النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
كِتَابُ الأَيْمَانِ والنّذَورِ
=
وفي ((تاريخ أبي زرعة الدمشقي)) حديث أبي سلمة، عن عائشة
(مرفوعًا)(١): ((لا نذر في معصية)) وعلله، وقد سلف حديثها أيضًا،
وحديث عبد الله بن عمرو بن العاصي (٢).
فصل :
قال أبو محمد بن حزم: من حلف على إثم، ففرض عليه أن لا يفعله،
ويكفر، وإن حلف على ما ليس إثمًا، ولا طاعة، فلا يلزمه ذلك. قال:
وقال بعض أصحابنا: يلزمه إذا رأى غيرها خيرًا منها، واحتجوا بقوله:
((فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه))(٣) قال: وهو أحتجاج صحيح
لولا ما رويناه من قول القائل لرسول الله إذ ذكر له الصلوات الخمس:
هل عليّ غيرها؟ قال: ((لا إلا أن تطوع)) وقال: في الصوم والزكاة
كذلك، فقال: والله لا أزيد عليهن، ولا أنقص منهن، فقال القليفي:
((أفلح إن صدق)) (٤). ولا شك في أن التطوع بعد الفرض أفضل من ترك
التطوع، وأنه خير، ولم ينكر يمينه بذلك، ولا أمره بأن يأتي الذي هو
خير، بل حسن له ذلك، فصح أن أمره الظّهر بذلك إنما هو ندب (٥).
أي: وإن قيل: إن كلامه في ترك الزيادة والنقص راجع إلى تبليغ
ما سمع؛ لأنه (كان)(٦) وافد قومه، ففيه بعد.
(١) من (ص٢).
(٢) رواه الطبراني في ((الكبير)) ١٩/ ١٩٠، ورواه أبو داود (٢١٩٢) بلفظ ((ولا نذر
إلا فيما أبتُغي به وجه الله تعالى)).
(٣) سبق تخريجه.
(٤) سلف برقم (٤٦) كتاب الإيمان، باب: الزكاة من الإسلام. ورواه مسلم برقم
(١١)، كتاب الإيمان، باب: بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام.
(٥) ((المحلى)) ٧٦/٨.
(٦) من (ص٢).

٢٠٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
فصل :
قال ابن حزم: ومن أراد أن يحنث فله أن يقدم الكفارة قبله، أي
الكفارات لزمته من عتق، أو كسوة، أو إطعام، أو صيام، وهو قول
مالك. وقال أبو حنيفة، وأبو سليمان: لا يجزئه ذلك إلا بعد الحنث.
(وقال الشافعي: أما العتق، أو الكسوة والإطعام، فيجوز تقديمه
قبله، وأما الصوم فلا يجزئ إلا بعده) (١)، وحجته: أنها من فرائض
الأموال، وهي من حقوق الناس، وجائز تقديمها قبل آجالها،
وأما الصوم فمن فرائض الأبدان لا يجوز تقديمه قبل وقته.
وهم موافقون لنا أن التعجيل متوقف على الرضا، دون حقوق الله
الموقت بوقت، ثم حقوق الناس التأخير فيها جائز والإسقاط بخلاف
الكفارات.
وتناقض المالكيون، فمنعوا تقديم الزكاة إلا قبل الحول بشهر،
ونحوه، وتقديم زكاة الفطر إلا قبل الفطر بيومين، ولم يجيزوا تقديم
كفارة الظهار أصلًا، ولا بساعة، قبل ما يوجبها، ولا كفارة القتل
خطأ قبل ما يوجبه من موت المقتول، ولا بطرفة عين، ولا كفارة قتل
الصيد في الحرم قبل قتله. وأجازوا إذن الورثة للموصي في أكثر من
الثلث قبل أن يجب لهم المال بموته، فظهر التناقض في أقوالهم.
وتناقض الحنفيون أيضًا؛ فإنهم أجازوا تقديم الزكاة قبل الحول
بثلاثة أعوام، وتقديم زكاة الزرع إثر زرعه في الأرض، وأجازوا
تقديم جزاء الصيد قبل موته، وتقديم كفارة قتل الخطأ قبل موت
المجروح، ولم يجيزوا للورثة الإذن في الوصية بأكثر من الثلث قبل
(١) من (ص٢).

٢٠٣
كِتَابُ الْأَيْمَانِ والنُّذُورِ
=
أن يجب المال لهم بالموت، ولا أجازوا إسقاط الشفيع حقه من
الشفعة، ولا عرض شريكه أحد الشقصين قبل وجوب أخذه له بالبيع،
وكلهم لا يجيز الاستثناء قبل اليمين، ولا قضاء دين قبل أخذه،
ولا صلاة قبل وقتها. قال: وأصحابنا قالوا: لا تجب الكفارة
إلا بالحنث، وهي فرض بعد الحنث بالنص والإجماع، فتقديمها قبل
أن يحنث تطوع لا فرض، ومن المحال إجزاؤه عن الفرض.
ثم إنا نوافقهم على أنه لا يجزئ شيء من الشريعة قبل وقته، إلا في
موضعين :
كفارة اليمين، فجائز تقديمها قبل الحنث، لكن بعد إرادة الحنث،
ولا بد، وإسقاط الشفيع حقه بعد العرض عليه أن يأخذ أو يترك قبل
البيع، فإسقاطه حقه حينئذٍ لازم له فقط، وإنما فعلنا ذلك للنصوص
المخرجة لهذين الحكمين عن حكم سائر الشريعة في أنه لا يجزئ
ولا يجوز أداء شيء منها قبل الوقت الذي حده الله. وقد أحتج بعض
من وافقنا في تصحيح قولنا هنا، بأن قال: قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ
كَفَّرَةُ أَيْمَنِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] والكفارة واجبة بنفس اليمين،
ولا حجة في هذا؛ لأنه قد جاء النص والإجماع المتفق على أن من
لم يحنث فلا كفارة عليه، فصح أنه ليس بنفس اليمين تجب الكفارة.
واحتج بعضهم: بأن في الآية حذفًا بلا خلاف، تقديره: إن أردتم
الحنث، أو حنثتم، وهذه دعوى منهم في ذلك. وحديث مسلم من
حديث أبي هريرة مرفوعًا: ((من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا
منها فليأتها وليكفر عن يمينه))(١).
(١) مسلم (١١/١٦٥٠) كتاب: الأيمان، باب: ندب من حلف يمينًا ..

٢٠٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ومن طريق النسائي، عن عبد الرحمن بن سمرة يرفعه: (وإذا حلفت
على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها. (فكفر عن يمينك، ثم أَئت الذي هو
خیر))(١) .
ومن حديث عدي بن حاتم مرفوعًا: ((من حلف على يمين فرأى
غيرها خيرًا منها)(٢) فليأت الذي هو خير وليكفر))(٣).
فهذِه الأحاديث جامعة لجميع أحكام ما اختلفوا فيه من جواز
تقديمها قبل الحنث(٤).
وفي حديث عدي الجمع بين الحنث والكفارة بواو العطف، التي
لا تعطى رتبة. وهكذا جاء من طريق أبي موسى الأشعري(6). فوجب
استعمال جميعها، ولم يكن بعضها أولى بالطاعة، ولا تحل مخالفة
بعضها لبعض، فكان ذلك جائزًا .
وصح بهذا أن الحذف الذي في أول الآية إنما هو ما أردتم الحنث،
أو حنثتم، والشارع هو المبين عن ربه، فاعترض بعضهم بأن قال: قوله:
((فليكفر ثم ليأت الذي هو خير))(٦). مثل قوله تعالى: ﴿ثُقَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ﴾ [البلد: ١٧]، وكقوله: ﴿ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى اُلْكِنَبَ﴾ [الأنعام: ١٥٤]
وكقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَفْنَكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ ثُمَّ قُلْنَا﴾ [الأعراف: ١١]: ولفظة:
(١) النسائي ٧/ ١٠.
(٢) ما بين القوسين من (ص٢).
(٣) رواه النسائي ٧/ ١٠-١١ وصححه الألباني في ((إرواء الغليل)) ١٦٥/٧ (٢٠٨٤).
(٤) زاد ابن حزم: لأن في حديث أبي هريرة تقديم الحنث قبل الكفارة، وفي حديث
عبد الرحمن بن سمرة تقديم الكفارة قبل الحنث.
(٥) أحد أحاديث هذا الباب.
(٦) هو حديث عبد الرحمن بن أبي سمرة # أحد أحاديث هذا الباب.

٢٠٥
كِتَابُ الأَيْمَانِ والنُّذُورِ
=
؛ في هذِه الآيات لا توجب تعقيبًا، بل هي واقعة على ما كان قبلها
عطف اللفظ عليه، وليس كما ظنوا.
[البلد: ١٢]
أما الآية الأولى: فإن نصها ﴿وَمَآ أَدْرَنِكَ مَا الْعَقَبَةُ (®
إلى أن قال: ﴿ثُمَّ﴾. وقد ذكرنا قوله لحكيم بن حزام: «أسلمت على
ما أسلفت من خير))(١).
فصح بهُذِه الآية عظم نعمة الله على عباده في قبول كل عمل بر
عملوه في كفرهم، ثم أسلموا، فالآية على ظاهرها، وهي زائدة على
ما في القرآن من قبوله أعمال من آمن ثم عمل الخير.
وأما الآية الثانية فإن أولها: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام:
١٥٣] إلى أن قال: ﴿ثُمَّ ءَاتَيْنَا﴾. وقال: ﴿مَا كَانَ إِنَزَهِيمُ ◌َهُودِيًّا وَلَا
نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧]، وقال: ﴿مِلَّةَ أَبِّكُمْ
إِنَزَهِيمٌ﴾ [الحج: ٧٨] فصح أن الصراط الذي أمرنا الله باتباعه، وأتانا
به نبينا هو صراط إبراهيم، وقد كان قبل موسى بلا شك، ثم آتى الله
نبيه موسى الكتاب، فهذا تعقيب بمهلة لا شك فيه.
وأما الثالثة (فعلى ظاهره)(٢)؛ لأن الله خلق أنفسنا وصورها، وهي
التي أخذ الله عليها العهد بقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] ثم بعد
ذلك أسجد الملائكة لآدم، فبطل تعلقهم بهُذِه الآيات. سلمنا أن ﴿ِثُمَّ﴾
فيها لغير التعقيب، فلا يجب ذلك لها حيثما وجدت؛ لأن ما خرج بدليل
لا يعمم.
(١) سلف برقم (١٤٣٦) ورواه مسلم (١٩٤/١٢٣) كتاب: الإيمان، باب: بيان حكم
عمل الكافر. واللفظ له.
(٢) في الأصل: فعل ظاهر. والمثبت من (ص٢).

٢٠٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
قال ابن حزم: وقولنا هو قول عائشة رضي الله عنها، ومن طريق
ابن أبي شيبة، حدثنا المعتمر، عن ابن عون، عن محمد بن سیرین،
أن مسلمة بن مخلد، وسلمان الفارسي رضي الله عنهما كانا يكفران
قبل الحنث.
وحدثنا حفص بن غياث، عن أشعث، عن ابن سيرين، أن أبا الدرداء
دعا غلاما له، فأعتقه، ثم صنع الذي حلف عليه.
وحدثنا أزهر، عن ابن عون، أن محمد بن سیرین کان یکفر قبل
الحنث(١)، وهذا قول ابن عباس، والحسن، وربيعة، وسفيان،
والأوزاعي، ومالك، والليث، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق،
وسليمان بن داود، وأبي ثور، وأبي خيثمة، وغيرهم رحمهم الله، ولم
نعلم لمن ذكرنا مخالفًا من الصحابة، إلا أن مموها موه برواية
عبد الرزاق، عن الأسلمي -هو إبراهيم بن أبي يحيى- عن رجل
سماه، عن محمد بن زياد، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس
رضي الله عنهما أنه كان لا يكفر حتى يحنث(٢). وهذا باطل؛ لأن
ابن أبي يحيى مذكور بالكذب عمن لم يسم، ثم لو صح لما كان لهم
فيه حجة؛ لأنه ليس فيه أن ابن عباس لم يجزها قبل الحنث، إنما فيه
أنه كان يؤخرها بعده فقط، ونحن لا ننكر هذا(٣).
فصل :
سلف حديث أبي بكر (٤).
(١) ((المصنف)) ٨٤/٣.
(٢) السابق ٥١٥/٨.
(٣) ((المحلى) ٦٥/٨-٦٨.
(٤) سلف برقم (٤٦١٤)، كتاب التفسير، باب: قوله ﴿لَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِلَّغْوِ فِيَ أَيْمَنِكُمْ﴾.

٢٠٧
= كِتَابُ الأَيْمَانِ والنُّذُورِ
ولابن أبي شيبة، عن ابن فضيل، عن الأعمش، عن مسلم، عن
مسروق قال أتي عبد الله بضرع ونحن عنده، فاعتزل رجل من القوم،
فقال له عبد الله- يعني ابن مسعود -: أدن، فقال الرجل: إني حلفت
أن لا آكل ضرع ناقة، فقال: أدن فكل، (وكفر)(١) .
وحدثنا حفص، عن عبيد الله، عن نافع عن ابن عمر رضي الله
عنهما أنه كان يكفر (بعد)(٢) أن يحنث.
(وحدثنا أبو أسامة)(٣)، عن ابن عون، عن ابن سيرين أنه قال:
كانوا يقولون: من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليدع يمينه
وليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه.
وحدثنا محمد بن بكر، عن ابن جريج، عن عطاء قال: قلت له:
حلفت على أمر غيره خير منه، أدعه وأكفر عن يميني؟ قال: نعم (٤).
قال ابن عبد البر: والآثار المرفوعة أكثرها أنه الكليه؟ قال: ((فليأت
الذي هو خير وليكفر عن يمينه)) فقدم الحنث قبل الكفارة من حديث
عدي وأبي الدرداء وعائشة وابن عمر وأنس (وابن سمرة)(٥)، وأبي
موسى كل هؤلاء رووا عن رسول الله وَله: «فليأت الذي هو خير ثم
يكفر عن يمينه)). بتبدئة الحنث قبلها(٦).
(١) كذا بالأصل، وليست في المطبوع من ((مصنف ابن أبي شيبة)).
(٢) كذا بالأصل، وفي المطبوع من ((المصنف)): قبل.
(٣) في المطبوع من ((المصنف)) لابن أبي شيبة: حدثنا أبي علية، وليس فيه حدثنا
أبو أسامة.
(٤) ((المصنف)) لابن أبي شيبة ٨٣/٣.
(٥) في الأصل: سمرة. والمثبت من (ص٢) وهو الصواب.
(٦) ((الاستذكار)) ٧٥/١٥-٧٨.

٢٠٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
فصل :
في ((علل الترمذي)»: سألت محمدًا عن حديث حدثناه قتيبة، عن أبي
الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن أذينة، عن أبيه، عن
رسول الله ◌َ و أنه قال: ((من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها
فليأت الذي يرى أنه خير، وليكفر عن يمينه)).
فقال: هذا حديث مرسل، فأذينة لم يدرك رسول الله وَطل، وهو
الذي يروي عن عمرو بن دينار، عن أذينة، عن ابن عباس رضي الله
عنهما في العنبر(١).
وقال البغوي في كتاب ((الصحابة)) بعد ذكر هذا الحديث: لا أعلم
روى أذينة غيره، ولا رواه عن أبي إسحاق إلا أبو الأحوص(٢).
وذكره في الصحابة أبو داود الطيالسي، وابن منده(٣)، وأبو نعيم(٤)،
وأبو عمر(٥)، وأبو عروبة الحراني في الطبقة الرابعة منهم الذين أسلموا
بعد الفتح ممن لا يعرف نسبهم.
وقال أبو سليمان بن زبر في ((الصحابة)): كوفي له صحبة.
ولما ذكره العسكري في ((المعرفة)) قال: قال بعضهم: لا تثبت له
صحبة .
(١) ((علل الترمذي)) ٦٥٣/٢ -٦٥٤.
(٢) ((معجم الصحابة)) ٢٢٩/١.
(٣) ((معرفة الصحابة)) ٢١٢/١-٢١٣.
(٤) ((معرفة الصحابة)) ٣٦١/١.
(٥) ((الاستيعاب)) ٢٢٢/١.

٢٠٩
كِتَابُ الأَيْمَانِ والنُّذُورِ
=
فصل :
روى ابن عدي بإسناد ضعيف، عن ابن عباس رضي الله عنهما
مرفوعًا: ((من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأتها، فإنها
كفارتها، إلا طلاقًا أو عتاقًا(١))(٢).
وعن أبي هريرة مرفوعًا بإسناد ضعيف: ((من قال الرجل: تعال أقامرك
فقد وجب عليه كفارة يمين))(٣).
ولأبي داود من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعا
((من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها، ليدعها وليأت الذي هو
خير، فإن تركها كفارتها)). قال أبو داود: والأحاديث كلها عن رسول
الله وَّةُ ((فليكفر عن يمينه)) إلا ما لا يعتد به(٤).
فصل :
قد أسلفنا في تفسير الآية عن مالك إذا كررت اليمين، ولو تعدد
المجلس أنها واحدة.
وقال الثوري: إن حلف مرتين على شيء واحد، فهي يمين واحدة،
إذا نوى توخّدَها، وإن كانتا في (مجلس)(٥)، وإن أراد يمينًا أخرى،
والتغليظ فيها، فهي يمينان. وروي عنه: توحدها وإن حلف مرارًا.
وقال الأوزاعي: من حلف في أمر واحد بأيمان فواحدة ما لم يكفر.
وقال البتي: إن أراد الأولى فواحدة، أو التغليظ، فلكل واحدة كفارة.
(١) في الأصل: فإن كفارتها طلاق أو عتاق، خطأ، والمثبت من ((الكامل)) لابن عدي.
(٢) («الكامل)) ٣٨/٩.
(٣) السابق ١٣/٨، بلفظ: إذا قال الرجل لأخيه في مجلس: هلمَّ أقامرك ...
(٤) أبو داود (٣٢٧٤)، وضعفه الألباني في ((الضعيفة)) (١٣٦٥).
(٥) كذا بالأصل، وفي ((الاستذكار)): مجلسين.

٢١٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وقال الحسن بن حي: إذا قال: والله لا أكلم فلانًا، والله لا أكلم
فلانًا في مجلس واحد فواحدة، وإن قال: والله لا أكلم فلانًا، ثم قال:
والله لا أكلم فلانًا فثنتان.
وقال محمد بن الحسن: إذا قال: والله لا أفعل كذا، والله (لا أفعل)(١)
كذا في الشيء الواحد، فإن أراد التكرار، فواحدة، وإن لم يكن نية؛ فإن
أراد التغليظ فثنتان. قال: وإن قال ذلك في مجلسين فهما يمينان.
وقال الشافعي: كفارة واحدة مطلقًا. (وعنه، وابن الحسن)(٢) فيمن
قال: والله، والرحمن لأفعلن كذا: هما يمينا، إلا أن يكون أراد الكلام
الأول فواحدة. ولو قال: والله الرحمن فواحدة (٣).
وقال زفر: قوله: والله الرحمن واحدة.
وقال مالك: من قال: والله والرحمن عليه ثنتان، وإن قال: والسميع
والعليم والحكيم، فثلاث. وكذلك لو قال عليّ عهد الله وميثاقه وكفالته
ثلاث .
وقال النخعي في الرجل يردد الأيمان في الشيء الواحد: واحدة.
وقال الحسن بن أبي الحسن: إذا حلف بأيمان شتى على أمر واحد
فحنث، فإنما عليه كفارة واحدة، فإن حلف أيمانًا شتى، في أشياء
شتى، (في أيام شتى) (٤)، فعليه عن كل يمين كفارة(8) .
(١) في الأصل: أفعل. والمثبت من (ص٢).
(٢) في الأصل: (وعن أبي الحسن) والمثبت من (ص٢).
(٣) ذكره عن مالك.
(٤) من (ص٢).
(٥) ((الاستذكار)) ٨٠/١٥-٨٢.

٢١١
= ڪِتَابُ الأَيْمَانِ والتُّذُورِ
فصل :
واختلفوا فيما يجب على من حلف بالعهد (فحنث)(١): فقالت
طائفة: عليه كفارة يمين، سواء نوى اليمين أم لا، روينا هذا عن
الحسن والشعبي وطاوس والحارث العكلي والحكم والنخعي ومجاهد
وقتادة، وبه قال مالك، والأوزاعي وأصحاب الرأي. وقالت طائفة:
ليست بيمين، إلا أن يريد يمينًا. كذلك قال عطاء، والشافعي،
وأبو عبيد، وأبو ثور، واختلف فيه عن الثوري. قال ابن المنذر بعد
حكايته ذلك: وكما قال عطاء أقول. قال: وكان مالك يقول: إذا قال
عليّ عهد الله وميثاقه وكفالته إن فعلت كذا وكذا، وجب عليه ثلاث
كفارات. وقد أسلفنا هذا عنه. وبه قال أبو عبيد. وقال الشافعي:
ليست بيمين إلا أن يريد يمينًا. وقال طاوس: إذا قال عليّ عهد الله
وميثاقه فهي يمين يكفرها، وبه قال الثوري(٢).
وقد عقد البخاري بابًا في الحلف بالعهد، كما سيأتي.
فصل :
حديث أبي هريرة : ((من أستلج في أهله)): ساقه البخاري عن
إسحاق -يعني ابن إبراهيم - ثنا يحيى بن صالح، ثنا معاوية، عن
يحيى، عن عكرمة، عن أبي هريرة ، عن رسول الله وَل﴾. قال
الإسماعيلي: ورواه معمر، عن يحيى، عن عكرمة، عن النبي
صَلى له
وسلم
أرسله، ثم ساقه بإسناده بلفظ: ((إذا أستلج الرجل في يمينه فهو آثم
عند الله من الكفارة التي أمره الله تعالى بها)).
(١) من (ص٢).
(٢) ((المحلى)) ٣٨/٨.

٢١٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وفي لفظ: ((لأن يستلج أحدكم بيمينه في أهله آثم عند الله من أن
يعطي كفارته التي فرض الله عليه)).
وفي لفظ: ((إذا استلج أحدكم باليمين في أهله فإنه آثم عند الله من
الكفارة التي أمر بها)).
قال ابن حزم: لم يعن بهذا الحديث الكفارة، والحالف باليمين
الغموس لا يسمى مستلجًا في أهله، ومعناه: أن يحلف المرء أن
يحسن إلى أهله، وأن لا يضر بهم، ثم يلج في أن يحنث فيضر بهم
ولا يحسن إليهم، ولا يكفر عن يمينه، فهذا بلا شك مستلج بيمينه
في أهله أن لا يفي بها، وهو أعظم إثمًا بلا شك. والكفارة لا تغني
عنه، ولا تحط إثم إساءته إليهم، وإن كانت واجبة عليه لا يحتمل
هذا الخبر معنى غيره(١) .
فصل :
روى ابن أبي شيبة بإسناد جيد من حديث ابن عمر رضي الله عنهما :
((الیمین حنث أو ندم))(٢) .
وروى عن عبد الرحيم، عن عبد الله بن سعيد، عن جده، عن أبي
هريرة مرفوعًا: ((إياكم والنذر، فإن الله لا ينعم نعمة على الرشا، وإنما هو
شيء يستخرج به من البخيل)).
وعن محمد بن قيس، عن أبيه أن أبا هريرة قال: لا أنذر نذرًا
أبدًا (٣) .
(١) ((المحلى)) ٣٨/٨.
(٢) (المصنف)) لابن أبي شيبة ١١٤/٣ بلفظ: ((الحلف حنث أو ندم)) وضعفه الألباني
في ((الضعيفة)) (٣٧٥٨).
(٣) ((المصنف)) ٩٥/٣.

٢١٣
كِتَابُ الأَيْمَانِ والنُّذُورِ
=
فصل :
قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم أن من قال:
إن شفى الله مريضي، أو شفاني من علتي، أو قدم غائبي، وما أشبه
ذلك، فعليَّ من الصوم كذا، أو من الصلاة كذا، أو من الصدقة كذا
أن عليه الوفاء بنذره.
واختلفوا فيمن نذر (نذر)(١) معصية، فروينا عن جابر، وابن
مسعود، وابن عباس أنهم قالوا: ((لا نذر في معصية، وكفارته كفارة
يمين)) وحكي ذلك عن الثوري، والنعمان.
وقال مالك والشافعي وأبو ثور: لا كفارة فيه.
قال ابن المنذر: وبه أقول للثابت عن رسول الله وَالل أنه قال: ((لا نذر
في معصية)) (٢) يعني بذلك: ما رواه البخاري، عن عائشة. وعند
الطحاوي زيادة: ((ويكفر عن يمينه))(٣).
فصل :
اختلفوا فيمن نذر نذرًا من غير تسمية. ففي الدارقطني من حديث
ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا ((من نذر نذرًا لم يسمه فكفارته
كفارة يمين، ومن نذر نذرًا في معصية فكفارته كفارة يمين، ومن نذر
نذرًا لم يطقه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرًا لله يطيقه فليف به))(٤).
ومن حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعًا بنحوه(٥) .
(١) من (ص٢).
(٢) ((الإشراف على مذاهب أهل العلم)) ٢٨٣/٢-٢٨٤.
(٣) ((شرح مشكل الآثار)) ٤٠٣/٥.
(٤) (سنن الدارقطني)) ١٦٠/٤.
(٥) سيأتي برقم (٦٦٩٦).

٢١٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قال ابن المنذر: وروينا عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: عليه
أغلظ الكفارات: عتق رقبة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين
مسكينًا. وروي ذلك عن مجاهد. وعن ابن مسعود وجابر: عليه كفارة
يمين. وروي أيضًا عن الحسن وإبراهيم والشعبي وعطاء والقاسم بن
محمد وابن جبير وعكرمة وطاوس. وقال مالك (وأبو ثور)(١)،
والثوري: عليه كفارة يمين. وقال الشافعي: لا نذر عليه، ولا كفارة.
قال ابن المنذر: وروينا عن ابن عباس أنه قال: في النذر عتق رقبة،
أو كسوة عشرة مساكين، أو إطعام ستين مسكينًا، فإن لم يجد فصيام
شهرين. وكان الزهري يقول قولًا خامسًا: إن كان في طاعة الله
(فكفارة)(٢)، وإن كان في معصية الله، فلْيُقَرِّب إلى الله ما شاء. وفيه
قول سادس وهو: إن كان نوى شيئًا فهو ما نوى، أو سمى شيئًا فهو
ما سمى، وإن لم يكن نوى ولا سمى فإن شاء صام، وإن شاء أطعم
مسكينًا، وإن شاء صلى ركعتين(٣). وقال أبو عمر كفارة النذر المبهم
كفارة يمين عند أكثر العلماء(٤). وروي عن ابن عباس في النذر
المبهم كفارة يمين(٥)، ولم يقل: مغلظة(٦). وهو قول ابن مسعود
على اختلاف. وقد روي عنه: (عليه)(٧) عتق رقبة.
(١) من (ص٢).
(٢) كذا بالأصل، وفي ((الإشراف)): فعليه وفاؤه.
(٣) ((الإشراف على مذاهب أهل العلم)) ٢٨٥/٢.
(٤) ((التمهيد)) ٩/ ٣٠.
(٥) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٣/ ٧٢.
(٦) ورد عن ابن عباس أنها يمين مغلظة رواه عنه ابن أبي شيبة ٧٢/٣ (١٢١٨٠).
(٧) من (ص٢).

٢١٥
كِتَابُ الأَيْمَانِ والنُّذُورِ
=
وعن قتادة: فيها عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام
ستين مسكينًا (١). وعن ابن عمر مثله.
وقال الشعبي: إني لأعجب ممن يقول النذر يمين مغلظة. ثم قال:
يجزئه إطعام عشرة مساكين. (وقاله)(٢) الحسن، وهو قول إبراهيم
ومجاهد وعطاء وطاوس وجابر بن زيد وجماعة الفقهاء أهل الفتيا
بالأمصار. وقد روي في أن النذر المبهم كفارته كفارة يمين حديث
مسند، وهو أعلى ما روي في ذلك وأجل(٣)، حدثناه سعيد بن نصر،
ثنا قاسم بن أصبغ، ثنا ابن وضاح، ثنا أبو بكر، ثنا وكيع، عن
إسماعيل بن (رافع) (٤)، عن خالد بن يزيد، عن عقبة بن عامر قال
رسول الله وَلجر: ((من نذر نذرًا لم يسمه فعليه كفارة يمين))(٥) .
قلت: فيه أنقطاع بين خالد وعقبة، وهو في الترمذي، عن أحمد بن
منيع، عن أبي بكر بن عياش، عن محمد مولى المغيرة بن شعبة، حدثني
كعب بن علقمة، عن أبي الخير مرثد بن عبد الله اليزنيٍّ، عن عقبة. ثم
قال: حسن صحيح غريب(٦) .
(١) (مصنف عبد الرزاق)) ٤٦/٨.
(٢) في الأصل: قال. وما أثبتناه مناسب للسياق، وهو من ((الاستذكار)).
(٣) أنظر: ((الاستذكار)) ١٥/١٥.
(٤) في (ص٢): راشد.
(٥) رواه ابن عبد البر في ((الاستذكار)) ١٥/١٥.
ورد في هامش الأصل: الحديث في ابن ماجه في الكفارات عن علي بن محمد عن
وكيع، عن إسماعيل بن رافع، عن خالد بن يزيد، عن عقبة، والحديث في مسلم
وأبي داود والترمذي من الطريق التي ذكرها شيخنا من عند الترمذي.
(٦) الترمذي (١٥٢٨).

٢١٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ورواه أبو داود أيضًا: عن هارون بن عباد الأزدي، عن
ابن عباس(١). وقال أبو القاسم: رواه يونس بن عبد الأعلى، عن
ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن كعب، عن ابن شماسة، عن
أبي الخير (٢). ورواه الحارث بن مسكين، وأحمد بن يحيى بن وزير،
عن ابن وهب، فأسقط أبا الخير(٣).
فصل :
قال ابن عبد البر: اختلفوا في وجوب قضاء النذر عن الميت على
وارثه، فقال أهل الظاهر: يقضيه عنه وليه الوارث، وهو واجب عليه،
صومًا كان أو مالًا. وقال جمهور الفقهاء: ليس ذلك على الوارث
بواجب، فإن فعل فقد أحسن، إن كان صدقة أو عتقًا .
واختلفوا في الصوم إذا أوصى الميت به، فقالت طائفة: هو في
(ثلثه)(٤)، وقال آخرون: كل واجب عليه في حياته إذا أوصى به،
(فهو في رأس ماله)(٥). وعند مالك في ((الموطأ)): عن عبد الله بن
أبي بكر، عن عمته أنها حدثته عن (جدتها)(٦) أنها كانت (جعلت)(٧)
على نفسها مشيًا إلى مسجد قباء، فماتت ولم تقضه، فأفتى عبد الله بن
عباس ابنتها أن تمشي عنها (٨). قال: لا خلاف عن مالك أنه لا يمشي
(١) أبو داود (٣٣٢٣).
(٢) رواه مسلم برقم (١٦٤٥) كتاب النذر، باب: في كفارة النذر.
(٣) رواه النسائي ٢٦/٧.
(٤) في الأصل عليها: كذا.
(٥) كذا بالأصل، وفي ((الاستذكار)): فهو رأسٌ.
(٦) كذا بالأصل، وفي ((الموطأ)): جدته.
(٧) في (ص٢): حلفت.
(٨) ((الموطأ)» ص٢٩٢.

٢١٧
= كِتَابُ الأَيْمَانِ والنُّذُورِ
أحد عن أحد، ولا يصلي، ولا (يصوم)(١) عنه، وأعمال البدن كلها عنده
كذلك قياسًا على الصلاة المجمع عليها .
قال ابن القاسم: أنكر مالك الأحاديث في المشي إلى قباء، ولم
يعرف المشي إلا إلى مكة. قال أبو عمر: معناه لا يعرف إيجاب
المشي، وإنما هذا في (الحالف)(٢) والنذر عنده، وأما المتطوع فقد
سلف عنده أنه التّ كان يأتي قباء راكبًا وماشيًا، فدل على أن إتيان
مسجد قباء مرغب فيه، وأن صلاة واحدة فيه كعمرة.
قال: ولم يختلف العلماء فيمن قال: عليَّ المشي إلى المدينة،
أو بيت المقدس، ولم ينو الصلاة في واحد من المسجدين، وإنما أراد
قصدهما لغير الصلاة، أنه لا يلزمه الذهاب إليهما، ونذر المشي إلى
مسجد قباء بطريق الأولى؛ لأن الصلاة في المسجد الحرام، أو مسجد
المدينة، أو بيت المقدس أفضل من الصلاة بقباء بإجماعهم. واختلف
إذا أراد الصلاة فيهما، أو في أحدهما، وذكر المسجد منهما، فقال
مالك: إذا قال: لله عليَّ المشي إلى المدينة، أو إلى بيت المقدس
فلا شيء عليه، إلا أن ينوي الصلاة في مسجديهما. فدل على أن
قائلا لو قال: عليَّ المشي إلى قباء، لم يلزمه شيء، إلا أن يقول:
مسجد قباء، أو ينوي الصلاة فيه، فإذا قال: مسجد قباء علم أنه للصلاة.
وكذلك إذا نوى ذلك، فمن جعل الصلاة في مسجد قباء لها فضل
على الصلاة في غيره أحب الوفاء بما جعل على نفسه، ومن لم ير إعمال
المطي، ولا المشي إلا إلى الثلاثة مساجد، أنه أمر من نذر الصلاة بقباء
(١) في (ص٢): يغرم.
(٢) غير واضحة في الأصول ، والمثبت من ((الاستذكار)).

٢١٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
أن يصلي في مسجده، أو حيث شاء. ومن قال: لا مشي يجب إلا إلى
مكة، لم يلتفت إلى غير ذلك، وهو قول مالك في المشي.
وقال أبو حنيفة وصاحباه: من نذر المشي إلى مسجد المدينة،
أو بيت المقدس، لم يلزمه شيء، وقال الأوزاعي: من نذر أن يمشي
إلى بيت المقدس، فليركب إن شاء، فإن كانت أمرأة، إن شاءت
ركبت، وإن شاءت تصدقت بشيء، وقول مالك والشافعي أنها تمضي
راكبة إلى بيت المقدس، فتصلي فيه.
قال: واختلفوا فيمن نذر أن يصوم أو يصلي في موضع يتقرب بإتيانه
إلى الله، كالثغور، ونحوها .
قال مالك: يقصد ذلك الموضع، وإن كان من أهل مكة أو المدينة.
يعني: ولا يلزمه المشي. قال: ولو قال: لله عليَّ أن أعتكف في مسجد
المدينة، فاعتكف في مسجد الفسطاط، لم يجزه.
وقال الأوزاعي: إذا جعل عليه صوم شهر (بمكة)(١) لم يجزئه في
غيرها، وإذا نذر صلاة بمكة لم يجزئه في غيرها. وقال أبو حنيفة
وصاحباه: من نذر أن يصوم بمكة، فصام بالكوفة أجزأه. وقال زفر:
لا ، إلا أن يصوم بمكة. وقال أبو يوسف: من نذر أن يصلي في
المسجد الحرام فصلى في غيره لم يجزئه، وإن نذر أن يصلي ببيت
المقدس فصلى في المسجد الحرام أجزأه (٢).
كأنه ذهب إلى حديث جابر في أبي داود بإسناد جيد أن رجلًا قال:
يا رسول الله، إني نذرت: إن فتح الله عليك مكة، أن أصلي في القدس.
(١) من (ص٢).
(٢) ((الاستذكار)) ١٥/١٥-٢١.

٢١٩
- كِتَابُ الأَيْمَانِ والتُّذُورِ
فقال: ((صل هنا)). فأعاد عليه مرتين، كل ذلك يقوله له: ((صل ها هنا))
فأعاد عليه الثالثة فقال: ((شأنك إذَّا))(١).
وقال الشافعي: من نذر الصلاة بمكة، لم تجزئه المدينة ولا بيت
المقدس، فإن نذر الصلاة بالمدينة، أو بيت المقدس أجزأه بمكة
عنهما دون غيرها من البلدان إلا حيث نذر، وقال: فإن نذر سوى
هُذِه الثلاثة صلى حيث شاء، وإن قال: لله عليّ أن أنحر بمكة، لم
يجزئه في غيرها، وكذلك إن نذر أن ينحر بغيرها لم يجزئه إلا في
الموضع الذي نذر؛ لأنه شيء أوجبه على نفسه لمساكين ذلك البلد.
وقال اللیث: من نذر صيامًا في موضع فعليه أن يصوم فيه، ومن نذر
المشي إلى مسجد من المساجد مشى إليه. قال الطحاوي: لم يوافق
الليث على إيجاب المشي إلى سائر المساجد أحد من الفقهاء(٢).
وروى مالك، عن عبد الله بن أبي حبيبة أنه قال: قلت لرجل وأنا
حديث السن: ما على الرجل أن يقول: عليَّ مشي إلى بيت الله، ولم
يقل: علي نذر مشي. فقال لي رجل: هل لك أن أعطيك هذا الجِرْو
- لِجِرْو قِثَّاء في يده- وتقول: عليَّ المشي إلى بيت الله؟ قال: فقلت:
نعم، ففعلت وأنا يومئذ حديث السن، ثم مكثتُ حتى عقلتُ، فقيل
لي: إن عليك مشيًا، فجئت إلى سعيد بن المسيب، فسألته عن ذلك،
فقال: عليك مشي. فمشيت. قال مالك: وهذا الأمر عندنا(٣).
قال ابن عبد البر: في هذِه المسألة ما ينكر، ويخالف مالكًا فيه أكثر
أهل العلم؛ وذلك أنه نذر على مخاطرة، والعبادات إنما تصح بالنيات
(١) ((سنن أبي داود)) (٣٣٠٥).
(٢) ((الاستذكار)) ٢١/١٥-٢٢.
(٣) ((الموطأ)» ص٢٩٢.

٢٢٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
لا بالمخاطرات، وهذا لم يكن له نية ولا إرادة فيما جعل على نفسه،
فكيف يلزمه ما لم يقصد طاعة؟! وفي حديث عن ابن المسيب خلاف
ما روى عنه الثقات(١).
قال ابن أبي شيبة: ثنا حماد بن خالد الخياط، عن محمد بن هلال
أنه سمع ابن المسيب يقول: من قال: عليّ المشي إلى بيت الله، فليس
شيئًا، إلا أن يقول: عليّ نذر مشي إلى الكعبة(٢).
وروى عبد الرحمن بن حرملة، عن ابن المسيب مثله.
قال أبو عمر: أظن سعيدًا جعل قول القائل: عليَّ المشي من باب
الإخبار بالباطل؛ لأن الله تعالى لم يوجب عليه مشيًا في كتابه، ولا على
لسان رسوله، فإذا قال: نذر مشي، كان قد أوجب على نفسه المشي،
فإن كان في طاعة لزمه الوفاء به؛ لأنه الظّهر قال: ((من نذر أن يطيع الله
فليطعه))(٣). فهؤلاء لا يرون في قول الرجل: عليَّ المشي شيئًا حتى
يقول: نذرت المشي، أو عليَّ نذر مشي، أو عليَّ الله المشي نذرًا
على وجه الشكر لله، وطلب البر، والحمد فيما يرجو من الله.
فصل :
والنذر الواجب في الشريعة إيجاب المرء على نفسه فعل البر، هذا
حقيقته عند العلماء. روي عن القاسم بن محمد أنه سئل عن رجل جعل
على نفسه المشي إلى بيت الله تعالى، (فقال)(٤): أنذرٌ؟ قال: لا. قال:
(فليكفر عن يمينه)(٥).
(١) ((الاستذكار)) ٢٦/١٥-٢٧.
(٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٩٤/٣.
(٣) سيأتي برقم (٦٦٩٦).
(٥) في الأصل: فليفِ بيمينه، والمثبت من (ص٢).
(٤) من (ص٢).