النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ كِتَابُ الرَّجُمِ هزال، فأمره هزال أن يأتي رسول الله فيخبره فوقع ما وقع. فصل : فيه الرجم من غير جلد، وخالف فيه مسروق وأهل الظاهر في الجمع . فصل : معنى (أذلقته): أحرقته، كما جاء في رواية: وأوجعته، قال الداودي، وقال ابن فارس: الإذلاق: سرعة الرمي(١)، وعبارة غيره: بلغت منه الجهد حتى ذلق، وهو بالذال المعجمة والقاف، وفي حديث عائشة رضي الله عنها أنها كانت تصوم في السفر حتى أذلقتها السموم أي: أذابتها، ويقال: جهدتها . قال ابن الأعرابي: أذلقه الصوم: أضعفه. ويروى أن أيوب العلئلا قال في مناجاته: أذلقني البلاء، فتكلمت. أي: جهدني، وكل ما آذاك فقد أذلقك. وفي ((الصحاح)): الذلق بالتحريك: القلق، وقد ذلق بالكسر، وأذلقته، وأما (ذلق)(٢) بالتسكين من كل شيء: حده(٣). وقال بعضهم: هو بدال مهملة، ومعناه: خروج الشيء من موضعه بسرعة، يقال: دلق السيف من غمده: إذا خرج بسرعة لم يسله، ويقال: دلق السيل على القوم: إذا خرج عليهم ولم يشعروا به، فكأن الحجارة آتية من كل مكان كالسيل إذا ظهر على الوادي فلا يدرى من أين جاء. (١) ((مجمل اللغة)) ٣٦٠/١ مادة (ذلق). (٢) في الأصول: ذالق. والمثبت من ((الصحاح)). (٣) ((الصحاح)) ١٤٧٩/٤. ١٦٢ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح فصل : في نبذ من فوائد حديث الباب: البخاري أخرجه من طريق ابن شهاب عن أبي سلمة وسعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، وفي آخره: قال ابن شهاب: فأخبرني من سمع جابر بن عبد الله قال: فكنت فيمن رجمه .. الحديث. الظاهر أن المحدث لابن شهاب أبو سلمة، كما أخرجه بعد في باب الرجم بالمصلى، حيث ساقه من حديث معمر عن الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر، وفي آخره: فقال له الظّهر: ((خيرًا)) وصلى عليه. ولم يقل يونس وابن جريج عن الزهري: فصلى عليه. وفي بعض نسخ البخاري: سئل أبو عبد الله: فصلى عليه يصح؟، قال: رواه معمر. قيل له: رواه غير معمر؟ قال: لا (١). ثم ساقه -في باب رجم المحصن- البخاري من حديث يونس عن الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر(٢) . ومتابعة ابن جريج أخرجها مسلم، حدثنا إسحاق، ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن ابن جريج، عن الزهري، عن أبي سلمة فذكره(٣). وقال البيهقي قوله: (فصلى عليه) خطأ لإجماع أصحاب عبد الرزاق على خلافه، ثم إجماع أصحاب الزهري على خلافه (٤). وقال غيره: قد أضطرب في ذلك، ففي حديث أبي سعيد: فما أستغفر له رسول الله وَل ولا سبه، وفيه: فما حفرنا له(٥) . (١) سيأتي برقم (٦٨٢٠) (٢) سلف قريبًا برقم (٦٨١٤). (٣) مسلم (١٦٩١) كتاب الحدود، باب من أعترف على نفسه بالزنا. (٤) ((معرفة السنن والآثار)) ٣٠٢/١٢. (٥) رواه مسلم (٢٠/١٦٩٤). ١٦٣ ـ كِتَابُ الرَّحْمِ وقال أبو داود: ولم يصل عليه(١). وأخرج له مسلم من حديث بريدة مطولًا، وفيه طلب الاستغفار له، وفي آخره: ((لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم))(٢)، وفيه: أنه حفر له حفرة، وفي رواية له في قصة الغامدية: ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها ثم أمر الناس فرجموها (٣). وفي رواية من حديث نعيم بن هزال أن المزني بها كانت جارية لهزال ترعى يقال لها فاطمة، وفي ((السنن)) لأبي قرة: قال ابن جريج: اختلفوا، فقائل يقول: ربط ماعز إلى شجرة، وفيها: أنه طول في الأوليين من الظهر حتى كاد الناس يعجزون عنها من طول الصلاة. وفيها: رماه ابن الخطاب بلَحْي بعير فأصاب رأسه فقتله. وفيها: فقيل يا رسول الله أنصلي عليه؟ قال: ((لا)) وفي الغد طول أيضًا، وقال: صلوا على صاحبكم، فصلى عليه رسول الله ◌َ له والناس. وفي ((سنن)) الكجي من حديث اللجلاج: ((لا تقولوا خبيث، لهو عند الله أطيب من ريح المسك))(٤)، وفي ((مسند عبد الله (بن وهب)(٥)) من حديث يزيد بن نعيم بن هزال فلقيت عبد الله بن أنيس وهو نازل من مأدبته وأخذ له وظيفا (٦) من بعير فرماه به فقتله، وفيه من حديث أبي ذر أنه قال له: ((ألم تر إلى صاحبكم قد غفر له وأدخل الجنة))(٧). (١) أبو داود (٤٤٢١). (٢) مسلم (١٦٩٥/ ٢٢). (٣) المصدر السابق (٢٣/١٦٩٥). (٤) رواه أبو داود (٤٤٣٥). (٥) من (ص١). (٦) الوظيف: مستدق الذراع. أنظر: ((القاموس المحيط)) ص ٨٦٠. (٧) رواه أحمد ١٧٩/٥. ١٦٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وفي (((علل)(١) الترمذي المفردة)) من حديث أبي الفيل أنه التَّه قال: ((لا تشتمه)) يعني ماعز بن مالك، ثم قال: سألت البخاري عنه فقال: لا أعلم أحدًا رواه عن سماك غير الوليد بن أبي ذر. قلت له: أبو الفيل له صحبة؟ قال: لا أدري، ولا أعرف أسمه ولا يُعرف له غير هذا الحديث الواحد(٢). قال ابن عبد البر: وروى قصة ماعز في قصة اعترافه بالزنا ورجمه عن رسول الله صَلّ ابنُ عباس وجابر بن عبد الله وابن سمرة وسهل بن سعد ونعيم بن هزال وأبو سعيد الخدري، وفي أكثرها أنه أعترف أربع مرات، وفي بعضها: مرتين، وفي بعضها: ثلاثًا(٣). قلت: ورواها أيضًا الصديق أخرجها الترمذي في ((علله المفردة)) (٤)، وأبو بردة أخرجها ابن أبي شيبة في ((مصنفه))(٥)، (وعلي)(٦) وأبو ذر -أخرجه ابن وهب- واللجلاج وأبو الفيل كما سلف. فصل : روى أبو داود من حديث سهل بن سعد عن رسول الله وَ له أن رجلًا أتاه فأقر عنده أنه زنى بامرأة سماها، فبعث النبي وَّ إلى المرأة فسألها عن ذلك فأنكرت أن تكون زنت، فجلده الحد وتركها(٧). (١) من (ص١). (٢) ((علل الترمذي)) ٥٩٨/٢-٥٩٩. (٣) ((التمهيد)) ١٠٦/١٢. (٤) ((علل الترمذي)) ٢/ ٥٩٧. (٥) ((المصنف)) ٥٣٣/٥. (٦) من (ص١). (٧) أبو داود (٤٤٦٦). ١٦٥ كِتَابُ الرَّجْمِ = فصل : تكراره الكي ماعزًا ليعرض له بالرجوع، وقال البيهقي: لم يكن الاشتراط التكرار في الاعتراف، ولكنه كان يستنكر عقله، فلما عرف صحته أستفسر منه الزنا، فلما فسره أمر برجمه(١)؛ ولهذا قال في حديث ابن عباس في البخاري كما سيأتي: ((أنكتها؟)) - لا يكني(٢). ونقل ابن حزم عن طائفة الأكتفاء بمرة في الحدود، وأنه قول الحسن بن حي وحماد بن أبي سليمان وعثمان البتي ومالك والشافعي وأبي ثور وأبي سليمان وجميع أصحابهم. وعن طائفة أخرى: لا يقام على أحد حد الزنا بإقراره حتى (يقر)(٣) أربع مرات، ولا يقام عليه حد القطع والسرقة حتى يقر به مرتين، وحد الخمر كذلك، وفي القذف واحدة، وأنه مروي عن أبي يوسف(٤). وأنه لما ذكر ابن حزم حديث الغامدية قال: فيه البيان الجلي من الشارع لأي شيء رد ماعزا، وأنه لا يحتاج إلى ترديدها لظهور ما أقرت به، فدل على أن ترديده ما كان للإقرار، وإنما كان لتهمة عقله أو أنه لا يدريه. قال: وحديث [ابن مضاض، فإن ابن مضاض مجهول](٥) لا يدرى من هو - عن أبي هريرة في ترداد ماعز أربعًا (٦). قلت: صوابه عبد الرحمن بن الهضهاض. (١) ((معرفة السنن والآثار)) ٣٠٥/١٢. (٢) سيأتي برقم (٦٨٢٤). (٣) في الأصل يقول، والمثبت من (ص١). (٤) ((المحلى)) ١٧٦/١١. (٥) كتبت في الأصل: ابن مضاف، وابن مضاف فيه مجهول. والمثبت من ((المحلى)). (٦) ((المحلى)) ١٧٨/١١-١٧٩ بتصرف. ١٦٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = قال أبو حاتم: وهو أصح من (هضاض)(١)(٢). وذكر الخلاف البخاري في ((تاريخه))، وقال عبد الرزاق: ابن الصامت حديثه في أهل الحجاز ليس يعرف إلا بهذا (الوجه)(٣) (٤)، وذكره مسلم في ((طبقاته)) في الطبقة الأولى من أهل المدينة. وقال: عبد الرحمن بن صامت ابن عم أبي هريرة، وقال حماد بن سلمة: ابن هياض، وقال بعضهم: (هضهاض) (٥)، وزاد في كتاب ((الوحدان)) هضابًا، ثم قال: الله أعلم أيهم الحافظ للصواب. وذكره ابن حبان في ((ثقاته))(٦). وقال مسلمة بن القاسم في كتابه: معروف، قال: وقد جاء عن أبي هريرة حسن صحيح ببيان بطلان ظنهم، ثم ساقه من حديث عبد الرحمن بن الصامت عن أبي هريرة أنه سمعه يقول: جاء الأسلمي إلى رسول الله وَّر فشهد على نفسه أربع مرات بالزنا، يقول: أتيت أمرأة حرامًا. كل ذلك يعرض عنه رسول الله وَّر، فأقبل في الخامسة فقال: ((أنكحتها؟)) قال: نعم. قال: ((فهل تدري ما الزنا؟)) قال: نعم، أتيت منها حرامًا ما يأتي الرجل من أهله حلالً. قال: ((فما تريد بهذا القول؟)) قال: أريد أن تطهرني. قال: فأمر به فرجم، فهذا خبر صحيح. (١) في الأصل: (ابن هضهاض). والمثبت من (ص١). (٢) ((الجرح والتعديل)) ٢٩٧/٥. (٣) في (ص١): (الواحد). (٤) ((التاريخ الكبير)) ٣٦١/٥، قول عبد الرزاق عن ابن جريج عن أبي الزبير. ((مصنف عبد الرزاق)) ٣٢٢/٧. (٥) في (ص١): مهعياض. (٦) ((الثقات)) ١١٤/٥. ١٦٧ كِتَابُ الرَّجُمِ = وفيه: أن الشارع لم يكتف بتقريره أربعًا حتى أقر في الخامسة، ثم لم يكتف بذلك حتى سأله السادسة: ((هل تعرف ما الزنا؟)) فلما عرف أنه يعرفه لم يكتف بذلك حتى سأله في السابعة: ((ما تريد بهذا؟)) ليختبر عقله، فلما عرف عقله أقام عليه الحد. قلت: فكأنه يرى غير ابن الهضهاض. فصل : اختلف العلماء في الحفر للمرجوم، قال أبو عمر: روي عن علي أنه حفر لشراحة إلى السرة، وأن الناس أحدقوا لرجمها، فقال: ليس هكذا الرجم إني أخاف أن يصيب بعضكم بعضًا، ولكن صفوا كما تصفون في الصلاة، ثم قال: والرجم رجمان، رجم سر، ورجم علانية، فما كان منه بإقرار، فأول من يرجم الإمام ثم الناس (وما كان منه ببينة، فأول من يرجم البينة، ثم الإمام، ثم الناس)(١) (٢). وقد أسلفنا الحفر له والغامدية، وفي ابن أبي شيبة من حديث أبي عمران: سمعت شيخنا يحدث عن ابن أبي بكرة، عن أبيه أنه الثَّيْلّ رجم أمرأة فحفر إلى السرة (٣). وقال مالك: لا يحفر للمرجوم، وإن حفر للمرجومة فحسن. وفي كتاب ابن بطال: ولا يحفر لهما، وإن حفر فحسن(٤). وقال الشافعي وابن وهب: إن شاء حفر، وإن شاء لم يحفر. (١) من (ص١). (٢) ((الاستذكار)) ٤٠/٢٤. (٣) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٥/ ٥٣٧ بلفظ: إلى الثندؤة. (٤) ((شرح ابن بطال)) ٤٣٨/٨. ١٦٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وقال أحمد: [أكثر الأحاديث](١) على ألا يحفر. لا جرم قال أصبغ: يستحب أن يحفر لهما، ويرسل يداه يدرأ بهما عن وجهه. وقال أشهب: الأحسن أن لا يحفر له. وروي عنه: يحفر له، كما سلف عن أصبغ، وحكي في ((الإشراف)) عن أبي حنيفة أن الإمام مخير في ذلك، وعن الشافعي: يحفر لها إن ثبت زناها بالبينة دون الإقرار. وبه قال الفرضي من المالكية. (١) مكانها بياض في الأصل، وقال في هامشها: (كذا بياض في أصله). والمثبت عن ابن بطال. ١٦٩ = كِتَابُ الرَّجُمِ ٢٣- باب لِلْعَاهِرِ الحَجَرُ ٦٨١٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةً رضي الله عنها قَالَتِ: أَخْتَصَمَ سَعْدٌ وَابْنُ زَمْعَةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ ابْنَ زَمْعَةَ، الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ)). زَادَ لَنَا قُتَيْبَةُ، عَنِ اللَّيْثِ: ((وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ)). [انظر: ٢٠٥٣ - مسلم: ١٤٥٧ - فتح ١٢ / ١٢٧]. ٦٨١٨ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا نُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ)). [انظر: ٦٧٥٠ - مسلم: ١٤٥٨- فتح ١٢ / ١٢٧] . ذكر فيه حديث عائشة رضي الله عنها السالف. وفي آخره: زَادَ قُتَيْبَةُ، عَنِ اللَّيْثِ: ((وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ)). وحديث أبي هُرَيْرَةَ قال: قَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ)). ومعناه: أن الزاني لا حظ له في الولد، ولا يلحق به نسبه، والعرب تقول لمن طلب شيئًا ليس له: بفيك الحجر. تريد الخيبة. وقال بعضهم: وإنما له (الحجر)(١) يرجم بها، أي: إذا كان محصنًا. والعاهر: الزاني. وذكر ابن الأعرابي أن الفراش عند العرب يقال للرجل والمرأة؛ لأن كل واحد منهما فراش لصاحبه، وقد سلف ما فيه قريبًا في الفرائض. (١) في الأصل: الرجم. والمثبت من (ص١). ١٧٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ٢٤- باب الرَّجْمِ فِي البَلَاطِ ٦٨١٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: أَتِيَّ رَسُولُ اللهِ مِينَ: بِيَهُودِيّ وَبَهُودِيَّةٍ قَدْ أَحْدَثَا جَمِيعًا، فَقَالَ لَهُمْ: ((مَا تَجِدُونَ فِي كِتَابِكُمْ؟)). قَالُوا: إِنَّ أَحْبَارَنَا أَحْدَثُوا تَحْمِيمَ الوَجْهِ والتَّجْبِيه. قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ: أَدْعُهُمْ يَا رَسُولَ الهِ بِالتَّوْرَاةِ. فَأَتِيَ بِهَا فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجُمْ، وَجَعَلَ يَقْرَأُ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا، فَقَالَ لَهُ ابن سَلَامٍ: أَزْفَعْ يَدَكَ. فَإِذَا آيَةُ الرَّجْمِ تَحْتَ يَدِهِ، فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللهِ ◌ِّ فَرَجِمَا. قَالَ ابن عُمَرَ: فَرُجِمَا عِنْدَ البَلَاطِ، فَرَأَيْتُ اليَهُودِيَّ أَجْنَأَ عَلَيْهَا. [انظر: ١٣٢٩ - مسلم: ١٦٩٩- فتح ١٢٨/١٢]. ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: أَتِيَ النبيِ نَّهِ بِيَّهُودِيٍّ وَيَهُودِيَّةٍ قَدْ أَحْدَثَا جَمِيعًا، فَقَالَ لَهُمْ: ((مَا تَجِدُونَ فِي كِتَابِكُمْ؟)). قَالُوا : إِنَّ أَحْبَارَنَا أَحْدَثُوا تَحْمِيمَ الوَجْهِ والتجبيه. فقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ: ادْعُهُمْ يَا رَسُولَ اللهِ بِالتَّوْرَاةِ. فَأَتِيَ بِهَا فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمَ، وَجَعَلَ يَقْرَأُ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا، فَقَالَ لَّهُ ابن سَلَامٍ: أَرْفَعْ يَدَكَ. فَإِذَا أَيَةُ الرَّجْم تَحْتَ يَدِهِ، فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللهِ نََّ فَرُجِمَا. قَالَ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما: فَرُجِمَا عِنْدَ الْبَلَاطِ، فَرَأَيْتُ اليَهُودِيَّ جنى عَلَيْهَا . هذا الحديث سلف شرحه في المناقب في باب قول الله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ [البقرة: ١٤٦] وذكره هناك من طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما (١)، وذكره هنا من طريق سليمان: وهو ابن بلال، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، ويرد ذلك على أبي نعيم حيث جمع أحاديث عبد الله بن دينار وأغفل هذا . (١) سلف برقم (٣٦٣٥). ١٧١ - كِتَابُ الرَّجُمِ وفي البخاري وغيره عنه عدة أحاديث. والتجبيه -بمثناة فوق، ثم جيم، ثم موحدة، ثم مثناة تحت، ثم هاء -: أن تحمم وجوه الزانيين، ويحملا على بعير أو حمار، ويخالف بين وجوههما، وأصلها أن يحمل أثنان على دابة ويجعل قفا أحدهما إلى قفا الآخر. قال ابن التين: ورويناه بفتح الباء، وليس ببين، وإنما هو مصدر جبب تجبيبًا مثل: كلم تكليمًا، والباء ساكنة والهاء من أصل الفعل، وذكرت (هناك)(١) عن ((شرحي للعمدة)) أن في (يحني) سبع روايات كلها راجعة إلى الوقاية عنها (٢)، منها الحاء المهملة، يقال: أحنى يحني إحناء، أي: يميل عليها ليقيها الحجارة، وفيه لغة أخرى: جنى يجني، وأصل الجنأ: ميل في الظهر، وقيل: في العنق. وفي المهملة يقال: حنا عليه يحنو (حفوا)(٣) وأحنى يحني أي: يعطف ويشفق ويكب عليها . ومعنى (أحدثا): زنيا. و(تحميم الوجه) تسخيمه بالفحم. وفي رواية للبخاري: (تسخم وجوههما)(٤). وفي أكثر نسخ مسلم: يحملهما. بالحاء واللام، وروي بالجیم. قال أبو عبيد: يرويه أهل الحديث: يجني، وإنما هو: يجنأ مهموز. قال الجوهري: جنى الرجل على الشيء يجنو جنوءًا إذا أنكب (٥)، (١) من (ص١). (٢) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ١٨٨/٩-١٨٩. (٣) من (ص٢). (٤) سيأتي برقم (٧٥٤٣) كتاب التوحيد، باب: ما يجوز من تفسير التوراة. (٥) ((الصحاح)) ٤١/١ مادة (جناً). ١٧٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = فإن كان ذلك من خلفه قيل: حنى، ومنه قيل للترس إذا صنع معيبًا محنيًّا . قال ابن التين: ورويناه هنا (أجنأ) مهموز بالجيم رباعي، وهو في ((الصحاح)) ثلاثي، وعند الهروي مثل ما رويناه. قال: يقال أجنى عليه يجنو جنا إذا أنكب عليه يقيه شيئًا . فصل : تبويبه بما ذكر؛ لأجل ما ذكر في الحديث، وهو بفتح الباء وكسرها . قال أبو عبد الله الحموي ياقوت: هو موضع مبلط بالحجارة بين مسجد رسول الله وَله والسوق(١) - وقول الشاعر فيما أنشده أبو عبيد البکري : لولا رجاؤك ما زرنا البلاط وما كان البلاط لنا أهلًا ولا وطنًا (٢) هو غير البلاط، وهو قرية بالغوطة، [وبلاط](٣) عوسجة حصن من أعمال شنتبرية بالأندلس، بلاط: كانت قصبة (الجوار)(٤) من نواحي حلب، وبلاط: موضع بالقسطنطينية كان مجلسًا للأسرى أيام سيف الدولة بن حمدان(٥) . وأما ابن بطال قال: تبيوبه بذلك لا يقتضي معنى، والبلاط وغيره من الأمكنة سواء، وإنما ترجم به؛ لأنه مذكور في الحديث. (١) ((معجم البلدان)) ١/ ٤٧٧. (٢) ((معجم ما استعجم)) ٢٧١/١. (٣) في الأصل (وبلاد) وهو تحريف، كما نبه على مثله عبد السلام هارون. أنظر هامش ((جمهرة أنساب العرب)) ص٤٩٨. (٤) من (ص١). (٥) ((معجم البلدان)) ١/ ٤٧٧. ١٧٣ ـ كِتَّابُ الرَّجُمِ قال الأصمعي: البلاط: الأرض الملساء(١). وقال ابن فارس: كل شيء فرشت به الدار من حجر وغيره(٢). زاد ابن التين: لعل فائدة التبويب أنها أرض لا يحفر فيها، وأغفلا ما قدمناه أولاً . فصل : ذكر ابن إسحاق، عن الزهري، عن أبي هريرة أن هذا الحديث كان حين قدم رسول الله ◌َ له إلى المدينة(٣). فصل : جاء في أبي داود أنه العَيْه راح إلى بيت المدراس، وسأل اليهود عن حكم الزانيين(٤)، ويحتمل أحد معنيين: إما أن يكون لما أراد الله من تكذيبهم وإظهار ما بدلوه من حكمه وكذلك ألقى الله تعالى في قلوبهم التحاكم إليه، وأعلمه أن في التوراة حكم الله في ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُ التَّوْرَنَةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٣]. ثانيهما: أن يكون حكم الرجم لم ينزل بعد، وقد روى معمر، عن ابن شهاب قال: فبلغنا أن هذِه الآية نزلت فيهم ﴿إِنَّآ أَنْزَلْنَا التَّوْرَنَةَ فِيَهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾ [المائدة: ٤٤] فكان رسول الله وَه (٥) منهم(٥) . (١) ((شرح ابن بطال)) ٨/ ٤٣٧. (٢) ((مجمل اللغة)) ١٣٥/١. (٣) ((سيرة ابن هشام)) ١٩٣/٢، ورواه أبو داود (٤٤٥١). (٤) ((سنن أبي داود)) (٤٤٤٩). (٥) ((أسباب نزول القرآن)) للواحدي ص ١٩٩ (٣٩٢)، ((سنن أبي داود)) (٤٤٥٠). ١٧٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - فصل : وفي الحديث حجة لمالك جواز تحاكم أهل الكتاب إذا تحاكموا إلينا، أنه جائز أن يترجم عنهم مترجم واحد كما ترجم عبد الله بن سلام عن التوراة وحده، وسيأتي في كتاب الأحكام ما للعلماء في ذلك. فصل : وفي قوله: (فرأيت اليهودي أحنى عليها) دليل أنه لا يحفر للمرجوم ولا للمرجومة؛ لأنه لو كان حفر ما استطاع أن يحنى عليها، وبه استدل مالك، وقد سلفت المسألة في الباب قبله، ووقع في كلام ابن التين أنه ثبت أنه لم يحفر لماعز وحفر للغامدية، وكانت (معروفة)(١)، ثم ذكر رواية مسلم في الحفر لماعز، وفي قصة الجهينية أنه شد عليها ثيابها ، ثم أمر برجمها من غير ذكر حفر. وفيه حجة للثوري أن المحدود لا يقعد ويضرب قائمًا، والمرأة قاعدة، والحديث يدل له، فإنه كان يجنأ عليها، وقال مالك: الرجل والمرأة في الحدود كلها سواء لا يقام واحد منهما ويضربان قاعدين، ويجرد الرجل ويترك على المرأة ما يسترها ولا يقيها الضرب(٢). وقال الشافعي والليث وأبو حنيفة: الضرب في الحدود كلها قائمًا مجردًا غير ممدود إلا حد القذف فإنه يضرب وعليه من ثيابه ما لا يقيه الضرب. فصل : وقوله: (فإذا آية الرجم تحت يده)، قيل: في ذلك نزل: ﴿يُحَرِّفُونَ اُلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ،﴾ [النساء: ٤٦]. (١) كذا بالأصل، ولعلها: معترفة. (٢) ((شرح ابن بطال)) ٨/ ٤٣٧ -٤٣٩. ١٧٥ = كِتَابُ الرَّجُمِ وفي أبي داود من حديث البراء بن عازب لما أمر به فرجم فأنزل الله: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِ اُلْكُفْرِ﴾ [المائدة: ٤١]، إلى قوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّلِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] وفي أثناء هُذِهِ الآيات: ﴿يُحَرِّفُونَ اُلْكَلِمَ عَن ◌َّوَاضِعِهِ﴾(١). فصل : واحتج به أصحاب أبي حنيفة على جواز شهادة الكفار بعضهم على بعض؛ لأنه رجمهما بقولهم، وأجاب المخالفون بالمنع، وأن الشافعي روى فيه أنه العليفا سألهما فأقرا، فكان الرجم بالإقرار. قال ابن الطلاع: أو يجوز أن يكون بوحي أو بشهادة مسلمين. فصل : قد روينا ما نزل عقب رجمه من طريق أبي داود عن البراء، وعن الزهري قال: سمعت رجلاً من مزينة ممن سمع العلم - ونحن عند ابن المسيب- يحدث عن أبي هريرة قال: زنى رجل من اليهود وامرأة حين قدم العليّ المدينة فخير في ذلك بقوله: ﴿فَإِن جَاءُوَكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢] الحديث(٢)، وفي آخره قول ابن شهاب السالف قبيل هذِه الفصول: فبلغنا أن هذِه الآية نزلت فيهم: ﴿إِنَّ أَنَزَلْنَا التَّوْرَنَةَ﴾ الآية (٣) [المائدة: ٤٤]، ولابن إسحاق أنهم قالوا: إن حكم فيهم بالتجبيه فاتبعوه (فإنه ملك)(٤) وصدِّقوه، وإن (هو)(٥) حكم بالرجم فإنه نبي فاحذروه (قال: ما في أيديكم أن تسألوه)(٦). (١) ((سنن أبي داود)) (٤٤٤٨). (٢) رواه أبو داود (٤٤٥١). (٣) السابق (٤٤٤٨)، (٤٤٥٠). (٥) من (ص١). (٤) من (ص١). (٦) هكذا في الأصل، وعند ابن هشام: (على ما في أيديكم أن يسلبكموه) ولعله الصواب. ١٧٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وفيه: فجاء رسول الله وَّليه بابن صوريا وكان غلامًا شابًّا، فلما ناشده، قال: اللهم نعم، أما والله يا أبا القاسم إنهم ليعرفون أنك نبي مرسل، ولكنهم يحسدونك(١). وأخرجه أبو داود من حديث جابر والشعبي عن رسول الله وَ ل﴾(٢). وأصل حديث جابر في مسلم(٣)، وروى القصة أيضًا عبد الله بن الحارث بن جَزْء الزبيدي، أخرجه ابن وهب، وجابر بن سمرة أخرجه الترمذي، وقال: حسن غريب (٤). وابن عباس أخرجه أبو قرة. فصل : قال أبو محمد بن حزم: جاء عن علي له أنه قال: لا حد على أهل الذمة في الزنا. وعن ابن عباس: لا حد عليهم في السرقة. وقال أبو حنيفة: لا حد على أهل الذمة في الزنا ولا في شرب الخمر، وعليهم الحد في القذف والسرقة إلا لمعاهد، لكن (يضمنها)(٥). وقال محمد بن الحسن: لا أمنع الذمي من الزنا ولا من شرب الخمر، وأمنعه من الغناء. وقال مالك: لا حد على أهل الذمة في الزنا ولا في شرب الخمر، وعليهم الحد في القذف والسرقة، وقال الشافعي وأبو سليمان وأصحابهما: عليهم الحد في كل ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَأَنِ أُحْكُمْ (١) ((سيرة ابن هشام)) ١٩٣/٢-١٩٤. (٢) ((سنن أبي داود)) (٤٤٥٢). (٣) مسلم (١٧٠١). (٤) ((سنن الترمذي)) (١٤٣٧). (٥) بياض في الأصل، وقال بهامشه: كذا بياض في أصله والمثبت من ((المحلى)) لابن حزم. ١٧٧ = ڪِتَابُ الرَّحْمِ بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَقَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَأَحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ﴾ [المائدة: ٤٩] وقال: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَهِيَّةِ يَبْغُونَّ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ٥٠ [المائدة: ٥٠] فإن ذكروا ما روينا عن الثوري، عن سماك بن حرب، عن قابوس بن المخارق، عن أبيه قال: كتب محمد بن أبي بكر إلى علي بن أبي طالب في مسلم زنى بنصرانية، فكتب إليه: أقم على المسلم الحد، وادفع النصرانية إلى أهل دينها(١). ومن حديث عبد الرزاق عن ابن جريج، وعن سفيان بن سعيد؛ كلاهما عن عمرو بن دينار، عن مجاهد أن ابن عباس كان لا يرى على أهل. الذمة حدًّا (٢)، وعن ربيعة أنه قال في اليهودي والنصراني: لا أرى عليهما في الزنا حدًّا. وقد كان لهم من الوفاء بالذمة أن يخلى بينهم وبین دینهم. قال ابن حزم: وما نعلم لمن قال بهذا حجة غير ما ذكرناه، ولا حجة للحنفيين والمالكيين فيه؛ لأن الآية الكريمة عامة لا خاصة، وهم قد خصوا، والرواية عن علي لا تصح؛ لأن سماكًا ضعيف وقابوس مجهول (٣). قلت: قد ذكرته أنت -أعني: قابوسًا- في الصحابة الذين رووا عن النبي ◌َو ستة أحاديث، وذكر ابن يونس في ((تاريخ الغرباء)) قابوس بن المخارق، ويقال: ابن أبي المخارق سليم الشيباني الكوفي، قدم مصر (مع) (٤) محمد بن أبي بكر في خلافة علي قد ذُكر وحُكي عنه. (١) ((مصنف عبد الرزاق)) ٣٩٦/٧. (٢) ((المحلى)) ١٥٨/١١-١٥٩ بتصرف. (٣) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ٦٢/٦، والبيهقي ٢٤٧/٨. (٤) في الأصل: (سمع). ١٧٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في ((ثقاته)) (١) ولما ذكر ابن عبد البر هذا الأثر سماه: قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه(٢). وهو عجيب، فقابوس حديثه في ((صحيح البخاري))، وأثنى عليه غير واحد، ثم قال ابن حزم: والرواية عن ابن عباس: لا حد على ذمي. هم بأنفسهم خالفوا ذلك فأوجبوا عليه الحد في السرقة والقذف، فإن تعلقوا بقوله تعالى: ﴿فَإِن جَاءُ وَكَ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢] فلا تعلق لهم فيها؛ لأنها منسوخة ولو صح أنها محكمة لما كان لهم فيها تعلق؛ لأنه إنما فيها التخيير بينهم لا في الحكم عليهم جملة، وإقامة الحدود عليهم ليس حكمًا بينهم، وأما عهود من عاهدهم على الحكم بأحكامهم فليس ذلك عهد الله، بل هو عهد باطل، ولا يعرف المسلمون عهدًا إلا ما أمر الله به ورسوله، فإن قالوا فقد قال تعالى: ﴿لَّ إِكْرَاهَ فِ الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] قلنا: نعم لا نكرههم على الإسلام ولا على فروض الإسلام(٣). وقال ابن عبد البر: إذا ارتفع أهل الكتاب إلينا راضين بحكمنا فيهم، وكانت شريعتنا موافقة في ذلك الحكم لشريعتهم جاز لنا أن نستظهر عليهم بكتابهم حجة عليهم، كما في هذا (الحديث)(٤)، فإن لم تكن الشريعة في ذلك الحكم موافقة لشريعتهم حكمنا بينهم بما أنزل الله في كتابنا، ويحتمل أن يكون ذلك خصوصًا للشارع؛ للإجماع على أن ذلك لم يعمل به أحد بعده، ولقول الله تعالى ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا (١) ((الثقات)) ٣٢٧/٥. (٢) ((التمهيد)) ٣٩٠/١٤. (٣) ((المحلى)) ١٥٩/١١-١٦٠ بتصرف. (٤) في (ص١): (الكتاب). ١٧٩ = كِتَابُ الرَّحْمِ عَلَيْكَ الْكِتَبَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١]، قال: واختلف العلماء في الحكم بينهم إذا ترافعوا إلينا، أواجب ذلك علينا أم نحن مخيرون به؟ فقال جماعة من فقهاء الحجاز والعراق: إن الإمام أو الحاكم مخير إن شاء حكم بينهم إذا ترافعوا إليه بحكم الإسلام، وإن شاء أعرض عنهم. وقالوا: إن قوله: ﴿فَإِن جَاءُوكَ﴾ [المائدة: ٤٢] محكمة لم ينسخها شيء، وممن قال ذلك مالك بن أنس والشافعي في أحد قوليه، وهو قول عطاء والشعبي والنخعي، وروي ذلك عن ابن عباس في قوله ﴿فَإِن جَاءُوَكَ فَأَحْكُمْ﴾ [المائدة: ٤٢] قال: نزلت في بني قريظة وهي محكمة(١)، وقال عامر (الشعبي)(٢): إن شاء حكم وإن شاء لم يحكم، وعن ابن عباس أنهما إذا رضيا فلا يحكم بينهما إلا برضاء من أساقفتهما، فإن كره ذلك أساقفتهم فلا يحكم بينهم، وكذلك إن رضي الأساقفة ولم يرض الخصمان أو أحدهما لم يحكم بينهم. وقال الزهري: مضت السنة أن يُرد أهل الذمة في حقوقهم ومعاملاتهم ومواريثهم إلى أهل دينهم إلا أن يأتونا راغبين في حكمنا فيحكم بينهم بكتاب الله(٣) . وقال آخرون: واجب على الحاكم أن يحكم بينهم إذا تحاكموا إليه بحكم الله تعالى، وزعموا أن قوله تعالى: ﴿وَأَنِ أَحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] ناسخ للحكم بينهم في الآية الأولى، روي ذلك عن ابن عباس من حديث سفيان بن حسين والحكم، عن مجاهد، ومنهم (١) رواه أبو داود (٣٥٩١). (٢) في (ص١): (والنخعي). (٣) رواه عبد الرزاق ١٠/ ٣٢٢ (١٩٢٣٨). ١٨٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = من يرويه عن سفيان والحكم، عن مجاهد، قوله، وهو صحيح عن مجاهد وعكرمة، وبه قال الزهري وعمر بن عبد العزيز والسُّدي، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه، وهو أحد قولي الشافعي إلا أن أبا حنيفة قال: جاءت المرأة والزوج فعليه أن يحكم بينهما بالعدل، وإن جاءت المرأة وحدها ولم یرض الزوج لم یحکم، وقال صاحباه: یحکم، وكذا اختلف أصحاب مالك، وقال الشافعي: ليس الحاكم بالخيار في أحد من المعاهدين الذين يجري عليهم أحكام الإسلام إذا جاءوه في حد لله، فعليه أن يقيمه؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُمْ صَغِرُونَ﴾ [النمل: ٣٧] واختاره المزني وقال في كتاب الحدود: لا يحدون إذا جاءوا إلينا في حد لله، ويردهم الحاكم إلى أهل دينهم. قال الشافعي: وما كانوا يدينون به فلا يحكم عليهم بإبطاله إذا لم يرتفعوا إلينا، ولكن ليكشفوا عما استحلوا ما لم يكن ضررًا على مسلم أو مستأمن أو معاهد. قال: وإن جاءته امرأة تستعديه بأن زوجها طلقها وشبه ذلك، حكمنا عليه حكم المسلمين. قال ابن عبد البر: والنظر صحيح عندي، ألا يحكم بنسخ شيء من القرآن إلا ما قام عليه الدليل الذي لا دفع له، ولا يحتمل التأويل، وليس في قوله: ﴿وَأَنِ أَحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] دليل على أنها ناسخة لقوله تعالى: ﴿فَإِن جَاءُوَكَ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمٌّ ﴾ [المائدة: ٤٢] لأنه يحتمل أن يكون معناها: وأن أحكم بينهم بما أنزل الله إن حكمت ولا تتبع أهواءهم، فتكون الآيتان محكمتين مستعملتين غير متدافعتين. نقف على هذا الأصل في نسخ القرآن بعضه ببعض أنه لا يصح