النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
- كِتَابُ الأَيْمَانِ والنُّذُورِ
وروى القاسم بن محمد، عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل
عليّ رسول الله وَّة والبرمة تفور بلحم، فقرب إليه أدم من أدم البيت،
فقال: ((ألم أر برمة فيها لحم)) (١) الحديث، فدل هذا الحديث أن كل
ما في البيت مما جرت العادة بالائتدام به فهو إدام، مائعا كان
أو جامدًا (٢).
فصل :
قال ابن التين: وإن حلف لا يأكل فاكهة حنث بأكل الفاكهة
(كلها)(٣) يابسها ورطبها عند ابن حبيب، ذكره أو لم يذكره.
وقال محمد نحوه إذا ذكر يابسها ورطبها، يريد أنه لا يحنث في
يابسها إلا إذا ذكره؛ لأن الفاكهة إنما تطلق عنده على الطري خاصة.
(١) سلف برقم (٥٠٩٧) كتاب النكاح، باب: الحرة تحت العبد، ورواه مسلم
(١٥٠٤) كتاب: العتق، باب: إنما الولاء لمن أعتق.
(٢) أنظر: ((شرح ابن بطال)) ١٤٥/٦-١٤٧، و((مختصر اختلاف العلماء)) ٢٦٠/٣ -
٢٦١.
(٣) من (ص٢).

٣٦٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٢٣- باب النِّيَّةِ فِي الأَيْمَانِ
٦٦٨٩- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ
سَعِيدٍ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ بنَ وَقَّاصِ اللَّيْثِيَّ يَقُولُ:
سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﴾﴿ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ،﴿ يَقُولُ: ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ
بِالنّيَّةِ، وَإِنَّمَا لِإِمْرِئٍ مَا نَوىُ، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى
اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ آمْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ
إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ». [انظر: ١ - مسلم: ١٩٠٧- فتح ١١ / ٥٧٢].
ذكر فيه حديث عمر بن الخطاب ﴾: ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ (بالنيات)(١)).
وقد سلف أول الكتاب واضحًا، قال المهلب وغيره: إذا كانت
اليمين بين العبد وربه وأتى مستفتيًا فلا خلاف بين العلماء أنه ينوَّي
ويحمل على نيته، وأما إذا كانت اليمين بينه وبين آدمي وادعى في نية
اليمين غير الظاهر لم يقبل قوله، وحمل على ظاهر كلامه إذا كانت
عليه بينة بإجماع.
وإنما اختلفوا في النية إذا كانت نية الحالف أو نية المحلوف له،
فقالت طائفة: النية في حقوق الآدمي نية المحلوف له على كل حال،
وهو قول مالك، وقال آخرون: النية نية الحالف أبدًا، وله أن يوري،
واحتجوا بحديث الباب.
وحجة مالك: أن الحالف إنما ينبغي أن يكون يمينه على ما يدعي
عليه صاحبه؛ لأنه غلبه بحلفه، وقد أجمعوا أنه لا ينتفع بالتورية إذا
أقتطع مال امرئ مسلم بيمينه، فكذلك لا ينتفع بالتورية في سائر
(١) في (ص٢): بالنية.

٣٦٣
كِتَابُ الأَيْمَانِ والنّذُورِ
=
الأيمان، وسيأتي اختلافهم في يمين المكره حيث تجوز التورية في آخر
كتاب الإكراه، أو كتاب ترك الحيل -إن شاء الله تعالى- وشيء منه
مذكور في باب: المعاريض مندوحة عن الكذب، في آخر كتاب
الأدب أيضًا(١) كما سلف.
(١) انظر: ((شرح ابن بطال)) ١٤٧/٦-١٤٨.

٣٦٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٢٤- باب إِذَا أَهْدى مَالَهُ عَلَى وَجْهِ النَّذْرِ وَالتَّوْبَةِ
٦٦٩٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحِ، حَدَّثَنَا ابن وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابن شِهَابٍ،
أَخْبَرَنِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبٍ بْنِ مَالِكِ -وَكَانَ قَائِدَ کَغْبٍ مِنْ بَنِیهِ حِینَ
عَمِيَ - قَالَ: سَمِعْتُ كَغْبَ بْنَ مَالِكِ فِي حَدِيثِهِ ﴿وَعَلَى الشََّثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ﴾
[التوبة: ١١٨] فَقَالَ فِي آَخِرِ حَدِيثِهِ: إِنَّ مِنَ تَوْبَتِي أَّ أَنْخَلِغُ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللهِ
وَرَسُولِهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ وَّةِ: ((أَمْسِلْكَ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهْوَ خَيْرٌ لَكَ)). [انظر:
٢٧٥٧- مسلم: ٢٧٦٩ - فتح ١١/ ٥٧٢]
ذكر فيه حديث كَعْبٍ بْنِ مَالِكِ فِي حَدِيثِهِ ﴿ وَعَلَى الثََّثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ﴾.
[التوبة: ١١٨] فَقَالَ فِي آخِرِهِ: إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أن أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي (صَدَقَةً إِلَى اللهِ
وَرَسُولِهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ◌ََِّّ: ((أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهْوَ خَيْرٌ لَكَ)))(١).
الشرح :
ظاهره أنه أمر أن يتصدق بجزء جيد من ماله، ولعله أكثر من ثلثه؛
لأن بعض الشيء جزء من أجزائه، ولعله العليئها علم أنه ذو مال طائل،
وأن بعضه فيه له كفاية، وهو (يؤيد قول)(٢) سحنون: إن من حلف
بصدقة ماله يخرج ما لا يضر به. ويؤيده قوله الكفيها: ((لا صدقة إلا عن
صَلى له.
وسلاً
ظهر غنى))(٣) وفي ((الموطأ)) في حديث كعب هذا قال له النبي
((يجزئك الثلث)) (٤).
(١) من (ص٢).
(٢) في (ص٢): مؤيد بقول.
(٣) سلف معلقًا بلفظه في كتاب الوصايا، باب: تأويل قول الله تعالى ﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ
يُؤْصِى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ﴾. وسلف مسندًا برقم (١٤٢٦) بلفظ: (خير الصدقة) في كتاب
الزكاة، باب: لا صدقة إلا عن ظهر غنى.
(٤) لم أقف عليه لكعب بن مالك ﴾ في ((الموطأ))، وإنما هو لأبي لبابة بن عبد المنذر
ولفظه ((يجزئك من ذلك الثلث)) ((الموطأ)) ص ٢٩٧.

٣٦٥
= كِتَابُ الأَيْمَانِ والنُّذُورِ
واختلف في قوله: (من توبتي أن أنخلع من مالي). هل التزم الصدقة
بجميع ماله، أو إنما أراد أن يفعل ذلك ولم يوجب ذلك؟ واحتج من
قال: إنه التزم بقوله العليا: ((يجزئك من ذلك الثلث)). فلو كان الكلام
منه على سبيل المشورة والعرض ما قال ذلك، (وقد تنازع فيه)(١).
واختلف فيمن حلف بصدقة ماله فحنث على ثمانية أقوال:
أحدها: يلزمه ثلث ماله، قاله مالك.
ثانيها: لابن وهب: إن كان ماليًّا فكذلك، وإن كان فقيرًا فكفارة
يمين، وهو قول الليث وإن كان متوسطًا يخصه الثلث، فأقول فيه
بقول ربيعة أنه يخرج زكاة ماله. وقال سحنون: يخرج ما لا يضر به،
وسلف ذكره. وقال النخعي: يخرج جميع ماله. وقال أبو حنيفة: إن
علقه بشرط كإن دخلت الدار، أو إن شفى الله مريضي، فالقياس أن
يلزمه كل ماله، ويستحسن بالأموال التي تجب فيها الزكاة.
وقال الشافعي: إن أخرجه مخرج التبرر مثل: إن شفى الله مريضي،
فيلزمه جميع ماله، وإن كان لجاجًا وغضبًا (فيقصد منع نفسه من فعل
مباح كإن دخلت الدار. فهي بالخيار، إن شاء يفي بذاك أو يكفر
کفارة یمین.
وقال ابن أبي ليلى: لا نلزمه شيئًا أصلًا، وقاله الشعبي والحاكم
وحماد)(٢).
وروى قتادة، عن جابر: إن كان كثير المال لزمه العشر وإن كان
متوسطًا فالسبع، وإن كان قليلاً فالخمس.
(١) من (ص٢).
(٢) ما بين القوسين في الأصل عليه: (لا .. إلى).
1

٣٦٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وقال قتادة: والكثير ألفان؛ والوسط ألف، والقليل خمسمائة، فهذِه
ثمانية أقوال منها ثلاثة في مذهب مالك.
وحكى ابن بطال في المسألة خمسة أقوال، وفرضها في قول
الرجل: مالي في سبيل الله، فحکی:
أولًا: عن طائفة لا شيء عليه، ونسبه إلى الشعبي وابن أبي ليلى
وطاوس.
وثانيها: أن عليه كفارة يمين، روي عن عمر وابنه وابن عباس
وعائشة، وأنه قول عطاء وأنه ذهب إليه الثوري والأوزاعي والشافعي
وأحمد وإسحاق وأبو ثور.
وثالثًا: وهو أن يتصدق من ماله بقدر الزكاة، روي أيضًا عن ابن عمر
وابن عباس، وبه قال ربيعة.
ورابعًا: أن يخرج ثلث ماله فيتصدق به، وهو قول مالك.
وخامسًا: يخرج ماله كله، روي عن النخعي، وهو قول أبي حنيفة
وزفر إلا أن أبا حنيفة قال: يتصدق بالأموال التي تجب فيها الزكاة
خاصة. وقال زفر: يحبس لنفسه من ماله قوت شهرين ثم يتصدق
بمثله إذا أفاد. حجة الأول أنه لو قال: مالي حرام لم يحرم عليه
بإجماع فكذلك في هذه المسألة، واحتج الشافعي بحديث أبي الخير
عقبة بن عامر: أنه القَّه قال: ((كفارة النذر كفارة يمين)) وهذا أخرجه
مسلم(١)، فظاهره يقتضي أن كل نذر كفارته كفارة يمين إلا ما قام
دليله، وذهب ربيعة إلى أن الزكاة جعلها الله طهرة للأموال، فكذلك
هذا الحالف بصدقة ماله يطهره ما يطهر الزكاة.
(١) مسلم (١٦٤٥) كتاب النذر، باب: في كفارة النذر.

٣٦٧
- كِتَابُ الأَيْمَانِ والنُّذُورِ
﴿ وَمِنْهُم مَنْ عَهَدَ اللَّهَ لَإِنُ ءَاتَنَنَا مِن
واحتج أبو حنيفة بقوله تعالى :
﴾ [التوبة: ٧٥] فبين تعالى أنهم لما لم
١٧٥
فَضْلِهِ، لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الصَّلِحِينَ
يفوا بما عاهدوا الله عليه، استحقوا الوعيد والذم فلزمهم الوفاء به.
واحتج ابن شهاب لمن قال: يجزئه الثلث بحديث الباب ((أمسك
عليك بعض مالك فهو خير لك))، وقوله الكليه لأبي لبابة في مثل
ذلك: ((يجزئك الثلث))(١) فكان مبينًا لما أجمل في حديث كعب من
مقدار الجزء المتصدق به، فثبت بحديث أبي لبابة التقدير، وسقطت
سائر الأقاويل، وقد أسلفنا مثله في حديث كعب أيضًا .
قال ابن القصار: ومن الحجة لمالك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَ
نَصِيبَكَ مِنَ الذُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧] فأمر تعالى بأن لا ينسى نصيبه من
الدنيا؛ لما بالخلق ضرورة إليه من الوقت وما لابد منه، ووجب
الاقتصار على إخراج الثلث لما ذكر، ويدل على صحة هذا القول أن
المريض لما منع من إخراج ماله إلا الثلث نظرًا لورثته وإبقاءً عليهم،
وجب أن يبقي (المرء)(٢) على نفسه متى قصد إخراج ماله كله.
وأما من قال: يخرج زكاة ماله فلا وجه له؛ لأنها واجبة على
الإنسان، وإن لم ينذرها، وأما قول أبي حنيفة أنه لا يخرج إلا الأموال
التي تجب فيها الزكاة فقط، فإننا نقول: إن الأموال تشتمل على ما فيه
الزكاة، وعلى ما لا زكاة فيه، قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَرَهُمْ
وَأَمْوَلَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٢٧] ولم يفرق بين عبيدهم وعروضهم، وبين العتق
والرتق والحرث والماشية(٣).
(١) سبق تخريجه في ((الموطأ))، ورواه أبو داود برقم (٣٣١٩).
(٢) من (ص٢).
(٣) ((شرح ابن بطال)) ١٤٨/٦ - ١٥٠.

٣٦٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٢٥- باب إِذَا حَرَّمَ طَعَامَهُ
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى قوله:
﴿تَجِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ﴾ [التحريم: ١- ٢] وَقَوْلُهُ: ﴿لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَآَ
أَحَلَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧].
٦٦٩١ - حَدَّثَنَا الَحَسَنُ بنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الَحَجَّاجُ، عَنِ ابن جُرَيْجٍ قَالَ: زَعَمَ عَطَاءٌ
أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَزْعُمُ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َلِ كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ
زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَيَشْرَبُ عِنْدَهَا عَسَلًا، فَتَوَاصَيْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ أَنَّ أَيَّتَنَا دَخَلَ عَلَيْهَا
النَّبِيُّ ◌َِّ فَلْتَقُلْ: إِنِي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَا،
فَقَالَتْ ذَلِكَ لَهُ. فَقَالَ: ((لَا، بَلْ شَرِبْتُ عَسَلَا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَلَنْ أَعُودَ
لَهُ)). فَتَزَلَتْ: ﴿وَأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَآ أَحَلَ اللَّهُ لَكَّ﴾، ﴿إِن نَنُوبَآ إِلَى اللّهِ﴾ [التحريم:
٤]، لِعَائِشَةَ وَحَقْصَةَ، ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِىُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَجِهِ، حَدِيثًا﴾ [التحريم: ٣] لِقَوْلِهِ:
(بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا)).
وَقَالَ لِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى: عَنْ هِشَامٍ: ((وَلَنْ أَعُودَ لَهُ، وَقَدْ حَلَفْتُ، فَلَا
تُخْبِرِي بِذَلِكَ أَحَدًا)). [انظر: ٤٩١٢ - مسلم: ١٤٧٤ - فتح ١١ / ٥٧٤].
ثم ساق حديث ابن جُرَيْج قَالَ: زَعَمَ عَطَاءٌ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ
يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ رضي الله عنها تَزْعُمُ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ
زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَيَشْرَبُ عِنْدَهَا عَسَلًا ... الحديث إلى قوله: أَكَلْتَ
مَغَافِيرَ؟ فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَا، فَقَالَتْ له ذَلِكَ. قَالَ: (لَا، بَلْ شَرِبْتُ
عَسَلَا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَلَنْ أَعُودَ لَهُ)). فَنَزَلَتْ: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ
تُحُرِمُ مَآ أَحَلَ اللَّهُ لَكِّ﴾، ﴿إِن نَنُوبَآ إِلَى اللَّهِ﴾ [التحريم: ٤]، لِعَائِشَةَ
وَحَفْصَةَ، ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِىُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَجِ حَدِينًا﴾ [التحريم: ٣] لِقَوْلِهِ:
(بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا)).
.

٣٦٩
كِتَابُ الأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ
=
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَىْ، عَنْ هِشَامٍ: ((وَلَنْ أَعُودَ لَهُ، فَلَا تُخْبِرِي
بِذَلِكَ أَحَدًا».
الشرح :
هذا الحديث سلف الكلام عليه في موضعه. والمغافير: واحده
مغفور، وهو شيء ينتجه شجر العرفط كريه الرائحة، وقيل: هو حلو
كالناطف يحل بالماء ويشرب، ويقال: مغثور بالثاء كثوم، وفوم،
وجدف، وجدت.
وذكر ابن حمدون في ((تذكرته)) أن المغافير: البطون، كأنه أراد
رائحة البطون.
قال أبو عمرو: يقال أغفر الرمث: إذا ظهر ذلك فيه.
وقال الكسائي: يقال: خرج الناس يتمغفرون إذا خرجوا يجتنونه من
ثمره.
وهذا التعليق خرجه مسندًا في التفسير، فقال: حدثنا إبراهيم بن
موسى، ثنا هشام، عن ابن جريج، عن عطاء، كما سلف(١).
(وقوله: (فنزلت) إلى آخره، هذا قول. وأكثر المفسرين على أنها
نزلت في مارية حين حرمها على نفسه)(٢).
وقوله: ( ((ولن أعود له))) قال مالك: إنه حرمه على نفسه باليمين.
أي: قال: والله لا أعود له؛ فلذلك كفره، وأما من حرم على نفسه طعامًا
أو شرابًا أو غير ذلك من المباح فلا شيء عليه في فعل ذلك، وبه قال
الشافعي، وقال أبو حنيفة: يلزمه كفارة يمين في المأكول والمشروب
(١) سلف برقم (٤٩١٢) سورة التحريم، باب: ﴿يَّأَيُّهَا النَِّىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَا أَحَلَ اللّهُ لَكٌ﴾.
(٢) من (ص٢).

٣٧٠
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
دون الملبوس والطيب، دليلنا قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ
ـكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] ولأنه حرم على نفسه ما لا يصح فيه طلاق ولا عتاق،
فلم يكن للتحريم تأثير أصله اللباس والطيب، والدليل من هذِه الآية قوله
﴿يَجِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ﴾، وقوله في الحديث: ((قد حلفت)) وهي دالة على أن
الكفارة المذكورة في الآية من أجل يمينه.
فصل :
قوله ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِىُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَجِهِ، حَدِينًا﴾ [التحريم: ٣] هو ما سلف
من قصة مارية أو العسل، وأغرب من قال: إنه خلافة الصديق وأنه خليفة
بعده .
فصل :
في بسط مسألة الباب اختلف العلماء فيمن حرم على نفسه طعامًا
أو شرابًا أحله الله له على قولين: أحدهما: لا يحرم عليه ذلك، وعليه
كفارة يمين، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والأوزاعي.
وثانيهما: وهو قول مالك: لا يكون الحرام يمينًا في طعام ولا في
شراب إلا في المرأة، فإنه يكون طلاقًا يحرمها عليه، وروى الربيع عن
الشافعي كقول مالك: إن حرم على نفسه طعامًا أو شرابًا فهو حلال له،
ولا كفارة علیه.
وروي عن بعض التابعين أن التحريم ليس بشيء، وسواء حرم على
نفسه زوجته أو شيئًا من ذلك لا يلزمه كفارة في شيء من ذلك، وهو قول
أبي سلمة ومسروق والشعبي. حجة من لم يوجبها حديث عائشة أن الآية
نزلت في شرب العسل الذي حرمه الشارع على نفسه، ولم يذكر في ذلك
كفارة.

٣٧١
كِتَابُ الأَيْمَانِ والنُّذُورِ
=
وحجة الموجب أن سبب نزولها مارية كما سلف، فكفر وأصاب
جاريته، وهو قول قتادة وغيره، وقال القاضي إسماعيل: الحكم في
ذلك واحد؛ لأن الأمة لا يكون فيها طلاق فتطلق بالتحريم، فكان
تحريمها كتحريم ما يؤكل ويشرب، ولعل القصة قد كانتا جميعًا في
وقتين مختلفين، غير أن أمر الجارية في هذا الموضع أشبه لقوله
تعالى: ﴿تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَجِكَ﴾ [التحريم: ١] ولقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ
النَِّىُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَجِهِ حَدِيثًا﴾ [التحريم: ٣] فكان ذلك في الأمة أشبه؛
لأن الرجل يغشى أمته في ستر ولا يشرب العسل في ستر، وتحريم
الأمة فيه مرضاة لهن، وتحريم الشراب إنما حرمه للرائحة وقد يمكن
أن يكون حرمها وحلف كما روي، ويمكن أن يكون حرمها بيمينه
بالله؛ لأن الرجل إذا قال لأمته: والله لا أقربك فقد حرمها على نفسه
باليمين، فإذا غشيها وجبت عليه اليمين، وإذا قال لأمته: أنت عليَّ
حرام فلم يحلف، وإنما أوجب على نفسه شيئًا لا يجب، فلم تحرم
عليه، ولم تكن كفارة؛ لأنه لم يحلف، وقوله لامرأته: أنت عليَّ
حرام مثل قوله: أنت طالق، فلا تحرم (عليه)(١)، وكذلك: أنت خلية
وبرية وبائن، ليس في شيء منه يمين، وإنما هو فراق أوجبه الإنسان
على نفسه، فإن كان شيئًا يجب وجب، وإن كان لا يجب لم يجب،
وقد قال الطّها: ((من نذر أن يعصي الله فلا يعصه))(٢) فلم يوجب كفارة
كما أوجبها في قوله: ((من حلف على يمين)) الحديث(٣).
(١) الأصل: (به)، والمثبت من (ص٢) وهو الصواب.
(٢) سيأتي قريبًا برقم (٦٦٩٦) باب: النذر في الطاعة.
(٣) رواه مسلم برقم (١٦٥٠) كتاب الأيمان، باب: ندب من حلف يمينًا فرأى غيرها
خيرًا منها أن يأتي الذي هو خير، ويكفِّر عن يمينه. من حديث أبي هريرة.
=

٣٧٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قال المهلب: والتحريم إنما هو لله ولرسوله، فلا يحل لأحد أن
يحرم شيئًا، وقد وبخ الله من فعل ذلك فقال: ﴿لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَّ
أَحَلَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوَأْ﴾ [المائدة: ٨٧] فجعل ذلك من الاعتداء، وقد
قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسَِئُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ
لِتَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦] فهذا كله حجة في أن تحريم
الناس ليس بشيء(١).
وقد سلف من حديث أبي موسى برقم (٣١٣٣) ولفظه: ((لا أحلف على يمين،
=
فأرى غيرها خيرًا منها؛ إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها)).
(١) انظر: ((شرح ابن بطال)) ١٥١/٦ -١٥٣.

٣٧٣
= كِتَابُ الأَيْمَانِ والنُّذُورِ
٢٦ - باب الوَفَاءِ بِالنَّذْرِ
وَقَوْلِهِ وَى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧].
٦٦٩٢- حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ صَالِحِ، حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ
الحَارِثِ أَنَّهُ سَمِعَ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما يَقُولُ: أَوَلَمْ يُنْهَوْا عَنِ النَّذْرِ؟ إِنَّ النَّبِيَّ ◌َة.
قَالَ: ((إِنَّ الَّذْرَ لَا يُقَدِّمُ شَيْئًا وَلَا يُؤَخِّرُ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِالَّذْرِ مِنَ الْبَخِيلِ)).
[انظر: ٦٦٠٨- مسلم: ١٦٣٩ - فتح ١١/ ٥٧٦]
٦٦٩٣- حَدَّثَنَا خَلَادُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ
مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: نَهَى النَّبِيُّ ◌ََّ عَنِ النَّذْرِ وَقَالَ: ((إِنَّهُ لَا يَرُدُّ شَيْئًا، وَلَكِنَّهُ
يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ)). [انظر: ٦٦٠٨ - مسلم: ١٦٣٩ - فتح ١١ / ٥٧٦].
٦٦٩٤ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَغْرَجِ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((لَا يَأْتِي ابن آدَمَ النَّذْرُ بِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ قُدِّرَ لَهُ، ولكن
يُلْقِيهِ النَّذْرُ إِلَى القَدَرِ قَدْ قُدِّرَ لَهُ، فَيَسْتَخْرِجُ اللهُ بِهِ مِنَ البَخِيلِ فَيُؤْتِي عَلَيْهِ مَا
لَمْ يَكُنْ يُؤْتِي عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ)). [انظر: ٦٦٠٩ - مسلم: ١٦٤٠ - فتح ١١ / ٥٧٦]
ذكر فيه حديث سَعِيدِ بْنِ الحَارِثِ أَنَّهُ سَمِعَ ابن عُمَرَ رضي الله
عنهما يَقُولُ: أَوَلَمْ يُنْهَوْا عَنِ النَّذْرِ؟ إِنَّ النَّبِيَّ ◌َلِ قَالَ: ((إِنَّ النَّذْرَ لَا يُقَدِّمُ
شَيْئًا وَلَا يُؤَخِّرُهُ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِالنَّذْرِ مِنَ الْبَخِيلِ)).
وحديث ابن عُمَرَ رضي الله عنهما أيضًا: نَهَى النَّبِيُّ وََّ عَنِ النَّذْرِ
وَقَالَ: ((إِنَّهُ لَا يَرُدُّ شَيْئًا، ولكن يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ البَخِيلِ)).
وحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((لَا يَأْتِي ابن آدَمَ النَّذْرُ
بِشَيْءٍ لَمْ أكن قدرته، ولكن يُلْقِهِ النَّذْرُ إِلَى القَدَرِ قَدْ قدرته، فَيَسْتَخْرِجُ اللهُ
بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ فَيُؤْتِي عَلَيْهِ مَا لَمْ يَكُنْ يُؤْتِي عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ)).
أي: أنا قدرت عليه الشدة التي نذر من أجلها المعتل هو النذر

٣٧٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ليحلها عنه، والنذر لا يحل عنه الشدة، فهو لا يغني شيئًا، والمقدور
كائن، فيجعل الناذر هذا الفعل سلامة من الشدة المقدرة، ويكون
ذلك النذر سهمًا استخرجه من البخيل للشدة التي عرضت له، فهذا
تفسير ((فيؤتي عليه ما لم يكن يؤتي -لو لم يقدر عليه الشدة- من قبل))
وفيه رد على القدرية.
فصل :
حديث ابن عمر وأبي هريرة سلفا في كتاب القدر، واختلف عندنا
في أبتداء النذر فقيل: إنه مستحب، وقيل: مكروه، وبه جزم الثوري،
ونص الشافعي على أنه خلاف الأولى(١).
وحمل بعض المتأخرين النهي على نذر اللجاج، واستحب نذر
التبرر، وقام الإجماع على وجوب الوفاء به إذا كان طاعة، وقد قال
تعالى: ﴿أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] وقال: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ فمدحهم
بذلك، وقوله الَّا: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه))(٢) وإنما اختلفوا في
اليمين بالطاعة، كالصدقة بالمال والمشي إلى مكة، فذهب مالك إلى
أن اليمين في ذلك كالنذور وأن كفارتها الوفاء بها، ورأى بعض
العلماء أنها أيمان يكفرها ما يكفر اليمين، وليست في معنى النذر
فيلزم الوفاء؛ لأن النذر قصد به التبرر والطاعة لله، وهذه الأيمان
إنما قصد بها إلى أشياء من أمور الدنيا كقولهم: مالي صدقة إن فعلت
كذا، فافترقا لهذه العلة.
(١) ورد في هامش الأصل: حاشية: قوله: ونص الشافعي على أنه خلاف الأولى. لم
أره في كلام غيره، فلیحرر.
(٢) سيأتي قريبًا برقم (٦٦٩٦)، باب: النذر في الطاعة.

٣٧٥
=ِ كِتَابُ الأَيْمَانِ والنُّذُورِ
(فصل) (١) :
(١)
قال المهلب: قوله: ((لا يقدم شيئًا ولا يؤخره)) يعني: من قدر الله
ومشيئته .
وقوله: ((يستخرج به من البخيل)) يعني: أن من الناس من لا يسمح
بالصدقة والصوم إلا إذا نذر شيئًا لخوف أو طمع، فكأنه لولا ذلك الشيء
الذي طمع فيه أو خافه لم يسمح بإخراج ما قدره الله تعالى ولا يفعله،
فهو بخیل.
وقوله: ((فيؤتي عليه)) يعني: فعل ما يجعله الناذر على نفسه لله مما لم
یکن یفعله لغير نذر(٢) .
-----
(١) من (ص٢).
-
(٢) أنظر: ((شرح ابن بطال)) ١٥٤/٦-١٥٥.

٣٧٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٢٧- باب إِثْمِ مَنْ لَا يَفِي بِالَّذْرِ
٦٦٩٥- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ يَخْيَى، عَنْ شُغْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو جَمْرَةَ، حَدَّثَنَا
زَهْدَمُ بْنُ مُضَرِّبٍ قَالَ: سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنِ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ:
(خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الذِينَ يَلُونَهُمْ - قَالَ عِمْرَانُ: لَا أَدْرِي ذَكَرَ
ثِثْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَا بَعْدَ قَرْنِهِ- ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ يَنْذُرُونَ وَلَا يَفُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا
يُؤْتَمَنُونَ، وَيَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ)). [انظر: ٢٦٥١- مسلم:
٢٥٣٥ - فتح ١١ / ٥٨٠] .
ذكر فيه حديث عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ نَّ قَالَ:
(خَيْرُكُمْ قَرْنِ، ثُمَّ الذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الذِينَ يَلُونَهُمْ)) ... الحديث، وقد
سلف غير مرة(١) .
وموضع الحاجة منه قوله: (ثم يجيء قوم ينذرون ولا يفون)) وهو
يوجب الذم والنقص لمن لم يف بالنذر، وهذا من أشراط الساعة،
وقرن الشارع من لم يف بالنذر بخيانة الأمانة في قوله: (ينذرون
ولا يفون ويخونون ولا يؤتمنون)) وذلك أن من لم يف لله تعالى
بما عاهده فقد خان أمانته في نقضه ما جعل (لربه)(٢) على نفسه،
فأشبه ذلك من خان غيره فيما ائتمنه عليه، والأول أعظم خيانة
وأشد إثمًا، وأثنى الله تعالى على أهل الوفاء به فقال: ﴿يُوفُونَ بِالنَّدْرِ﴾
[الإنسان: ٧] الآية فدل هذا أن الوفاء بالنذر مما يدفع به شر ذلك
اليوم.
(١) سلف برقم (٣٦٥٠) كتاب فضائل الصحابة، باب: فضائل أصحاب النبي
وبرقم (٦٤٢٨) كتاب الرقاق، باب: ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها.
(٢) من (ص٢).

٣٧٧
كِتَابُ الأَيْمَانِ والنُّذُورِ
=
فصل :
وقوله: ( ((ويظهر فيهم السمن)) ) هو كناية عن رغبتهم في
الدنيا وإيثارهم شهواتها على الآخرة وما أعد الله فيها لأوليائه من
الشهوات التي لا تنفد، والنعيم الذي لا يبيد، فهم يأكلون في
الدنيا كما تأكل الأنعام ولا يقتدون بمن كان قبلهم من السلف، الذين
كانت همتهم من الدنيا في أخذ القوت والبلغة وتوفير الشهوات إلى
آخره .
فصل :
وقوله: ( ((ينذرون ولا يفون)) ) كذا وقع، ثلاثي، وهو صحيح يقال:
وفّى بعهده، وأوفى. ولغة القرآن أولى: رباعي.

٣٧٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٢٨ - باب النَّدْرِ فِي الطَّاعَةِ
﴿وَمَآ أَنْفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ﴾ [البقرة: ٢٧٠].
٦٦٩٦- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمِ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ، عَنِ القَاسِمِ،
عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، عَنِ النَّبِيِّ نََّ قَالَ: ((مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ،
وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ)). [٦٧٠٠ - فتح ١١ / ٥٨١]
ذكر فيه حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها، عَنِ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: ((مَنْ نَذَرَ
أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ)).
(الشرح)(١): النذر في الطاعة واجب الوفاء به عند جماعة الفقهاء
لمن قدر عليه، وإن كانت تلك الطاعة قبل النذر غير لازمة فنذره لها
قد أوجبها عليه؛ لأنه ألزمها نفسه لله تعالى، فكان من ألزم نفسه شيئًا
لله تعالى، فقد تعين عليه فرض الأداء، وقد ذم الله تعالى من أوجب
على نفسه شيئًا ولم يف به، قال تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةٌ أَبْتَدَعُوهَا﴾ الآية
[الحديد: ٢٧]، وسيأتي اختلافهم في نذر المعصية في بابه - إن شاء
الله تعالى- وقسم بعضهم النذر على ضربين مجهول كـ: لله عليَّ نذر.
فعليه كفارة عند مالك.
وقال ابن عباس: عليه أغلظ الكفارات كالظهار(٢)، وقيل: إن شاء
صام يومًا أو أطعم مسکینًا أو صلى ركعتين ونذر معلوم یسمی مخرجه،
ولا يخلو من أقسام أربعة: طاعة كالصلاة، أو معصية كالزنا، أو مكروهًا
كنذر ترك التطوع، أو مباحًا كنذر أكل المباحات ولبسه، واللازم منه
(١) في الأصل: فصل.
(٢) رواه عبد الرزاق ٤٤١/٨ (١٥٨٣٤، ١٥٨٣٥) وابن أبي شيبة ٧١/٣ (١٢٧٤،
١٢١٨٠).

٣٧٩
= كِتَابُ الأَيْمَانِ والتُّذُورِ
الطاعة والقربة عملًا بحديث الباب، ولا يلزم الوفاء بما عداه (عملًا)(١)
ببقية الحديث، وبحديث أبي إسرائيل الآتي(٢).
(١) من (ص٢).
(٢) سيأتي برقم (٦٧٠٤).

٣٨٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٢٩- باب إِذَا نَذَرَ أَوْ حَلَفَ
أَنْ لَا يُكَلِّمَ إِنْسَانًا فيِ الجَاهِلِيَّةِ ثُمَّ أَسْلَمَ
٦٦٩٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلِ أَبُو الحَسَنِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ
عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِّ نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ
أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ. قَالَ: ((أَوْفٍ بِنَذْرِكَ)). [انظر: ٢٠٣٢- مسلم: ١٦٥٦ - فتح
١١/ ٥٨٢]
ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ عُمَرَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ،
إِنِّي نَذَرْتُ فِي الجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ. قَالَ: (أَوْفٍ
بِنَذْرَِكَ)). وقد سلف قبل.
معنى قوله: (في الجاهلية) في زمننا وأنا مسلم، وهو خلاف ما فهمه
البخاري وبوب عليه.
وقال الشيخ أبو الحسن القاضي: لم يأمره الشارع على جهة
الإيجاب، إنما هو على جهة الرأي، وقيل: أراد التّ أن يعلمهم أن
الوفاء بالنذر من آكد الأمور، فغلظ أمره بأن جعله لازمًا لعمر، وإن
كان أصل التزامه من الجاهلية؛ لأنهم كانوا حديثي عهد بكفر؛ ليتأكد
عندهم إيجابه، وقد اختلف العلماء في إيجاب الوفاء عليه إذا أسلم،
والأصح عندنا استحبابه
وأما ابن بطال فنقل عن الشافعي وأبي ثور إيجابه، وإن حنث بعد
إسلامه فعليه الكفارة وهو قول الطبري، قالوا: والأمر فيه على
الوجوب، وهو قول المغيرة المخزومي، إليه ذهب البخاري، وقاس
اليمين على النذر، إن كان النذر مما الوفاء به طاعة في الإسلام لزمه