق ١٩٣/١٠ (١٨٧٩٣).
(٤) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ٣٢٦/٧ (١٣٣٥٠).
(٥) من (ص١).
(٦) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٥١٤/٥-٥١٥ (٢٨٥٦٦).

١٩٨
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
روى ابن جريج عن عطاء فقال: كان بعضهم يؤتى بالسارق
فيقول: أسرقت؟ (قل: لا. أسرقت؟ قل: لا. وعلمي أنه سمى
أبا بكر وعمر(١).
وروى شعبة بإسناده عن أبي الدرداء أنه أتي بجارية سوداء سرقت)(٢)
فقيل له: إنها سرقت. فقال لها: أسرقت؟ قولي: لا. قالت: لا . فخلى
سبيلها، فقلت: أنت تلقنها؟!
قال أبو الدرداء: إنها أعترفت وهي لا تدري ما يراد بها(٣).
وقال الأعمش: كان إبراهيم يأمر بطرد المعترفين (٤)، وكان أحمد
وإسحاق يريان تلقين السارق إذا أتي به، وكذلك قال أبو ثور(٥) إذا
كان السارق أمرأة، أو من لا يدري ما يصنع به، أو ما يقول.
قال المهلب: هذا التلقين على اختلاف منازله ليس بسنة لازمة
إلا عند اختيار الإمام لذلك، وله ألا يعرض ولا يلقن لقوله: ((بينة
وإلا حد في ظهرك)).
وأما التلقين الذي لا يحل فتلقين الخصمين في الحقوق، وتداعي
الناس، وكذلك لا يجوز تلقين المنتهك المعروف بذلك إذا تبين ما أقر
به أو شهد عليه، ولم ير الإمام إقامة الحد فيه (٦).
(١) المصدر السابق ٥١٥/٥ (٢٨٥٧١).
(٢) من (ص١).
(٣) ابن أبي شيبة ٥١٤/٥ (٢٨٥٦٥) مختصرًا.
(٤) المصدر السابق ٥٠٧/٥ (٢٨٤٩٠) والبيهقي في ((السنن الكبرى)) ٢٨٦/٨ بلفظ:
قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: آطردوا المعترفين.
(٥) ((المغني)) ١٢/ ٤٦٦ -٤٦٧.
(٦) أنظر ((شرح ابن بطال)) ٨/ ٤٤٤-٤٤٦.

١٩٩
كِتَابُ الرَّجُمِ
وفي ((المدونة)) في السارق إذا شهد عليه بالسرقة - يريد على إقراره-
استحب للإمام أن يقول له شيئًا (١)، وفيها أيضًا أيكشف المقر في الزنا
كما يكشف الشهود؟ قال: لا. واحتج بأنه الشَّيْئا قال: ((أبصاحبكم جنة))
ولم (يمثله)(٢)، ذكره في كتاب الحد في القذف(٣).
(١) ((المدونة)) ٤٢٦/٤-٤٢٧.
(٢) في (ص١): يسأله.
(٣) ((المدونة)) ٣٨٣/٤.

٢٠٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٢٩- باب سُؤَالِ الإِمَامِ المُقِرَّ:
هَلْ أَحْصَنْتَ؟
٦٨٢٥ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ
خَالِدٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنِ ابن المُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَّى رَسُولَ اللهِ
وَّ رَجُلٌ مِنَ النَّاسِ وَهُوَ فِي المَسْجِدِ فَنَادَاهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِ زَنَيْتُ . -يُرِيدُ نَفْسَهُ-
فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ بَّةِ، فَتَنَخَىْ لِشِقِّ وَجْهِهِ الذِي أَعْرَضَ قِبَلَهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ،
إِّ زَنَّيْتُ. فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَجَاءَ لِشِقِّ وَجْهِ النَّبِيِّ ◌َ﴿َ الذِي أَعْرَضَ عَنْهُ، فَلَمَّا شَهِدَ
عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتِ دَعَاهُ النَّبِيُّ ◌َِّ فَقَالَ: ((أَبَِكَ جُنُونٌ؟)). قَالَ: لَا يَا رَسُولَ
اللهِ. فَقَالَ: ((أَحْصَنْتَ؟)). قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: ((اذْهَبُوا فَارْجُمُوهُ)). [انظر:
٥٢٧١- مسلم: ١٦٩١م - فتح ١٢ /١٣٦].
٦٨٢٦ - قَالَ ابن شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرًا قَالَ: فَكُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُ،
فَرَجَمْنَاهُ بِالْصَلَّى، فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الِحِجَارَةُ جَمَزَ، حَتَّى أَدْرَكْنَاهُ بِالْحَرَّةٍ فَرَجَمْنَاهُ. [انظر:
٥٢٧٠- مسلم: ١٦٩١م - فتح ١٣٦/١٢].
ذكر فيه حديث أبي هُرَيْرَةَ ﴾ في قصة ماعز، فإنه التَّئة قال:
((أَحْصَنْتَ؟)). قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: ((اذْهَبُوا بِه فَارْجُمُوهُ)).
ولازم على كل إمام أن يسأل المقر إن كان محصنًا أو غير محصن؛
لأنه التَّه قد فرق بين حد المحصن والبكر، فواجب عليه أن يقف على
ذلك، كما يجب عليه إذا أشكل (إعلام)(١) المقر أن يسأله.
ثم بعد ذلك يلزمه تصديق كل واحد منهما؛ لأن الحد لا يقام
إلا باليقين، ولا يحل فيه التجسس.
(١) في الأصل: احتلام. والمثبت من (ص١).