النص المفهرس
صفحات 541-560
٥٤١ - كِتَابُ الفَرَائِضِ وأصحابهم وأبو ثور وأهل البصرة، إلا أن أبا حنيفة وأصحابه وأهل البصرة يجعلون ذوي الأرحام أولى من بيت المال، فيجعلون ما فضل عن فرض أمه وأخوته ردًا على أمه وعلى أخوته، إلا أن تكون مولاة فيكون الفاضل لمواليها . وأما علي وابن مسعود وابن عمر فإنهم جعلوا عصبته عصبة أمه، ذكر أبو بكر، عن وكيع، ثنا ابن أبي ليلى، عن الشعبي، عن علي وعبد الله أنهما قالا في ابن الملاعنة: عصبته عصبة أمه (يرثهم ويرثونه، وهو قول إبراهيم والشعبي)(١) . وثنا وكيع، وثنا موسى بن عبيدة، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ابن الملاعنة عصبته عصبة أمه، يرثهم ويرثونه، وهو قول إبراهيم والشعبي (٢). وروي عن علي وابن مسعود أيضًا: أنهما كانا يجعلان أمه عصبة، فتعطى المال كله، فإن لم يكن له أم فماله لعصبتها، وبه قال الحسن ومكحول، ومثل ذلك أيضًا عن الشعبي وقتادة وابن سيرين وجابر بن زيد وعطاء والحكم وحماد والثوري وابن حي ويحيى بن آدم وشريك وأحمد بن حنبل. وعن عمر بن الخطاب: أنه ألحق ولد الملاعنة لعصبة أمه، وعن الشعبي قال: سألت بالمدينة كيف فعل رسول الله وهل بولد الملاعنة؟ قال: ألحقه بعصبة أمه، وعنه أنه قال: بعث أهل الكوفة إلى الحجاز زمن عثمان # رجلًا يسأل عن ميراث ابن الملاعنة، فجاءهم الرسول (١) كذا بالأصل، وهي جملة زائدة عن السياق، ستأتي بعد سطر في مكانها الصحيح. (٢) (ابن أبي شيبة)) ٢٧٦/٦ (٣١٣٢٠-٣١٣٢٣)، ((مختصر اختلاف العلماء)) ٤ / ٤٨٠. ٥٤٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = فأخبرهم أنه لأمه وعصبتها. وقال ابن عباس عن علي: أنه أعطى ابن الملاعنة الميراث وجعلها عصبة. قال أبو عمر: والرواية الأولى أشهر عند أهل الفرائض، وقد روى خلاس عن علي في ابن الملاعنة مثل قول زيد: ما فضل عن أمه و(عن)(١) إخوته في بيت المال، وأنكروها على خلاس، ولخلاس عن علي أخبار في كثير منها نكارة عند العلماء(٢). وقال ابن المنذر: لما ألحق الشارع ابن الملاعنة بأمه ونفاه عن أبيه ثبت أن لا عصبة له ولا وارث من قبل أبيه، قال غيره: فإذا توفي ابن الملاعنة فلا يرثه إلا أمه وإخوته لأمه خاصة، أو أخ معه ولد في بطن يكون عصبته (له في المشهور من مذهب مالك بخلاف توأم الزانية، لم يختلف فيه أنهما يتوارثان من قبل الأم خاصة. واختلف في توأم المغتصبة والمسبية والملاعنة هل يتوارثان من قبل الأب والأم؛ أو من قبل الأم خاصة؟ والتزم بعضهم أن يتوارث توأم الزانية من قبل الأب والأم قياسًا على تؤم المغتصبة، قال: لأن التطوع بالزنا والإكراه سواء)(٣)، فإن فضل شيء فلموالي أمه إن كانت معتقة، وكذلك لو كانت وحدها أخذت الثلث وما بقي لمواليها، ولا يكون لبيت المال شيء، وإن كانت عربية فالفاضل لبيت المال، هذا قول زيد ومن سلف. ثم روى عن علي وابن مسعود: أن ما بقي يكون لعصبة أمه إذا لم يخلف ذا رحم له منهم، فإن خلفه جعل فاضل المال ردًا عليه، وحكي عن علي أيضًا أنه ورث ذوي الأرحام (١) من (ص٢). (٢) ((الاستذكار)) ٥١١/١٥-٥١٥. (٣) من (ص٢). ٥٤٣ كِتَابُ الفَرَائِضِ برحمهم، ولا شيء لبيت المال، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه. ومن قال بالرد يرد الباقي على أمه، وجعل ابن مسعود عصبته أمه كما سلف، فإن لم تكن الأم فعصبتها هي عصبة ولدها، وإليه ذهب الثوري. وهذا الاختلاف إنما قام من قوله العقلئه: ((وألحق الولد بالمرأة))؛ لأنه لما ألحقه بها قطع نسب أبيه فصار كمن لا أب له من أولاد الفيء الذين لم يختلف أن المسلمين عصبتهم - (إذ لا تكون العصبة من قبل الأم، وإنما تكون من قبل الأب)(١)، ومن قال: معنى قوله: ((ألحق الولد بالمرأة))، أي: أقامها مقام أبيه، فهؤلاء جعلوا عصبة أمه عصبة له، وهو قول الثوري وأحمد، واحتجوا بالحديث الذي جاء أن الملاعنة بمنزلة أبيه وأمه (٢)، وليس فيه حجة (لأنه إنما هي)(٣) بمنزلة أبيه وأمه في تأديبه، وما أشبه ذلك مما لا يتولاه أبوه. فأما الميراث فلا؛ لأنهم أجمعوا أن ابن الملاعنة لو ترك أمه وأباه كان لأمه السدس ولأبيه ما بقي، فلو كانت بمنزلة أبيه وأمه في الميراث لورثت سدسين بالأمومة وبالأبوة، وأبو حنيفة جعل الأم كالأب فرد عليها ما بقي؛ لأنها أقرب الأرحام إليه، وقول أهل المدينة أولى بالصواب كما قاله ابن بطال؛ لأنه معلوم أن العصبات من قبل الآباء ومن أدلى بمن لا تعصيب له لم يكن له تعصيب(٤). (١) من (ص٢). (٢) أنظر هذه المسألة في ((مختصر اختلاف العلماء)) ٤٧٩/٤ (٢١٤٨)، و((الاستذكار)) ٥١١/١٥-٥١٥، و(المغني)) ١٢١/٩-١٢٣. (٣) كذا بالأصل. (٤) ((شرح ابن بطال)) ٣٦٦/٨-٣٦٧. ٥٤٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ١٨- باب الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ حُزَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً ٦٧٤٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكُ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ عُثْبَةُ عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدٍ أَنَّ ابن وَلِيدَةِ زَمْعَةَ مِنِّي، فَاقْبِضْهُ إِلَيْكَ. فَلَمَّا كَانَ عَامَ الفَتْحِ أَخَذَهُ سَعْدٌ فَقَالَ: ابن أَخِي، عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ. فَقَامَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: فَقَالَ: أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةٍ أَبِي، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ. فَتَسَاوَقَا إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللهِ ابن أَخِي قَدْ كَانَ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ. فَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةٍ أَبِي، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ ◌ّ: ((هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ، الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ)). ثُمَّ قَالَ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ: ((احْتَجِبِي مِنْهُ)). لَمَا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُثْبَةَ، فَمَا رَآهَا حَتَّى لَقِيَ الله. [انظر: ٢٠٥٣ - مسلم: ١٤٥٧ - فتح: ١٢/ ٣٢]. ٦٧٥٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ عَنْ يَخْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بِ قَالَ: ((الْوَلَدُ لِصَاحِبِ الفِرَاشِ)). [٦٨١٨ - مسلم: ١٤٥٨ - فتح: ١٢ / ٣٢]. ذكر فيه حديث عتبة، وقد سلف. وحديث أبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ وَلِ قَالَ: ((الْوَلَدُ لِصَاحِبِ الفِرَاشِ)). وعند جمهور العلماء أن الحرة تكون فراشًا بإمكان الوطء، ويلحق الولد في مدة تلد في مثلها، وأقل ذلك ستة أشهر، وشذ أبو حنيفة فقال: إذا طلقها عقب النكاح من غير إمكان وطء فأتت بولد لستة أشهر من وقت العقد، فإن الولد يلحقه (١)، واحتج أصحابه بحديث الباب: ((الولد للفراش))، قالوا: وهذا الاسم كناية عن الزوج وقال جرير: باتت تعانقه وبات فراشها خلق العباءة في الدماء قتيلا (١) أنظر: ((بدائع الصنائع)) ٢١٢/٣. ٥٤٥ كِتَابُ الفَرَائِضِ يعني: زوجها، كذا أنشده أبو علي الفارسي، فإذا كان الفراش الزوج، فإنه يقتضي وجوده لا إمكان الوطء، وحجة الجمهور أن الفراش وإن كان يقع على الزوج فإنه يقع على الزوجة أيضًا؛ لأن كل واحد منهما فراشًا لصاحبه. حكى ابن الأعرابي: أن الفراش عند العرب يعبر به عن الزوج وعن المرأة، وهي الفراش المعروف فمن أدعى أن المراد الرجل دون المرأة فعليه البيان، والفراش هنا إنما هو كناية عن حالة الافتراش، والمرأة شبيهة بالفراش؛ لأنها تُفترش فكأنه العَّ أعلمنا أن الولد بهذِه الحالة التي فيها الافتراش، فمتى لم يمكن حصول هذه الحالة لم يلحق الولد. فمعنى قوله: ((الولد للفراش)) أي: لصاحب الفراش، كما جاء في حديث أبي هريرة في الباب، وما ذهب إليه أبو حنيفة خلاف ما أجرى الله العادة به من أن الولد إنما يكون من ماء الرجل وماء المرأة كما أجرى الله العادة أن المرأة لا تحمل وتضع في أقل من ستة أشهر، فمتى وضعت أقل منها لم تلحق؛ لأنها وضعته لمدة لا يمكن أن يكون فيها . وأما الأمة عند مالك والشافعي فإنها تصير فراشًا لسيدها بوطئه لها، أو بإقراره أنه وطئها؛ وكهذا حكم عمر بن الخطاب، وهو قول ابن عمر، فمتى أتت بولد لستة أشهر من يوم وطئها ثبت نسبه منه، وصارت به أم ولد له، وله أن ينفيه إذا أدعى الاستبراء، ولا يكون فراشًا بنفس الملك دون الوطء عند مالك والشافعي(١) . (١) أنظر: ((الأم)) ١٩٩/٦، و((المدونة)) ٣٩٥/٤، و((شرح معاني الآثار)) ١١٤/٣، و((بدائع الصنائع)) ٢١٢/٣. ٥٤٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وقال أبو حنيفة: لا تكون فراشًا بالوطء ولا بالإقرار به أصلًا، فلو وطئها (مائة سنة)(١) أو أقر بوطئها فأتت بولد لم يلحقه وكان مملوكًا له وأمه مملوكة، وإنما يلحقه ولدها إذا أقر به، وله أن ينفيه بمجرد قوله ولا يحتاج أن يدعي استبراء. وذكر الطحاوي عن ابن عباس أنه كان يطأ جارية له فحملت، فقال: ليس الولد مني أي: أتيتها إتيانا لا أريد به الولد، وعن زيد بن ثابت مثله(٢)، وقولهم خلاف حديث الباب في ابن وليدة زمعة؛ لأن ابن زمعة قال: هذا أخي ولد على فراش أبي فأقره الشارع، ولم يقل: الأمة لا تكون فراشًا، ثم قال التَّة: ((الولد للفراش)) (٣) وهذا خطاب خرج على هذا السبب. وقد سلف أن الفراش كني به عن الافتراش الذي هو الوطء. وقد حصل في الأمة فوجب أن يلحق به الولد، وأيضًا فإن العاهر لما حصل له الحجر دل على أن غير العاهر بخلافه، وأن النسب له، ألا تراه أنه في الموضع الذي يكون عاهرًا تستوي فيه الحرة والأمة، فوجب أن يستوي حالهما في الموضع الذي يكون ليس بعاهر، ومن أطرف شيء أنهم يجعلون نفس العقد في الحرة فراشًا، ولم يرد فيه خبر ولا يجعلون الوطء في الإماء فراشًا، وفيه ورد الخبر، فيشكون في الأصل ويقطعون على الفرع، قاله ابن بطال (٤). (١) من (ص٢). (٢) ((شرح معاني الآثار)) ١١٦/٣-١١٧. (٣) ((شرح معاني الآثار)) ١١٣/٣ -١١٤. (٤) ((شرح ابن بطال)) ٣٦٥/٨-٣٦٩. ٥٤٧ كِتَابُ الفَرَائِضِ = فصل : قوله: ((هو لك يا عبد بن زمعة)) يقرأ بنصب عبد ورفعه، ومعناه: أنه يكون لك أخ على دعواه، وإنما استلحق على فراش أبيه؛ لأنه قبل وطئه إياها كان مشتهرًا غير خفي بالمدينة أو أمره بذلك، وأمره بالاحتجاب في حق سودة (سببًا)(١) للاحتياط، واحتج به محمد على ابن الماجشون الذي لم يجعل الزنا (٢) من الحرمة، فقال: يجوز أن يتزوج ابنته من زناه(٣)، فلما قال العليا لسودة: ((احتجبي منه)) لما رأى من شبهه بعتبة (دل) (٤) أن له حرمة. (١) من (ص٢). (٢) عليها في الأصل علامة استشكال. (٣) أنظر: ((المنتقى)) ٣٠٨/٣. (٤) من (ص٢). ٥٤٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ١٩- باب الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ، وَمِيرَاثُ اللَّقِيطِ وَقَالَ عُمَرُ عُ: اللَّقِيطُ حُرٍّ. ٦٧٥١ - حَدَّثَنَا حَقْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتِ: أَشْتَرَيْتُ بَرِيرَةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: «اشْتَرِيهَا، فَإِنَّ الوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ)). وَأُهْدِيَ لَهَا شَاةٌ، فَقَالَ: ((هُوَلَهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ)). قَالَ الَحَكَمُ وَكَانَ زَوْجُهَا حُرًّا. وَقَوْلُ الَحَكَم مُزْسَلٌ. وَقَالَ ابن عَبَّاسِ: رَأَيْتُهُ عَبْدًا. [انظر: ٤٥٦- مسلم: ١٠٧٥، ١٥٠٤ - فتح: ١٢/ ٣٩]. ٦٧٥٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكُ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ قَالَ: ((إِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ)). [انظر: ٢١٥٦ - مسلم: ١٥٠٤- فتح: ١٢/ ٣٩]. سلف إسناده في اللقيط. ثم ساق حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها في قصة بَرِيرَة: ((فَإِنَّ الوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ)). قَالَ الحَكَمُ وَكَانَ زَوْجُهَا حُرًّا. وَقَوْلُ الحَكَم مُرْسَلٌ. وَقَالَ ابْن عَبَّاسٍ: رَأَيْتُهُ عَبْدًا . ثم ساق حديث ابن عُمَرَ مرفوعًا: ((إِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ)). الشرح : قال الإسماعيلي: قول الحكم ليس من الحديث، إنما هو مدرج، قال: وذكر ميراث اللقيط في الترجمة وليس له في الخبر ذكر ولا عليه دلالة فينظر. قلت: أكتفى بأثر عمر فيه، والظاهر أنه لم يخالف، وفي هذِه المسألة أقوال لأهل العلم؛ أحدها: أنه حر وولاؤه لجميع المسلمين، وإليه ذهب مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وأبو ثور. ٥٤٩ كِتَابُ الفَرَائِضِ = ثانيها: إن ولاءها لملتقطه، روي عن عمر وشريح، وبه قال إسحاق بن راهويه. ثالثها: أنه حر، فإن أحب أن يوالي الذي التقطه والاه، وإن أحب أن يوالي غيره والاه، (رواه عن علي وبه قال) (١) عطاء وابن شهاب. رابعها: له أن ينتقل بولائه حيث شاء، فمن يعقل عنه الذي والاه حياته، فإن عقل عنه لم يكن له أن ينتقل بولائه عنه ويرثه، قاله أبو حنيفة، واحتج إسحاق بحديث سُنين أبي جميلة، عن عمر أنه قال له في المنبوذ: أذهب فهو حر ولك ولاؤه (٢). لكن قال ابن المنذر: أبو جميلة مجهول، لا يعرف له خبر غير هذا الحديث، وحمل أهل القول الأول قول عمر: لك ولاؤه، أي: أنت الذي تتولى تربيته والقيام بأمره، وهذه ولاية الإسلام لا ولاية العتق، واحتجوا بحديث الباب (((الولاء لمن أعتق)))، وهذا ينفي أن يكون الولاء للملتقط؛ لأن أصل الناس الحرية، وليس يخلو اللقيط من أحد أمرين، إما أن يكون حرًّا فلا رق عليه، أو يكون ابن أمة قوم فليس لمن التقطه أن يسترقه، وبهذا كتب عمر بن عبد العزيز. وقد بين الله آيات المواريث، وسمى الوارثين، فدل أنه لا وارث له غير من ذكر في كتابه، ولو كانت الموالاة مما يتوارث بها وجب إذا ثبتت أن لا يجوز نقلها إلى غير من ثبتت له، وكما قالوا: إنه إذا والى غيره قبل أن يعقل عنه ثم والى غيره وعقل عنه كان للذي عقل عنه، علم أن (١) من (ص٢). وفي الأصل: (قاله). (٢) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ٧/ ٤٥٠ (١٣٨٤٠)، و١٤/٩ (١٦١٨٢)، ومن طريقه الطبراني ١٠٢/٧ (٦٤٩٩). ٥٥٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == الموالاة لا يجوز أن يتوارث بها، وقال القليفها: ((كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل)) (١). فصل : أختلف في موالي الموالاة، وهو أن يتوالى رجلان لا نسب بينهما على أن يتوارثا، فلا يصح عند مالك(٢)، دون أبي حنيفة(٣)، ولهما أن يفسخا الموالاة ما لم يعقل أحدهما عن الآخر، دليل الأول حديث الباب: ((الولاء لمن أعتق))، فبقي أن يكون ولاء بغير معتق. فصل : أحتج أبو حنيفة والشافعي ومحمد بن عبد الحكم بقوله القتل؟ ((إنما الولاء لمن أعتق)) لقولهم: إن من أعتق عبدًا عن غيره فولاؤه للمعتق خلافًا لمالك، حيث قال: إنه للمعتق عنه رضي أم لا . فصل : أسلفنا أن زوج بريرة هل كان حرًا أم لا؟ وطريقة أهل العراق أن الأمة إذا عتقت تحت حر فلها الخيار، ومالك والشافعي وعليه أهل الحجاز: لا خيار. (١) سلف برقم (٢١٥٥)، ورواه مسلم برقم (١٥٠٤). (٢) ((المعونة)) ٣٧٤/٢. (٣) ((الهداية)) ٣٠٦/٣-٣٠٧، و(بدائع الصنائع)) ٤/ ١٧٠. ٥٥١ ـ كِتَابُ الفَرَائِضِ ٢٠- باب مِيرَاثِ السَّائِبَةِ ٦٧٥٣ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ، عَنْ هُزَيْلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: إِنَّ أَهْلَ الإِسْلَام لا يُسَيِّبُونَ، وَإِنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يُسَيِّبُونَ. [فتح: ١٢/ ٤٠]. ٦٧٥٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَشْتَرَتْ بَرِيرَةَ لِتُغْتِقَهَا، وَاشْتَرَطَ أَهْلُهَا وَلَءَهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَشْتَرَيْتُ بَرِيرَةَ لأَغْتِقَهَا، وَإِنَّ أَهْلَهَا يَشْتَرِطُونَ وَلَاءَهَا. فَقَالَ: ((أَعْتِقِيهَا، فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ)). أَوْ قَالَ: ((أَعْطَى الثَّمَنَ)). قَالَ: فَاشْتَرَتْهَا فَأَعْتَقَتْهَا. قَالَ: وَخُيَِّتْ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا وَقَالَتْ: لَوْ أُعْطِيتُ كَذَا وَكَذَا مَا كُنْتُ مَعَهُ. قَالَ الأَسْوَدُ: وَكَانَ زَوْجُهَا حُرًّا. قَوْلُ الأَسْوَدِ مُنْقَطِعٌ، وَقَوْلُ ابن عَبَّاسِ: رَأَيْتُهُ عَبْدًا. أَصَحُّ. [انظر: ٤٥٦ - مسلم: ١٥٠٤ - فتح: ١٢ / ٤٠]. ذكر فيه حديث أبي قَيْسٍ -واسمه عبد الرحمن بن مروان كما سلف- عَنْ هُزَيْلِ بن شرحبيل، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: إِنَّ أَهْلَ الإِسْلَام لا يُسَيِّبُونَ، وَإِنَّ أَهْلَ الجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يُسَيِّبُونَ ثم ذكر حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها في قصة بريرة، وفيه: ((إِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ)). أَوْ قَالَ: ((أَعْطَى الثَّمَنَ)). وفي آخره: قَالَ الأَسْوَدُ: وَكَانَ زَوْجُهَا حُرًّا. قَوْلُ الأَسْوَدِ مُنْقَطِعٌ، وَقَوْلُ ابن عَبَّاسٍ: رَأَيْتُهُ عَبْدًا. أَصَحُ. الشرح : اختلف العلماء في ميراث السائبة، فقال الكوفيون والشافعي (١) وأحمد (٢) وإسحاق وأبو ثور: ولاؤه لمعتقه، ونقله ابن حبيب عن (١) ((الأم)) ٤ /٨-٩. (٢) ((المغني)) ٩/ ٢٢٢. ٥٥٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ابن نافع وابن الماجشون (١)، واحتجوا بحديث الباب: ( ((الولاء لمن أعتق)) فالعتق داخل في عموم الحديث، وغير خارج منه)(٢)، ولهذا أدخله البخاري في تبويبه، وقالت طائفة: ميراثه للمسلمين، روي ذلك عن عمر بن الخطاب، وروي عن عمر بن عبد العزيز(٣) وربيعة وأبي الزناد(٤)، وهو قول مالك، قالوا: ميراثه للمسلمين، وعقله عليهم(٥). وهو مشهور مذهبه(٦)، وكأنه أعتقه عنهم، والحجة لهؤلاء أنه إذا قال: أنت حُرُّ سائبةٌ، فكأنه قد أعتقه عن المسلمين، فكان ولاؤه لهم، وهو بمنزلة الوكيل إذا أعتق عن موكله فالولاء له دون الوكيل، وقد ثبت أن الولاء يثبت للإنسان من غير اختياره، وقال الزهري: موالي المعتق سائبة، فإن مات ولم يوال أحدًا فولاؤه للمسلمين(٧)، واحتج الكوفيون فقالوا: لو قال لعبده أنت سائبة، لا ملك لي عليك، وأنت حر سائبة، أن هذا كله لا يزيل عنه الولاء؛ لأن ((الولاء لحمة كلحمة النسب لا يُباع ولا يوهب))، فالهبة كذلك، وبهذا قال ابن نافع وخالف مالگًا فيه. فصل : اختلف في عتق السائبة في ثلاثة مواضع في كراهيته ولمن ولا ؤه، وهل يعتق بقوله: أنت سائبة؟ أو حتى يريد بذلك العتق. (١) ((النوادر والزيادات)) ٢٣٩/١٣. (٢) هُذِه العبارة تأخرت في الأصل، وجاءت بعد في تبويبه اللاحق. (٣) ((المغني)) ٢٢١/٩. (٤) ((التمهيد)) ٧٦/٣. (٥) ((الموطأ)) برواية يحيى ص ٤٩١. (٦) ((التمهيد) ٧٣/٣. (٧) ((المغني)) ٢٢١/٩. ٥٥٣ كِتَابُ الفَرَائِضِ فقال ابن القاسم في ((العتبية)) من رواية أصبغ: أكرهه؛ لأنه كهبة الولاء. وقال أصبغ وسحنون: لا يعجبنا كراهيته، وهو جائز كما يعتق عن غيره من ولد وغيره(١)، وقال ابن نافع: لا سائبة اليوم في الإسلام، وهو يوافق ما في ((الأصل)) عن ابن مسعود، وقد قيل في قوله تعالى ﴿مَا جَعَلَ اَللَّهُ مِنْ بَحِيَرَةٍ وَلَا سَآِبَةٍ﴾ [المائدة: ١٠٣] هو أن يقول لعبده: أنت سائبة. لم يكن عليه ولاء، وأول من سيب السوائب عمرو بن لُحَيٍّ، وولاؤه قد سلف الخوض فيه، وإذا قال لعبده: أنت سائبة -يريد به العتق- فهو حر. وقال أصبغ: هو حر وإن لم ينو؛ لأن لفظ التسبيب عتق(٢). ٠٠ (١) ((النوادر والزيادات)) ٢٤٠/١٣. (٢) ((النوادر والزيادات)) ٢٤٠/١٣. ٥٥٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ٢١ - باب إِثْم مَنْ تَبَرَّأَ مِنْ مَوَالِيهِ ٦٧٥٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَغْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ عَليَّ رضى الله عنه: مَا عِنْدَنَا كِتَابٌ نَقْرَؤُهُ إِلَّ كِتَابُ اللهِ، غَيْرَ هذِه الصَّحِيفَةِ. قَالَ: فَأَخْرَجَهَا فَإِذَا فِيهَا أَشْيَاءُ مِنَ الجِرَاحَاتِ وَأَسْنَانِ الإِبِلِ. قَالَ: وَفِيهَا: (الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ، فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًّا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ، وَمَنْ وَالَى قَوْمًا بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيِهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ، وَذِمَّةُ المُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ. يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ : ١٣٧- أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ)). [انظر: ١١١- فتح: ١٢ / ٤١]. ٦٧٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ◌َّهِ عَنْ بَيْعِ الوَلَاءِ وَعَنْ هِبَتِهِ. [انظر: ٢٥٣٥ - مسلم: ١٣٧ - فتح: ١٢ / ٤٢]. ذكر فيه حديث إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ عَلِيٍّ رضى الله عنه: مَا عِنْدَنَا كِتَابٌ نَقْرَؤُهُ إِلَّا كِتَابُ اللهِ، غَيْرَ هذِهِ الصَّحِيفَةِ. فَأَخْرَجَهَا فَإِذَا فِيهَا أَشْيَاءُ مِنَ الجِرَاحَاتِ وَأَسْنَانِ الإِبِلِ. الحديث: (وَمَنْ وَالَىْ قَوْمًا بِغَيْرٍ إِذْنِ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا)). وحديث ابن عمر رضي الله عنهما السالف أيضًا: نَهَى عَنْ بَيْعِ الوَلَاءِ وَعَنْ هِبَتِهِ . ٥٥٥ كِتَابُ الفَرَائِضِ = الشرح : في نهيه التّئا عن بيع الولاء وعن هبته دليل أنه لا يجوز للمولى التبرؤ من ولاء مواليه، وأن من تبرأ منه وأنكره كان كمن باعه أو وهبه في الإثم، فإن قلت: التقييد بغير إذن مواليه يؤذن جوازه بإذنهم، وهو قول عطاء فيما ذكره عنه عبد الرزاق مستدلا بهذا الحديث أنه إذا أذن الرجل لمولاه أن يوالي من شاء جاز. وهو موافق لما روي عن ميمونة أم المؤمنين أنها وهبت ولاء مواليها للعباس بن عبد المطلب، وهم كذلك إلى اليوم ولاؤهم لهم، وقد أسلفنا ذلك في باب بيع الولاء وهبته من كتاب المدبر. وفي ((المصنف)): سئل النخعي عن رجل أعتق رجلًا فانطلق المعتق فوالى غيره، فقال: ليس له ذلك إلا أن يهبه المعتق. وعن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أن امرأة من محارب أعتقت عبدًا ووهبت ولاءه فوهب نفسه لعبد الرحمن بن أبي بكر، فأجازه عثمان. وعن الشعبي نحوه، وكذا قتادة وابن المسيب(١). قلت: جماعة من الفقهاء لا يجيزون ذلك، (وقد احتج مالك للمنع، قيل له: الرجل يبتاع نفسه من سيده على أنه يوالي من شاء، قال: لا يجوز ذلك)(٢)؛ لأنه التليف قال: ((الولاء لمن أعتق)) ونهى عن بيع الولاء وعن هبته، فإذا جاز لسيده أن يشترط ذلك له، كأن يأذن له أن يوالي من شاء فتلك الهبة التي نهى الشارع عنها. رواه ابن وهب. (١) ((المصنف)) ٣١٤/٤ (٢٠٤٦٩-٢٠٤٧٢) و ٣٠٣/٦ (٣١٦٠٩-٣١٦١٤). (٢) من (ص٢). ٥٥٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = فإن قلت: فما تأويل حديث علي إذن؟ قيل: يحتمل أن يكون منسوخًا بنهيه عن بيع الولاء وعن هبته، ويحتمل أن يكون تأويله كتأويل قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ أَوْلَدَّكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] والإجماع قائم على النهي عن قتلهم مطلقًا، فكذا ما نحن فيه، وكقوله تعالى: ﴿وَرَبَِّبُكُمُ الَّتِى فِى حُجُورِكُم مِّن نِسَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، والإجماع قائم على حرمتها وإن لم يربيها في حجره، فكذا لا يكون ترك إذن الموالي في موالاة غيرهم شرطًا في وجوب لعنه متول غیر موالیه، بل اللعنة متوجهة إليهم في توليهم غيرهم بإذنهم وبغير إذنهم؛ لعموم نهيه عن بيع الولاء وعن هبته، (دليل أنه لا يجوز للمولى)(١). فصل : وفيه من الفقه أنه لا يجوز أن يكتب المولى: فلان ابن فلان. وهو مولاه حتى يقول: فلان مولى فلان، وجائز أن ينتسب إلى نسبه؛ لأنه انتماءٌ إليه؛ لأن ((الولاء لُحْمة كلُحمة النسب)). فصل : من تبرأ من مواليه لم تجز شهادته، وعليه التوبة والاستغفار؛ لأن الشارع قد لعنه، وكل من لعنه فهو فاسق. فصل : وفيه: جواز لعنة أهل الفسق من المسلمين، ومعنى اللعن في اللغة: الإبعاد عن الخير، وسيأتي قريبًا في الحدود معنى نهيه التشيئا عن لعن الذي كان يؤتى به كثيرًا ليجلد في الخمر، وأن ذلك ليس بمعارض للعنه لشارب الخمر وكثير من أهل المعاصي. (١) من (ص٢). ٥٥٧ = كِتَابُ الفَرَائِضِ == فصل : سلف تفسير الصرف والعدل في آخر كتاب الحج في باب حرم المدينة، هل الصرف: الفريضة، والعدل: النافلة، أو عكسه؟ أو الصرف: الوزن، والعدل: الكيل، أو الصرف: التوبة، والعدل: الفدية، أو غير ذلك؟ و(عَير) بفتح العين المهملة: جبل بالمدينة وهو مصروف، ويجوز تركه إذا أردت البقعة. وقوله: ((فمن أخفر مسلمًا)) أي: نقض عهده وعهدته، وخفرته: كنت له خفيرًا يمنعه، وأخفرته أيضًا. فصل : قوله: (فإذا فيها أشياء)، هي جمع شيء وهو لا ينصرف، واختلف في تعليله، فقال الخليل: أصله فعلاء، جمع على غير واحده، كالشعراء جمع على غير واحده؛ لأن الفاعل لا يجمع على فُعلى، ثم أستثقلوا الهمزتين في آخره، فقلبوا الأولى إلى أول الكلمة فقالوا: أشياء، فصار تقديره أفعاء، وقال الأخفش: (هو أفعلاء)(١)، حذفت الهمزة التي بين الياء والألف للتخفيف وبحث معه المازني وأصاب. وقال الكسائي: تركوا صرفها لكثرة استعمالها؛ لأنها شبهت بفعلاء، ويعارض هذا بألا يصرف أسماء، وقال الفراء: أصل شيء شيي فجمع على أفعلاء كأهيناء، ثم خفف فقيل: شيء مثل هين ولين، وقالوا: أشياء فحذفوا الهمزة الأولى، وهذا القول يدخل عليه أن لا يجمع على (أشاوى)(٢). (١) من (ص٢). (٢) غير مقروءة بالأصل، والمثبت أقرب صورها، ولعله الصواب. ٥٥٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ٢٢- باب إِذَا أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ رَجُلٌ وَكَانَ الحَسَنُ لَا يَرِىْ لَهُ وِلَايَةً. وَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ)). وَيُذْكَرُ عَنْ تَمِيم الدَّارِيِّ ﴾ه رَفَعَهُ قَالَ: ((هُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِمَحْيَاهُ وَمَمَاتِهِ)). وَاخْتَلَفُوا فِي صِحَّةِ هُذا الخَبَرِ . ٦٧٥٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ، أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ المُؤْمِنِينَ أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ جَارِيَةً تُغْتِقُهَا، فَقَالَ أَهْلُهَا: نَّبِيعُكِهَا عَلَى أَنَّ وَلَاءَهَا لَنَا. فَذَكَرَتْ لِرَسُولِ اللهِ نََّ فَقَالَ: ((لَا يَمْنَعُكِ ذَلِكِ، فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ)). [انظر: ٢١٥٦ - مسلم: ١٥٠٤ - فتح: ١٢ /٤٥]. ٦٧٥٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدْ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتِ: اشْتَرَيْتُ بَرِيرَةَ فَاشْتَرَطَ أَهْلُهَا وَلَاءَهَا، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ نَ ◌ّهِ فَقَالَ: ((أَعْتِقِيهَا فَإِنَّ الوَلَاءَ لِمَنْ أَعْطَى الوَرِقَ)). قَالَتْ: فَأَعْتَقْتُهَا. قَالَتْ: فَدَعَاهَا رَسُولُ اللهِ ◌َِّ فَخَيَّرَهَا مِنْ زَوْجِهَا فَقَالَتْ: لَوْ أَعْطَانِي كَذَا وَكَذَا مَا بِتُّ عِنْدَهُ. فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا. [انظر: ٤٥٦- مسلم: ١٥٠٤ - فتح: ١٢ / ٤٥]. ثم ساق قصة بريرة من طريقين عن عَائِشَةَ رضي الله عنها، وفي آخر أحدهما: وكان زوجها حرًا. الشرح : أثر الحسن رواه أبو بكر عن وكيع، ثنا سفيان، عن مطرف، عن الشعبي، وعن يونس عنه(١)، وفي رواية عبد الأعلى، عن يونس عنه: لا يرثه إلا إن شاء أوصى بماله(٢). (١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٦/ ٣٠٠ (٣١٥٧٦). (٢) السابق (٣١٥٧٩). ٥٥٩ = كِتَابُ الفَرَائِضِ وحديث تميم أخرجه الترمذي في ((جامعه)) عن أبي كريب، عن أبي أسامة وابن نمير، ووكيع عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، عن عبد الله بن موهب -وقال بعضهم: ابن وهب- عن تميم بن أوس الداري، قال: سألت رسول الله وَّ ما السنة في الرجل يُسْلِمُ على يدِ الرجل .. الحديث، قال: وقد أدخل بعضهم بين عبد الله بن (موهب)(١) وبين تميم قبيصة بن ذؤيب، رواه يحيى بن حمزة كذلك، وهو عندي ليس بمتصل(٢). قلت: حديث يحيى أخرجه أبو داود، عن يزيد بن خالد بن موهب وهشام بن عمار، عن يحيى بن حمزة، عن عبد العزيز بن عمر قال: سمعت عبد الله بن موهب يحدث عن عمر بن عبد العزيز، عن قبيصة بن ذؤيب، عن تميم(٣) . وفي كتاب ابن أبي شيبة و((مسند أحمد)): حدثنا وكيع، حدثنا عبد العزيز بن عمر، عن عبد الله بن موهب؛ قال: سمعت تميمًا .. الحديث(٤) . ورواه ابن بنت منيع عن جماعة، عن عبد العزيز بلفظ: سمعت تميمًا (٥)، فيجوز أن يكون رواه أولًا عن قبيصة، عن تميم، ثم سمعه من تمیم. (١) كذا بالأصل، وفي ((سنن الترمذي)) ٤٢٧/٤: (وهب). (٢) ((سنن الترمذي)) ٤٢٧/٤ (٢١١٢). (٣) أبو داود (٢٩١٨). (٤) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٢٩٩/٦ (٣١٥٦٧)، ((مسند أحمد)) ١٠٢/٤، ١٠٣. ورواه أحمد عن إسحاق بن يوسف الأزرق وأبي نعيم، كلاهما عن عبد العزيز بن عمر. (٥) ابن بنت منيع هو أبو القاسم البغوي، روى الحديث في ((معجم الصحابة)) ٣٦٨/١ - ٣٦٩ (٢٣٤). ٥٦٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وقول البخاري: (واختلفوا في صحة هذا الخبر). هو كما قال، فقد أسلفنا عن الترمذي أنقطاعه، وقال الخطابي: ضعفه أحمد، وقال: راويه عبد العزيز ليس من أهل الحفظ والإتقان(١). قلت: المعتبر كونه ثقة، وهو موجود، قال محمد بن عمار المشبه في الحفظ بالإمام أحمد: ثقة، ليس بين الناس فيه اختلاف، وقال يحيى بن معين في رواية يحيى الغلابي: ثبت، وقال أبو داود تلميذ الإمام أحمد: ثقة، وروى له الجماعة، قال أبو زرعة البصري الدمشقي الحافظ في ((تاريخ دمشق)): حدثني صفوان بن صالح، سمع الوليد بن مسلم يذكر أن الأوزاعي كان يدفع هذا الحديث، ولا يرى له وجهًا، ويحتج بأنه لم يكن للمسلمين يومئذٍ (ديوان)(٢) ولا خراج، قال أبو زرعة: وليس كذلك، بل هو حديث حسن المخرج والاتصال، لم أر أحدًا من أهل (٣) العلم يدفعه(٣). وأما الدارقطني فقال: إنه حديث غريب من حديث أبي إسحاق السبيعي عن ابن موهب تفرد به عنه ابنه يونس، وتفرد به أبو بكر الحنفي عنه، فأفادنا متابعًا لعبد العزيز وهو أبو إسحاق، والغرابة لا تدل على الضعف، فقد تكون في الصحيح، والإسناد الذي ذكره صحيح على شرط الشيخين، وفيه رد لقول ابن المنذر، ورفع الحديث أحمد وتكلم فيه غيره، ولم يروه غير عمر بن عبد العزيز، وهو شيخ ليس من أهل الحفظ، وقال: قد اضطربت روايته له، فروى عنه وكيع وأبو نعيم عن عبد الله بن موهب، قال: سمعت تميمًا ورواه شريك، (١) ((معالم السنن)) ٤ /٩٦. (٢) كذا بالأصل، وفي ((تاريخ دمشق)) ٢٤١/٣٣: (ذمة). (٣) ((تاريخ دمشق)) ٢٤١/٣٣-٢٤٢.