النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١ كِتَابُ الأَيْمَانِ والنّذَورِ = وأما الآية السالفة وهي: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ فإن الله تعالى يقسم بما شاء من خلقه، وقد نهى الشارع عن الحلف بغير الله. فصل : قوله: (فاستعذر من عبد الله بن أبي)، أي: قال: من يعذرني منه. أي: من يصحبني فاللائمة عليه، فيعذرني في أمره ولا يلومني. وقال الداودي: يريد أستنصر وأستعين بمن يكفنيه. ٣٠٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ١٤- باب قول اللّه رجل: [البقرة: ٢٢٥] لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِلَّغْوِ فِيَّ أَيْمَنِكُمْ﴾ ٦٦٦٣ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَجْيَى، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنٍ أَبٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: ﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِلَّغْوِ﴾ [البقرة: ٢٢٥] قَالَ: قَالَتْ: أُنْزِلَتْ فِي قَوْلِهِ: لَا والله، وَبَلَى والله. [انظر: ٤٦١٣ - فتح ١١ / ٥٤٧] ساق فيه حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها: ﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِلَّغْوِ فِيَ أَيْمَنِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] قَالَتْ: نزلت في قول الرجل: لَا والله، وَبَلَى والله. هُذا أسلفنا الكلام عليه قريبًا في التفسير في الآية المذكورة وأوضحنا هناك ولا بأس بإعادتها لبعد مكانها بزيادات، فنقول: اختلف العلماء في لغو اليمين، فذهب إلى قول عائشة رضي الله عنها أنه: لا والله، وبلى والله مما لا يعتقده قلب الحالف ولا يقصده ابن عمر، وكان يسمع بعض ولده يحلف عشرة أيمان: لا والله، وبلى والله، فلا يأمره بشيء، وابن عباس رضي الله عنهما في رواية، وروي ذلك عن القاسم وعطاء وعكرمة والحكم والشعبي في رواية ابن عون عنه، وطاوس والحسن والنخعي، وروى حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة قال: لا والله، وبلى والله: لغة من لغات العرب، لا يراد بها اليمين، وهي من صلة الكلام. وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه والشافعي، إلا أن أبا حنيفة قال: اللغو: قول الرجل: لا والله، وبلى والله، فيما يظن أنه صادق على الماضي. وعند الشافعي: سواء كانت في الماضي أو المستقبل. وفيها قول ثان: روي عن ابن عباس أنه هو أن يحلف الرجل على الشيء، يعتقد أنه كما حلف عليه، ثم وجد على غير ذلك ولما ذكر ٣٠٣ = ڪِتَابُ الأَيْمَانِ والنُّذُورِ ابن عبد البر كلام أبي قلابة قال: وإلى هذا ذهب الشافعي والأوزاعي وابن حي، قال: وذكر الشافعي أن اللغو في كلام العرب الكلام غير المعقود عليه، وهو معنى ما قالته عائشة رضي الله عنها وروي أيضًا عن عائشة، ذكره ابن وهب، عن عمر بن قيس، عن عطاء، عنها . وروى مثله أيضًا إسماعيلُ القاضي والنخعي والحسن وقتادة، وهو قول ربيعة ومكحول ومالك والليث والأوزاعي، قال مالك: وأحسن ما سمعت في اللغو هذا (١). قال ابن عبد البر: وهو قول أحمد وإسحاق أيضًا ونقل غيره عن أحمد أنه قال: هو الوجهان جميعًا. وجعل مالك لا والله، وبلى والله موضوعة لليمين، ورأى فيها الكفارة إلا ألا يراد بها اليمين، وجعلها الشافعي ومن لم ير فيها الكراهة موضوعة لغير اليمين، إلا أن يراد بها اليمين. ورأى الشافعي في اللغو الذي عند مالك الكفارة؛ لأن حقيقة اللغو عنده: ما لم يقصد له الحالف، لكن سبق على لسانه، كأنه يريد أن يتكلم بشيء، فيبدر منه اليمين، كذا ذكره ابن بطال، وليس كما ذكر من حقيقة ذلك عنده، بل مقتضى مذهبه مذهب مالك أيضًا، وأنه لا حنث عليه في ذلك . قال القاضي إسماعيل: وأعلى الرواية في ذلك وأمثلها في تأويل الآية إنما جاء على قول الرجل: لا والله، وبلى والله، وهو لا يريد اليمين، فلم يكن عليه يمين؛ لأنه لم ينوها، وقال الله: ((إنما الأعمال بالنيات)). وما جرى على لسان الرجل من قول لم يقصد له ولا نواه، سقطت (١) ((الاستذكار)) ١٥/ ٦٢. ٣٠٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = عنه الكفارة، إذ جعل بمنزلة من لم يحلف. ألا ترى قول أبي قلابة في قوله: لا والله، وبلى والله. أنها في لغة العرب ليست بيمين، وحكي أقوال أخر في لغو اليمين: أحدها: رواية طاوس، عن ابن عباس قال: اللغو أن يحلف الرجل وهو غضبان. ثانيها: قال الشعبي: إنه كل يمين على معصية فليست لها كفارة، ثم قال: لم يكفر للشيطان. ثالثها: قول سعيد بن جبير: إنه تحريم الحلال، كقول الرجل: هذا الطعام علي حرام. فأكله فلا كفارة عليه، وحكى أبو عمر هذا، عن ابن عباس رضي الله عنهما، ثم قال: وروي عن سعيد بن جبير، رواه عنه أبو بشر وداود بن أبي هند أيضًا. قال القاضي إسماعيل: وقول سعید بن جبیر لیس على مجرى ما ذهب إليه أهل العلم، فلا حجة له، وإنما يرجع معنى قوله إلى معنى الحديث الذي فيه: («فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه)) لأن من حلف أن لا يأكل طعامًا، أو لا يدخل على أخيه، فقد حرم على نفسه ما أحل الله له. ثم قال غيره: وأما قول ابن عباس: اللغو يمين الغضبان. وإنما يشبه الغاضب لمن لم يقصد إلى اليمين ولا أراده، وكأنه غلبه الغضب، فهو كمن لم ينو اليمين، فلا كفارة عليه، وهذا معنى ضعيف؛ لأن جمهور الفقهاء على أن الغاضب عندهم قاصد إلى أفعاله، والغضب يزيد تأكيدًا وقوة في قصده، وسيأتي مذاهب العلماء فيمن حلف على معصية أو نذرها قريبًا في باب: النذر فيما لا يملك. (ولا نذر في معصية))(١). (١) ((شرح ابن بطال)) ٦/ ١٢٢ -١٢٤. ٣٠٥ -- كِتَابُ الأَيْمَانِ والنُّذُورِ فصل : وحديث عائشة رضي الله عنها لفظ ((الموطأ)) فيه: لا والله، وبلى والله(١)، وفي ((الاستذكار)) لابن عبد البر: قالت عائشة رضي الله عنها : اللغو الذي ذكره الله. قال أبو عمر: تفرد يحيى بن سعيد بذكر السبب في نزول الآية الكريمة، ولم يذكره أحد غيره(٢). وفي كتاب ابن أبي عاصم: ثنا كثير بن عبيد، أنا محمد بن حرب، ثنا الزبيدي، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: لغو اليمين ما كان في المراء أو الهزل أو المراجعة في الحديث الذي لا يعقد عليه القلب، وإنما الكفارة في كل يمين حلفت فيها على حد من الأمر في غضب أو غيره: لتفعلن أو لتتركن، فذلك عقد الأيمان التي فرض الله فيها الكفارة، قال الله تعالى: ﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِالَّغْوِ فِيَّ أَيْمَنِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]. ولأبي داود عنها أن رسول الله وَ له قال: «هو قول الرجل في بيته: كلا والله، وبلى والله))(٣). قال عبد الحق: رواه جماعة عن عائشة رضي الله عنها قولها(٤). وذكر عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عنها قالت في الآية: هم القوم يتدارءون، يقول أحدهم: لا والله، وبلى والله، وكلا والله، لا تعقد عليه قلوبهم(٥). (١) (الموطأ)) ص ٢٩٥. (٢) ((الاستذكار)) ٦٠/١٥. (٣) ((سنن أبي داود)) (٣٢٥٤). (٤) ((الأحكام الوسطى)) ٤/ ٣٠. (٥) ((المصنف)) ٤٧٤/٨ (١٥٩٥٢). ٣٠٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وروى ابن وهب عن يونس، عن ابن شهاب أن عروة حدثه، عن عائشة قالت: أيمان اللغو ما كان في المراء والقول والمزاحة، والحديث الذي لا تعقد عليه القلوب. قال ابن عبد البر: وروي مثل قول مالك، عن عائشة، من طريق لا يثبت ذكره ابن وهب، عن عمر بن قيس المتروك، عن عطاء، عنها ولم يتابع عمر أيضًا على ذلك، فقد خالفه ابن جريج، وغيره، عن عطاء، فرواه على حسب ما رواه مالك أنه قول الرجل: لا والله، وبلى والله. ويقولون: إن عطاء لم يسمع من عائشة غير هذا الحديث في حين مسيره إليها مع عبيد بن عمير. وذكر ابن وهب أيضًا، عن الثقة عنده، عن ابن شهاب، عن عروة، عنها، مثل رواية عمر بن قيس، عن عطاء، وهذا لا يصح؛ لأن رواية ابن وهب هذِه عن الثقة عنده تعارضها رواية ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عروة، عنها قالت: أيمان اللغو فيما كان في المراء، والقول الذي لا يعقد عليه القلب. وهذا معنى رواية مالك عن هشام، عن أبيه، عنها، دون ما ذهب إليه في معنى لغو اليمين، ويروى مثل قول مالك أيضًا في اللغو عن الحسن البصري، ورواه زرارة بن أوفى، وقتادة، ومجاهد. ورواية عن الشعبي رواها عمرو بن دينار. ورواية أيضًا عن النخعي، رواها عن مغيرة ومنصور (١). قال أبو محمد ابن حزم: لغو اليمين لا كفارة فيه ولا إثم، وعن ابن عباس ولا يصح عنه من طريق الكلبي: لغو اليمين هو قول الرجل: هذا والله فلان، وليس بفلان(٢). (١) ((الاستذكار)) ١٥/ ٦١ - ٦٣. (٢) ((المحلى)) ٣٤/٨. ٣٠٧ = كِتَابُ الأَيْمَانِ والنُّذُورِ قال: وقد تناقض في هذا المالكيون والحنفيون، فأسقطوا الكفارة هنا وأوجبوها على من فعل ما حلف عليه ناسيًا أو مكرهًا، ولا فرق بينهما، وأيضًا فإنهم رأوا اللغو في اليمين بالله، ولم يروه في اليمين بغيره، كالمشي إلى مكة والطلاق وغير ذلك. قال: ومن حلف على ما لا يدري أهو كذلك أم لا، وعلى ما قد يكون ولا يكون، كمن حلف: لينزلن المطر غدًا. فنزل أو لم ينزل، فلا كفارة عليه في شيء من ذلك، وقد صح أن عمر يحلف عند رسول الله وَ لّ أن ابن صياد هو الدجال، ولم يأمره بكفارة. وقال مالك: عليه الكفارة، كان ما حلف علیه أو لم یکن. ٣٠٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ١٥- باب (إِذَا حَنِثَ نَاسِيًّا)(١) في الأَيْمَانِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ﴾ [الأحزاب: ٥]. وَقَالَ: ﴿لَا نُؤَاخِذْنِ بِمَا نَسِيتُ﴾ [الكهف: ٧٣]. ٦٦٦٤- حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا زُرَارَةُ بْنُ أَوْفَى، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ قَالَ: «إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِي عَمَّا وَسْوَسَتْ أَوْ حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ أَوْ تَكَلَّمْ)). [انظر: ٢٥٢٨ - مسلم: ١٢٧ - فتح ١١/ ٥٤٨] ٦٦٦٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ الهَيْثَمِ - أَوْ مُحَمَّدٌ، عَنْهُ- عَنِ ابن جُرَيْجٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابن شِهَابٍ يَقُولُ: حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ طَلْحَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ العَاصِ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهَ بَيْنَمَا هُوَ يَخْطُبُ يَوْمَ النَّخْرِ إِذْ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: كُنْتُ أَحْسِبُ يَا رَسُولَ اللهِ كَذَا وَكَذَا قَبْلَ كَذَا وَكَذَا. ثُمَّ قَامَ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كُنْتُ أَحْسِبُ كَذَا وَكَذَا- لهؤلاء الثَّلَاثِ - فَقَالَ النَّبِيُّ بِّهَ: ((افْعَلْ وَلَا حَرَجَ)) لَهُنَّ كُلِّهِنَّ يَوْمَئِذٍ، فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ إِلَّ قَالَ: ((افْعَلْ وَلَا حَرَجَ)). [انظر: ٨٣ - مسلم: ١٣٠٦ - فتح ٥٤٩/١١] ٦٦٦٦- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ عَطَاءِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ وَّهِ: زُرْتُ قَبْلَ أَنْ أَزْمِيَ. قَالَ: ((لا حَرَجَ). قَالَ آخَرُ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ. قَالَ: (لَا حَرَجَ)). قَالَ آَخَرُ: ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَزْمِيَ. قَالَ: ((لَا حَرَجَ)). [انظر: ٨٤- مسلم: ١٣٠٧ - فتح ٥٤٩/١١] ٦٦٦٧ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ المسْجِدَ يُصَلِّي وَرَسُولُ اللهِ وَ فِي نَاحِيَةِ المَسْجِدِ، فَجَاءَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: ((ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ)). فَرَجَعَ فَصَلَّى ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَالَ: ((وَعَلَيْكَ، ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ)). قَالَ فِي (١) من (ص٢). ٣٠٩ - كِتَابُ الأَيْمَانِ والتُّذُورِ الثَّالِثَةِ: فَأَعْلِمْنِي. قَالَ: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغ الوُضُوءَ، ثُمَّ أَسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ فَكَبِّرْ وَاقْرَأْ بِمَا تَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ أَرْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ أَرْفَعْ رَأْسَكَ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ أَسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ أَرْفَعْ حَتَّى تَسْتَوِيَ وَتَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ أَرْفَعْ حَتَّى تَسْتَوِيَ قَائِمًا، ثُمَّ أَفْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلَّهَا)). [انظر: ٧٥٧ - مسلم: ٣٩٧ - فتح ١١ / ٥٤٩] ٦٦٦٨ - حَدَّثَنَا فَزْوَةُ بْنُ أَبِي المغْرَاءِ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُشهِرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُزْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: هُزِمَ المشْرِكُونَ يَوْمَ أُحُدٍ هَزِيمَةً تُغْرَفُ فِيهِمْ، فَصَرَخَ إِنِيسُ: أَى عِبَادَ اللهِ أُخْرَاكُمْ فَرَجَعَتْ أُولَاهُمْ فَاجْتَلَدَتْ هِيَ وَأُخْرَاهُمْ، فَنَظَرَ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمَانِ فَإِذَا هُوَ بِأَبِيهِ، فَقَالَ: أَبِي أَبِي. قَالَتْ: فَوَاللَّهِ مَا أَنْحَجَزُوا حَتَّى قَتَلُوهُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: غَفَرَ اللهُ لَكُمْ. قَالَ عُزْوَةُ: فَوَاللَّهِ مَا زَالَتْ فِي حُذَيْفَةَ مِنْهَا بَقِيَّةٌ حَتَّى لَقِيَ الله. [انظر: ٣٢٩٠ - فتح ١١ / ٥٤٩] ٦٦٦٩ - حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَوْفٌ، عَنْ خِلَاسِ وَمُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: «مَنْ أَكَلَ نَاسِيًّا وَهْوَ صَائِمٌ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ)). [انظر: ١٩٣٣ - مسلم: ١١٥ - فتح ١١ / ٥٤٩] ٦٦٧٠ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا ابن أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ الأَغْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ابنِ بُحَيْنَةً قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ◌َل ◌َ فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُوْلَيَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ، فَمَضَى فِي صَلَاتِهِ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ أَنْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ، وَسَجَدَ قَبْلَ أَنْ يُسَلَّمَ فَكَبََّ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَسَلَّمَ. [انظر: ٨٢٩- مسلم: ٥٧٠- فتح ١١/ ٥٤٩] ٦٦٧١ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِنْرَاهِيمَ، سَمِعَ عَبْدَ العَزِيزِ بْنَ عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنِ ابن مَسْعُودٍ رضى الله عنه أَنَّ نَبِيَّ اللهِ وَ صَلَّى بِهِمْ صَلَاةَ الظُّهْرِ، فَزَادَ أَوْ نَقَصَ مِنْهَا - قَالَ مَنْصُورٌ: لَا أَدْرِي إِبْرَاهِيمُ وَهِمَ أَمْ عَلْقَمَةُ- قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَقَصُرَتِ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ؟ قَالَ: ((وَمَا ذَاَكَ؟)). قَالُوا: صَلَّيْتَ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: فَسَجَدَ بِهِمْ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ: ((هَاتَانِ السَّجْدَتَانِ لِمَنْ ٣١٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح لَا يَدْرِي زَادَ فِي صَلَاتِهِ أَمْ نَقَصَ، فَيَتَحَرَى الصَّوَابَ فَيُتِمُّ مَا بَقِيَ ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنٍ)). [انظر: ٤٠١ - مسلم: ٥٧٢ - فتح ١١ / ٥٥٠] ٦٦٧٢- حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لايْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا أُبِيُّ بْنُ كَغْبِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ وَلَهُ ﴿لَا نُؤَاخِذْنِى بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِى مِنْ أَمْرِى عُسْرًا﴾ [الكهف: ٧٣] قَالَ: ((كَانَتِ ٩٠ لا مِن مُوسَى نِسْیانا)). سے [انظر: ٧٤ - مسلم: ٢٣٨٠ - فتح ١١ / ٥٥٠] ٦٦٧٣- قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: كَتَبَ إِلَيَّ نُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا ابن عَوْنٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: قَالَ البَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ وَكَانَ عِنْدَهُمْ ضَيْفٌ لَهُمْ، فَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يَذْبَحُوا قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ؛ لِيَأْكُلَ ضَيْفُهُمْ، فَذَبَحُوا قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ وَّ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الذَّبْحَ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، عِنْدِي عَنَاقٌ جَذَعٌ، عَنَاقُ لَبَنِ هِيَ خَيْرٌ مِنْ شَائِّيْ لُخَمٍ. فَكَانَ ابن عَوْنٍ يَقِفُ في هذا المكَانِ عَنْ حَدِيثِ الشَّغْبِيِّ، وَيُحَدِّثُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِبِينَ بِمِثْلِ هذا الحَدِيثِ، وَيَقِفُ في هذا المكَانِ وَيَقُولُ: لَا أَذْرِي أَبَلَغَتِ الرُّخْصَةُ غَيْرَهُ أَمْ لَا. [انظر: ٩٥١ - مسلم: ١٩٦١ - فتح ١١ / ٥٥٠] رَوَاهُ أَيُّوبُ، عَنِ ابن سِبِينَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ٦٦٧٤- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَبًا قَالَ: شَهِدْتُ النَّبِيَّ ◌َِّ صَلَّى يَوْمَ عِيدِ ثُمَّ خَطَبَ ثُمَّ قَالَ: ((مَنْ ذَبَحَ فَلْيُبَدِّلْ مَكَانَهَا، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ ذَبَحَ فَلْيَذْبَحْ بِاسْم الله)). [انظر: ٩٨٥ - مسلم: ١٩٦٠- فتح ١١/ ٥٥٠] أخرج البخاري الآية الأولى في كل شيء، وغيره قال: هي في قصة مخصوصة، إنما في الشخص [يقول]: يا أبي وليس هو ابنه، أو في الرجل يأتي امرأته حائضًا (ولا يعلم)(١)، ألا ترى أن القتل خطأ يوجب الدية، وإتلاف المال كذلك يوجب الغرم، وساق في الباب (١) من (ص٢). ٣١١ - كِتَابُ الأَيْمَانِ والنُّذُورِ أحاديث سنقف عليها . واختلف العلماء فيمن حنث ناسيًا هل تجب عليه كفارة أم لا؟ على قولين : أحدهما: لا. قال عطاء وعمرو بن دينار في الرجل يحلف بالطلاق على أمر أن لا يفعله ففعله ناسيًا، لا شيء عليه، وقاله إسحاق أيضًا. وثانيهما: نعم -وهو قول طائفة- في كل شيء الكفارة لازمة عليه سواء كان ظهارًا أو طلاقًا أو عتاقًا، وهو قول سعيد بن جبير وقتادة والزهري وربيعة، وبه قال مالك والكوفيون واختلف قول الشافعي، فمرة قال: لا يحنث وهو الأظهر، وقال مرة: يحنث. وفيه قول ثالث: أنه يحنث (في الطلاق خاصة، وهو قول أحمد. وحكى ابن هبيرة عنه ثلاث روايات: يحنث)(١) مطلقًا، لا مطلقًا، إن كانت اليمين بالله تعالى أو بالظهار لم يحنث، وإن كانت بالطلاق أو العتاق، حنث. أحتج المسقط لها بالكتاب والسنة، أما الكتاب فبين تعالى أنه لا جناح علينا إلا فيما (عقدت)(٢) قلوبنا. والآية الثانية ﴿لَا نُؤَاخِذْنِى بِمَا نَسِيتُ﴾ والسنة قوله العَيْه: ((وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه))(٣) فوجب أن يكون موضوعًا من كل وجه إلا أن يقوم دليل. قالوا: ووجدنا النسيان لا حكم له في الشرع، مثل كلام الناسي في الصلاة، فوجب أن يحمل عليه كلامه (١) من (ص٢). (٢) في (ص٢): تعمدت. (٣) رواه ابن ماجه (٢٠٤٥) من طريق الوليد بن مسلم، ثنا الأوزاعي، عن عطاء، عن ابن عباس مرفوعًا. والحديث صححه الألباني في ((الإرواء)) ١٢٣/١ (٨٢). ٣١٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - إذا حنث ناسيًا عارضهم الموجب لها، قال: الآية لا تنفي وجوب الكفارة؟ لأنه قد أوقع الحنث، فلا يكون عليه جناح، والكفارة تجب، وإنما أراد برفع الجناح الضيق والإثم، ألا ترى أن الكفارة تجب في قتل الخطأ مع رفع الجناح والإثم، فإن المنفي: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ [البقرة: ١٩٨] لا إثم ولا كفارة. عارضهم الموجب: المراد: لا إثم ؛ لأنه وجد منه الفعل على وجه ينسب إليه كالعامد، واعترض بالمكره، فأجابوا بأن الفعل لا ينسب إليه بل إلى (مراده) (١). فصل : قال المهلب: هُذِه الأحاديث التي أدخلها البخاري في الباب، إنما حاول فيها إثبات العذر بالجهل والنسيان وإسقاط الكفارة، وجعلها كلها في معنى واحد عند الله، واستدل بأفعاله وأقواله، وما بسطه من عذر من جهل أو تأول فأخطأ، وبما حكم به في النسيان في الصلاة وغيرها . والذي يوافق تبويبه قوله القّهي: ((إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها)). وحديث أبي هريرة: ((من أكل ناسيًا فليتم صومه)) ولم يأمره بالإعادة . وحديث ابن بحينة فيما نسبه التقنية من الجلوس في الصلاة، فلم يعده على حسب ما نسيه ولا قضاه، وكذلك نسيان موسى لم يطالب به الخضر بعد أن كان شرط عليه أن لا يسأله عن شيء، فلما سمح له الخضر وهو عبد من عباد الله كان الله أولى بالعفو عن مثل ذلك، فصدر به البخاري على سبيل قوة الرجاء في عفو الله، وكذا قوله (١) في (ص٢): من أكره. ٣١٣ ـ كِتَابُ الأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ﴾ [الأحزاب: ٥] يعني في قصة التبني الذي قد كان لصق بقلوب العرب، وغلب عليهم من نسبة المتبنين إلى من تبناهم، لا إلى آبائهم، فعذرهم الله بغلبة العادة وقد آخذهم بما تعمدوه من ذلك. وأما غير ذلك مما ذكر من المعاني في هذا الباب، فإنما هي على التشبيه. فأما قوله: ((لا حرج)) فيما قدمه من النسك، فإنما عذرهم بالجهالة لحدود ما أنزل الله في كتابه، وكان فرض الحج لم تتبين كيفيته عند العرب، حتى كان التَّ هو الذي يتولى بيانه عملًا بنفسه، فلم يوجب على المخطئ في التقديم والتأخير فدية لغلبة الجهالة. فإن قلت: في أحاديث الباب ما يدل على السقوط وما يدل على الإثبات لحديث: ((ارجع فصل فإنك لم تصل)) وحديث ابن مسعود ((فيتحرى الصواب)) وحديث ابن نيار في الأضحية. قلت: أما الأول فإنه كان قد تقدم العلم بحدود الصلاة من الشارع، فلم يعذر الناقص منها، فأمره بالإعادة، ثم أوسعه لما حلف له أنه لا يعرف غير هذا ما أوسع أهل الجهالة من أنه لم يأمره بعد يمينه بالإعادة لما سلف قبلها . وأما الثاني: فمختلف معناه؛ لأن المتروك من السنن نسيانًا لا يرجع إليه، بل يجبره بغيره من السنن، كما جبر الجلسة المتروكة بالسجدتين المستويتين. وأما ما ترك من الفرض فلابد من الإتيان به، وإرغام أنف الشيطان بالسجود الذي بتركه خلد في الجحيم، وذلك لتقدم المعرفة بهيئة الصلاة سننًا وفرائض. وأما إعادة الأضحية، فعذر الشارع ابن نيار؛ بما توهمه جائزًا له من إكرام الضيف، وإطعام الجيران، فجوز عنه ما لا يجزئ عن أحد بعده، ٣١٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وأوجب عليه الإعادة؛ لتقدم المعرفة بالسنن، وقطع الذريعة إلى الاشتغال بالأكل عن الصلاة الفاضلة التي أمر الشارع العليا بإخراج ذوات الخدور والحيض من النساء إليها؛ لما في شهودها من الخير، (وبركة)(١) دعوة المسلمين. وأما حديث حذيفة فإنه أسقط الدية عن قاتلي أبيه، وعذرهم بالجهالة؛ لأن الدية كانت عليهم بنص القرآن، وبقيت الكفارة عليهم فيما بينهم، وبين ربهم ، وقد يدخل البخاري نصوص الأحاديث المختلفة الألفاظ لاختلاف الناس فيها، ييسرها لأهل النظر والفقه، (واستنبط)(٢) كل واحد منهم مذهبه، كحديث جابر في بيع الجمل فيه لفظ اشتراط ظهره، ولفظة فقار ظهره، والإفقار تفضل، والاشتراط كراء ولذا أدخل البخاري في هذا الباب أحاديث في ظاهرها ما يتعارض لينظره الناظر، ويتدبر المستبحر، وإنما يصح معنى الحديث في نسيان اليمين إذا فات بالموت، فحينئذٍ يمكن أن يعذر بالنسيان، ويرجى له تجاوز الله وعفوه، وأما متى ذكره فالكفارة لازمة (٣). فصل : حاصل ما ذكره في الباب أحد عشر حديثًا : أحدها : حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عَُّ يَرْفَعُهُ قَالَ: ((إِنَّ اللهَ وَتَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِي عَمَّا وَسْوَسَتْ أَوْ حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ أَوْ تَكَلَّمْ (به)(٤)). (١) من (ص٢). (٣) انظر: ((شرح ابن بطال)) ١٢٧/٦ - ١٣٠. (٤) من (ص٢). (٢) في (ص٢): ويبسط. ٣١٥ كِتَابُ الأَيْمَانِ والنُّذُورِ = وهو رد على القاضي أبي بكر القائل أن من هم بمعصية ووطن نفسه عليها أنه مأخوذ بذلك؛ لأنه قال: ((ما لم يعمل به أو يتكلم به)). ثانيها: حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو ((افْعَلْ وَلَا حَرَجَ)). ثالثها: حديث ابن عَبَّاسٍ مثله. وهو ظاهر في نفي الإثم والهدي. وبه قال مالك، وخالف ابن الماجشون في الهدي، واحتج بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَخْلِقُواْ رُءُوسَكُمْ حَّ بَكُغَ الْهَدَىُ ◌َحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] وفي مسلم حلقت قبل أن أرمي؟ قال: ((ارم ولا حرج))(١). وتحمله مالك على نفي الإثم وتَوجب الهدي، وغيره حمله عليهما . رابعها : حديث أَبِي هُرَيْرَةَ في المسيء صلاته، وفيه: ((ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ أَرْفَعْ حَتَّى تَسْتَوِيَ وَتَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ أَسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ أَرْفَعْ حَتَّى تَسْتَوِيَ قَائِمًا، ثُمَّ اُفْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا)). وهو رد على من توقف في إيجاب الطمأنينة في الجلوس بين السجدتين . قال الداودي: وقوله ((ارجع فصلٍّ)) ليس من هذا الباب. قلت: بل هو منه؛ لأنه لم يؤثمه، وقد سلف وجهه أيضًا . وذكره الطمأنينة في الأركان حجة للمشهور من مذهب مالك أنها فرض، وهو مذهبنا، نعم لم يذكره في الاعتدال في الروايات المشهورة، ووردت من خارج الصحیح بإسناد صحيح. وقوله: ( ((ثم أقرأ بما تيسير معك من القرآن)) ) أحتج بظاهره (١) مسلم (١٣٠٦/ ٣٣٣). ٣١٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - أبو حنيفة على ما قرأ به الإنسان أجزأه، والجمهور حملوه على أن ذلك بعد الفاتحة، أو كان ذلك قبل أن تفرض، وأعلى منهما أنه صح أنه أمره بقراءة الفاتحة، وقد أسلفناه في موضعه الحديث الخامس : حديث عَائِشَةَ: هُزِمَ المُشْرِكُونَ يَوْمَ أُحُدٍ هَزِيمَةً تُعْرَفُ فِيهِمْ، فَصَرَخَ إِبْلِيسُ: أىْ عِبَادَ اللهِ أُخْرَاكُمْ فَرَجَعَتْ أُولَاهُمْ فَاجْتَلَدَتْ هِيَ وَأُخْرَاهُمْ، فَنَظَرَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ فَإِذَا هُوَ بِأَبِيهِ، فَقَالَ: أَبِي. قَالَتْ: فَوَاللَّهِ مَا انْحَجَزُوا حَتَّى قَتَلُوهُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: غَفَرَ اللهُ لَكُمْ. قَالَ عُرْوَةُ: فَوَ اللَّهِ مَا زَالَتْ فِي حُذَيْفَةَ بَقِيَّةٌ حَتَّى لَقِيَ اللهَ. معنى (ما أنحجزوا): لم يمتنعوا، يقال: حجزه يحجزه حجزًا، أي: منعه، ولم ينكر الشارع عليهم لجهلهم. الحديث السادس : حديث أبي هريرة # في الأكل ناسيا، وهو حجة على أنه لا قضاء عليه خلافًا لمالك في الواجب وقد سلف أنه صح أنه لا قضاء عليه، ولا كفارة. الحديث السابع : حديث عَبْدِ اللهِ بن بُحَيْنَةَ في تركه الَ الجلوس في الواجب، وفيه: وَسَجَدَ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ. الثامن : حديث ابن مَسْعُودٍ رضى الله عنه في صلاته الَّه الظهر فزاد أو نقص فيها . والأول حجة لمالك على أبي حنيفة في قوله: السجود كله بعد ٣١٧ - كِتَابُ الأَيْمَانِ والنُّذُورِ السلام، وهذا سجد قبله في النقصان، ونُسب ابن بحينة (١) إلى أمه لأنها كانت من بني عبد المطلب، فُنُسب إليها . قال الداودي: قوله: قيل: يا رسول الله، أم نسيت؟ في حديث ابن مسعود، هذا يدل أنهم علموا أنه صلى قبل (أربع)(٢)، وأنهم علموا ما صلى، وهذا لا يعرف فوته إلا بعد السلام، والحديث فيه بعض الوهم إلا أن آخره مفسرًا يستغني به عن أول الحديث إذ فيه قبله: قال منصور: لا أدري إبراهيم وَهَم أم علقمة؟ وقوله: وَهَم هو بفتح الهاء. قال الجوهري: وهمت في الحساب، أوهم أي: غلطت وسهوت، ووهمت في الشيء بالفتح: أهم وهمًا إذا ذهب وهمك إليه وأنت تريد غيره(٣) . الحديث التاسع : حديث سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ ثَنَا أَبَيُّ بْنُ كَعْبِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ وََّ يقول: ﴿قَالَ لَا نُؤَاخِذْنِ بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِى مِنْ أَمْرِى عُشْرًا VI [الكهف: ٧٣] قَالَ: ((كَانَتِ الأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا)». (وجهه)(٤) أنه لا إثم في قول موسى التَّيْئا ولا عقوبة، إنما سأله أن لا يفارقه. وقوله: ( ((كانت الأولى من موسى نسيانًا)) ) يعني: أنه لم ينس في الثانية ما عهد إليه فيه، ولكنه رأى شيئًا هو عنده منكرًا، فلم يلزم نفسه (١) ورد بهامش الأصل: هي بحينة بنت الحارث بن المطلب بن عبد مناف، فالصواب حذف (عبد) وإن وقع في الصحيح حليف بني عبد المطلب فالصواب حذف عبد، والله أعلم. (٢) كذا بالأصل وعليها: كذا. ولعلها: أربعًا. (٣) ((الصحاح)) ٢٠٥٥/٥. (٤) في (ص٢): وحيث. ٣١٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ما شرط، فلما قال له ﴿أَلَمَّ أَقُل لَّكَ﴾ الآية [الكهف: ٧٥] علم أنه لم يفعل إلا ما أمر به، فقال: ﴿إِن سَأَلْنُكَ عَن شَىْءٍ بَعْدَهَا﴾ [الكهف: ٧٦] وما يحتمل أن تكون الثالثة إلا نسيانًا . الحديث العاشر: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: كَتَبَ إِلَيَّ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ: ثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، ثَنَا ابن عَوْنٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: قَالَ البَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ رضي الله عنهما: وَكَانَ عِنْدَهُمْ ضَيْفٌ لَهُمْ، فَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يَذْبَحُوا قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ؛ لِيَأْكُلَ ضَيْفُهُمْ، فَذَبَحُوا قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لرسول اللهِ وَّهَ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الذَّبْحَ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، عِنْدِي عَنَاقٌ جَذَعٌ، عَنَاقُ لَبَنٍ هِيَ خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ. فَكَانَ ابن عَوْنٍ يَقِفُ فِي هذا المَكَانِ عَنْ حَدِيثِ الشَّعْبِيِّ، وَيُحَدِّثُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ بِمِثْلِ هُذَا الحَدِيثِ، وَيَقِفُ فِي هُذا المَكَانِ وَيَقُولُ: لَا أَدْرِي أَبَلَغَتِ الرُّخْصَةُ غَيْرَهُ أَمْ لَا . رَوَاهُ أَيُّوبُ عَنِ ابن سِيرِينَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ رسول الله وََّ. قوله: (فأمره أن يعيد الذبح) هو بكسر الذال، قال ابن التين: كذا رويناه، والذبح بالكسر: ما يذبح، وبالفتح مصدر ذبحت، والعناق: الأنثى من أولاد المعز، والحديث دال على أن من ذبح قبل الصلاة یعید الذبح. الحديث الحادي عشر: حديث جندب: شَهِدْتُ رسول الله وَ ◌ّهِ صَلَّى يَوْمَ عِيدٍ ثُمَّ خَطَبَ ثُمَّ قَالَ: ((مَنْ ذَبَحَ فَلْيُيَدِّلْ مَكَانَهَا، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ ذَبَحَ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللهِ)). وقوله: ( ((فليبدل)) ) هو بضم الياء من أبدل يبدل. ٣١٩ = كِتَابُ الأَيْمَانِ والنُّذُورِ ١٦- باب اليَمِينِ الغَمُوسِ (وقوله تعالى)(١): ﴿وَلَا نَتَّخِذُوَاْ أَيْمَنَّكُمْ دَخَلَا بَيْنَكُمْ﴾ [النحل: ٩٤] ﴿دَخَلَا﴾: مَكْرًا وَخِيَانَةً. ٦٦٧٥- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا النَّصْرُ، أَخْبَرَنَا شُغْبَةُ، حَدَّثَنَا فِرَاسٌ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّغْبِيَّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ قَالَ: ((الْكَبَائِرُ الإِشْرَاكُ باللهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَالْيَمِينُ الغَمُوسُ)). [٦٨٧٠، ٦٩٢٠ - فتح ١١ / ٥٥٥] ثم ذكر فيه حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ وَّل قَالَ: ((الْكَبَائِرُ: الإِشْرَاكُ باللهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَالْيَمِينُ الغَمُوسُ)). الشرح : اليمين الغموس: هي أن يحلف الرجل على الشيء وهو يعلم أنه كاذب، ليرضي بذلك أحدًا أو ليعذر، أو ليقتطع بها مالًا، وهي أعظم من أن تكفر، سميت غموسًا؛ لأنها تغمس صاحبها في الإثم، ولا كفارة فيها عند مالك، قال مالك: هي أعظم من ذلك. قال ابن عبد البر: ولا تصح إلا في الماضي. قال: وأكثر أهل العلم لا يرون فيها كفارة(٢)، ونقله ابن بطال أيضًا عن جمهور العلماء، وبه قال النخعي، والحسن البصري، ومالك، ومن تبعه من أهل المدينة، والأوزاعي في أهل الشام، والثوري، وسائر أهل الكوفة، والحسن بن صالح، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد، وأصحاب الحديث، وفيها قول ثان روي عن الحكم بن عتيبة أن فيها الكفارة (٣). (١) من (ص٢). (٢) ((التمهيد)) ٢٤٨/٢١-٢٤٩ بتصرف. (٣) ((شرح ابن بطال)) ٦/ ١٣٠. ٣٢٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = قال عطاء: ولا يريد بالكفارة إلا خيرًا وهو قول الشافعي والأوزاعي ومعمر وطائفة من التابعين، فيما ذكره المروزي، فإن أقتطع بها حق أمرئ مسلم، أو ذمي فالرد واجب. قال الشافعي: والكفارة في هذا أوكد منها على من لم يتعمد الحنث بيمينه. قال محمد بن نصر المروزي في كتابه: ((اختلاف العلماء)) بعد أن نقل أنه لا كفارة عليه في قول عامة العلماء: مالك، وسفيان، وأصحاب الرأي، وأحمد، وأبي ثور، وكان الشافعي يقول: يُكَفِّر. ويروى عن بعض التابعين مثله، أميل إلى قول مالك ومن تبعه(١)، واحتج الشافعي بأن قال: جاءت السنة فيمن حلف، ثم رأى خيرًا مما حلف عليه أن يحنث نفسه، ثم يُكَفِّر، وهذا قد تعمد الحنث، وأمر بالكفارة، فقيل له: الشارع أمره أن يحنث. فعلم أن ذلك طاعة، فلما كان عاصيًا والحانث مطيعًا افترق حكمهما، وحجة من نفاها بأحاديث منها: قوله التليف: ((من حلف على منبري إنما يتبوأ مقعده من النار))(٢) ومنها حديث: ((من أقتطع مال أمرئ مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار))(٣) ومنها حديث ابن مسعود ((لقي الله وهو عليه غضبان))(٤) فذكر الإثم فيها ولم يذكر كفارة ولو كانت لذكرت. (١) ((اختلاف الفقهاء)) ص٤٧٩ - ٤٨٠. (٢) رواه أبو داود (٣٢٤٦)، وابن ماجه (٢٣٢٥)، وأحمد ٣٤٤/٣ من حديث جابر بن عبد الله. (٣) رواه مسلم برقم (١٣٧) كتاب: الإيمان، باب: وعيد من اقتطع حق مسلم ... (٤) سلف برقم (٢٣٥٦)، (٢٣٥٧) كتاب: المساقاة، باب: الخصومة في البئر والقضاء فيها، ورواه مسلم برقم (١٣٨) كتاب: الإيمان، باب: وعيد من اقتطع حق مسلم ..