النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
كِتَابُ القَدَرِ
١١ - باب تَحَاجَّ آدَمُ وَمُوسَى عِنْدَ اللِهِ
٦١١٤ - حَدَّثَنَا عَلَّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَفِظْنَاهُ مِنْ عَمْرٍو، عَنْ
طَاؤُسِ، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّ قَالَ: ((احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى، فَقَالَ لَهُ
مُوسَى: يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُونَا خَيَّبْتَنَا وَأَخْرَجْتَنَا مِنَ الجَنَّةِ. قَالَ لَهُ آدَمُ: يَا مُوسَى،
أَصْطَفَاكَ اللهُ بِكَلَامِهِ وَخَطَّ لَكَ بِيَدِهِ، أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرِ قَدَّرَ اللهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ
يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً؟! فَحَجَ آدَمُ مُوسَى، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى)) ثَلَاثًا.
قَالَ سُفْيَانُ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَ مِثْلَهُ.
[انظر: ٣٤٠٩ - مسلم: ٢٦٥٢ - فتح: ٥٠٥/١١].
ذَكَرَ فِيهِ حَدِيث سُفْيَانَ قَالَ: حَفِظْنَاهُ مِنْ عَمْرٍو، عَنْ طَاوُسٍ، عن أبي
هُرَيْرَةَ ◌َُ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: ((احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى، فَقَالَ مُوسَى: يَا آدَمُ
أَنْتَ أَبُونَا خَيَّبْتَنَا وَأَخْرَجْتَنَا مِنَ الجَنَّةِ. قَالَ لَهُ آدَمُ: يَا مُوسَى، أنت الذي
أَصْطَفَاكَ اللهُ بِكَلَامِهِ وَخَطَّ لَكَ التوراة بِيَدِهِ، أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرِ قَدَّرَ اللهُ عَلَيَّ
قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً؟! فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى)) ثَلَاثًا .
قَالَ سُفْيَانُ: ثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَ﴾، عَنِ
النَّبِيِّ وَّهِ مِثْلَهُ.
الشرح :
رواه مالك، عن أبي الزناد، به بزيادة: ((اصطفاك الله برسالته)) (١)
وليس فيه: ((وخط لك بيده))، وليس فيه: ((بأربعين سنة))، ولا: ((أنت
أبونا)). ففيه دليل على سابق العلم، ويحتمل قوله: ( ((قدره الله عليّ
قبل أن يخلقني)) ) بكذا أن يكون ذَلِكَ قوله تعالى للملائكة: ﴿إِنِّ
جَاعِلٌ فِى الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ الآية [البقرة: ٣٠]، وذلك مقدر عليه في الأزل.
(١) ((الموطأ)) ص ٥٦٠.

١٦٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقول موسى: (يا آدم)). وهو أبوه؛ لشدة غضبه، وكان شديد
الغضب، يكاد شعره يخرج من ثوبين عند الغضب، والخيبة: الحرمان
والخسران، وقد خاب، يخيب، يخوب.
وقوله: ( ((وخط لك بيده))) يعني: التوراة، وهذا لا يوصف
إلا بما في النص، لا يزاد عليه (بحاسة) (١)، ولا غيرها.
وقوله: ( ((فحجَّ آدم موسى)) ) أتى عليه بالحجة. قال الداودي:
وإنما تحاجا في الخروج من الجنة، فقامت حجة آدم: أن الله خلقه
ليجعله في الأرض خليفة، ولم يحتج آدم في نفي الذنب عن نفسه؛
لأنه لا يقوم له سابق العلم حجة، أنه كان أكله من الشجرة اختيارًا .
وجدالهما هذا يحتمل أن يكون بين روحيهما بعد موت موسى،
أو يكون ذَلِكَ يوم القيامة. وقال ابن بطال: معنى أحتج آدم وموسى:
التقت أرواحهما في السماء، فوقع هذا الحجاج بينهما، وقد جاءت
الرواية بذلك.
روى الطبري، عن يونس بن عبد الأعلى، ثَنَا ابن وهب، ثَنَا
هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب
قال: قال رسول الله اله: ((إن موسى قال: يا رب، أبونا آدم الذي
أخرجنا، ونفسه من الجنة، فأراه الله آدم وقال له: أنت آدم؟ قال:
نعم، قال: أنت الذي نفخ الله فيك من روحه، وعلمك الأسماء كلها،
وأمر ملائكته فسجدوا لك، فما حملك أن أخرجتنا، ونفسك من
الجنة؟ قال: ومن أنت؟ قال: أنا موسى، قال: أنت نبي بني إسرائيل
الذي كلمك الله من وراء حجاب، ولم يجعل بينك وبينه رسولًا من
(١) في (ص٢): بمماسة.

١٦٣
كِتَابُ القَدَرِ
خلقه؟ قال: نعم، قال: أفما وجدت في كتاب الله أن ذَلِك كائن قبل
الخلق؟ قال: نعم)). وذكر الحديث(١).
قال المهلب وغيره وقوله: ( ((فحج آدم موسى)) ) أتى عليه بالحجة.
قال الليث بن سعد: وإنما صحت الحجة في هذه القصة لآدم على
موسى؛ من أجل أن الله قد غفر لآدم، وتاب عليه، فلم يكن لموسى أن
يعيره بما قد غفرها الله له، ولذلك قال له آدم: أنت موسى الذي آتاك الله
التوارة، وفيها علم كل شيء، فوجدت فيها أن الله قد قدر علي المعصية،
وقدر علي التوبة منها، وأسقط بذلك اللوم عني، أفتلومني أنت، والله
لا يلومني؟! وبمثل هذا أحتج ابن عمر على الذي قال له: إن عثمان
فرَّ يوم أحد. فقال ابن عمر: ما على عثمان ذنب؛ لأن الله قد عفى
عنه (٢) بقوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا ◌َللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٥]، وأما من عمل
الخطايا، ولم تأته المغفرة، فإن العلماء مجمعون أنه لا يجوز له أن
يحتج بمثل حجة آدم، فيقول: أتلومني على أن قتلت أو زنيت
أو سرقت، وقد قدر الله عليَّ ذَلِكَ، والأمة مجمعة على جواز حمد
المحسن على إحسانه، ولوم المسيء على إساءته، وتعديد ذنوبه
عليه، فإن قلت: فإن القدرية احتجت بقول موسى: ((أنت آدم خيبتنا
وأخرجتنا من الجنة)). فنسب التخييب والإخراج إليه. قالوا: هذا يدل
أن العباد يخلقون أفعالهم طاعتها ومعصيتها، ولو كانت خلقًا منه لم
يصح أن يأمرهم ولا ينهاهم.
قال: وكذلك احتجت الجهمية على صحة الجبر، يقول آدم:
((أتلومني على أمر قدر عليَّ؟)).
(١) رواه أبو داود (٤٧٠٢) عن أحمد بن صالح، عن ابن وهب، به.
(٢) سلف برقم (٣٦٩٩)، كتاب فضائل الصحابة، باب: مناقب عثمان بن عفان.

١٦٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
فالجواب: أنه ليس في قول موسى دليل قاطع على اعتقاد القول
بالقدر، وإن العبد خالق لأفعاله دون ربه كما زعمت القدرية؛ لأنه
ليس في قوله: ((أنت آدم)) إلى آخره أكبر من إضافة التخييب والإخراج
إليه، وإضافة ذَلِكَ إليه لا يقتضي كونه خالقًا لهما، إذ قد يصح في
اللغة إضافة الفعل إلى من يقع منه على سبيل (المجاز)(١)، وإلى من
يقع منه على سبيل الأكتساب.
وإذا احتملت إضافة التخييب والإخراج الوجهين جميعًا لم يقض
بظاهره على أحد الاحتمالين دون الآخر إلا بدليل قاطع، وقد قام
الدليل الواضح على استحالة اختراع المخلوق أفعاله دون إقدار الله له
على ذَلِكَ بقوله تعالى: ﴿اَللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ [الرعد: ١٦] وبقوله:
﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (﴾﴾ [الصافات: ٩٦]. وليس يجوز أن يريد
تعالى بهذا: الحجارة؛ لأن الحجارة أجسام، والأجسام لا يجوز
أن يعملها العباد، فدل أنه تعالى خالق أعمالهم، وقال تعالى:
﴿وَمِنْ ءَنِهِ، خَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٍ﴾ [الشورى: ٢٩]
واجتماعهم فعل لهم، وقد أخبر تعالى أنه خلق له، وقد ثبت أنه
تعالى قادر على جميع أجناس الحركات التي يحدثها العباد، بدلالة
أنه أقدرهم عليها، وما أقدرهم عليه فهو عليه أقدر، كما أنه ما أعلمهم
(به)(٢)، فهو به أعلم، فثبت أنه تعالى خالق الأفعال، والعبد مكتسب
لها، كما نقول: إنه تعالى منفرد بخلق الولد، والوالد منفرد بكون
الولد ولدًا له، لا شركة فيه لغيره، فنسبة الأفعال إليه تعالى من جهة
خلقه لها، ونسبتها إلى العباد من جهة اكتسابهم لها. هذا مذهب أهل
(١) في (ص٢): الخلق.
(٢) في (ص٢): إياه.

١٦٥
كِتَابُ القَدَرِ
=
السنة والحق، وهو مذهب موسى الثّ من قوله: ﴿إِنْ هِىَ إِلَّا فِئْنَتُكَ *
تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِى مَن تَشَاءُ﴾ [الأعراف: ١٥٥] فأضاف موسى الهداية
والإضلال إلى الله تعالى، ولا تصح هذِه الإضافة إلا على سبيل
خلقه لها، دون من وجدت منهم.
وأما قول الجهمية: إن الله تعالى أجبر العباد على أفعالهم، وهم
مكرهون على الطاعة والمعصية. واحتجوا بقول آدم: ((أتلومني)) إلى
آخره، فلا حجة لهم فيه أيضًا؛ لأن الموجود بالاعتبار والمشاهدة
خلاف قولهم، وذلك أن العباد لا يأتون الذنوب إلا مشتهين لها،
راغبين فيها، والإجبار عند أهل اللغة هو اضطرار المرء إلى الفعل،
وإدخاله فيه، غير راغب فيه، ولا محب له كالمسحوب على وجهه،
والمرتعش من الحمى، والفالج. وأهل الجبر معتقدون لوم من وقعت
منه معصية الله، وتأنيبه عليها أشد التأنيب، أو مدح من وقعت منه
الطاعة، وإثابته عليها، وإذا كان هذا عندهم، فاحتجاجهم بتأنيب آدم
موسى على لومه له على أمر قد قدره عليه، (وأكرهه عليه)(١)، فاسد
متناقض على مذهبهم.
ومحاجة آدم موسى في أنه ذاكره ما قد عرفه، ووقف عليه في التوراة
من توبة الله على آدم مما وقع، وإسقاطه اللوم عليها فوجب على موسى
ترك لومه وعتابه على ما كان منه.
وقد سئل جعفر بن محمد الصادقُ، فقيل له: هل أجبر الله تعالى
العباد؟ قال: الله تعالى أعدل من ذَلِكَ.
قيل: فهل فوض إليهم؟ قال: الله أعز من ذلك، لو أجبرهم على
(١) من (ص٢).

١٦٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
[ذلك] ما عذبهم، ولو فوض إليهم ما كان للأمر والنهي معنى. قلت:
فكيف أقول إذًا؟ قال: منزلة بين منزلتين، هي أبعد مما بين السماء
والأرض، ولله في ذَلِكَ سر لا تعلمونه.
واحتجت أيضًا طائفة من القدرية المجبرة غير الجهمية بهذا
الحديث، فقالت: إن كان صحيحًا قول آدم لموسى: ((أتلومني على
أمر؟)) فلا لوم على كافر في كفره، ولا فاسق في فسقه، ولا يجوز أن
يجور عليهم، ويعذبهم على ما اضطرهم إليه.
فالجواب كما قال الطبري: إنه ليس معنى قوله: ((أتلومني على
أمر؟)) كما توهمته، وكيف يجوز أن يكون ذَلِكَ معناه، وقد عاقبه الله
على ما وقع بإخراجه من الجنة، ولو لم يكن ملومًا، لكان وكنا في
الجنة، كما أسكنه الله، ولكنه جل جلاله أخرجه منها بما وقع عقوبة
عليها، ولم يعاقبه على ما قضى عليه؛ لأنه لو عاقبه عليه لما كان
يسكنه الجنة حين أسكنه إياها، وذلك أن القضاء عليه بذلك قد كان
يغني قبل أن يخلقه، فإنما استحق العقوبة على فعلته، لا على ما قضى
عليه، وبمثل هذا أقر موسى لآدم بصحة حجته، ولم يقل له كما زعمت
القدرية، ليس الأمر كما تزعم؛ لأن الله لو كان قضى عليك ذلك قبل أن
يخلقك لم يعاقبك، ولكن لما كان من دين الله الذي أخذ بالإقرار به
عهود أنبيائه ومواثيقهم، أنه لا شيء كان فيما مضى، ولا فيما يحدث
إلا (قد مضى)(١) به قضاء، فإنه غير معاقبهم على قضائه، ولكن على
طاعتهم ومعاصيهم، وكان ذَلِكَ معلومًا عند الأنبياء والرسل، أقر
موسى لآدم بأن الذي احتج به عليه له حجة، وحقق صحة ذَلِكَ نبينا
(١) في (ص٢): قضى.

١٦٧
كِتَابُ القَدَرِ
=
عليه أفضل الصلاة والسلام، بقوله: ((فحج آدم موسى عليهما الصلاة
والسلام)).
فصل :
قال غير الطبري: حديث أبي هريرة حجة لما يقوله أهل السنة ﴿ه:
التي أهبط الله فيها أبانا آدم هي جنة الخلد، ورد قول من زعم أنها لم
تكن جنة خلد، قالوا: وإنما كانت جنة بأرض عدن، واحتجوا على
بدعتهم، فقالوا: إن الله خلقها لا لغو فيها ولا تأثيم، وقد لغى فيها
إيليس حين كذب لآدم، وأثم في الكذب، وإنه لا يسمع أهلها لغوًا
ولا كذابًا، وإنه لا يخرج منها أهلها، وقد أخرج منها آدم وحواء
بما وقع منهما. قالوا: وكيف يجوز على آدم -مع مكانه من الله
وكمال (عقله) (١) - أن يطلب شجرة الخلد وهو في دار الخلود والملك
الذي لا يبلى؟ وأيضًا فإن جنة الخلد دار القدس، قدست عن
الخطايا والمعاصي كلها؛ تطهيرًا لها .
فيقال لهم: الدليل على إبطال قولكم: قول موسى لآدم: ((أنت
الذي أشقيت ذريتك وأخرجتهم من الجنة)) فأدخل الألف واللام؛
ليدل على أنها الجنة المعروفة، وجنة الخلد الموعود بها، التي
لا عوض منها في الدنيا، فلم ينكر ذلك آدم من قوله، ولو كانت غير
جنة الخلد لرد آدم على موسى، وقال: إني أخرجتهم من دار فناء
وشقاء وزوال وعري إلى مثلها. فلما سكت آدم على ما قرره موسى
صح أن الدار التي أخرجهم منها بخلاف الدار التي أخرجوا إليها في
جميع الأحوال، ويقال لهم فيما احتجوا به: إن الله خلق الجنة لا لغو
(١) في (ص٢): خلقه.

١٦٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
فيها، ولا تأثيم، ولا كذب، ولا يخرج منها أهلها. هذا كله
مما (جعله)(١) الله فيها بعد دخول أهلها فيها يوم القيامة، وقد أخبر
تعالى أن آدم إن عصاه فيما نهاه عنه أخرجه منها، ولا تمتنع أن تكون
دار الخلد في وقت لمن أراد تخليده فيها، وقد يخرج منها من قضى
عليه بالفناء، وأجمع أهل التأويل على أن الملائكة يدخلون الجنة
على أهلها، ويخرجوا منها، وأنها كانت بيد إبليس مفاتيحها، ثم
أنتزعت منه بعد المعصية، وقد دخلها رسول الله صل ليلة الإسراء، ثم
خرج منها، وأخبر بما رأى فيها، وأنها هي جنة الخلد حقًا.
وقولهم: كيف يجوز على آدم في كمال عقله أن يطلب شجرة الخلد
وهو في دار الخلد؟ فيعكس عليهم، ويقال لهم: كيف يجوز على آدم
في كمال عقله أن يطلب شجرة الخلد في دار الفناء؟ هذا لا يجوز
على من له أدنى مسكة من عقل.
وأما (قولهم)(٢): إن الجنة دار القدس، قد طهرها الله من الخطايا .
فهو جهل منهم، وذلك أن الله تعالى أمر بني إسرائيل أن يدخلوا الأرض
المقدسة وهي بالشام، وأجمع أهل العلم بالشرائع على أن الله تعالى
قدسها، وقد شاهدوا فيها المعاصي، والكفر، والكذب، ولم يكن
تقدسيها مما يمنع فيها المعاصي، فكذلك دار القدس، وأهل السنة
مجمعون على أن جنة الخلد هي التي أهبط منها آدم، فلا معنى لقول
من خالفهم (٣).
(١) في (ص٢): حفظه.
(٢) من (ص٢).
(٣) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٣١٤/١٠-٣٢١.

١٦٩
- كِتَابُ القَدَرِ
١٢ - باب لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَى اللّهُ
٦٦١٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحْ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ، عَنْ
وَرَادٍ مَوْلَى الْمِغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةً قَالَ: كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْمِغِيرَةِ أَكْتُبْ إِلَيَّ مَا سَمِعْتَ النَّبِيَّ
وَ يَقُولُ خَلْفَ الصَّلَاةِ. فَأَمْلَى عَلَيَّ المِغِيرَةُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َِّ يَقُولُ خَلْفَ
الصَّلَاةِ: ((لا إله إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا
مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ). وَقَالَ ابن جُرَيْجٍ: أَخْبَرَبِ عَبْدَةُ،
أَنَّ وَرَّادًا أَخْبَرَهُ بهذا. ثُمَّ وَفَدْتُ بَعْدُ إِلَى مُعَاوِيَةَ فَسَمِعْتُهُ يَأْمُرُ النَّاسَ بِذَلِكَ القَوْلِ.
[انظر: ٨٤٤ - مسلم: ٥٩٣- فتح: ١١ / ٥١٢].
ذَكَرَ فِيهِ حَدِيث وَرَّادٍ مَوْلَى المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةً قَالَ: كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى
المُغِيرَةِ أَكْتُبْ إِلَيَّ مَا سَمِعْتَ رسول الله وَّهِ يَقُولُ خَلْفَ الصَّلَاةِ. فَأَمْلَى
عَلَيَّ المُغِيرَةُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيِّ بَّهَ يَقُولُ خَلْفَ الصَّلَاةِ: ((لا إله إِلَّ اللهُ
وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ،
وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنَْكَ الجَدُّ). وَقَالَ ابن ◌ُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي عَبْدَةُ، أَنَّ وَرَّادًا
أَخْبَرَهُ بهذا. ثُمَّ وَفَدْتُ بَعْدُ إِلَى مُعَاوِيَةَ فَسَمِغَّتُهُ يَأْمُرُ النَّاسَ بِذَلِكَ.
الشرح:
هذا الحديث سلف قريبًا في الدعاء(١).
وفيه: السؤال عن أفعاله العليا في الصلاة؛ ليقتدى به.
والجد بفتح الجيم: وهو الحظ والبخت.
والمعنى: أن لا ينفع ذا الغنى منك غناه، وإنما ينفعه العمل بطاعتك
لا مال ولا بنون، قال تعالى: ﴿اَلْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَأُ وَالْبَقِيَتُ
(١) سلف برقم (٦٣٣٠).

١٧٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
الصَّلِحَتُ خَيْرٌ﴾ [الكهف: ٤٦]. وعلى فتح الجيم أكثر الرواة.
وقال أبو عمرو الشيباني: هو بالكسر فيهما، وهو من جد الاجتهاد،
فمعناه: لا ينفع ذا الاجتهاد من الله اجتهاده في القرب منه، ولا في الطلب
لما لم يقسم له .
وقيل: ((ذا الجد)): المجتهد في طلب الدنيا، فإن ذَلِكَ لا ينفعه إن
ضيع أمر الآخرة، وبعضهم ذهب في الفتح إلى جد: الرزق، أي: أن
الغنى والرزق لا ينفع من الله شيئًا، وهذا خبط.
ومعنى ((منك)): بذلك. قاله الخطابي (١).
وقال الجوهري: ((منك)) هنا بمعنى: عندك (٢)، أي: لا ينفع ذا الجد
عندك الجد، ويصح أن يحمل على أن المعنى: لا ينفع الجد منك جده،
إن أردته بسوء. وقيل: في معنى الكسر ليس ينفع الساعي سعيه،
ولا الطالب مطلبه، لا بد أن ينال كل واحد ما قدر له.
قال الطبري في الكسر: إنه خلاف ما يعرفه أهل النقل والرواة لهذا
الخبر، ولا نعلم أحدًا قال ذَلِكَ غيره، مع بعد تأويله من الصحة.
فصل :
مراد البخاري هنا بهذا الحديث: إثبات خلق الله جميع أفعال
العباد؛ لأن قوله: ((لا مانع لما أعطيت)) يقتضي نفي جميع المانعين
سواه، وكذلك قوله: ((ولا معطي لما منعت)) يقتضي نفي جميع
المعطين سواه، وأنه لا معطي ولا مانع على الحقيقة بفعل المنع
والعطاء سواه، وإذا كان ذَلِكَ كذلك؛ ثبت أن من أعطى أو منع من
(١) ((أعلام الحديث)) ١/ ٥٥٢.
(٢) ((الصحاح)) ٤٥٢/٢.

١٧١
كِتَابُ القَدَرِ
المخلوقين، فإعطاؤه ومنعه خلق الله تعالى، وكسب للعبد، والله تعالى
هو المعطي وهو المانع لذلك حقيقة من حيث كان مخترعا خالقًا
للإعطاء والمنع، والعبد مكتسب لهما بقدرة محدثة، فبان أنه إنما بقي
مانعًا، ومعطيًا، ومخترعًا للمنع والإعطاء ويخلقهما.

١٧٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
=
١٣ - باب مَنْ تَعَوَّذَ
باللّهِ مِنْ دَرَكِ الشَّقَاءِ وَسُوءِ القَضَاءِ
وَقَوْلِهِ رَّكَ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ @ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ
[الفلق: ١- ٢].
٢٢
٦٦١٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سُمَى، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،
عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ قَالَ: «تَعَوَّذُوا باللهِ مِنْ جَهْدِ البَلَاءِ، وَدَرَكِ الشَّقَاءِ، وَسُوءِ القَضَاءِ،
وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ)). [انظر: ٦٣٤٧ - مسلم: ٢٧٠٧ - فتح: ١١ /٥١٣].
ساق فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عَ﴾، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: ((تَعَوَّذُوا باللهِ مِنْ
جَهْدِ البَلَاءِ، وَدَرَكِ الشَّقَاءِ، وَسُوءِ القَضَاءِ، وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ)).
هذا الحديث سلف قريبًا في الدعاء، (وما) بمعنى: الذي، والضمير
محذوف من الصلة، وكذلك إن جعلت ما والفعل مصدرًا دل على ذَلِكَ،
إلا أنه ضمير محذوف في الكلام، ومن قرأ شرًّا جعل ما نافية، وهو
غلط؛ لأن تقديره عنده: ما خلق شرًا .
وجهد البلاء: أقصى ما يبلغ، وهو الجهد بضم الجيم وفتحها .
والمجهود، وإذا كسرت الباء من البلاء قصرت، وقال (ابن عمر
رضي الله عنهما)(١): و((جهد البلاء)): كثرة العيال، وقلة الشيء(٢).
وقد يكون ذَلِكَ كل بلاء شدید.
وقد ذكر في الدعاء في باب: التعوذ من جهد البلاء، عن سفيان أنه
قال: الحديث ثلاث، زدت أنا واحدة، ولا أدري أيتهن هي(٣).
(١) في (ص٢): أبو عمر.
(٢) أنظر: ((الاستذكار)) ١٤٣/٨.
(٣) سلف بعد حديث رقم (٦٣٤٧).

١٧٣
كِتَابُ القَدَرِ
=
(ودرك الشقاء)): إدراكه الإنسان، وهو ما يدركه في دنياه من شدة
المعيشة، ووصول الضرر من جهدها، والشقاء يمد، ويقصر.
((وسوء القضاء)): ما يسوء الإنسان منه ويحزنه.
((وشماتة الأعداء)): فرحهم بما يدرك عدوهم من مكروه. قيل:
وهي من أصعب البلاء. ألا ترى قول هارون لأخيه عليهما السلام:
﴿فَلَا تُشْمِتْ بِى الْأَعْدَآءَ﴾ [الأعراف: ١٥٠]
فصل :
إنما أمرنا بالتعوذ به تعالى من أن ينزل بنا فعلًا من أفعاله، يشق علينا
نزوله بنا لما يقتضيه من الشدة والمشقة، وذلك بلاء وشقاء وسوء قضاء
وشماتة أعداء، فالشقاء يكون في الدين والدنيا، وإذا كان في الدنيا كان
تضييقًا في العيش، وتقتيرًا في الرزق، كما مر، وذلك فعل الله، وإن كان
في الدين فذلك كفر ومعصية، وذلك فعله تعالى أيضًا .
وكذلك ((سوء القضاء)) عام في جميع ما قضاه الله تعالى في أمر
الدين والدنيا، ((وشماتة الأعداء)) وإن كانت مضافة إليهم إضافة الفعل
إلى فاعله في الظاهر، فإنما ذَلِكَ على سبيل إضافة الكسب إلى
مكتسبه، لا على سبيل الاختراع، إذ لا يصح في المخلوق اختراع
عين، فبان أن جميع ما أمرنا بالتعوذ منه تعالى خلق الله، بدليل قوله:
﴿اَللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ [الرعد: ١٦].
فصل :
[الفلق: ١] إلى
المستفاد من قوله : ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ
آخر السورة: خلق الله تعالى لشر ما خلق، ولشر غاسق، ولشر
النفاثات، ولشر حاسد؛ لأنه لو كان هذا الشر كله خلقًا لمن أضافه

١٧٤
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
إليه من الغاسق إلى آخره مخترعًا لا كسبًا، لم يكن لأمر الله لنبيه (ولا)(١)
لعباده من التعوذ به من شر ذَلِكَ كله معنى، وإنما يصح التعوذ به تعالى
مما هو قادر عليه دون من أضافه إليه، فيعيذنا تعالى بسؤاله دفع شر خلقه
عنا؛ لأنه إذا كان قادرًا على ما أضافه إلى من ذكر في السورة، كان قادرًا
على فعل ضده.
ويعيذنا بسؤاله تعالى فعل ضد ما أمرنا بالاستعاذة منه، فبان أن
الخير والشر بهذا النص خلق الله تعالى.
٠
(١) من (ص٢).

١٧٥
كِتَابُ القَدَرِ
١٤ - باب
[الأنفال: ٢٤]
وَيَحُولُ بَيْنَ اُلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ،﴾
٦٦١٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الَحَسَنِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ
عُقْبَةَ، عَنْ سَالمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كَثِيرًا ما كَانَ النَّبِيُّ ◌َيِّ يَخْلِفُ: (لَا، وَمُقَلِّبٍ
القُلُوبِ)). [٦٦٢٨، ٧٣٩١ - فتح: ١١ / ٥١٣].
٦٦١٨ - حَدَّثَنَا عَليَّ بْنُ حَقْصٍ وَبِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا
مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالمٍ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ لابْنِ
صَيَّدٍ: ((خَبَأْتُ لَكَ خَبِيثًا)). قَالَ: الدُّخُّ. قَالَ: ((اخْسَأْ، فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرََكَ)). قَالَ عُمَرُ:
أَنَّذَنْ لِي فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ. قَالَ: ((دَعْهُ، إِنْ يَكُنْ هُوَ فَلَا تُطِيقُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ فَلَا
٥٠
خَيْرَ
لَك
فِى قَتْلِهِ)). [انظر: ١٣٥٤ - مسلم: ٢٩٣٠ - فتح: ١١ /٥١٣].
ذَكَرَ فِيهِ حَدِيث سَالِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﴾ قَالَ: كَثِيرًا ما كَانَ النَّبِيُّ
يَحْلِفُ: ((لَا ، وَمُقَلِّبِ القُلُوبِ)) .
صَلى الله
وسلم
وحديث سَالِمٍ، عَنِ أبيه ◌ِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ وَ لَاِبْنِ صَيَّادٍ: ((خَبَأْتُ
لَكَ خَبِيثًا». قَالَ: الدُّخُ. قَالَ: ((اخْسَأْ، فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ)). قَالَ عُمَرُ عَظُهُ:
أَثْذَنْ لِي فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ. قَالَ: ((دَعْهُ، إِنْ يَكُنْ هُوَ فَلَا تُطِيقُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ
هُوَ فَلَا خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ» .
وهذا قد سلف، والدخ: الدخان، وقيل: خبأ له القلي سورة الدخان
مكتوبة، فأصاب بعض القصة، وهذا لا يكون إلا من الكهانة إذا اختطف
الجان، إذا أسترق السمع، الكلمة ألقاها إلى من هو دونه، فيقرها في
أذن الكاهن. وقوله: ((إن يكن هو -يعني: الدجال الأعور- فلا تطيقه
-يعني: أنه لا يموت، يضل من يضل - وإن لم يكن هو)) إلى آخره
يعني: لأنه ليس من أهل التكاليف؛ لأنه لم يحتلم.

١٧٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
فصل :
وقوله: ﴿يَحُولُ بَيْنَ اُلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤] يقتضي النص منه
تعالى على خلقه الكفر والإيمان، بأن يحول بين قلب الكافر والإيمان
الذي أمره به، فلا يكتسبه إذ لم يقدر عليه، بل أقدره على ضده،
وهو الكفر، ويحول بين المؤمن وبين الكفر الذي نهاه عنه، بأن لم
يقدره عليه، بل أقدره على الإيمان الذي هو به متلبس، وإذا خلق لنا
جميع القدرة على ما هما مكتسبان له، مختاران لاكتسابه، فلا شك
أنه خالق لكفرهما وإيمانهما؛ لأن خلقه لكفر أحدهما، وإيمان
أحدهما من جنس خلق قدرتهما عليه، ومحال كونه قادرًا على شيء
غير قادر على خلافه أو مثله أو ضده، فبان أنه خالق بهذا النص
لجميع كسب العباد خيرها، وشرها، وهذا المعنى قوله: ((لا، ومقلب
القلوب))؛ لأن معنى ذَلِكَ تقليبه قلب عبده عن إيثار الإيمان، إلى
إيثار الكفر وعكسه، وكان فعل الله تعالى ذَلِكَ عدلًا فيمن أضله
وخذله؛ لأنه لم يمنعهم حقًّا وجب عليه، فتزول صفة العدل، وإنما
منعهم ما كان له أن يتفضل به عليهم، لا ما وجب لهم، (وأضلهم)(١)
لأنهم ملك من ملكه، خلقهم على إرادته لا على إرادتهم، فكان
ما خلق فيهم من قوة الهداية والتوفيق على وجه التفضل. وقد بين
هذا المعنى إياس بن معاوية، ذكر الآجرى من حديث حبيب بن
الشهيد، قال: جاءوا برجل يتكلم في القدر إلى إياس بن معاوية،
فقال له إياس: ما تقول؟ قال: أقول: إن الله أمر العباد ونهاهم، وإن
الله لا يظلمهم شيئًا. فقال له إياس: أخبرني عن الظلم، تعرفه
(١) من (ص٢).

١٧٧
كِتَابُ القَدَرِ
=
أو لا تعرفه؟ قال: بل أعرفه. قال: ما الظلم؟ قال: أن يأخذ الرجل
ما ليس له. قال: فمن أخذ ما له ظلم؟ قال: لا، قال إياس: فإن لله
رَّ فعل كل شيءٍ(١).
وقال عمران بن حصين لأبي الأسود الديلي: لو عذب الله أهل
السموات والأرض لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت
رحمته وسع لهم، ولو أنفقت مثل أحد ذهبًا ما تقبل مني حَتَّى تؤمن
بالقدر خيره وشره.
وروي مثل ذَلِكَ عن ابن مسعود، وأبي بن كعب، وسعد بن أبي
وقاص، وزيد بن ثابت ﴾(٢) .
وقال زيد: سمعت من رسول الله وَله إلا أنه قال: ((ولو رحمهم
لكانت رحمته لهم خيرًا من أعمالهم)) (٣).
فصل :
وموافقة الحديث للترجمة، وهو قوله التّها: لعمر: ((إن يكن هو
فلا تطيقه)) إلى آخره، يعني أنه: إن كان الدجال قد سبق في علم الله
خروجه، وإضلاله للناس، فلن يقدرك خالقك على قتل من سبق في
علمه أنه يخرج، ويضل الناس، إذ لو أقدرك على ذَلِكَ لكان فيه
انقلاب علمه، والله تعالى عن ذَلِكَ.
(١) ((الشريعة)) ٨٩٢/٢ (٤٧٨).
(٢) انظر: ((مسند الإمام أحمد)) ١٨٢/٥، ١٨٥، ١٨٩، و((سنن أبي داود)) (٤٦٩٩)،
و((ابن ماجة)) (٧٧)، ((شرح أصول الاعتقاد)) للالكائي، باب قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ
كُلَّ شَىْءٍ فَقَدَّرَهُ نَقْدِيْرً﴾.
(٣) ((الشريعة)) ٨٤٦/٢-٨٤٩ (٤٢٣)، (٤٢٤).

١٧٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
١٥ - باب
﴿قُل لَّنْ يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾
[التوبة: ٥١]
وقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿بِفَاتِنِينَ﴾ [الصافات: ١٦٢]: مضلين، إِلَّ
مَنْ كَتَبَ اللهُ أَنَّهُ يَصْلَى الجَحِيمَ. ﴿قدر فهدى﴾ [الأعلى:
٣]: قَدَّرَ الشَّقَاءَ وَالسَّعَادَةَ، وَهَدى الأَنْعَامَ لِمَرَاتِعِهَا .
٦٦١٩ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بنُ إِرَاهِيمَ الَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا النَّصْرُ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبي
الفُرَاتِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَخْيَى بْنِ يَعْمَرَ، أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَخْبَرَتْهُ
أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللهِ فَلَ عَنِ الطَّاعُونِ فَقَالَ: ((كَانَ عَذَابًا يَبْعَثُّهُ اللهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ،
فَجَعَلَهُ اللهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، مَا مِنْ عَبْدٍ يَكُونُ فِي بَلَدٍ يَكُونُ فِيهِ وَيَمْكُثُ فِيهِ لَا
يَخْرُجُ مِنَ الْبَلَدِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُصِيبُهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَهُ، إِلَّا كَانَ
لَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَهِيدٍ)). [انظر: ٣٤٧٤ - فتح: ١١ / ٥١٤].
ثم ساق حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللهِ وَّلِ عَنِ
الطَّاعُونِ فَقَالَ: ((كَانَ عَذَابًا يَبْعَثُّهُ اللهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ، فَجَعَلَهُ اللهُ رَحْمَةً
لِلْمُؤْمِنِينَ، مَا مِنْ عَبْدٍ يَكُونُ فِي بَلَدِةِ يَكُونُ فِيهِا لَا يَخْرُجُ مِنَ البَلَدِةِ
صَابِرًا مُحْتَسِبًا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُصِيبُهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَهُ، إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ
أَجْرِ شَهِیدٍ)).
هذا الحديث بشرى لهُذِه الأمة من الصابرين، منهم المحتسبين.
وهُذِه الآية حجة على من يقول بخلق الأفعال؛ لأنه لم يجعل لفتنتهم
تأثيرًا، إلا من كتب الله تعالى أنه يصلى الجحيم. واحتج بها مالك
في كتاب الجهاد من ((المدونة))(١).
(١) ((المدونة)) ٤١٠/١.

١٧٩
ـ كِتَابُ القَدَرِ
وقوله: ﴿قدر فهدى﴾ [الأعلى: ٣] أي: الأنعام لمراتعها، قال
الفراء: أي قدر خلقه فهدى. قيل: هدى الذكر من البهائم الإتيان
الأنثى(١). وقيل: هدىُ ثم قدر لقوله ﴿سَرَبِيلَ تَفِيكُمُ الْحَرَّ﴾
[النحل: ٨١].
والطاعون: الموت من الوباء، قاله أهل اللغة. وعبارة الداودي: إنه
حب ينبت في الأرفاغ. وقد سلف إيضاحه.
فصل :
معنى هذا الباب: أن الله تعالى أعلم عباده أن ما يصيبهم في
الدنيا من الشدائد والمحن والضيق، والخصب والجدب، أن ذَلِكَ كله
فعل الله تعالى، يفعل من ذَلِكَ ما يشاء لعباده، ويبتليهم بالخير
والشر، وذلك كله مكتوب في اللوح المحفوظ، ولا فرق في هذا بين
جماعة الأمة من قدري وسني، وإنما اختلفوا في أفعال العباد الواقعة
منهم على ما سلف قبل.
وهذه الآية إنما جاءت فيما أصاب العباد من أفعال الله تعالى، التي
اختص باختراعها دون خلقه، ولم يقدرهم على كسبها دون ما أصابوه
مكتسبين له مختارين.
(١) ((معاني القرآن)) للفراء ٢٥٦/٣.

١٨٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
=
١٦ - باب
﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلَا أَنْ هَدَ نَا اللهُ﴾
[الأعراف: ٤٣]
﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَنِى لَكُنتُ مِنَ الْمُنَّقِينَ﴾ [الزمر: ٥٧]
٦٦٢٠ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ - هُوَ ابن حَازِم - عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ،
عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ وَ يَوْمَ الَنْدَقِ يَنْقُلُ مَعَنًا التُّرَابَ وَهْوَ يَقُولُ:
وَلَا صُمْنَا وَلَا صَلَّيْنَا
((والله لَوْلَا اللهُ مَا أَهْتَدَيْنَا
وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا
فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنًا
إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا))
وَالْمُشْرِكُونَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا
[انظر: ٢٨٣٦- مسلم: ١٨٠٣ - فتح: ٥١٥/١١].
ثم ساق حديث ابن عَازِبٍ رضي الله عنهما السالف قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ
وَّهَ يَوْمَ الخَنْدَقِ يَنْقُلُ مَعَنَا التُّرَابَ وَهْوَ يَقُولُ:
((والله لَوْلَا اللهُ مَا أَهْتَدَيْنَا وَلَا صُمْنَا وَلَا صَلَّيْنَا
وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا
فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةٌ عَلَيْنَا
إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا)).
وَالْمُشْرِكُونَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا
في هاتين الآيتين والحديث نص أن الله تعالى أنفرد بخلق الهدى
والضلال، وإنه أقدر العباد على أكتساب ما أراد منهم أكتسابهم له من
إيمان أو كفر، وإن ذَلِكَ ليس بخلق للعباد كما زعمت القدرية. وروي
عن علي ﴾ أنه لقي رجلًا من القدرية، فقال له: خالفتم الله،
وخالفتم الملائكة، وخالفتم أهل الجنة، وخالفتم أهل النار، وخالفتم
الأنبياء، وخالفتم الشيطان. فأما خلافكم الله فقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى
مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ الآية [القصص: ٥٦]. وأما خلافكم الملائكة فقولهم:
﴿لَا عِلْمَ لَنَّا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَآ﴾ [البقرة: ٣٢] وأما خلافكم الأنبياء فقول