النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ = كِتَابُ الرِّقَاقِ سقط وفي (رواية)(١) أخرى: ﴿يَوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَّا﴾ [يس: ٥٢] وهذا كلام، وهو يضاد البكم، والتعارف تخاطب وهو مضاد للصمم والبكم معًا . وقال تعالى: ﴿فَلَنَسَْلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ٦ [الأعراف: ٦]، والسؤال لا يكون إلا بإسماع أو لناطق يتسع للجواب. وقال: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: ١٠٢]، وقال: ﴿فَإِذَا هُم مِّنَ اُلْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١]، وقال: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا [المعارج: ٤٣]، والنسلان، والإسراع يخالفان كَأَنَهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (4) الحشر على الوجوه. والجواب عن هذا أن يقال: الناس إذا جيئوا وبعثوا من قبورهم، فليست حالتهم واحدة ولا مقامهم ولا موقفهم واحد. وجملة ذَلِكَ أنها خمسة أحوال: حالة بعث من القبور، وحال سوق إلى موضع الحساب، وحال محاسبة، وحال سوق إلى دار الجزاء، وحال مقامهم في الدار الذي يستقرون فيها . فأما الأول: (فإن الكفار)(٢) يكونون كاملي الحواس والجوارح؛ لقوله تعالى: ﴿يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٤٥] وقوله: ﴿يَتَخَفَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن (4﴾ [طه: ١٠٣] وقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ﴾ [الصافات: ١٩] لَبِئْتُمْ إِلَّا عَشْرًا وقوله: ﴿كَمْ لَبِئْتُمْ فِ اَلْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ إلى قوله: ﴿يُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٢ - ١١٥]. والثاني: وهم أيضًا في هُذِه الحالة بحواس تامة، كقوله تعالى: (١) كذا بالأصل، وينبغي أن يكون صوابه: (آية). (٢) من (ص٢). ٤٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ﴿أَحْشُرُواْ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَجَهُمْ﴾ الآية [الصافات: ٢٢]، ومعنى: أهدوهم: دلوهم، ولا دلالة لأعمى أصم، ولا سؤال لأبكم، فيثبت بهذا أنهم يكونون بأبصار وأسماع وألسنة ناطقة. والثالثة: ويكونون فيها أيضًا كاملي الحواس؛ ليسمعوا ما يقال لهم، ويقرءوا كتبهم الناطقة بأعمالهم، وتشهد عليهم جوارحهم بسيئاتهم ويسمعوها، وقد أخبر الله عنهم أنهم يقولون: ﴿مَالِ هَذَا اُلْكِتَبِ لَا يُغَادِرُ﴾ الآية [الكهف: ٤٩]، وأنهم يقولون لجلودهم: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ [فصلت: ٢١] وليشاهدوا أحوال القيامة، وما كانوا مكذبين به في الدنيا من شدتها، وتصرف الأحوال بالناس فيها . والرابعة: وهو السوق إلى جهنم؛ فإنهم يسلبون فيها أسماعهم وأبصارهم وألسنتهم؛ لقوله ﴿وَتَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا﴾. الآية [الإسراء: ٩٧]. ويحتمل أن يكون قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] إشارة إلى ما يشعرون به من سلب الأبصار والأسماع والمنطق. والخامسة: دار الإقامة في النار، وينقسم إلى بدء ومآل فتقدرها، إذا قطعوا المسافة التي بين موقف الحساب وشفير جهنم عميًا وبكمًا وصمًا؛ إذلالًا لهم وتمييزًا عن غيرهم؛ فترد الحواس إليهم ليشهدوا النار، وما أعد لهم فيها من العذاب، ويعاينون ملائكة العذاب، وكل ما كانوا به مكذبين، فيستقرون في النار ناطقين مبصرين سامعين، ولهذا قال تعالى: ﴿وَثَرَهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَشِعِينَ﴾ الآية [الشورى: ٤٥]. وقال: ﴿وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ﴾ الآية [الأنعام: ٢٧]، وقال: ﴿ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّمَنَتْ أُخْنَهَا﴾ الآية [الأعراف: ٣٨]، وقال: ﴿كُلَّمَّا أُلْقِىَ فِيَهَا فَوٌْ﴾ الآية [الملك: ٨]، وأخبر تعالى أنهم ينادون أهل الجنة ٤٣ كِتَابُ الرِّقَاقِ == فيقولون: ﴿أَنَّ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٠] ج وإن أهل الجنة ينادونهم ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا﴾ الآية [الأعراف: ٤٤]، وأنهم يقولون لخزنة جهنم: ﴿أَدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٩] فيقولون لهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيْنَتِّ قَالُواْ بَلَّ قَالُواْ فَأَدْعُواْ وَمَا دُعَوُاْ الْكَفِرِينَ إِلَّا فِ ضَكَلٍ﴾ [غافر: ٥٠]. وأما العقبى والمآل فإنهم إذا قالوا: ﴿رَّ أَخْرِجُنَا مِنْهَا﴾ الآية [المؤمنون: ١٠٧]، فقال: ﴿أَخْسَئُواْ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] وكتب عليهم الخلود بالمثل الذي يضرب لهم، وهو أن يؤتى بكبش، ويسمى الموت، فيذبح على الصراط بين الجنة والنار، وينادى بالخلود(١)، سلبوا في ذَلِكَ الموقف أسماعهم، وقد يجوز أن يسلبوا الأبصار، ولكن سلب السمع يقين؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَهُمْ فِيهَا [الأنبياء: ١٠٠] فإذا سلبوا الأسماع ١٠٠) زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ صاروا إلى الزفير والشهيق. قال الضحاك فيما رواه ابن معبد في ((الطاعة)): فعند قوله: ﴿أَخْسَئُواْ﴾ يصيرون صمًّا لا يسمعون، وبكمًا لا ينطقون، وعميًا لا يبصرون، ويحتمل أن تكون الحكمة في سلب الأسماع من قبل؛ أنهم سمعوا نداء الرب على ألسنة رسله فلم يجيبوه، بل جحدوه، وكذبوا به بعد قيام الحجة عليهم بصحته، فلما كانت حجة الله عليهم في الدنيا الأسماع، عاقبهم على كفرهم في الأخرى بسلبه، يوضحه أنهم كانوا يقولون لرسول الله: ﴿وَفِيِّ ءَاذَاِنَا وَفْرٌ﴾ [فصلت: ٥] وقالوا: ﴿لَا تَسْمَعُواْ لِهَذَا الْقُرْءَانِ وَالْغَوْاْ فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦]، وأن قوم نوح كانوا (١) رواه الحاكم في ((المستدرك)) ٨٣/١. ٤٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - يستغشون ثيابهم تسترًا منه لئلا يروه، ولا يسمعون كلامه، وقد أخبر الله عن الكفار في نبينا مثله، فقال: ﴿أَلَ إِنَهُمْ يَثْنُنَ صُدُوَرَهُمْ﴾ الآية [هود: ٥]، وإن سلب أبصارهم فلأنهم أبصروا العبر فلم يعتبروا، والنطق فلأنهم أوتوه فكفروا، وقد تقدم طرف من هذا في ذكر آدم عليه أفضل الصلاة والسلام. ٤٥ كِتَابُ الرِّقَاقِ ٤٦- باب: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءُ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١] ﴿أَزِفَتِ الْأَزِفَةُ * [النجم: ٥٧] ﴿أَقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: ١ ٥٧ ٦٥٣٠ - حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحِ، عَنْ أَبِ سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: « يَقُولُ اللهُ يَا آدَمُ. فَيَقُولُ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ. قَالَ يَقُولُ: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ. قَالَ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ. فَذَاَ حِينَ يَشِيبُ الصَّغِيرُ، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلِ حَمْلَهَا، وَتَرَى النَّاسَ سَكْرِى وَمَا هُمْ بِسَكْرِىُ ولكن عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ)). فَأَشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَقَالُوا: يَا رَسُولُ الهِ، أَيَُّا ذَلِكَ الرَّجُلُ؟ قَالَ: ((أَبْشِرُوا، فَإِنَّ مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْقٌ وَمِنْكُمْ رَجُلٌ - ثُمَّ قَالَ :- وَالَّذِي نَفْسِي فِي يَدِهِ، إِنِّي لأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الجَنَّةِ)). قَالَ: فَحَمِدْنَا اللّهَ وَكَبَّنَا، ثُمَّ قَالَ: (وَالَّذِي نَفْسِي فِي يَدِهِ، إِنِّي لِأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الجَنَّةِ، إِنَّ مَثَلَكُمْ فِي الأُمَم كَمَثَلِ الشَّعَرَةِ البَيْضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَسْوَدِ، أَوِ الرَّقْمَةِ فِي ذِرَاعٍ الحِمَّارِ)). [انظر: ٣٣٤٨ - مسلم: ٢٢٢ - فتح: ٣٨٨/١١]. ثم ساق حديث أَبِي سَعِيدٍ ﴾، قَالَ: ((يَقُولُ اللهُ يَا آدَمُ)). الحديث بطوله، وقد سلف. قال علقمة: ﴿َزَلْزَلَةَ السَّاعَةِ﴾: قبل القيامة، وحديث الباب: ((أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ. فَذَلكَ حِينَ يَشِيبُ الصَّغِيرُ، وَتَضَعُ كُلَّ ذَاتِ حَمْلِ حَمْلَهَا)). و﴿سُكَرَى﴾ أي: من العذاب والخوف، ﴿وَمَا هُم بِسُكَرَى﴾: من الشراب. وقوله: ( ((فذلك حين يشيب الصغير)) ) إلى آخره. قال الداودي: هذا كقوله ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴾﴾ [الزلزلة: ٧]، ٤٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وما فوقها داخل في حكمها، وأوكد منها، وكذلك شيب الكبير، وتضع الحوامل فيصير السقط رجلًا، فولدان المسلمين يشفعون لآبائهم، والله أعلم بما يصنع ببني الكفار. قلت: المختار أنهم في الجنة، واحتج بهذِه الآية من يرى أن المفقود يسمى شيئا، وهو معهود خلافًا للأشعرية، وانفصلوا بأن التقدير ﴿إِنّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ﴾ إذا حضرت أو وجدت شيء عظيم. وقوله: ( ((شطر أهل الجنة)) ) أي: نصفها . وقوله: ( ((أو كرقمة في ذراع حمار)) ) قال الجوهري: الرقمتان: هنتان في قوائم الشاة متقابلتان كالظفرين، ورقمتا الحمار والفرس اللتان بباطن أعضادهما(١). وقال الداودي: الرقمة في ذراع الحمار: الشيء المستدير الذي لا شعر فيه، وسميت بذلك؛ لأنها كالرقم. (١) ((الصحاح)) ١٩٣٥/٥. ٤٧ كِتَابُ الرِّقَاقِ - ٤٧- باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ـ لِيَوْمٍ عَظِيمِ ٤ أَلَا يَظُنُّ أُوْلَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُونُونٌ ٥ [المطففين:٤- ٦] يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة: ١٦٦] قَالَ: الوُصُلَاتُ فِي الدُّنْيَا . ٦٥٣١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا ابن عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ وََّ ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ قَالَ: (يَقُومُ أَحَدُهُمْ فِي رَشْحِهِ إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ)). [انظر: ٤٩٣٨- مسلم: ٢٨٦٢ - فتح: ١١/ ٣٩٢]. ٦٥٣٢ - حَدَّثَنِي عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدِ، عَنْ أَبِ الغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ◌َ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّلَه قَالَ: ((يَعْرَقُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يَذْهَبَ عَرَقُهُمْ فِي الأَرْضِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا، وَيُلْجِمُهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ آذَانَهُمْ)). [مسلم: ٢٨٦٣ - فتح: ٣٩٢/١١]. وَالٌ ﴿يَوْمَ يَقُومُ ذكر في حديث ابن عُمَرَ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: «يَقُومُ أَحَدُهُمْ فِي رَشْحِهِ إِلَى أَنْصَافِ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ ٦ أُذُنَيْهِ)). ولمسلم: ((يغيب)) بدل («يقوم))(١). (وقد سلف في تفسير سورة : [المطففين: ١] أيضًا لِلْمُطَفِّفِينَ يُلْ بإسنادٍ آخر إلى ابن عمر) (٢). (١) مسلم (٢٨٦٢). (٢) من (ص٢). ٤٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَ ◌ّهِ قَالَ: ((يَعْرَقُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يَذْهَبَ عَرَقُهُمْ فِي الأَرْضِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا، وَيُلْجِمُهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ آذَانَهُمْ)). الشرح : الوصلات: ضبطناه بضم الصاد، ويجوز إسكانها، وفتحها أيضًا، كما نبه عليه ابن التين، وقال الجوهري: جمع وصلة: وصل(١)، ويعرق بفتح الراء في مستقبله، وكسرها في ماضيه، و((يُلجمهم)) بضم الياء من ألجم، يلجم. والرشح: العرق. ولفظ البيهقي في حديث ابن عمر رضي الله عنهما: ((أن الشمس لتدنوا حَتَّى يبلغ العرق نصف الأذن))(٢). وله من حديث إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله مرفوعًا: ((إن الكافر ليلجم بعرقه يوم القيامة من طول ذَلِك اليوم حَتَّى يقول رب أرحني ولو إلى النار))(٣) . ومن حديث أبي خالد الدالاني، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث، عن أبي هريرة # قال: ((يحشر الناس حفاة، عراة، مشاة غرلًا، قيامًا أربعين سنة شاخصة أبصارهم إلى السماء- قال: فليجمهم العرق من شدة الكرب)). الحديث. وكان كعب الأحبار يزعم: أنهم يقومون مقدار ثلاثمائة عام. (١) ((الصحاح)) ١٨٤٢/٥. (٢) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) ٢٦٩/٣ (٣٥٠٩). (٣) رواه الطبراني في ((الأوسط)) ٣٦٣/٨ (٨٨٨١). ٤٩ = كِتَابُ الرِّقَاقِ وروى مسلم من حديث المقداد عت مرفوعًا: ((إذا كان يوم القيامة أدنيت الشمس من العباد حَتَّى تكون (منهم كمقدار)(١) ميل أو ميلين)) قال سُليم: (لا)(٢) (أدري)(٣) (أراد أي الميلين) (٤)، أمسافة الأرض؟ أم الميل الذي تكتحل به العين، قال: (((فتصهرهم)(٥) الشمس فيكونون في العرق بقدر أعمالهم، فمنهم من يأخذه إلى حقويه، ومنهم من يلجمه إلجامًا)) قال: فرأيت رسول الله بَّه وهو يشير بيده إلى فيه (٦). وروى البيهقي من حديث عقبة بن عامر مرفوعًا: ((تدنو الشمس من الأرض يوم القيامة فيعرق الناس، (فمن الناس)(٧) من يبلغ عرقه عقبيه، ومنهم من يبلغ نصف ساقيه، ومنهم من يبلغ ركبتيه، ومنهم من يبلغ فخذه، ومنهم من يبلغ خاصرته، ومنهم من يبلغ منكبيه، ومنهم من يبلغ فاه -فأشار بيده فألجمها - ومنهم من يغطيه عرقه، وضرب بيده على رأسه هكذا))(٨). وعن ابن مسعود أنه قال: الأرض يوم القيامة كلها نار، والجنة من ورائها ترى (كواكبها)(٩)، وكواعبها؛ فيعرق الرجل حَتَّى يرشح عرقه في الأرض قدر قامته، ثم يرتفع حَتَّى يبلغ أنفه، وما مسه الحساب (١٠). (١) في (ص٢): قید. (٢) ورد بهامش الأصل: لفظ مسلم: ما. (٣) ورد بهامش الأصل: لفظ مسلم: ما يعني بالميل. (٤) من (ص٢). (٥) ورد بهامش الأصل: هذا ليس لفظ مسلم. (٧) من (ص٢). (٦) مسلم (٢٨٦٤). (٨) رواه الحاكم في ((المستدرك)) ٤/ ٥٧. (٩) ورد بالهامش: لعله أكوابها. (١٠) رواه الطبراني ٩/ ١٥٤ (٨٧٧١) عن ابن مسعود موقوفًا. قال الهيثمي في ((المجمع)) ٣٣٦/١٠: رجاله رجال الصحيح. وقال المنذري في ((الترغيب والترهيب)) ١٨١/٦: إسناده جيد قوي. التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: يشتد کرب ذَلِكَ اليوم حَتَّى يلجم الكافر العرق، قيل له: فأين المؤمنون؟ قال: على كراسي من ذهب، ويظل عليهم الغمام(١). وعن أبي ظبيان قال أبو موسى: الشمس فوق رءوس الناس، وأعمالهم تظله. وروى ابن المبارك في ((رقائقه)) من حديث شهر، حَدَّثَني ابن عباس رضي الله عنهما: (((إن الله)(٢) يحشر الأمم من الإنس والجن عراة أذلاء، قد نزع الملك من ملوك أهل الأرض، ولزمهم الصغار بعد عتوهم، والذلة بعد تجبرهم على عباد الله في أرضه حَتَّى إذا وافوا الموقف أهل السماوات السبع، والأرضين السبع كسيت الشمس حر سبع سنين، ثم أدنيت من الخلائق قاب قوس أو قوسين)). الحديث بطوله (٣) . وفي ((كشف علوم الآخرة)) للغزالي: الخلق يتداخل إلى أن يبقى على القدم ألف يوم لشدة الزحام، ولخوض الناس في العرق في أنواع مختلفة، ومنهم من يصيبه يسير، كالقاعد في الحمام، ومنهم من يصيبه البلة كالعاطش إذا شرب الماء، وكيف لا يكون القلق والعرق وقد قربت الشمس من رءوسهم حَتَّى لو مد أحدهم يده لنالها مع تضاعف حرها إلى سبعين مرة. قال بعض السلف: لو طلعت الشمس على الأرض كهيئتها يوم القيامة لأحرقت الأرض، وذاب الصخر، ونشفت الأنهار فيقفون كذلك ألف عام، فإذا بالعرش يحمله ثمانية أملاك، فلا يزالون كذلك يموج بعضهم في بعض ألف عام، والجليل جل جلاله لا يكلمهم كلمة واحدة، فحينئذٍ يذهب الناس إلى آدم فيسألونه الشفاعة في فصل القضاء. (١) ((تفسير مجاهد)) ٧٣٧/٢. (٢) ((الزهد)) لابن المبارك ١/ ٤٦٧. (٣) من (ص٢). ٥١ - كِتَابُ الرِّقَاقِ وروى ابن أبي شيبة، عن أبي معاوية، عن عاصم، عن أبي عثمان، عن سلمان الخير قال: تعطى الشمس يوم القيامة حر عشر سنين، ثم تُدنى من جماجم الناس حَتَّى تكون قاب قوسين قال: فيعرقون حَتَّى يرشح العرق في الأرض قامة، ثم ترتفع حَتَّى يغرغر الرجل. قال سلمان: حَتَّى يقول الرجل: غرغر(١). وروى هناد بن السرى: حَدَّثَنَا قبيصة، عن سفيان، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن سلمان بلفظ: ولا يجد حرها مؤمن ولا مؤمنة، وأما الكفار (تطحنهم طحنًا)(٢) حَتَّى يسمع (لأجوافهم)(٣) غق غق (٤). والمراد من هذا: لا (تضير)(٥) مؤمنًا كامل الإيمان، أو من أستظل، كما سلف من حديث المقداد. وروى ابن المبارك، عن مالك بن مغول، عن عبيد الله بن العيزار قال: يزاد في حر الشمس يومئذٍ تسعة وستون ضعفًا(٦). وروى الوائلي من حديث عبد الله بن عمرو قال: تلا رسول الله وَليه ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾﴾ [المطففين: ٦] ثم قال: ((كيف بكم إذا جمعكم الله كما يجمع النبل في الكنانة خمسين ألف سنة لا ينظر إليكم))(٧). (١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ١٣٩/٧ (٣٤٦٦٩). (٢) في (ص٢): تطبخهم طبخًا. (٣) في (ص٢): لإحرافهم. (٤) ((الزهد)) لهناد بن السري ٢٠٢/١. (٥) فوق الكلمة: لعله يصيب. (٦) ((الزهد والرقائق)) (٣٧٢). (٧) رواه الحاكم في ((المستدرك)) ٤/ ٥٧٢. قال الحاكم: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وصححه الألباني في ((الصحيحة)) (٢٨١٧). ٥٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = فصل : قال ابن العربي: كل أحد يقوم عرقه معه فيغرق فيه إلى أنصاف ساقيه، وإلى جانبيه كما سلف، قال: وهذا خلاف المعتاد في الدنيا؛ فإن الجماعة إذا وقفوا في الأرض (المستوية)(١)، أخذهم الماء أخذًا واحدًا ولا يتفاوتون، وهذا من القدرة التي تخرق العادات. ومثَّله ابن برجان في «إرشاده)) بالمؤمن في الدنيا يمشي بنور إيمانه في الناس، والكافر في ظلمات كفره، والمؤمن في وقاية الله وكفايته، والكافر والعاصي في خذلانه لهما وعدم العصمة، والمؤمن السُني يكدع في السُنَّة، ويروى ببرد اليقين، ويمشي في سبيل الهداية بحسن الاقتداء، والمبتدع عطشان إلى ما يرويه. فصل : قال الغزالي: واعلم أن كل عرق لا يخرجه التعب في سبيل الله من جهاد، وحج، وقيام، وصيام، وتردد في قضاء حاجة مسلم، وتحمل مشقة في أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، فسيخرجه الحياء والخوف في صعيد القيامة، ويطول فيه كربه. ولو سلم ابن آدم من الجهل والغرور لعلم أن تعب العرق في حمل مصاعب الدنيا أهون أمرًا، وأقصر زمانًا من عرق الكرب، والانتظار في يوم القيامة. : فصل : سلف حديث ابن عمر رضي الله عنهما أيضًا في التفسير، في تفسير : ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ [المطففين: ١] وتكلمنا عليه أيضًا هناك، وأعدناه (٢) لبعده. (١) في (ص٢): المعتدلة. (٢) سلف برقم (٤٩٣٨). ٥٣ كِتَابُ الرِّقَاقِ ٤٨- باب القِصَاصِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَهْيَ الحَاقَّةُ لأَنَّ فِيهَا الثَّوَابَ وَحَوَاقَّ الأُمُورِ، الحَقَّةُ وَالْحَاقَّةُ وَاحِدٌ، وَالْقَارِعَةُ، وَالْغَاشِيَةُ، وَالصَّاخّةُ، وَالثَّغَابُنُ غَبْنُ أَهْلِ الجَنَّةِ أَهْلَ النَّارِ . ٦٥٣٣ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبي، حَدَّثَنَا الأَغْمَشُ، حَدَّثَنِي شَقِيقٌ، سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ لَّهِ، قَالَ النَّبِيُّ ◌َةِ: ((أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ بِالدِّمَاءِ)). [٦٨٦٤ - مسلم: ١٦٧٨ - فتح: ١١ /٣٩٥]. ٦٥٣٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ بََّ قَالَ: ((مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ لأَخِيهِ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْخَذَ لأَخِيهِ مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ أَخِيهِ فَطُرِ حَتْ عَلَيْهِ)). [انظر: ٢٤٤٩ - فتح: ١١/ ٣٩٥]. ٦٥٣٥- حَدَّثَنِي الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِىِ صُدُورِهِم مِّنْ عِلٍ﴾ [الأعراف: ٤٣] قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي المُتَوَكِّلِ النَّاجِيِّ أَنَّ أَبَا سَعِيدِ الْخُدْرِيَّ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: «يَخْلُصُ المُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ، فَيُحْبَسُونَ عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ ، فَيُقَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ مَظَالِمُ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُوا أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولَِ الجَنَّةِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لأَحَدُهُمْ أَهْدِى بِمَنْزِلِهِ فِي الجَنَّةِ مِنْهُ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا)). [انظر: ٢٤٤٠ - فتح: ٣٩٥/١١]. الشرح : قال قتادة: أحقت لكل قوم أعمالهم(١)، والتقدير: ذات الحاقة. وقال الفراء: سميت بذلك؛ لأن فيها حقائق الأمور. (١) رواه الطبري ٢٠٥/١٢ (٣٤٧١٤). ٥٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وقيل: لأنها تحق كل الكفار الذين حاقوا الأنبياء إنكارًا، يقال: حاققته فحققته، أي: خاصمته فخصمته، وسميت القيامة القارعة؛ لأنها تقرع القلوب، و﴿اُلْغَشِيَةِ﴾ لأنها تغشاهم، أي: تجللهم(١). والصاخة في الأصل: الداهية، يقال: رجل أصخ، أي: أصم. وقال الحسن: ﴿الصَّفَّةُ﴾: الآخرة، يصخ لها كل شيء أي: ينصب . وفي ((الصحاح)): الصاخة: الصيحة يقال: صخ الصوت الأذن يصخها صحًّا، ومنه سميت القيامة(٢). ثم ساق حديث شَقِيقٍ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ﴾ُ، قَالَ النَّبِيُّ وَهِ: ((أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ فِي الدِّمَاءِ)). وحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ لأَخِيهِ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْخَذَ (لأَخِيهِ)(٣) مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ أَخِيهِ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ)). وحديث أبي سَعِيدِ الخُدْرِيَّ عُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((يَخْلُصُ المُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ، فَيُحْبَسُونَ عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، فيقتص لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضِ مَظَالِمُ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُوا أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُوَّلِ الجَنَّةِ، فَوَ الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لأَحَدُهُمْ أَهْدى بِمَنْزِلِهِ فِي الجَنَّةِ مِنْهُ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا)». (١) ((معاني القرآن)) ١٧٩/٣ -١٨٠. (٢) ((الصحاح)) ٤٢٥/١. (٣) من (ص٢). كِتَابُ الرِّقَاقِ الشرح : حديث عبد الله بن مسعود في حقوق العباد، وجاء في حديث آخر: ((أول ما يحاسب به العبد الصلاة))(١). وهو في حقوق الله، فإن وجدت كاملة نظر في غير ذَلِكَ فلا تضاد، ولما كانت الدماء من أكبر الذنوب بعد الكفر ذكرت. وفي النسائي: ((أول ما يحاسب به العبد الصلاة، وأول ما يقضى بين الناس في الدماء)) (٢) . وفي ((الموطأ)) عن يحيى بن سعيد قال: بلغني أن أول ما ينظر فيه من عمل المرء الصلاة (٣) . ورواه الترمذي مرفوعًا من حديث أبي هريرة، وقال: حسن (٤) غريب (٤) . وقال الداودي: أول من يقضى بينهم علي، وحمزة، وعبيدة (بن الحارث)(٥)، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة الذين تبارزوا يوم بدر، وفيهم نزل ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ [الحج: ١٩]. وقد سلف الحديث في ذَلِكَ في البخاري عن علي عه: أنا أول من يجثو يوم القيامة بين يدي الرحمن للخصومة، يريد قصته في مبارزته هو والجماعة. قال أبو ذر: وفيهم نزلت: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ [الحج: ١٩](٦). (١) رواه أبو داود (٨٦٤)، النسائي ٢٣٢/١. (٢) ((سنن النسائي)) ٧/ ٨٣. (٣) ((الموطأ)» ١٧٣/١. (٤) الترمذي (٤١٣). (٥) من (ص٢). (٦) سلف برقم (٣٩٦٥ -٣٩٦٦) ومواضع أخر. ٥٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح فصل : والمظلمة بفتح اللام، وهو القياس، وبه ضبطه ابن التين، والدمياطي ضبطه بكسرها. قال الجوهري: ظلمه، ظلمًا، ومظلمة، وأصله: وضع الشيء في غير موضعه، قال: والظلامة والظليمة والمظلمة: ما تطلبه عند الظالم، وهو أسم ما أخذ عن ظلمة (١). وقوله: ( ((فليتحلله منها)) ) قال الهروي: يقال تحللته، واستحللته: إذا سألته أن يجعلك في حل من قبله(٢). والدينار: أصله دنار، بدليل جمعه على دنانير، فإن الجمع يرد الشيء إلى أصله، والدرهم فارسي معرب، وكسر الهاء لغة، وربما قالوا: درهام، وجمع درهم: دراهم، ودرهام: دراهيم، وليس في كلام العرب يقال سواه، وسوى هيلع: وهو الأكول، وهجرع: وهو الطويل، وبلعم: وهو اسم رجل، ذكر عن الخليل، زاد غيره: ضفدع، والجماعة على كسر داله. وقوله: ( ((من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته)) ) يعني: المسلم، قال بعضهم: أقتص لبعض العباد من بعض عاد الأمر فيما بينهم، وبين الله، وهذا قد أسلفته. فصل : قوله: ( ((يَخلُصُ)) ) هو بفتح أوله، وضم ثالثه، وهو اللام أي: يخلصوا . (١) ((الصحاح)) ١٩٧٧/٥. (٢) أنظر: ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ٤٣١/١. ٥٧ =ِ كِتَابُ الرِّقَاقِ ومنه: خلاصة السمن: ما خلص منه؛ لأنهم إذا طبخوا الزبد ليتخذوه سمنًا طرحوا فيه شيئًا من سويق وتمر وأبعار غزلان، كما ذكره ابن التين، فإذا جاد وخلص من الثقل ذَلِكَ السمن. والقنطرة: الجسر، والتهذيب بالذال المعجمة: التنقية، يقال: رجل مهذب أي مطهر الأخلاق. وقوله: ( ((بمنزله)) ) أي: أعرف بطريقه، وموضعه. فصل : قال البيهقي: ينبغي أن نعلم أن سيئات المؤمن على أصول أهل السنة والجماعة متناهية الجزاء، وحسناته غير متناهية الجزاء؛ لأن مع ثوابها الخلود في الجنة، فلا يأتي بما هو متناهٍ على ما ليس بمتناه، فعلى هذا وجه هذا الحديث عندي أنه يعطى خصماء المؤمن المسيء من أجر حسناته ما يوازي عقوبة سيئاته، فإن فنيت حسناته أي: أخذ حسناته الذي قابل عقوبة سيئاته أخذ من خطايا خصومه، فطرحت عليه، ثم طرح في النار إن لم يعف عنه، حَتَّى إذا أنتهت عقوبة تلك الخطايا رد إلى الجنة بما كتب له من الخلود فيها بإيمانه، ولا يعطى خصماؤه ما زاد من أجر حسناته على ما قابل عقوبة سيئاته، لأن ذَلِكَ من فضل الله يخص به من وافى القيامة مؤمنًا(١) . فصل : عند مسلم: ((أتدرون من المفلس؟)) قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع قال: ((المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة، وصيام، وزكاة (ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، (١) ((شعب الإيمان)) ١/ ٦٧. ٥٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وضرب هذا)(١) (فيعطى هذا)(٢) من حسناته، وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أنقضاء ما عليه أخذ من خطاياهم، وطرحت عليه ثم طرح في النار))(٣). وفي لفظ: ((لتؤدن الحقوق إلى أهلها حَتَّى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء))(٤). وفي ابن ماجه من حديث ثعلبة بن سوار: ثَنَا عمي محمد بن سوار، عن حسين المعلم، عن مطر الوراق، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما يرفعه: ((من مات وعليه دينار أو درهم قضي من حسناته ليس ثم دينار ولا درهم من ترك دينارًا أو ضياعًا فعلى الله ورسوله)»(٥). فصل : روى الحارث بن أبي أسامة في ((مسنده)) عن عبد الله بن أنيس : سمعت رسول الله وَله يقول: ((يحشر الله العباد -أو قال: الناس. وأومأ بيده إلى الشام - عراة، غرلًا بُهْمًا)) قيل: ما بُهْمًا؟ قال: ((ليس معهم شيء، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد ومن قرب: أنا الملك، أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة حَتَّى اللطمة، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وأحد من أهل الجنة يطلبه بمظلمة حَتَّى اللطمة)) قلنا: كيف، وإنما نأتي الله حفاة عراة؟ قال: ((بالحسنات، والسيئات))(٦). (١) من (ص٢). (٢) في الأصل: (فيؤخذ). (٣) مسلم (٢٥٨١). (٤) مسلم (٢٥٨٢). (٥) ابن ماجه (٢٤١٤). وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (٦٥٤٦). (٦) رواه الحارث في ((مسنده)) كما في ((بغية الباحث)) (٣٩). وهو حديث صححه الحاكم ٤٣٧/٢-٤٣٨، والألباني في ((صحيح الترغيب)) (٣٦٠٨) قال: حسن لغيره. ٥٩ كِتَابُ الرِّقَاقِ فصل : وقع هنا ذكر الصوت. قال البيهقي: بصوت، لم يثبت بإسناد يكون حجة بانفراده، والأشبه أن يكون المراد به: نداء يليق بصفات الله تعالى، ويحتمل أن يأمر به ملكًا فيكون الصوت مضافًا إلى الملك في الحقيقة، وأضيف إلى الله؛ لأنه بأمره كان(١). وقال الحافظ أبو الحسن علي بن المفضل المقدسي في كتابه ((الجواب عن أحاديث الأصوات)) بعد أن ساقها: أما حديث جابر، عن ابن أنيس فذكره البخاري تعليقًا فقال: ويذكر عن جابر، وهو حديث مداره على ابن عقيل، وهو ضعيف، وتفرد به عنه القاسم بن عبد الواحد، وليس ممن يحتج بحديثه، وروي من طريق عمر بن صبيح، عن مقاتل، عن أبي الجارود، وابن صبيح وضاع، ورواه ابن لهيعة، عن يزيد، وابن لهيعة حاله مشهور، والحديث أيضًا مضطرب؛ فتارة قال: قدمت عليه الشام، وأخرى: بمصر، وحديث محمد بن كعب عن أبي هريرة بمثله رواه عن أبي عاصم، عن إسماعيل بن رافع، عن محمد بن زياد، عن محمد بن كعب، فقال عن رجل، عن أبي هريرة، ومثل هذا لا تقوم به حجة، وحديث أبي (١) ((الأسماء والصفات)) ٢٩/٢. والأصل إجراء صفات الله سبحانه على ظاهرها، فنؤمن بأن الله يتكلم بكلام حقيقي بصوت كما يشاء هو سبحانه، قال الخطابي: مذهب السلف إثبات الصفات وإجراؤها على ظواهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عنها، وقد نفاها قوم فأبطلوا ما أثبته الله، وحققها قوم من المثبتين فخرجوا في ذلك إلى ضرب من التشبيه والتكييف، وإنما القصد في سلوك الطريقة المستقيمة بين الأمرين، ودين الله تعالى بين الغالي فيه، والجافي والمقصر عنه، والأصل في هذا: أن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات. ((مجموع الفتاوى)) ٥٨/٥-٥٩. ٦٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = سعيد تفرد بلفظ الصوت فيه حفص بن غياث عن الأعمش، وخالفه الحفاظ، فلم يذكروه فيه، والرواية الصحيحة ينادى بفتح الدال، نص عليه أبو ذر الهروي، وحديث ابن (عمر) (١) موقوف وضعيف، وحديث ابن مسعود روي من طرق مرفوعًا وموقوفًا، وليس فيه ذكر الصوت، وإنما ذكر أبو نصر السجزي أنه وجده مذکورًا في موقوفٍ علیه، وليس بصحیح. وحدیث النواس کذلك أيضًا، وكذا حدیث بهز بن حکیم، عن أبيه، عن جده، ولا ذكر فيها للصوت، وحديث أنس بن مالك ضعيف، قال: وهذا بمعنى ألفاظ ابن حبان، والأزدي، والدارقطني في الكلام على هذِه الأحاديث. فصل : روينا في جزء الأنصاري بعلو: حَدَّثَنَا محمد بن عمرو، عن يحيى بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن الزبير، عن الزبير قال: لما نزلت هذِهِ [الزمر: ٣١]، الآية: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ( قال: قال الزبير: يا رسول الله، أيكرر علينا ما كان بيننا في الدنيا مع خواص الذنوب؟ قال: «نعم لیکررن علیکم حَتَّى تؤدوا إلى كل ذي حق حقه)) قال الزبير: والله إن الأمر لشديد(٢). (١) في (ص٢): (عباس). (٢) رواه الحاكم في ((المستدرك)) ٢٤٩/٢ من طريق سفيان بن عيينة وأبي أسامة. ورواه ٤٣٥/٢ من طريق أبي أسامة. ورواه أيضًا ٤٣٥/٢ من طريق عبدة بن سليمان. ورواه أيضًا ٤٣٥/٢و٥٧٢/٤ من طريق محمد بن عبد الله الأنصاري أربعتهم عن محمد بن عمرو، به. قال الحاكم في الموضع الأول والثالث: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال في الموضع الثاني: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.