النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ كِتَابُ الأَيْمَانِ والنّذَورِ = رمضان، نحن وهم متفقون على أن الكفارة تجب عليه، ولعله أعظم إثمًا من اليمين الغموس، وهم يرون الكفارة على من تعمد إفساد حجه بالهدي، ولعله أعظم إثما من حالفٍ بيمين غموس. وأعجب من هذا قولهم فيمن حلف أن لا يقتل مؤمنا متعمدًا، وأن (لا يصلي)(١) اليوم الصلاة المفروضة، وأن لا يعمل بالربا، وأن لا يزني، ثم لم يصل في يومه ذلك وزنى وقتل النفس التي حرم الله وأربى فإن عليه الكفارة في أيمانه تلك، فيا لله وللمسلمين أيهما أعظم إثمًا؟ فإن توهموا بأن قولهم روي عن ابن مسعود ، ولا يعرف له . من الصحابة مخالف. قلنا: هي رواية منقطعة لا تصح؛ لأن أبا العالية لم يلق ابن مسعود ولا أمثاله من الصحابة، إنما أدرك أصاغر الصحابة كابن عباس وشبهه، وقد خالفوا ابن مسعود في قوله: إن من حلف بالقرآن أو بسورة منه فعليه بكل آية كفارة، ولا يعرف له في ذلك مخالف من الصحابة(٢). قلت: قد ذكر البخاري في ((تاريخه الكبير)) قال: قال الأنصاري: عن زائدة، عن هشام، عن حفصة، عن أبي العالية، أنه سمع علي بن أبي طالب. وقال معاذ بن أسد: ثنا الفضل بن موسى، أنا الحسين بن واقد، عن ربيع بن أنس، عن أبي العالية، قال: دخلت على أبي بكر الصديق فأكل لحمًا ولم يتوضأ. حدثنا محمد بن يحيى، ثنا سلم بن قتيبة، عن أبي خلدة قال: سألت أبا العالية: هل رأيت رسول الله وَل﴾؟ قال: أسلمت في عامين من بعد موته. (١) كذا في الأصل، والصحيح: (يصلي)، والله أعلم. (٢) ((المحلى)) ٣٧/٨ -٤٠. ٣٤٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وقال آدم: حدثنا شعبة، عن قتادة، قال: سمعت أبا العالية - وكان أدرك عليًّا - قال: قال علي: القضاة ثلاثة(١). وقال في ((تاريخه الصغير)»: صحب عمر بن الخطاب وسمع عليًّا(٢)، وقال العسكري في ((الصحابة)): روي أنه دخل على أبي بكر، وقال ابن سعد في ((طبقاته)): في الطبقة الأولى من أهل البصرة سمع ابن عمر وأبي بن كعب وغيرهما(٣). وقال العجلي: هو من كبار التابعين(٤)، وعند الآجري قال أبو داود: سمع من عمر وعثمان، وقال: رأيت أبا بكر، وفي ((طبقات القراء)) قال أبو العالية: قرأت القرآن العظيم على عمر بن الخطاب ثلاث مرات، وقال أبو عمر في ((الاستيعاب)): هو أحد كبار التابعين بالبصرة. روى عن أبي بكر وعمر، واختلف في سماعه منهما، والصحيح أنه سمع منهما، وفي ((طبقات ابن جرير)): قبض رسول الله وَل وهو ابن أربع سنين. وذكره أبو نعيم الدكني في ((تاريخه)) في جملة الرواة عن علي، والعجب أن ابن حزم (نفسه)(٥) ذكره في الطبقة الأولى من قراء أهل البصرة، وقال: أبو العالية رفيع قرأ القرآن العظيم على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ثلاث مرات، واعلم أن لفظ ابن مسعود: كنا نعد من الذنب الذي لا كفارة له اليمين الغموس. كذا ذكره آدم بن أبي (١) ((التاريخ الكبير)) ٣٢٦/٣ (١١٠٣). (٢) ((التاريخ الصغير)) ٢٢٥/١. (٣) ((الطبقات الكبرى)) ١١٧/٧. وفيه: سمع عمر. (٤) ((معرفة الثقات)) ٤١٢/٢. (٥) من (ص٢). ٣٤٣ = ڪِتَابُ الأَيْمَانِ والنُّذُورِ إياس في كتاب شعبة، ثنا أبو التياح قال: سمعت رفيعًا أبا العالية يقول: قال ابن مسعود، فذكره. وفي هذا التصريح ما يزيل توهم قد يتوهمه متوهم أن رفيعًا أبا العالية البراء زياد بن فيروز. ٣٤٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ١٩- باب إِذَا قَالَ: والله لَ أَتَّكَلَّمُ اليَوْمَ، فَصَلَّى أَوْ قَرَأَ أَوْ سَبَحَ أَوْ كَبَّرَ أَوْ حَمِدَ أَوْ هَلَّلَ، فَهْوَ عَلَى نِيَّتِهِ وَقَالَ النَّبِيُّ وََّ: ((أَفْضَلُ الكَلَامِ أَرْبَعُ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لله، وَلا إله إِلَّ اللهُ، والله أَكْبَرُ)). قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: كَتَبَ النَّبِيُّ ﴿رَّ إِلَى هِرَقْلَ: ((تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ)). وَقَالَ مُجَاهِدٌ: كَلِمَةُ التَّقْوى لا إله إِلَّا اللهُ. ٦٦٨١- حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَبِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبِ الوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللهِ وَلَّهِ فَقَالَ: ((قُلْ: لَا إِلَه إِلَّ اللهُ. كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ)). [انظر: ١٣٦٠ - مسلم: ٢٤ - فتح ١١/ ٥٦٦] . ٦٦٨٢- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ القَغْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُزْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ إِلَ: ((كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الِمِيزَانِ، حَبِيَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللهِ العَظِيمِ)). [انظر: ٦٤٠٦ - مسلم: ٢٦٩٤ - فتح ١١ / ٥٦٦]. ٦٦٨٣- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الأَغْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ظُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِن ◌َّ كَلِمَةً وَقُلْتُ أُخْرِىُ: ((مَنْ مَاتَ يَجْعَلُ لله ◌ِدَّا أُدْخِلَ النَّارَ)). وَقُلْتُ أُخْرِىُ: مَنْ مَاتَ لَا يَجْعَلُ لله نِدًّا أُدْخِلَ الْجَنَّةَ. [انظر: ١٢٣٨ - مسلم: ٩٢ - فتح ٥٦٦/١١]. أي: إذا كانت نيته لا يتكلم في شيء من أمر الدنيا، فلا حنث عليه إذا سبح. قال ابن بطال: المعنى عند العلماء في الحالف أن لا يتكلم اليوم أنه ٣٤٥ = كِتَابُ الأَيْمَانِ والنُّذُورِ محمول على كلام الناس لا على التلاوة والتسبيح(١). ثم قال البخاري: وقال النبي ◌َّر: ((أفضل الكلام أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)) وقال أبو سفيان: كتب النبي وَل إلى هرقل: ﴿تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاْءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [آل عمران: ٦٤] وهذا والذي قبله أسلفتهما مسندين(٢). وقال مجاهد: كلمة التقوى لا إله إلا الله. قلت: وروينا عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في سبحان الله ... إلى آخره أنها الباقيات الصالحات. وقال ابن المسيب: قول العبد سبحان الله، والله أكبر، والحمد لله، ولا إله إلا الله(٣). ثم ساق في الباب ثلاثة أحاديث: أحدها : حديث سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِب الوَفَاةُ جَاءَّهُ رَسُولُ اللهِ وَّهِ فَقَالَ: ((قُلْ: لَا إله إِلَّ اللهُ. كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ)) . قال الداودي: ((اشفع لك بها)). وفيه أن الإيمان ينفع ما لم يغرغر. الحديث الثاني : حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، (١) ((شرح ابن بطال)) ١٣٨/٦. (٢) حديث أبي سفيان سلف برقم (٧) كتاب بدء الوحي. (٣) رواهما الطبري في ((تفسيره)) ٢٣٠/٨-٢٣١ (٢٣٠٩١)، (٢٣٠٩٤). ٣٤٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = سُبْحَانَ اللهِ العَظِيم)). وسيأتي آخر الصحيح(١). الحديث الثالث : حديث شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ كَلِمَةً وَقُلْتُ أُخْرى: ((مَنْ مَاتَ يَجْعَلُ لله نِدًّا أُدْخِلَ النَّارَ)). وَقُلْتُ أُخْرِىُ: مَنْ مَاتَ لَا يَجْعَلُ للهِ نِدَّا أُدْخِلَ الجَنَّةَ. وقد سلف. والند بكسر النون: المثل والنظير، وكذلك النديد. فصل : وأجمعوا أن الكلام محرم في الصلاة، وأن تلاوة القرآن فيها من القربات إلى الله . وقال زيد بن أرقم: لما نزلت: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] أمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام(٢)، فتراه نهى عن القراءة. وقال الَّا: ((إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التهليل والتحميد (وتلاوة)(٣) القرآن))(٤) فحكم الذكر كله والتلاوة بغير حكم كلام الناس، والحالف إذا حلف أن لا يتكلم فإنما هو محمول عند العلماء على كلام الناس كما سلف، لا على الذكر والتلاوة، وهذا لا أعلم فيه خلافًا إلا إذا نوى في يمينه ألا يقرأ، ولا يذكر الله فهو على نيته كما قال البخاري، وأجمعوا أنه إذا حلف أن لا يتكلم (وتكلم)(٥) بالفارسية أو بأي لغة تكلم أنه حانث. (١) سيأتي برقم (٧٥٦٣) كتاب: التوحيد، باب: قول الله تعالى ﴿وَنَضَعُ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ﴾. (٢) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٥٨٥/٢ (٥٥٢٧). (٣) في (ص٢): وقراءة. (٤) رواه مسلم برقم (٥٣٧) كتاب: المساجد، باب: تحريم الكلام في الصلاة. (٥) من (ص٢). ٣٤٧ ـ كِتَابُ الأَيْمَانِ والنُّذُورِ فصل : ويشبه معنى هذا الباب إذا حلف أن لا يكلم رجلًا فكتب إليه أو أرسل إليه رسولًا، فقال مالك: يحنث فيهما جميعًا إلا أن يكون نبه على المشافهة، ثم ذكر أنه رجع بعد ذلك فقال: لا ينوي في الكتابة. أو أنه حلف ألا يرتجع الكتاب قبل وصوله فلا يحنث. وحكى ابن أبي أويس أنه قال: الرسول أهون من الكتاب؟ لأن الكتاب لا يعلمه إلا هو وصاحبه، وإذا أرسل إليه رسولًا علم ذلك الرسول . وقال الکوفیون واللیث والشافعي: لا يحنث فهو قول ابن أبي ليلى. وقال أبو ثور: لا يحنث في الكتاب. واختلفوا إذا أشار إليه بالسلام، فقال مالك: يحنث، واحتج ابن حبيب في أن الإشارة بالسلام كلام بقوله تعالى لزكريا ﴿أَنَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١]. وقال عيسى، عن ابن القاسم: ما أرى الإشارة بالسلام كلامًا . وقال محمد بن عبد الحكم: لا يحنث في الإشارة بالسلام ولا في الرسول ولا في الكتاب؛ لأنه لم يكلمه في ذلك كله. واحتج أبو عبيد فقال: الكلام غير الخط والإشارة، وأصل هذا أن الله تعالى قال لزكريا : ﴿ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّ رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١] وقال في موضع آخر: ﴿فَأَوْحَىّ إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١] والرمز: الإشارة بالعين والحاجب. والوحي: الخط والإشارة، ويقال: كتب إليهم وأشار إليهم. وفي قصة مريم ﴿إِنّ ◌َذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ اَلْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦]. ثم قال: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ فصار الإيماء والخط خارجين من معنى المنطق. ٣٤٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = واختلفوا: لو سلم على قوم هو فيهم، فقال مالك والكوفيون: يحنث. قال ابن القاسم، عن مالك: علم أنه فيهم أو لم يعلم إلا أن يحاسبه. وقال الشافعي: لا يحنث إلا أن ينويه بالسلام. واحتج أبو عبيد لقول مالك والكوفيين فقال: ومما يبين أن السلام كلام أن إمامًا لو سلم من ركعتين متعمدًا كان قاطعًا لصلاته كما يقطعها المتكلم، وقد نهى الشارع عن الهجرة وأمر بإفشاء السلام، فبان بأمره هُذا ونهيه عن هذا أنهما متضادان، وأن المسلم على صاحبه ليس بمهاجر، له ولو صلى ورآه فرد الكلية. فقال ابن القاسم: لا يحنث؛ لأن رد السلام من سنة الصلاة وليس من معنى المكالمة، وقال ابن وهب: يحنث؛ لأنه كان قادرًا أن يجتزئ بتسليمة عن يمينه وأخرى عن يساره ولا يرد على الإمام، وقالوا: لو تعايا ففتح على الحالف حنث، ولو كتب إليه المحلوف عليه، فروئ عيسى وأبو زيد، عن ابن القاسم أنه إذا قرأ كتابه حنث. وقال ابن حبيب: لا يحنث. وكذلك روى أصبغ، عن ابن القاسم(١). (١) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ١٢٥/٤-١٢٧. ٣٤٩ = كِتَابُ الأَيْمَانِ والتُّذُورِ ٢٠- باب مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَى أَهْلِهِ شَهْرًا، وَكَانَ ذلك الشّهْرُ تِشْعًا وَعِشْرِينَ ٦٦٨٤- حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ ◌ُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ قَالَ: أَلَى رَسُولُ اللهِ وَّةِ مِنْ نِسَائِهِ، وَكَانَتِ أَنْفَكَّتْ رِجْلُهُ، فَأَقَامَ فِي مَشْرِيَةٍ تِشْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً ثُمَّ نَزَلَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَيْتَ شَهْرًا. فَقَالَ: ((إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ)). [انظر: ٣٧٨ - مسلم: ٤١١ - فتح ١١ / ٥٦٨]. ذكر فيه حديث أنس ﴾ قَالَ: آَلَى رَسُولُ اللهِ وَلَه مِنْ نِسَائِهِ شهرًا، وَكَانَتِ أَنْفَكَّتْ رِجْلُهُ، فَأَقَامَ فِي مَشْرُبَةٍ تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً ثُمَّ نَزَلَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَيْتَ شَهْرًا. فَقَالَ: ((إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ)). الشرح : المشربة: الغرفة بفتح الراء وضمها، وقال الداودي: هي الغرفة الصغيرة. وفيه دليل لقول محمد بن عبد الحكم: من حلف أن لا يفعل كذا شهرًا، أنه (يبر) (١) بتسع وعشرين يومًا، وخالف مالك فقال: لا (يبر)(١) إلا بثلاثين يومًا، وقد اختلف في هذا الأصل هل تبرأ الذمة بأعلى الأشياء أو بما ينطلق عليه الأسم فوقع لمالك في كتاب: الحج الثاني فيمن قال: الله عليّ هدي الشاة يجزئ إن لم تكن نية. وفي كتاب: النذور فيمن قال: إن فعلت كذا فعلي هدي، عليه بدنة. وعبارة الطحاوي: ذهب قوم إلى أن الرجل إذا حلف أن لا يكلم رجلًا شهرًا فكلمه بعد مضي تسعة وعشرين يومًا، أنه لا يحنث. واحتجوا بهذا الحديث. (١) في (ص٢): يبرأ. ٣٥٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا : إن حلف مع رؤية الهلال فهو على ذلك الشهر كان ثلاثين أو أنقص، وإن كان حلف في بعض شهر فيمينه على ثلاثين يومًا وهو قول الكوفيين ومالك والشافعي، واحتجوا بقوله الَّة: ((الشهر تسعة وعشرون يومًا، فإن غم عليكم فأكملوا ثلاثين)) ولا نراه قد أوجب عليهم ثلاثين يومًا وجعلها على الكمال حتى يروا الهلال قبل ذلك، وأخبر أنه إنما يكون تسعة وعشرين برؤية الهلال قبل الثلاثين، (وقد روي)(١) هذا عن الحسن البصري. ودل نزوله من المشربة لتسع وعشرين أنه كان حلف مع غرة الهلال، هذا وجه الحديث، ومن هذا قال مالك وأبو حنيفة والشافعي أنه من نذر صوم سنة بغير عينها فله أن يصومها بالأهلة وبغيرها، فإن صامها بالأهلة فكان الشهر ناقصًا أجزأه وما صام لغيرها أكملها ثلاثين. وروى ابن وهب، عن مالك: من أفطر رمضان كله في سفر أو مرض فكان ناقصًا فأخذ في قضائه شهرًا فكان كاملًا أنه يصومه كله، وإن كان شهر القضاء ناقصًا ورمضان كاملًا أجزأه. وقال محمد بن عبد الحكم: إنما يصوم عدد الأيام التي أفطر، وفي رواية ابن وهب: مراعاة شهر القضاء، وعلى قول ابن عبد الحكم: مراعاة شهر الفائت. وهو أصح في القياس؛ لأن الله تعالى أفترض عليه عدد الأيام التي أفطر. (١) من (ص٢). ٣٥١ كِتَابُ الأَيْمَانِ والنَّذُورِ ٢١ - باب إِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَشْرَبَ نَبِيذًا فَشَرِبَ طِلَاءً أَوْ سَكَرًا أَوْ عَصِيرًا، لَمْ يَحْنَتْ فِي قَوْلٍ بَعْضِ النَّاسِ، وَلَيْسَتْ هذِهِ بِأَنْبِذَةِ عِنْدَهُ ٦٦٨٥ - حَدَّثَنِي عَلِيٍّ، سَمِعَ عَبْدَ العَزِيزِ بْنَ أَبِ حَازِمٍ، أَخْبَرَنِي أَبِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ أَبَا أُسَيْدِ - صَاحِبَ النَّبِيِّ مَ- أَعْرَسَ فَدَعَا النَّبِيَّ بَِّ لِعُرْسِهِ، فَكَانَتِ العَرُوسُ خَادِمَهُمْ. فَقَالَ سَهْلٌ لِلْقَوْمِ: هَلْ تَدْرُونَ مَا سَقَتْهُ؟ قَالَ: أَنْقَعَتْ لَهُ تَمْرَا فِي تَوْرِ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى أَصْبَحَ عَلَيْهِ، فَسَقَتْهُ إِيَّهُ. [انظر: ٥١٧٦ - مسلم: ٢٠٠٦ -فتح ١١ / ٥٦٨] ٦٦٨٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، عَنْ سَوْدَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ قَالَتْ: مَاتَتْ لَنَا شَاةٌ فَدَبَغْنَا مَسْكَهَا، ثُمَّ مَا زِلْنَا نَنْبِذُ فِيهِ حَتَّى صَارَتْ شَنِّ. [فتح ٥٦٩/١١] ذكر فيه حديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﴾ أَنَّ أَبَا أُسَيْدٍ - صَاحِبَ النَّبِيِّ -醬 أَعْرَسَ فَدَعَا النَّبِّ وَّ لِعُرْسِهِ، فَكَانَتِ العَرُوسُ خَادِمَهُمْ. فَقَالَ سَهْلٌ لِلْقَوْمِ: هَلْ تَدْرُونَ مَا سَقَتْهُ؟ قَالَ: أَنْقَعَتْ لَهُ تَمْرًا فِي تَوْرٍ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى أَصْبَحَ عَلَيْهِ، فَسَقَتْهُ إِيَّاهُ. وحديث سَوْدَةً أم المؤمنين رضي الله عنها من طريق عكرمة عن ابن عباس عنها قَالَتْ: مَاتَتْ لَنَا شَاةٌ فَدَبَغْنَا مَسْكَهَا، ثُمَّ مَا زِلْنَا نَنْبِذُ فِيهِ حَتَّى صَارَتْ شَنَّا . الشرح : أما ترجمة الباب فلا شك أنه إذا كان الطلاء والسكر يسكران، فيحنث به، وبعض الناس المراد به الإمام أبو حنيفة # أنه زعم أن ٣٥٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == الطلاء والعصير ليسا بنبيذ في الحقيقة، وإنما النبيذ ما ينبذ في الماء وأنقع فيه، ومنه سمي المنبوذ منبوذًا؛ لأنه نبذ أي: طرح. ويعني بقوله (سكرًا) أي: ما يسكر مما يعصر ولا ينبذ، ويعني بقوله: (أو عصيرًا) ما كان حديث العصر من العنب ولم يبلغ حد السكر، وبالطلاء ما طبخ من عصير العنب حتى بلغ إلى ما لا يسكر، فلا يحنث عنده في شرب شيء من هذِه الثلاثة؛ لأنها لم تنبذ، وإنما يحنث عنده بشرب ما نبذ في الماء من غير العنب، سواء أسكر أو لم يسكر(١). قال المهلب: والذي عليه جمهور الفقهاء أنه إذا حلف أن لا يشرب النبيذ بعينه دون سائر المشروبات أنه لا يحنث بشرب العصير والطبيخ وشبهه، وإن كان إنما حلف على النبيذ خشية منه لما يكون من السكر وفساد العقل، كان حانثًا في كل ما يشرب مما يكون فيه المعنى الذي حلف عليه، ويجوز أن يسمي سائر الأشربة من الطبيخ والعصير نبيذًا لمشابهتهما له في المعنى، ومن حلف عندهم أن لا يشرب شرابًا ولا نية له، فأي شراب شربه مما يقع عليه اسم شراب فهو حانث(٢). فصل : ووجه تعلق البخاري من حديث سهل في الرد على أبي حنيفة هو أن سهلًا إنما عرف أصحابه؛ لأنه لم يسق الشارع إلا نبيذًا قريب العهد بالانتباذ بما يحل شربه. ألا ترى قوله: أنقعت له تمرًا في تور من الليل حتى أصبح عليه فسقته إياه. وهكذا كان ينبذ له العليا ليلًا ويشربه غدوة، وينبذ له غدوة (١) ((شرح ابن بطال)) ١٤٣/٦. (٢) ((شرح ابن بطال)) ٦/ ١٤٣. ٣٥٣ كِتَابُ الأَيْمَانِ والنّذَورِ = ويشربه عشية، ولو كان بعيد العهد بالانتباذ مما بلغ حد السكر لم يجز أن يسقيه العَيْها، يفهم من هذا: أن ما بلغ حد السكر من الأنبذة حرام؛ كالمسكر من عصير العنب، وأن من شرب مسكرًا من أي نوع كان، سواء كان معتصرًا أو منتبذًا، فإنه يحنث؛ لاجتماعهما في حدوث السكر وكونها كلها خمرًا. فصل : ووجه استدلاله من حديث سودة -رضي الله عنها- أنهم حبسوا مسك شاة للانتباذ فيه الذي يجوز لهم شربه غير المسكر ووقع عليه اسم نبيذ، ولو ذكر حديث أنس حين كسروا الجرار من نبيذ التمر كان أقرب للتعلق وأوضح للمعنى، كما نبه عليه ابن بطال؛ لأنهم لم يكسروا جرار نبيذ التمر وهم القدوة في اللغة والحجة فيها، إلا أن معنى نبيذ التمر المسكر في معنى عصير العنب (المسكر)(١) في التحريم؛ لأنهم كانوا أتقى لله من أن يتلفوا نعم الله ويهريقوها استخفافًا بها، وقد نهى الشارع عن إضاعة المال، ولو كان المسكر غير خمر لجاز ملكه وبيعه وشربه وهبته، وكانت إراقته من الفساد في (٢) الأرض(٢). فصل : حديث سودة بنت زمعة في الباب من أفراد البخاري كحديث ابن عباس: ((إذا دبغ الإهاب فقد طهر)) فإنه من أفراد مسلم(٣)، (١) من (ص٢). (٢) ((شرح ابن بطال)) ٦/ ١٤٣. (٣) مسلم (٣٦٦) كتاب: الحيض، باب: طهارة جلود الميتة بالدباغ. ٣٥٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = أما حديث ابن عباس، عن ميمونة : مَرَّ الَّ بشاة لها فقال: ((ألا أنتفعتم بجلدها))(١) فمن المتفق عليه لا كما زعمه خلف في ((أطرافه)) وتبعه عليه الدمياطي فاحذره(٢). فصل : الطلاء بكسر الطاء والمد. قال أبو عبد الملك والداودي: هو أن يطبخ عصير العنب حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه، والذي قاله أهل اللغة أنه جنس من الشراب. قال ابن فارس: ويقال إنه اسم من أسماء الخمر(٣). والسكر بفتح السين والكاف قال الجوهري: هو نبيذ التمر، وذكر قوله تعالي: ﴿لَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾(٤) [النحل: ٦٧ ] وقال ابن عباس وغيره: هو ما حرم. فعلى من يقول: الطلاء والسكر مسكران يصح ما تقدم ممن يقول: هما نبيذ، ولا يصح ذلك في السكر؛ لأنه نبيذ، ويصح في الطلاء؛ لأنه لا ينطلق ذلك عليه، وقد قال ابن حبيب: من حلف لا يشرب نبيذًا أنه يحنث بما يشرب منه وإن اختلفت عناصره، وهذا بين أنه يحنث بكل ما وقع عليه اسم نبيذ كان نبيذًا تمرًا أو غيره من سائر الأنبذة. (١) سلف برقم (١٤٩٢) كتاب: الزكاة، باب: الصدقة على موالي أزواج النبي وَلؤ. ورواه مسلم برقم (٣٦٣) كتاب: الحيض، باب: طهارة جلود الميتة بالدباغ. (٢) ورد في هامش الأصل: كون حديث ابن عباس عن ميمونة أنه التَّهُ مرَّ بشاة .. الحديث من المتفق عليه وتعقُّبُه خلفًا والدمياطي، فلم أره في ((أطراف المزي)) أيضًا، إنما فيه ما قاله خلف والدمياطي، والله أعلم، وينبغي أن يحرر ما قاله شيخنا المؤلف. (٣) ((مجمل اللغة)) ٥٨٥/١، مادة طلو. (٤) ((الصحاح)) ٢/ ٦٨٧، مادة (سكر). ٣٥٥ ـ كِتَابُ الأَيْمَانِ والنُّذُورِ وفي كتاب محمد: (من حلف)(١) لا يشرب خمرًا فما شرب من الأنبذة التي يسكر كثيرها حنث، ولا ينفعه أن لو حلف أن لا يشرب خمرًا بعينها، وكان ابن القاسم قديمًا يقبل بينة إذا جاء مستفتيًا، وليس بشيء، ولو كانت النية تنفعه لنفعه لفظه بإفصاحه الخمر بعينها . قال مالك: وكذلك لو حلف أن لا يشرب (الخمر وقال: أردت)(٢) خمر العنب وقاله ابن القاسم، ونحن نقوله حتى يقول: خمر العنب إفصاحًا ولفظًا فيدين في يمينه، وقال في ((العتبية)): إذا حلف أن لا یشرب خمرًا فشرب طلاءً، فإن كان يسكر كثيره حنث، إذ لا يخرجه من أسم الخمر غير طبيخ تعودته لا يسكر، فأما إن شرب غيره مما يسكر فينوَّي في الفتيا لا في القضاء. وقال سحنون: لا حنث عليه في هذا كله ولو لم يكن له نية؛ لأن اليمين في هذا إنما هي في الخمر بعينها . فصل : معنى عرس في حديث سهل: أتخذ عرسًا، وأعرس بأهله: إذا بنى بها. والعروس نعت يستوي فيه الرجل والمرأة ما داما في إعراسهما، يقال: رجل عروس في رجال عرس، وامرأة عروس في نساء عرائس. والتور بفتح المثناه فوق: إناء يشرب فيه. وأبو أسيد بضم الهمزة كما سلف شرح الحديث واضحًا في الأنكحة . (١) من (ص٢). (٢) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٨٦/٤-٨٨. ٣٥٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = فصل : المسك في حديث سودة بفتح الميم وسكون السين. والشن بفتح الشين: القربة البالية. والشنة أيضًا وكأنها صغيرة، والجمع: الشنان. ونبذ ثلاثي بفتح النون وكسر الباء، قال تعالى: ﴿فَأَنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ قال الجوهري: والعامة تقول: أنبذت(١). (١) ((الصحاح)) ٥٧١/٢. ٣٥٧ ٩ كِتَابُ الأَيْمَانِ والنّذَورِ = ٢٢- باب إِذَا حَلَفَ أَنْ لَا يَأْتَدِمَ فَأَكَلَ تَمْرًا بِخُبْزٍ، وَمَا يَكُونُ منه الأَدْمُ ٦٦٨٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ وَ لَ مِنْ خُبْزِ بُرِّ مَأْدُومٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامِ حَتَّى لِحَقَ باللهِ. [انظر: ٥٤٢٣ - مسلم: ٢٩٧٠ - فتح ١١ / ٥٧٠] وقَالَ ابن كَثِيرٍ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ لِعَائِشَةَ بهذا. ٦٦٨٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِ طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ قَالَ: قَالَ أَبُو طَلْحَةً لِأُمَّ سُلَيْم: لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ اللهِ ◌ِّ ضَعِيفًا أَغْرِفُ فِيهِ الْجُوعَ، فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَىءَ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ. فَأَخْرَجَتْ أَقْرَاصًا مِنْ شَعِيٍ، ثُمَّ أَخَذَتْ خَمَارَا لَهَا فَلَفَّتِ الْخَبْزَ بِبَغْضِهِ، ثُمَّ أَرْسَلَتْنِي إِلَى رَسُولِ اللهَِّه فَذَهَبْتُ فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللهِ وَّه فِي الْمِسْجِدِ وَمَعَهُ النَّاسُ، فَقُمْتُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((أَرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ؟)). فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ،وَهْ لَمِنْ مَعَهُ: ((قُومُوا)). فَانْطَلَقُوا، وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ حَتَّى جِئْتُ أَبَا طَلْحَةَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ، قَدْ جَاءَ رَسُولُ اللهِ فَ﴿ وَلَيْسَ عِنْدَنَا مِنَ الطَّعَامِ مَا نُطْعِمُهُمْ. فَقَالَتِ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَانْطَلَقَ أَبُو طَلْحَةَ حَتَّى لَقِيَ رَسُولَ اللهِ وَ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللهِن ◌َّهَ وَأَبُو طَلْحَةَ حَتَّى دَخَلَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَثيه: «هَلُّمّي يَا أُمَّ سُلَيْم مَا عِنْدَكِ)). فَأَتَتْ بِذَلِكَ الْخُبْزِ. قَالَ: فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﴿ بِذَلِكَ الْخُبْزِ فَفُتَّ، وَعَصَرَتَّ أُمُّ سُلَيْمِ عُكَّةً لَهَا فَأَدَمَتْهُ، ثُمَّ قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ وَ ﴿ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ، ثُمَّ قَالَ: (ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ)). فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ((اتْذَنْ لِعَشَرَةٍ)). فَأَذِنَ لَهُمْ، فَأَكَلَ القَوْمُ كُلُّهُمْ وَشَبِعُوا، وَالْقَوْمُ سَبْعُونَ - أَوْ ثَمَانُونَ - رَجُلًا. [ انظر: ٤٢٢- مسلم: ٢٠٤٠ - فتح ١١ / ٥٧٠]. ذكر فيه حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها فقال: حدثنا محمد بن يوسف، ثنا سفيان عن عبد الرحمن بن عابس، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها ٣٥٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - قَالَتْ: مَا شَبِعَ آلْ مُحَمَّدٍ بِّهِ مِنْ خُبْزِ بُرِّ مَأْدُوم ثَلَاثَةَ أَيَّامِ حَتَّى لَحِقَ باللهِ. وَقَالَ ابن كَثِيرٍ: أَنَا سُفْيَانُ، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَّنِ، عَنْ أَبِهِ أَنَّهُ قَالَ لِعَائِشَةَ بهذا . وحديث أنَسِ بْنِ مَالِكِ ﴾ه السالف. وفيه: فَأَتَتْ بِذَلِكَ الخُبْزِ. قَالَ: فَأَمَرَ بِه رَسُولُ اللهِ وَّهِ فَقُتَّ، وَعَصَرَتْ أُمُّ سُلَيْمِ عُكَّةً لَهَا فَأَدَمَتْهُ. الحديث بطوله . الشرح : إنما أتى البخاري رحمه الله بقوله: (وقال ابن كثير: أنا سفيان، ثنا عبد الرحمن بن عابس) ليزول توهم ما قد يتوهم من عدم [سماع](١) سفيان من عبد الرحمن. والبُرُّ: جمع برة من القمح، ومنع سيبويه أن يجمع على أبرار، وجوزه المبرد. والأقراص في الحديث الثاني جمع قرص، وقرص: جمع قرصة، كغصن وغصنة وأغصان. وقوله: ( ((هلمي يا أم سليم ما عندك)) ) كذا في الأصول، وذكره ابن التين بلفظ ((هلم)» بحذف الياء. ثم قال: إنه على لغة أهل الحجاز أن (هلم) يستوي فيه المذكر والمؤنث والجمع والمفرد، قال تعالى: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: ١٨]، ـے والعكة بضم العين: آنية السمن. ومعنى (فأدمته): جعلت السمن إدامه، وهو ثلاثي يقال: أدم الخبز، يأدمه بالكسر، وقول عائشة رضي الله عنها قبل: (من خبز بر مأدوم). يدل على صحة ذلك؛ لأن مفعولًا لا يكون إلا من الثلاثي، ولو كان الفعل رباعيًا لقالت: خبز برِّ مؤدم. (١) زيادة يقتضيها السياق. ٣٥٩ كِتَابُ الأَيْمَانِ والنّذَورِ = فصل : واختلف العلماء فيمن حلف أن لا يأكل إدامًا فأكل لحمًا مشويًا، فقال مالك والشافعي: يحنث كما لو أكل زيتًا وخلًا. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: الإدام: ما يصطبغ مثل الزيت والعسل والخل، فأما ما لا يصطبغ به مثل اللحم المشوي والخبز والبيض فليس بإدام، وعند المالكية: يحنث بكل ما هو عند الحالف إدام، ولكل قوم عادة. قال محمد: ما كان الغالب منه أنه يؤكل بالخبز فهو إدام (١)، حكاه ابن بطال(٢)، وحكاه ابن التين عنه: يحنث بأكل السمن والعسل والزيت والودك والشحم والزيتون والجبن والصبر والسلجم والمري والشبراق، وشبه ذلك قال: ولا أرى أن يحنث بالملح (الجريش)(٣) ولا المطيب وإن كان قد أحنثه بعض العلماء به. وقال أصبغ عن أشهب في ((العتبية)): يحنث بالملح محضًا أو مبررًا. حجة الكوفيين أن حقيقة الإدام هو اسم للجمع بين الشيئين قال العائلي ((إذا أراد أحدكم أن يتزوج المرأة فلينظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينهما))(٤) معناه: أنه يجمع بينهما . وقيل: إنه من الدوام، وقيل: من وقوع الأدمة على الأدمة، وليس كل أسم يتناوله إطلاق اسم، بدليل أن من جمع بين لقمتين لا يسمى بهذا الأسم، وإنما المراد أن يستهلك فيه الخبز ويكون تابعًا له بأن تتداخل أجزاؤه بأجزاء غيره، وهذا لا يحصل إلا فيما يصطبغ به. وهذا الوجه (١) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٢٦٠/٣، ((النوادر والزيادات)) ١٠٦/٤. (٣) في (ص٢): الحرش. (٢) ((شرح ابن بطال)) ١٤٥/٦. (٤) رواه الترمذي (١٠٨٧) وقال: حديث حسن، ورواه النسائي ٦٩/٦، وابن ماجه (١٨٦٥)، من حديث المغيرة بن شعبة. ٣٦٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - مجمع عليه وما سواه مختلف فيه، فلا يصح إثباته إلا بلغة أو عادة، وقد قال تعالى: ﴿وصبغ للآكلين﴾ [المؤمنون: ٢٠]. قال ابن القصار: فيقال لهم: لا خلاف بين أهل اللغة أن من أكل خبزًا بلحم مشوي أنه قد أتتدم به، ولو قال: أكلت خبزي بلا أدم لكان كاذبًا، ولو قال: أكلت خبزي بإدام كان صادقًا، فيقال لهم: أما قولكم: إن الإدام اسم للجمع بين الشيئين، فكذلك نقول، وليس الجمع بين شيئين هو امتزاجهما واختلاطهما، بل هو صفة زائدة على الجمع؛ لأننا نعلم أن الخبز بالعسل ليس يستهلك أحدهما صاحبه، ولا الخبز مع الزيت أيضًا، فلم نراع في الشريعة في الجمع الاستهلاك، وأما الخل والزيت فهو وإن تشربه فليس بمستهلك فيه، إذ لو كان كذلك لم يبق لونه ولا طعمه، وإنما المراعى في الجمع بين الشيئين هو أن يؤكل هذا بهذا على طريق الائتدام به، سواء كان مائعًا أو غيره كالعسل والسمن الذائب. قال غيره: والدليل على أن كل ما يؤتدم به يسمى إدامًا، الحديث السالف: ((تكون الأرض خبزة يوم القيامة إدامها زيادة كبد نونٍ وثورٍ))(١) فجعل الكبد إدامًا، فكذلك التمر وكل شيء مائع فهو إدام كالكبد. وروى حفص بن غياث عن محمد بن أبي یحیی الأسلمي، عن یزید الأعور، عن ابن أبي أمية، عن يوسف، عن عبد الله بن سلام قال: رأيت النبي وَلّ أخذ كسرة من خبز شعير فوضع عليها تمرًا، وقال: ((هذِه إدام هذِه)) (٢) فأكلها . (١) سلف برقم (٦٥١٩) كتاب الرقاق، باب: يقبض الله الأرض يوم القيامة، ورواه مسلم (٢٧٩٢) كتاب الجنة والنار، باب: نزل أهل الجنة. (٢) ((سنن أبي داود)) (٣٨٣٠).