النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
- كِتَابُ القَدَرِ
حديث جابر فيه، واحتج به فقهاء الأمصار على داود في إباحته بيع
أمهات الأولاد؛ لأن الإحبال لو كان لا يمنع البيع لقال: وأي حاجة
لكم إلى العزل، والبيع جائز ولو حملن؛ لأن الحبل يبطل الثمن-
أي: في قولهم: (ونحب المال)، وإلا لم يكن يقرهم على هذا
الاعتقاد وتكلف الحبلة له.
وقال لمن أحتج لداود: لا دليل في ذَلِكَ؛ لأن ظاهره أنهم كانوا
يريدون الفداء، فإذا حملن تعذر ذَلِكَ حَتَّى يلدن، وإلا صار أولاد
المسلمين في أيدي الكفار، ولعل العرب الذي كان ذَلِكَ السبي منهم
إذا حملت من مسلم لا يفتدونها، فإن فادى بها فيسير من المال؛ لأن
الإحبال ينقصهن، فعلى هذا سألوا إن صح الحديث أن الإيلاد يمنع
البيع. قال: وفيه فساد آخر، وهو أن وطء السبي والالتذاذ بهن يحرم
حَتَّى يقسمن ويستبرئن بعد الملك، فكيف أرادوا وطأهن؟ ولعل القوم
إنما أرادوا الالتذاذ بهن لشدة العزبة، وظنوا أن وطأها فيما دون
الفرج مباح، إذا اجتنبوا موضع الولد، فأعلمهم الشارع أن الماء يسبق
إلى الفرج، فيكون معه الولد مع العزل، ليس لهم تحريمه، وإذا
احتمل ذَلِكَ لم یکن فيه دليل على منع بيعهن(١).
وفي قوله: ( (((ليست)(٢) نسمة كائنة إلا وهي كائنة)) ) يدل: أن
الولد يكون مع العزل، ولهذا إذا أدعى العزل حرم النفي على
الصحيح عندنا(٣).
(١) أنظر: ((التمهيد)) ١٣٦/٣.
(٣) أنظر: ((البيان)) ١٠/ ٤٣١-٤٣٢.
(٢) في (ص٢): ما من.

١٤٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
٥ - باب العَمَلُ بِالْخَوَاتِيمِ
٦٦٠٦ - حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ،
عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ قَالَ: شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ مَثَ خَيْبَرَ، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِوَّ لِرَجُلٍ مِمَّنْ مَعَهُ يَدَّعِي الإِسْلَامَ: ((هذا مِنْ أَهْلِ النَّارِ)). فَلَمَّا حَضَرَ القِتَالُ
قَاتَلَ الرَّجُلُ مِنْ أَشَدِّ القِتَالِ، وَكَثُرَتْ بِهِ الْجِرَاحُ فَأَثْبَتَتْهُ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابٍ
النَّبِيِّ ◌ِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ الذِي تَحَدَّثْتَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ؟ قَدْ قَاتَلَ فِي
سَبِيلِ اللهِ مِنْ أَشَدِّ القِتَالِ، فَكَثُرَتْ بِهِ الجِرَاحُ. فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّ: ((أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ
النَّارِ)). فَكَادَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ يَرْتَابُ، فَبَيْنَمَا هُوَ عَلَى ذَلِكَ إِذْ وَجَدَ الرَّجُلُ أَ الجِرَاحِ،
فَأَهْوِىْ بِيَدِهِ إِلَى كِنَانَتِهِ فَانْتَزَعَ مِنْهَا سَهْمًا فَانْتَحَرَ بِهَا، فَاشْتَدَّ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، صَدَّقَ اللهُ حَدِيثَكَ، قَدِ أَنْتَحَرَ فُلَانٌ فَقَتَلَ
نَفْسَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَ﴿: ((يَا بِلَالُ، قُمْ فَأَذِّنْ: لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ. وَإِنَّ
اللهَ لَيُؤَيِّدُ هذا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الفَاجِرِ)). [انظر: ٣٠٦٢ - مسلم: ١١١ - فتح: ١١/ ٤٩٨].
٦٦٠٧- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَزْيَمَ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ، حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ
سَهْلٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَعْظَم المسْلِمِينَ غَنَاءً عَنِ الْمُسْلِمِينَ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا مَعَ النَّبِيِّ ◌َِه
فَتَظَرَ النَّبِيُّ بَّهِ فَقَالَ: ((مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى
هذا)). فَاتَّبَعَهُ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الَحَالِ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ،
حَتَّى جُرِحَ فَاسْتَعْجَلَ المَوْتَ، فَجَعَلَ ذُبَابَةَ سَيْفِهِ بَيْنَ ثَدْيَئِهِ حَتَّى خَرَجَ مِنْ بَيْنِ
كَتِفَيْهِ، فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ إِلَى النَّبِيِّ ◌َِّ مُسْرِعَا فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ. فَقَالَ: ((وَمَا
ذَاكَ؟)). قَالَ: قُلْتَ لِفُلَانٍ: ((مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَلْيَنْظُرْ
إِلَيْهِ)). وَكَانَ مِنْ أَعْظَمِنَا غَنَاءً عَنِ المسْلِمِينَ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ لَا يَمُوتُ عَلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا
جُرِحَ أَسْتَعْجَلَ الَمْتَ فَقَتَلَ نَفْسَهُ. فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ عِنْدَ ذَلِكَ: ((إِنَّ العَبْدَ لَيَعْمَلُ
عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ وَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ
النَّارِ وَإِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيم)). [انظر: ٢٨٩٨ - مسلم: ١١٢ - فتح: ١١ /٤٩٩].

١٤٣
- كِتَابُ القَدَرِ
ذَكَرَ فِيهِ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَةَ هِ قَالَ: شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ خَيْبَرَ،
فَقَالَ وَ لِرَجُلٍ مِمَّنْ كان مَعَهُ يَدَّعِي الإِسْلَامَ: ((هذا مِنْ أَهْلِ النَّارِ)). فَلَمَّا
حَضَرَ القِتَالُ قَاتَلَ الرَّجُلُ مِنْ أَشَدِّ القِتَالِ. الحديث.
وفيه: (نحر نفسه) وفي آخر الحديث ((وَإِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيم)) ثم
ذکر مثله من حديث سهل.
وسلفا في غزوة خيبر(١)، وسلفت الترجمة أيضًا، وسلف حديث أبي
هريرة في الجهاد (أيضًا)(٢).
وهذا -أعني ((إنما الأعمال بالخواتيم))- حكم الله في عباده في الخير
والشر، فيغفر الكفر وأعماله بكلمة الحق يقولها العبد عند الموت قبل
المعاينة لملائكة العذاب، وكذلك يحبط عمل المؤمن إذا ختم له
بالكفر، كذلك هذا الحكم موجود في الشرع كله، كقوله: ((من أدرك
ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة))(٣) وقوله: ((من أدرك ركعة من
الصبح)) وكذلك: ((من العصر))(٤). فجعله مدركًا لفضل الوقت بإدراك
الخاتمة، وإن كان لا يدرك منه إلا أقله، وكذلك من أدرك جزءًا من
ليلة عرفة قبل الفجر، فوقف بها أدرك الحج، وتم له ما فاته (من
(١) حديث أبي هريرة سلف برقم (٤٢٠٤) كتاب: المغازي، وحديث سهل سلف برقم
(٤٢٠٧).
(٢) من (ص٢).
(٣) سلف برقم (٥٨٠)، عن أبي هريرة، كتاب: مواقيت الصلاة، باب: من أدرك من
الصلاة ركعة ورواه مسلم عنه برقم (٦٠٧)، كتاب المساجد، باب: من أدرك ركعة
من الصلاة ..
(٤) سلف برقم (٥٧٩) عن أبي هريرة، كتاب مواقيت الصلاة، باب: من أدرك من
الفجر ركعة ولمسلم من حديثه برقم (٦٠٨)، كتاب المساجد، باب: من أدرك
ركعة.

١٤٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
مقدماته)(١)، كما عهد الذي لم يعمل خيرًا قط أن يحرق ويذرى، فكانت
خاتمة سوء عمله خشيةً -أدركته (لربه)(٢) - تلاقاه الله بها، فغفر له (سوء
عمله)(٣) طول عمره، هذا فعل من لا تضره الذنوب، ولا تنفعه العبادة،
وإنما تنفع وتضر المكتسب لها الدائم عليها إلى أن يموت. نبه على ذَلِكَ
المهلب (٤) .
وفي قوله: ((العمل بالخواتيم)) حجة قاطعة على أهل القدر في
قولهم: إن الإنسان يملك أمر نفسه، ويختار لها الخير والشر. فمهما
اتهموا اختيار الإنسان لأعماله الشهوانية واللذيذة عنده، فلا يتهمونه
باختيار القتل لنفسه، إذ هو أوجع الآلام، وأن الذي طيب عنده ذَلِكَ
غير اختياره، والذي يسره له، دون جبره عليه ولا مغالب له، هو قدر
الله السابق في علمه، والختم من حكمه.
فصل :
قوله: (يدعي الإسلام)، أي: تلفظ به.
وقوله: (كثرت به الجراح فأثبتته)، أي: صرعته صرعًا لا يقدر معه
على القيام.
وقوله: (فاشتد رجال)، أي: أسرعوا في السير إليه، لا جرم قال في
الحديث الثاني: فأقبل الرجل إلى رسول الله وَ الله مسرعًا.
وقوله: (فأهوى بيده إلى كنانته وانتزع منها سهمًا فانتحر به)، وذكر
في الحديث الثاني: فجعل ذبابة سيفه بين ثدییه حَتَّى خرج من كتفيه)،
(١) من (ص٢).
(٢) من (ص٢).
(٣) في الأصل: سواء علمه، والمثبت من ابن بطال، والسياق يقتضيه.
(٤) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٣٠٦/١٠.

١٤٥
كِتَابُ القَدَرِ
=
والظاهر أنها قصة واحدة، وأن الراوي نقل على المعنى، ويحتمل أن
یکونا رجلین.
وفيه من علامات النبوة: ظهور صدقه.
والكنانة: الجعبة التي فيها السهام.
وقوله: ( ((لا يدخل الجنة إلا مؤمن)) ) أي: مصدق بقلبه، ويصدقه
قوله: ((إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر)).
وفيه: جواز الاستعانة بالمشركين في قتال الكفار، وهو مذهبنا،
وأجازه ابن حبيب، وأباه في ((المدونة))(١).
فصل :
قوله في الحديث الثاني: (غناء عن المسلمين). الغَنَاء - بالفتح
والمد- الجزاء والنكاية وإن كسر الغين قصر، قاله الداودي.
وقال ابن ولاد: الغناء -ممدود- النفع، يقال: إن فلانًا لقليل
الغناء، قال: والغنى ضد الفقر مقصور يكتب بالياء، ومن الصوت
ممدود مكسور (٢).
(١) ((المدونة)) ١/ ٤٠٠. سُئل ابن القاسم: هل كان مالك يكره أن يستعين المسلمون
بالمشركين في حروبهم؟ قال: سمعت مالكًا يقول: بلغني أن رسول الله وَ لا قال:
((لن أستعين بمشرك)) قال: ولم أسمعه يقول في ذلك شيئًا. وكرهه ابن القاسم وابن
وهب.
قال ابن حبيب في ((النوادر والزيادات)) ٣٥/٣: ويكره للإمام أن يكون معه أحد من
المشركين أو يستعين ببعضهم على بعض.
ثم استدل بحديث مالك في ((المدونة))، ثم قال: وهذا في الزحف والصف
وشبهه، فأما في هدم حصن أو رمي مجانيق أو صنعة أو خدمة فلا بأس. وانظر
لمذهب الشافعية في: ((البيان)) ١١٦/١٢-١١٧.
(٢) ((المقصور والممدود)) ص ٨٠، ٨٢.

١٤٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وقوله: (فجعل ذباب سيفه بين ثدييه) قد سلف عن ابن فارس أنه
قال: الثندؤة، بالهمز للرجل، والثدي للمرأة (١).
والجوهري جعل الثدي للرجل، وهذا الحديث شاهد له(٢).
(١) ((مجمل اللغة)) ١/ ١٥٧.
(٢) ((الصحاح)) ٢٢٩١/٦.

١٤٧
- كِتَابُ القَدَرِ
٦- باب إِلْقَاءِ النَّذْرِ العَبْدَ إِلَى القَدَرِ
٦٦٠٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنِ
ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ نَّهَ عَنِ النَّذْرِ قَالَ: ((إِنَّهُ لَا يَرُدُّ شَيْئًا،
وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ البَخِيلِ)). [٦٦٩٢، ٦٦٩٣ - مسلم: ١٦٣٩ - فتح: ١١ / ٤٩٩].
٦٦٠٩ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنَ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ
مُنَبِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ قَالَ: ((لَا يَأْتِي ابن آدَمَ النَّذْرُ بِشَيْءٍ لَمْ يَكُنَّ قَدْ
قَدَّرْتُهُ، ولكن يُلْقِيهِ القَدَرُ وَقَدْ قَدَّرْتُهُ لَهُ، أَسْتَخْرِجُ بِهِ مِنَ البَخِيلِ)). [٦٦٩٤-
مسلم: ١٦٤٠ - فتح: ٤٩٩/١١].
ذَكَرَ فيهِ حَدِيث ابن عُمَرَ رضي الله عنهما: نَهَى رسول الله وَّل عَن
النَّذْرِ وقَالَ: ((إِنَّهُ لَا يَرُدُّ شَيْئًا، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ)).
وحديث أبِي هُرَيْرَةَ ﴾، عَنِ النَّبِّ وَ سِهِ قَالَ: ((لَا يَأْتِي ابن آدَمَ النَّذْرُ
بِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ قَدَّرْتُهُ، ولكن يُلْقِيهِ النذر إلى القَدَرُ وَقَدْ قَدَّرْتُهُ لَهُ، أَسْتَخْرِجُ
بِهِ مِنَ البَخِيلِ)).
الشرح:
هذا أبين شيء في القدر -كما نبه عليه المهلب- فإنه أمر قد فرغ الله
منه وأحكمه، لا أنه شيء يختاره العبد، فإذا أراد أن يستخرج به من
البخيل شيئًا ينفعه به في آخرته ودنياه سبب له شيئًا مخيفًا، أو مطمعًا
فيحمله ذَلِكَ الخوف أو الطمع على أن ينذر لله نذرًا من عتقٍ أو صدقةٍ
أو صيام، إن صرف الله عنه ذَلِكَ الخوف، أو أتاه بذلك المطموع
فيه، فلا يكون إلا ما قد قضى الله به في أم الكتاب، لا يحيله النذر
الذي نذره عما قدره، وقد استخرج به (منه)(١) ما لم يسمح به
(١) من (ص٢).

١٤٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
لولا المخوف الذي هرب منه، أو المطموع الذي حرص عليه حَتَّى
طابت نفسه بما لم تكن تطيب قبل ذَلِكَ.
ونهيه الشّ عن النذر، وهو من أعمال الخير أبلغ زاجر عن توهم
العبد أنه يدفع عن نفسه ضرًّا، أو يجلب إليه نفعًا، أو يختار له
ما يشاء. ومتى أعتقد ذَلِكَ فقد جعل نفسه مشاركًا لله تعالى في
خلقه، ومجوزًا عليه ما لم يقدره، تعالى عما يقولون، ودل هذا أن
اعتقاد القلب لما لا يجب أعتقاده أعظم في الإثم من أن يكفر
بالصدقة، والصلاة، والصوم، والحج، وسائر أعمال الجوارح التي
لا ينذرها؛ لأن نهيه الصَّه عن هذا النذر وإن كان خيرًا ظاهرًا يدل
على أنه حابط من الفعل، حين توهم به الخروج عما قدره الله، فإن
سلم من هذا الظن، واعترف أن نذره لا يرد عنه شيئًا قد قدره الله
عليه، وأن القدر سبب له بما أخافه به أستخراج صدقة هو شحيح
بمثلها، فإنه مأجور بنذره، ولم يكن حينئذٍ نذره منهيا عنه، ولذلك
-والله أعلم- عرف الله نبيه بهذا الحديث ليعرف أمته، (بما)(١) يجب أن
يعتقدوا في النذر، فلا يحبط عملهم به (٢).
فصل :
النذر ابتداءً جائز، والمنهي عنه المعلق، كأنه يقول: لا أفعل يا رب
خيرًا حَتَّى تفعل بي خيرًا، فإذا دخل فيه فعليه الوفاء.
وقوله: ( ((لا يأتي)) ) كذا في الأصول، وفي رواية أبي الحسن:
يأت، بغير ياء، وكأنه كتبه على الوصل مثل قوله: ﴿سَنَّدْعُ الزَّبَانِيَةَ
١٨)
(١) في الأصل: لا، والمثبت من ((شرح ابن بطال)) وهو أليق بالسياق.
(٢) انظر: ((شرح ابن بطال) ٣٠٧/١٠-٣٠٨.

١٤٩
كِتَابُ القَدَرِ
[العلق: ١٨] بغير واو، وضبطه في رواية أبي الحسن بضم التاء، وليس
بيين، قاله ابن التين: والصحيح نصبها .
وقوله: ( ((لم يكن قدرته))) (معناه)(١)، أي: وأنا قدرت عليه الشدة
فيجعل هو النذر ليحملها عنه، والنذر لا يحل عنه الشدة، فهو لا يغني
عنه شيئًا، ولا بد أن يأتيه الذي قدر عليه من (غرق)(٢) أو سلامة، فيجعل
الناذر هذا الذي يجعل، فيسلمه الله من الشدة بنذره، ويكون ذَلِكَ النذر
أستخرجه من البخيل للشدة التي عرضت له.
قال الخطابي وغيره: وفي قوله: ((أستخرج به من البخيل)) دليل على
وجوب النذر(٣)؛ إذ لو كان غير (واجب)(٤) لم يستخرج به. قلت: إلا في
نذر اللجاج والغضب، كأن كلمته: فلله عليَّ كذا، فالأظهر أنه مخير بين
الوفاء بما التزم وبين أن يكفر كفارة يمين.
وقال مجاهد: في قوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] هو
أمر بالوفاء لكل ما نذر، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: هو نحر
ما نذر(٥). وقيل: هو رمي الجمار، وليس ببين؛ لأن ذَلِكَ ليس بنذر
- والله أعلم.
(١) من (ص٢).
(٢) في (ص٢): عدو.
(٣) ((أعلام الحديث)) ٤/ ٢٢٧٧.
(٤) في الأصول: واجد، والمثبت المناسب للسياق.
(٥) رواه الطبري في ((تفسيره)) ١٤١/٩ (٢٥١٠٧)، (٢٥١٠٨).

١٥٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
٧ - باب لَ حَوْلَ وَلَ قُوَّةَ إِلّ بِاللِهِ
٦٦١٠ - حَدَّثَنِي ◌ُحَمَّدُ بنُ مُقَاتِلِ أَبُو الحَسَنِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ
الَخَذَّاءُ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَ فِي غَزَاةٍ،
فَجَعَلْنَا لَا نَصْعَدُ شَرَفَا وَلَا نَعْلُو شَرَفَا وَلَا نَهْبِطُ فِي وَادٍ إِلَّ رَفَعْنَا أَصْوَاتَنَا بِالتَّكْبِيرِ.
قَالَ: فَدَنَا مِنَّا رَسُولُ اللهِّه فَقَالَ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَرْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ
لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا)). ثُمَّ قَالَ: ((يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ
قَيْسٍ، أَا أُعَلَّمُكَ كَلِمَةً هِيَ مِنْ كُنُوزِ الجَنَّةِ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ)). [ انظر:
ء
٢٩٩٢ - مسلم: ٢٧٠٤ - فتح: ١١ / ٥٠٠].
ذَكَرَ فيهِ حَدِيث أَبِي مُوسَى الأشعري ﴾ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَه
فِي غَزَاةٍ ... الحديث، ((ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ)) إلى آخره. ثُمَّ قَالَ:
(يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ، أَا أدلك على كَلِمَةً هِيَ مِنْ كُنُوزِ الجَنَّةِ، لَا حَوْلَ
وَلَا قُوَّةَ إِلَّ باللهِ)). وقد سلف.
(واربعوا)) بالباء الموحدة. قال ابن السكيت: ربع الرجل يربع إذا
وقف وانحبس(١).
ومنه قولهم: أربع على نفسك، أي: أرفق بها وكف.
وقوله: ( ((من كنوز الجنة))) يعني: أن ثوابها كثير، يوجب الجنة.
قاله الداودي.
وهُذا باب جليل في الرد على القدرية، وذلك أن معنى لا حول
ولا قوة إلا بالله: لا حول للعبد ولا قوة له إلا بالله، أي: يخلق الله
له الحول والقوة، التي هي القدرة على فعله للطاعة والمعصية.
(١) ((إصلاح المنطق)) ص ٢٦٢.

١٥١
ـ ڪِتَابُ القَدَرِ
قال المهلب: فأخبر القلي أن الباري خالق لحول العبد وقدرته على
مقدوره، وإذا كان خالقًا للقدرة فلا شك أنه خالق للشيء المقدور،
فيكون المقدور كسبًا للعبد خلقًا لله، بدليل قوله تعالى: ﴿خَلِقُ
كُلِّ شَىْءٍ﴾ [الرعد: ١٦]، وقوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْتَهُ بِقَدَرٍ
٤٩
[القمر: ٤٩] قال محمد بن كعب القرظي: نزلت هذه الآية الأخيرة
تعييرًا لأهل القدر(١)، والدليل على أن أفعالهم خلق الله أن أيديهم
التي عندهم هي خالقة لأعمال الشر من الظلم والتعدي، وفروجهم
التي هي خالقة للزنا، قد توجد عاطلة من الأعمال عاجزة عنها .
ألا ترى أن من الناس من يريد الزنا، وهو يشتهيه بعضو لا (آفة)(٢)
فيه، فلا يقدر عليه عند إرادته للزنا، ولو كان العبد خالقًا لعمله
لما عجزت أعضاؤه عند إرادته ومستحكم شهوته، فثبت أن القدرة
ليست لها، وأنها لمقدرٍ يقدرها إذا شاء، ويعطلها إذا شاء، لا إله إلا هو.
فصل :
وإنما أمرهم بالربع على أنفسهم على جهة الرفق بهم، وقد سلف
هذا المعنى في الجهاد في باب ما يكره من رفع الصوت بالتكبير.
وعرفهم العليّ أن ما يعلنون به من التكبير ويجتهدون فيه من الجهاد،
هو فضل الله عليهم، إذ لا حول لهم ولا قوة (في شيء منه)(٣) إلا بالله
الذي أقدرهم عليه، وحبيه إليهم، وإن كان فيه تلاف نفوسهم، رغبة في
جزيل الأجر وعظيم الثواب.
(١) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٥٦٩/١١ (٣٢٨٣٨).
(٢) في الأصل: أثر، والمثبت من (ص٢).
(٣) من (ص٢).

١٥٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
فصل :
وفيه: أن التكبير يسمى دعاء، كقوله ((إنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا))
فجعل قولهم: الله أكبر. دعاء له من أجل أنهم كانوا يريدون به إسماعه
الشهادة له بالحق(١).
(١) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٣٠٩/١٠ -٣١٠.

١٥٣
= كِتَابُ القَدَرِ
٨ - باب المَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّه تعالى
عَاصِمٌ مَانِعٌ، وقَالَ مُجَاهِدٌ: سُدًا عَنِ الحَقِّ: يَتَرَدَّدُونَ
بالضَّلَالَةِ. ﴿رَسَّنْهَا﴾ [الشمس: ١٠] أَغْوَاهَا .
٦٦١١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ:
حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِّ وَلِ قَالَ: «مَا أُسْتُخْلِفَ خَلِيفَةٌ
إِلَّا لَهُ بِطَانَتَانِ، بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْخَيْرِ وَتَخُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُهُ
عَلَيْهِ، وَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللهُ)). [٧١٩٨ - فتح: ١١ /٥٠١].
ثم ساق حديث أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ ﴾، عَنِ النَّبِّ وَِّ قَالَ: ((مَا
اُسْتُخْلِفَ خَلِيفَةٌ إِلَّا لَهُ بِطَانَتَانِ، بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْخَيْرِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ،
وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللهُ﴾.
الشرح :
البطانة: خواص الرجل، ووزراء الملك، وغرض البخاري في هذا
الباب إثبات الأمور لله ، فهو الذي يعصم من نزغات الشيطان، ومن
شر كل وسواس خناس من الجنة والناس، وليس من خليفة ولا أمير
إلا والناس حوله رجلان: رجل يريد الدنيا والاستكثار منها، فهو
يأمره بالشر ويحضه عليه ليجد به السبيل إلى أنطلاق اليد في
المحظورات، ومخالفة الشرع، ويوهمه أنه إن لم يقتل ويغصب،
ويخف الناس، لم يتم له شيء ولم يرض، فسياسة الله لعباده ببسط
العدل، وبحمد الأيدي، وإن في ذَلِكَ صلاح البلاد والعباد، ولا يخلو
السلطان أن تكون في بطانته رجل يحضه على الخير، ويأمره به؛ لتقوم به
الحجة عليه من الله في يوم القيامة، وهم الأمل، والمعصوم من الأمراء
من عصمه الله، لا من عصمته نفسه الأمارة بالسوء، بشهادة الله عليها
الخالق لها ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧].

١٥٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -=
٩- باب
﴿وَحَرَامُ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا أَنَّهُمْ لَا يَزَِّعُونَ
٩٥
[الأنبياء: ٩٥]
وقوله ﴿أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ﴾ [هود: ٣٦]،
﴿وَلَا يَلِدُوَاْ إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارَا﴾ [نوح: ٢٧].
وَقَالَ: مَنْصُورُ بْنُ النُّعْمَانِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ:
وَحِرْمٌ بِالْحَبَشِيَّةِ: وَجَبَ.
٦٦١٢ - حَدَّثَنِي مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ
ابن طَاؤُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابن عَبَّاسِ قَالَ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَم مِمَّا قَالَ
أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َثَ: ((إِنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَى ابن آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا، أَدْرَكَ ذَلِكَ
لَا مَحَالَةَ، فَزِنَا العَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ المَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي،
وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ وَيُكَذِّبُهُ)).
وَقَالَ شَبَابَةُ حَدَّثَنَا وَزْقَاءُ، عَنِ ابن طَاؤُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ
حَداخله. [انظر: ٦٢٤٣ - مسلم: ٢٦٥٧ - فتح: ١١/ ٥٠٢].
ساق عَنِ ابن عَبَّاسِ قَالَ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَم مِمَّا قَالَ أَبُو
هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ: ((إِنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَى ابن آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا، أَدْرََ
ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَزِنَا العَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ المَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى
وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ وَيُكَذِّبُهُ)).
وَقَالَ شَابَةُ ثَنَا وَرْقَاءُ، عَنِ ابن طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عُ،
عَنِ النَّبِيِّ بَهِ.

١٥٥
كِتَابُ القَدَرِ
=
الشرح :
قول منصور: أخرجه أبو جعفر(١)، عن ابن قهزاذ، عن أبي عوانة
عنه، (وحديث أبي هريرة سلف)(٢).
قوله: (وقال شبابة إلى آخره) أخرجه الطبراني في أوسط معاجمه:
حَدَّثَنَا عمر بن عثمان، ثَنَا ابن المنادي عنه. فذكره.
وقوله: (وجب) زاد عنه غيره: أي: وجب عليهم أنهم لا يتوبون.
وقال أبو عبيدة (لا) هاهنا زائدة، ويذهب أن حرامًا على بابه، وأنكره
البصريون؛ لأن (لا)، لا تزاد إلا فيما لا يشكل.
وقيل: المعنى: أن يتقبل منهم عمل؛ لأنهم لا يتوبون. قاله
الزجاج(٣)، وقيل: الحرام في اللغة: المنع، فالمعنى: حرام عليهم
الرجوع إلى الدنيا .
وقال المهلب: المعنى: وجب عليهم أنهم لا يتوبون، وحرام،
وحرم معناهما واحد، وهما قراءتان، والتقدير: وحرام على قرية
أردنا إهلاكها، التوبة من كفرهم، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ
مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ﴾ [هود: ٣٦]، أي: قد تقدم علم الله تعالى في
قوم نوح أنه لن يؤمن منهم غير من آمن، ولذلك قال نوح: ﴿رَّبِّ لَا
نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٧] إذ قد
أعلمتني أنه لن يؤمن منهم إلا من قد آمن، فأهلكهم لعلمه تعالى
بأنهم لا يرجعون إلى الإيمان (٤).
(١) ورد بهامش الأصل: الظاهر أنه الطبري محمد بن جرير في (تفسيره)).
(٢) من (ص٢).
(٣) أنظر: ((تفسير القرطبي)) ٣٤١/١١.
(٤) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٣١١/١٠-٣١٢.

١٥٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وقوله: (بالحبشية) لعله إنما يريد أنها وافقت العربية، أو عربتها
العرب، واستعملتها، وإلا فالقرآن بلسان عربي مبين.
فصل :
موافقة الترجمة للحديث هو قوله العليها: ((إن الله كتب على ابن آدم
حظه من الزنا)) فأخبر أن الزنا ودواعيه كل ذَلِكَ مكتوب مقدر على العبد
غیر خارج من سابق قدره.
وقوله: ( ((أدرك ذَلِكَ لا محالة)) ) إدراكه له من أجل أن الله كتب
عليه. وقوله: (أشبه باللمم) يريد قوله تعالى: ﴿إِلَّا الََّمْ﴾ [النجم: ٣٢]
فالنظر والنطق من اللمم، واللمم: صغار الذنوب، وهي مغفورة
باجتناب الكبائر، وقد سلف ما للعلماء في ذَلِكَ، في باب الكبائر من
كتاب الأدب، وذكر عن ابن عباس أنه -أعني: اللمم - أن يتوب من
الذنب ولا يعاوده(١) وقاله مجاهد والحسن(٢)، وروي عن ابن عباس:
كل ما دون الزنا فهو لمم.
وقال ابن مسعود: العينان تزنيان بالنظر، والشفتان تزنيان
وزناهما التقبيل، واليدان تزنيان وزناهما اللمس، والرجلان تزنيان
وزناهما المشي (٣). وقيل: اللمم: الصغائر، وقيل: النظرة (التي
تكون)(٤) فجأة.
وقيل: في قوله تعالى: ﴿إِلَّ اُلَّمَمْ﴾ (إلا) بمعنى: الواو، وأنكره
الفراء، وقال: المعنى: إلا التقارب من صغير الذنوب(٥).
(١) في (ص٢): الذنوب ولا يعاودها.
(٢) رواه الطبري فى ((تفسيره) ١١/ ٥٢٧ (٣٢٥٦٨)، (٣٢٥٧٠).
(٤) من (ص٢).
(٣) السابق ٥٢٦/١١ (٣٢٥٦٢).
(٥) ((معاني القرآن)) ١٠٠/٣.

١٥٧
كِتَابُ القَدَرِ
=
وسمي النظر والمنطق، وما سلف زنا؛ لأنها دواع إليه، والسبب قد
يسمى باسم المسبب مجازًا أو أتساعًا لما بينهما من التعلق، غير أن زنا
العين، واليدين مؤاخذ به من أجتنب الزنا بفرجه؛ لأنه كذب زنا جوارحه
بترك الزنا بفرجه، فاستخف زنا عينيه، ولسانه، وقلبه؛ لأن ذَلِكَ من
اللمم الذي يغفر باجتناب الكبائر. وزنا الفرج من أكبر الكبائر، فمن
فعله فقد صدق زنا عينيه، ولسانه، وقلبه، فيؤاخذ بإثم ذَلِكَ كله.
و(((ومحالة)) ) بفتح الميم أي: لابد.
وقوله: ( ((والنفس تمنى وتشتهي)) ) دليل على أن فعل العبد ما نهاه
الله عنه مع تقدم تقديره له تعالى عليه، وسابق علمه بفعله، باختيار منه
وإيثار، وليس بمجبر عليه، ولا مضطر إلى فعله. وعلى هذا علق العقاب
والثواب، فسقط قول جهم بالإجبار، بنص قوله العليا: (والنفس تمنى
وتشتهي))؛ لأن المجبر مكره فقط (مضطر) (١)، وهو (بخلاف المشتهي،
والمتمني)(٢) .
وقوله: ( ((والفرج يصدق ذَلِك ويكذبه)) ) يعني: إذا قدر على الزنا،
فيما كان فيه النظر والتمني، فإن زنا صدَّق ذَلِكَ، وأضيف بعضهم
إلى بعض، فإن امتنع وخاف ربه كتب له حسنة، وقد سلف ذَلِكَ
واضحًا .
فائدة :
منصور بن النعمان هو الربعي، البكري اليشكري أبو حفص البصري
سكنها، ثم مرو، ثم سكن بخارى، ذكره ابن أبي حاتم في ((جرحه
(١) من (ص٢).
(٢) في الأصل: كاف.

١٥٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وتعديله))(١)(٢) (وذكره ابن حبان في ((ثقاته)))(٣) (٤)
(١) ورد في هامش الأصل: لم يذكر فيه ابن أبي حاتم جرحًا ولا تعديلًا، ولكن ذكره
ابن حبان في ((الثقات)).
(٢) ((الجرح والتعديل)) ١٧٩/٨.
(٣) من (ص٢).
(٤) ((الثقات)) ٧/ ٤٧٧.

١٥٩
= كِتَابُ القَدَرِ
١٠- باب:
﴿وَمَا جَعَلْنَا اُلُّؤْيَا الَّتِى أَرَيْنَكَ إِلَّا فِتْنَةً!
[الإسراء: ٦٠]
٦٦١٣ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ
ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّنْيَا الَّتِىَ أَرَبْنَكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ قَالَ: هِيَ
رُؤْيَا عَيْنِ أُرِبِهَا رَسُولُ اللهِ وَلَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ إِلَى بَيْتِ المقْدِسِ. قَالَ: ﴿ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ
فِى الْقُرْءَانِ﴾ [الإسراء: ٦٠] قَالَ: هِيَ شَجَرَةُ الزَّقُومِ. [انظر: ٣٨٨٨-فتح: ١١ /٥٠٤].
ذَكَرَ فيهِ حَدِيث ◌ِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: ﴿وَمَا
جَعَلْنَا الرُغْيَا الَّتِىّ أَرَيْنَكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ قَالَ: هِيَ رُؤْيَا عَيْنِ أُرِيهَا رَسُولُ اللهِ
وَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ. قَالَ: ﴿وَالشَّجَةَ الْمَلْعُونَةَ فِ الْقُرْءَانِ﴾.
قَالَ: هِيَ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ .
الشرح :
قوله: ﴿إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ قيل: إنما فتن الناس بالرؤيا والشجرة؛ لأن
جماعة ارتدوا، وقالوا: كيف يسرى به إلى بيت المقدس في ليلة واحدة،
وقالوا لما أنزل الله شجرة الزقوم: كيف يكون في النار شجرة لا تأكلها؟
فكان فتنة لقوم، واستنصارًا لقوم، منهم: أبو بكر، ويقال: إنه سمي
صديقًا ذَلِكَ اليوم، فإن قلت: لم يذكر في القرآن لعن لتلك الشجرة،
فعنه جوابان: أنه قد لعن آكلها، وهم الكفار، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ
شَجَرَتَ الزَّقُومِ ® طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ [الدخان ٤٣، ٤٤] وقال: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ
تَّخْرُجُ فِىِّ أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾، والآخر تقول: فكل طعام مكروه ملعون.
فصل :
قال المهلب: معنى ذكر هذا الحديث في كتاب القدر، هو ما ختم
الله على الناس المكذبين لرؤياه من المشركين، حيث جعلها فتنة لهم في

١٦٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
تكذيب النبي الصادق، فكان زيادة في طغيانهم، وكذلك جعل الشجرة
الملعونة في القرآن فتنة، فقالوا: كيف تكون في النار شجرة النار
تحرق الشجر اليابس والأخضر، فجعل ذَلِكَ فتنة تزيد في ضلالهم،
فلا يؤمنون على ما سبق في علمه.
قال غيره: وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّْيَا﴾ الآية يقتضي خلق الله
للكفر به، ودواعي الكفر هي الفتنة، وذلك عدل منه تعالى، وهذا مثل
قوله تعالى: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ٢٧] فهذا عام في فعله
تعالى، كفر الكافرين، وإيمان المؤمنين، ودواعي الإيمان والكفر،
خلافًا لمن زعم أن الله تعالى غير خالق أعمال العباد، وقد سلف أن
[الصافات:
الله تعالى قال: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِىَّ أَصْلِ الْجَحِيمِ ﴾﴾
٦٤] فأخبر تعالى أنها تنبت في النار، وهي مخلوقة من جوهر لا تأكله
النار، كسلاسل النار، وأغلالها، وعقاربها، وحياتها، وليس شيء من
ذَلِكَ من جنس ما في الدنيا مما لا يبقى على النار، وإنما خلقت من
جنس لا تأكله النار، وكما خلق الله تعالى في البحار من الحيوان
ما لا يهلك في الماء، وخلق في الخل دودًا يعيش فيه، ولا يهلكه،
على أن الخل يفت الحجارة، ويهري الأجسام، ولم يكن ذَلِكَ
إلا لموافقة ذَلِكَ الدود لجنس الخل، وموافقة حيوان البحر لجنس
الماء، فكذلك ما خلق في النار من الشجر والحيوان موافق لجنس
النار، والله تعالى قادر أن يجعل النار بردًا وسلامًا، وأن يجعل الماء
نارًا؛ لأنه على كل شيء قدير، فما أنكره الكفار من خلق الشجر في
النار عناد بيِّن، وضلال واضح، أعاذنا الله - منه برحمته(١).
(١) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٣١٣/١٠-٣١٤.