النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
كِتَابُ الرِّفَاقِ
=
الصراط، كما رواه مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها(١). وفي رواية
ثوبان عنده أيضًا: هم في الظلمة دون الجسر(٢). وهذا نص على أن
الأرض والسماء تبدل وتزال، ويخلق الله أرضًا أخرى يكون عليها
الناس بعد كونهم على الصراط، كما قال كثير من الناس: إن تبديل
الأرض عبارة عن تغيير صفاتها، (وتسوية)(٣) آكامها، ونسف جبالها،
ومد أرضها .
فصل :
قد سلف حديث سهل عند البخاري: ((أرض بيضاء عفراء كقرصة
نقي)).
وروى البيهقي من حديث أبي إسحاق، عن جرير بن أيوب، عن
عمرو بن ميمون، سمعت ابن مسعود رفعه في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ
تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيِّرَ الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] قال: ((أرض بيضاء كأنها فضة،
لم يسفك عليها دم حرام، ولم يعمل فيها خطيئة))(٤).
(١) مسلم (٢٧٩١).
(٢) مسلم (٣١٥).
(٣) بياض في الأصل والمثبت من (ص٢).
(٤) رواه البيهقي في ((البعث والنشور)) كما في ((الدر المنثور)) ١٦٧/٤، ولم أقف عليه
في المطبوع من ((البعث والنشور))، ورواه في ((الشعب)) موقوفًا كما في ((فتح
الباري)) ٣٧٦/١١، لكن رواه ابن أبي عاصم في ((الأوائل)) ص ٦٢ (١٧٦) من
طريق جرير، عن عمرو بن ميمون به، ورواه أبو الشيخ في ((العظمة)) ١٠٩٩/٣
(٥٩٨) من طريق أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون به، ورواه ابن مبارك في
(الزهد)) ص١١٥ (٣٨٩) من طريق شعبة، عن عمرو بن ميمون به، ورواه
عبد الرزاق في ((تفسيره)) ٢٩٨/١ (١٤٢٤) من طريق الثوري، عن أبي إسحاق،
عن عمرو بن میمون به.

٢٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ===
قال البيهقي: كذا رواه جرير بن أيوب، وليس بالقوي، وخالفه
أصحاب أبي إسحاق، فرواه إسرائيل عنه موقوفًا على عبد الله، ورواه
شعبة، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون -قال مرة عن عبد الله-
ولم يجاوز به عمرو بن ميمون، كذا رواه الثوري، عن أبي إسحاق،
عن عمرو. ومن حديث ابن مسعود وابن عباس قالا: ((تبدل الأرض
أرضًا بيضاء كالفضة، لم يسفك عليها دم حرام، ولم يعمل عليها
خطيئة قط))(١).
وعن ابن مسعود أيضًا: ((تبدل الأرض نارًا، والجنة من ورائها ترى
أكوابها وكواعبها)» (٢)، وقال أبو الجلد جيلان بن فروة: إني لأجد
فيما أقرأ من كتب الله أن الأرض تشتعل نارًا يوم القيامة. وقال علي:
تبدل الأرض فضة، والسماء ذهبًا(٣). وقال أبو جعفر محمد بن
علي بن حسين: تبدل خبزة يأكل منها الخلق يوم القيامة، ثم قرأ:
﴿وَمَا جَعَلْنَهُمْ جَسَدًا لَّا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ [الأنبياء: ٨](٤)، وقال سعيد بن
جبير، ومحمد بن كعب: تبدل خبزة بيضاء فيأكل المؤمن من تحت
قدمیه(٥) .
وروى البيهقي، عن عكرمة قال: تبدل بيضاء مثل الخبزة يأكل منها
أهل الإسلام حَتَّى يفرغوا من الحساب (٦).
(١) ((زاد المسير)) ٣٧٦/٤.
(٢) ((الطبري)) ٧/ ٤٧٠.
(٣) ((النكت والعيون)) ١٤٤/٣.
(٤) ((القرطبي)) ٩/ ٣٨٤.
(٥) ((الطبري)) ٧/ ٤٨١.
(٦) رواه البيهقي في ((البعث)) كما في (الدر المنثور)) ١٦٩/٤، ولم أقف عليه في
المطبوع من ((البعث والنشور)).

٢٣
= كِتَابُ الرِّقَاقِ
وروى ابن المبارك من حديث شهر بن حوشب قال: حَدَّثَني
ابن عباس رضي الله عنهما قال: إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد
الأديم، وزيد في سعتها كذا وكذا، وجمع الخلائق في صعيد واحد،
ثم ذكر قبض السماوات على أهلها (١).
وفي رواية ابن السائب عن أبي صالح عنه، وسئل عن هذِه الآية
فقال: يزاد فيها وينقص منها، وتذهب آكامها وجبالها وأوديتها
وشجرها وما فيها، وتمد مد الأديم العكاظي، أرض بيضاء مثل
البيضة، لم يسفك عليها دم حرام، ولم يعمل عليها خطيئة،
والسماوات يذهب شمسها، وقمرها، ونجومها(٢). وقد يقال:
السماوات مستأنفة لا يبدل منها شيء، (ويقال: تبدل)(٣) فتذهب،
وتجعل سماء أخرى غيرها .
قال القرطبي: وهذا مروي في ((الصحيح))(٤).
وإليه ذهب ابن برجان في كتاب ((الإرشاد)) له، وأن المؤمن يطعم
يومئذٍ من بين رجليه، ويشرب من الحوض، وهُذِه أقوال الصحابة
والتابعين دالة على ما ذكرنا، وروى أبو هريرة ضه: أن رسول الله وَله
قال: (تبدل الأرض غير الأرض: فيبسطها ويمدها مدَّ الأديم))(٥)،
ذكره الثعلبي في ((تفسيره)) .
(١) ((الزهد)) (٣٥٣).
(٢) رواه البيهقي في ((البعث والنشور)) كما في ((الدر المنثور)) ١٦٨/٤، ولم أقف عليه
في المطبوع من ((البعث والنشور)).
(٣) من (ص٢).
(٤) ((القرطبي)) ٩/ ٣٨٣.
(٥) جزء من حديث الصور رواه الطبراني في ((الأحاديث الطوال)) ص ٩٦ (٣٦).

٢٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وروي عن علي بن حسين أنه قال: إذا كان يوم القيامة مد الله
الأرض مد الأديم حَتَّى لا يكون لأحد من البشر إلا موضع قدمیه،
ذكره الماوردي في ((تفسيره))(١).
والصواب ما أسلفناه؛ فإن قلت: (بدل) في كلام العرب معناه:
تغيير الشيء، ومنه: ﴿بَدَّلْتَهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦]، و﴿فَبَدَّلَ
الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِى قِلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩]، ولا يقتضي هذا
إزالة العين، وإنما معناه: تغيير الصفة، ولو كان المعنى الإزالة لقال:
تبدل بالتخفيف من: أبدلت الشيء: إذا أزالت عينه وشخصه، قيل:
قد قرئ قوله تعالى: ﴿أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا﴾ [القلم: ٣٢] بالوجهين بمعنى
واحد، وقال: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: ٥٥]، وقال:
﴿فَأُوْلَكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَبِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠]، كذا ذكره في
((الصحاح)) (٢)، وبدله الله من الخوف (أمنًا)(٣)، وتبديل الشيء أيضًا:
تغييره، فقد دل القرآن وكلام العرب أن بدل وأبدل بمعنى، وقد فسر
الشارع أحد المعنيين فتعين.
فصل :
وأما تبديل السماء فقيل: تكوير شمسها وقمرها، وتناثر نجومها،
قاله ابن عباس(٤)، وقيل اختلاف أحوالها، فتارة كالمهل، وتارة
كالدهان، حكاه ابن الأنباري(٥).
(١) ((النكت والعيون)) ٢٣٥/٦. ورواه أبو نعيم في ((الحلية)) ١٤٥/٣.
(٢) ((الصحاح)) ١٦٣٢/٤.
(٣) من (ص٢).
(٤) ((زاد المسير)) ٣٧٦/٤.
(٥) أنظر: ((النكت والعيون)) ١٤٤/٣.

٢٥
=ِ كِتَابُ الرِّقَاقِ
وقال كعب: تصير السماء دخانًا، وتصير البحار نيرانًا، وقيل:
تبديلها : أن تطوى كطي السجل للكتاب(١)، ذكر ابن حيدرة شبيب في
((إفصاحه)) أنه لا تعارض بين هذه الآثار، وأن الأرض والسماوات
تبدل كرتين هُذِه الأولى، وأنه سبحانه قبل نفخة الصعق يغير صفاتها،
فتنتثر أولًا كواكبها، وتكسف شمسها وقمرها وتصير كالمهل، ثم
يكشف عن رءوسهم، ثم تسير الجبال، ثم تموج الأرض، ثم تصير
البحار نيرانًا، ثم تنشق الأرض من قطر إلى قطر؛ فتصير الهيئة غير
الهيئة، والبنية غير البنية، ثم إذا نفخ في الصور نفخة الصعق طويت
السماء، ودحيت الأرض، وبدلت السماء سماء أخرى، وهو قوله
﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَتِهَا﴾ [الزمر: ٦٩] وبدلت الأرض وأعيدت
كما كانت فيها القبور والبشر على ظهرها، وفي بطنها، وتبدل الأرض
أيضًا تبديلًا (ثانيًا)(٢)، وذلك إذا وقفوا في المحشر فتبدل لهم الأرض
التي يقال لها: الساهرة، يحاسبون عليها، وهي أرض عفراء، وهي
البيضاء من فضة، لم يسفك عليها دم حرام قط، ولا جرى عليها ظلم
قط، وحينئذٍ يقوم الناس على الصراط، وهو لا يسع (جميع)(٣)
الخلق، وإن كان قد روي أن مسافته ألف سنة صعودًا، وألف سنة
هبوطًا، وألف سنة أستواء، ولكن الخلق أكثر من ذَلِكَ، فيقوم من
فصل على الصراط على متن جهنم، وهي كإهالة، وهي الأرض التي
قال عبد الله: إنها أرض من نار يعرق فيها البشر، فإذا حوسب الناس
عليها -أعني: الأرض المسماة بالساهرة- وجاوزوا الصراط، وجعل
(١) المصدر السابق.
(٢) من (ص٢).
(٣) من (ص٢).

٢٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
أهل الجنان من وراء الصراط، وأهل النيران في النار، وقام الناس على
حياض الأنبياء يشربون، وبدلت الأرض كقرصة نقي؛ فأكلوا من تحت
أرجلهم، وعند دخولهم الجنة كانت خبزة واحدة يأكل منها جميع
(الخلق)(١) ممن دخل الجنة وإدامهم زيادة كبد (ثور الجنة، وزيادة
كبد)(٢) النون(٣).
وفي حديث ثوبان مرفوعًا الثابت في مسلم: ((تحفتهم يوم يدخلون
الجنة زيادة كبد النون)). قال: ما غذاؤهم على إثرها؟ قال: ((ينحر
لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها)) قال: فما شرابهم على
إثرها؟ قال: ((من عين فيها تسمى سلسبيلا))(٤). وهذا أبين من حديث
أبي هريرة (الذي أخرجه البخاري في الباب؛ لأن هذا مرفوع، وذلك
آخره من قول اليهودي)(٥)، وهو داخل في المسند لإقراره الكلية إياه
على ذَلِكَ.
في (ص٢): الخلائق.
(١)
(٢) من (ص٢).
(٣) انتهى من ((التذكرة)) للقرطبي ص٢١٦-٢١٨.
(٤) مسلم (٣١٥).
(٥) زيادة من (ص٢).

٢٧
كِتَابُ الرِّقَاقِ
-
٤٥- باب كَيْفَ الحَشْرُ؟
٦٥٢٢ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنِ ابن طَاؤُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي
٥ زَيْرَةَ عَثِ، عَنِ النَّبِّ ◌َلَ قَالَ: ((يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى ثَلَاثِ طَرَائِقَ . رَاغِبِينَ رَاهِبِينَ،
وَاثْنَانِ عَلَى بَعِيرِ وَثَلَاثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ وَأَرْبَعَةٌ عَلَى بَعِيرِ، وَعَشَرَةٌ عَلَى بَعِيرِ،
وَيَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمُ النَّارُ تَقِيلُ مَعَهُمْ حَيَّثُ قَالُوا وَتَبِيتُ مَعَهُّمْ حَيْثُ بَاتُوا وَتُصْبِحُ
مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا وَتُمْسِي مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْا)). [مسلم: ٢٨٦١ - فتح: ١١/ ٣٧٧].
٦٥٢٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدِ البَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا
شَيْبَانُ، عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكِ ﴾ِ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، كَيْفَ يُحْشَرُ
الكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ؟ قَالَ: ((أَلَيْسَ الذِي أَمْشَاهُ عَلَى الرِّجْلَيْنِ فِي الدُّنْيَا قَادِرًا عَلَى
أَنَّ يُمْشِيَهُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ؟)). قَالَ قَتَادَةُ: بَلَى وَعِزَّةِ رَبِّنَا. [انظر: ٤٧٦٠-
مسلم: ٢٨٠٦- فتح: ٣٧٧/١١].
٦٥٢٤ - حَدَّثَنَا عَلَّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ عَمْرٌو، سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، سَمِعْتُ
ابن عَبَّاسٍ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ نَِّ يَقُولُ: ((إِنَّكُمْ مُلَاقُو اللّهِ حُفَاةً عُرَاةً مُشَاةً غُرْلًا)). قَالَ
سُفْيَانُ: هذا مِمَّا نَعُدُّ أَنَّ ابن عَبَّاسِ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ ◌َبِّهِ. [انظر: ٣٣٤٩ - مسلم: ٢٨٦٠ -
فتح: ١١/ ٣٧٧].
٦٥٢٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ،
عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَِّ يَخْطُبُ عَلَى المِنْبَرِ يَقُولُ:
(إِنَّكُمْ مُلَاقُو اللّهِ حُفَاةً عُرَاةً غُزْلًا)). [انظر: ٣٣٤٩ - مسلم: ٢٨٦٠ - فتح: ١١/ ٣٧٧].
٦٥٢٦ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ
النَّغمَانِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيٍْ، عَنِ ابنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَامَ فِينَا النَّبِيُّ بَِّ يَخْطُبُ فَقَالَ:
(إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ حُفَاةً عُرَاةَ ﴿كَمَا بَدَأَنَا أَوَّلَ خَلْقِ نُّعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]
الآيَةَ. وَإِنَّ أَوَّلَ الخَلَائِقِ يُكْسَى يَوْمَ القِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ، وَإِنَّهُ سَيُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ
أُمَّتِي، فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، فَأَقُولُ يَا رَبِّ أصحابي فَيَقُولُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي

٢٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
مَا أَحْدَثُوا بَعْدََ. فَأَقُولُ كَمَا قَالَ العَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ
[المائدة: ١١٧ - ١١٨]. قَالَ: فَيُقَالُ إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا
فِهِمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الْحَكِيمُ
مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ)). [انظر: ٣٣٤٩ - مسلم: ٢٨٦٠ - فتح: ١١/ ٣٧٧].
٦٥٢٧ - حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَقْصٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الحَارِثِ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ أَبِي
صَغِيرَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةً قَالَ: حَدَّثَنِي القَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّ
عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَله: ((تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا)) قَالَتْ
عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ. فَقَالَ: ((الأَمْرُ
أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَاكِ)). [مسلم: ٢٨٥٩ - فتح: ١١/ ٣٧٧].
٦٥٢٨ - حَدَّثَنِي نُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ،
عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كُنَّ مَعَ النَّبِيِّ ◌ََّ فِي قُبَّةٍ فَقَالَ: «أَتَرْضَوْنَ أَنْ
تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الجَنَّةِ؟)). قُلْنَا: نَعَمْ. قَالَ: «تَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ
الجَنَّةِ؟)). قُلْنَا: نَعَمْ. قَالَ: ((أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الجَنَّةِ)). قُلْنَا نَعَمْ. قَالَ:
(وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّ
الجَنَّةَ لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَمَا أَنْتُمْ فِي أَهْلِ الشِّرْكِ إِلَّ كَالشَّعَرَةِ
البَيْضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَسْوَدِ، أَوْ كَالشَّعَرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَحْمَرِ)).
[٦٦٤٢ - مسلم: ٢٢١ - فتح: ٣٧٨/١١].
٦٥٢٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي أَخِي عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ أَبِ الغَيْثِ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِ قَالَ: ((أَوَّلُ مَنْ يُدْعَى يَوْمَ القِيَامَةِ آدَمُ، فَتَرَاءَىْ ذُرِّيَّتُهُ
فَيُقَالُ: هذا أَبُوكُمْ آدَمُ. فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ. فَيَقُولُ: أَخْرِجْ بَعْثَ جَهَنَّمَ
مِنْ ذُرِّيَّتِكَ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ كَمْ أُخْرِجُ؟ فَيَقُولُ: أَخْرِجْ مِنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةً
وَتِسْعِينَ)). فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِذَا أُخِذَ مِنَّا مِنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةٌ وَتِشْعُونَ فَمَاذَا يَبْقَى
مِنَّا؟ قَالَ: ((إِنَّ أُمَّتِي فِي الأُمَم كَالشَّعَرَةِ البَيْضَاءِ فِي الثَّوْرِ الأَسْوَدِ)). [فتح: ١١/
٣٧٨] .

٢٩
كِتَابُ الرِّقَاقِ
=
ذكر فيه أحاديث: أحدها:
حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ◌َُ، عَنِ رسول الله وَلَ قَالَ: ((يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى
ثَلَاثِ طَرَائِقَ. رَاغِبِينَ رَاهِبِينَ، وَاثْنَانٍ عَلَى بَعِيرٍ ، وَثَلَاثَةٌ عَلَى بَعِيرِ، وَأَرْبَعَةٌ
عَلَى بَعِيرٍ ، وَعَشَرَةٌ عَلَى بَعِيرٍ ، وَيَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمُ النَّارُ تَقِيلُ مَعَهُمْ حَيَّثُ قَالُوا،
وَتَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا، وَتُصْبِحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا، وَتُمْسِي مَعَهُمْ
حَيْثُ أَمْسَوْا)).
ثانيها: حديث قَتَادَةَ، عن أَنَسِ هِ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، كَيْفَ
يُحْشَرُ الكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ؟ قَالَ: ((أَلَيْسَ الذِي أَمْشَاهُ عَلَى رِّجْلَيْنِ فِي الدُّنْيَا
قَادِرًا عَلَى أَنَّ يُمْشِيَهُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ؟)). قَالَ قَتَادَةُ: بَلَى وَعِزَّةٍ
رَبِّنَا .
ثالثها: حديث ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما سَمِعْتُ النَّبِيِّي وَلَهِ يَقُولُ:
((إِنَّكُمْ مُلَاقُو اللهِ حُفَاةً عُرَاةً مُشَاةً غُرْلًا)). قَالَ سُفْيَانُ: هُذا مِمَّا نَعُدُّ أَنَّ
ابن عَبَّاسٍ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِّ وَّهِ.
ثم ساقه بلفظ: سَمِعْتُ النبيَّ وَّهَ يَخْطُبُ عَلَى المِنْبَرِ يَقُولُ: ((إِنَّكُمْ
مُلَاقُو اللهِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًّا)).
ثم ساقه عنه قَالَ: قَامَ فِينَا الشَِّيُّ وَّهِ يَخْطُبُ فَقَالَ: ((إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ
حُفَاةً عُرَاةً غرلا ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقِ نُّعِيدُهُ﴾ الآية [الأنبياء: ١٠٤].
وَإِنَّ أَوَّلَ الخَلَائِقِ يُكْسَى يَوْمَ القِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ، وَإِنَّهُ سَيُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ
أُمَّتِي، فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشَّمَالِ، فَأَقُولُ يَا رَبِّ أصحابي. فَيَقُولُ: إِنَّكَ
لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَ. فَأَقُولُ كَمَا قَالَ العَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ
شَهِيدًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿اَلْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٧ - ١١٨]. فَيُقَالُ إِنَّهُمْ
لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ)).

٣٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
رابعها: حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَّه :
(تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا)) قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ،
الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ؟! قَالَ: ((الأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ
وهو٥
يُهِمَّهُمْ ذَاكِ)».
خامسها: حديث عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ رسول
الله وَّهِ فِي قُبَّةٍ فَقَالَ: (أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الجَنَّةِ؟)). قُلْنَا: نَعَمْ.
قَالَ: (َرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الجَنَّةِ؟)). قُلْنَا: نَعَمْ. قَالَ: (أَتَرْضَوْنَ
أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الجَنَّةِ)). قُلْنَا نَعَمْ. قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ
إِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الجَنَّةَ لَا يَدْخُلُهَا
إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَمَا أَنْتُمْ فِي أَهْلِ الشِّرْكِ إِلَّا كَالشَّعَرَةِ البَيْضَاءِ فِي جِلْدِ
الثَّوْرِ الأَسْوَدِ، أَوْ كَالشَّعَرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَحْمَرِ ».
سادسها: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾، أَنَّ النَّبِيَّ نَلِ قَالَ: (أَوَّلُ مَنْ يُدْعَى
يَوْمَ القِيَامَةِ آدَمُ الَيْه، فتتراعى ذُرِّيَّتُهُ فَيُقَالُ: هُذا أَبُوكُمْ آدَمُ. فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ
وَسَعْدَيْكَ. فَيَقُولُ: أَخْرِجْ بَعْثَ جَهَنَّمَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ كَمْ
أُخْرِجُ؟ فَيَقُولُ: أَخْرِجْ مِنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ)). فَقَالُوا: يَا رَسُولَ
اللهِ، إِذَا أَخَذَ مِنَّا مِنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةٌ وتسعين فَمَاذَا يَبْقَى مِنَّا؟ قَالَ: (إِنَّ
أُمَّتِي فِي الأُمُم كَالشَّعَرَةِ البَيْضَاءِ فِي الثَّوْرِ الأَسْوَدِ)).
(الشرح)(١) :
حديث ابن عباس رضي الله عنهما سلف في ذكر الأنبياء (٢)، وكذا
حديث عبد الله، وأبي هريرة (٣) .
(١) في (ص٢): فصل.
(٢) برقم (٣٣٤٩).
(٣) حديث عبد الله هو ابن مسعود سيأتي برقم (٦٦٤٢).
وفي الباب حديثين لأبي هريرة لم يذكرهما البخاري إلا في هذا الباب.

٣١
- كِتَابُ الرِّقَاقِ
وحديث أنس سلف في تفسير الفرقان(١).
قال الخطابي: والمذكور هنا في الحشر إنما يكون قبل قيام الساعة،
يحشر الناس أحياء إلى الشام، وأما الحشر الذي بعد البعث من القبور
فعلى خلاف هذِه الصورة، من ركوب الإبل، والمعاقبة عليها، إنما هو
على ما ورد في الخبر: ((يبعثون حفاة غرلًا)) قال: وقيل: إن هذا في
البعث دون الحشر، فليس بين الحديثين تضاد، قال: وقوله: ( ((عشرة
على بعير)) ) يعني أنهم يعتقبون البعير الواحد يركب بعضهم، ويمشي
(الباقون)(٢) عقبًا بينهم(٣).
وقال الداودي: يحملون على قدر أعمالهم، والاثنان على البعير
أفضل من الثلاثة، والثلاثة أفضل من أكثر منهم.
وقوله: ( (تقيل معهم حيث قالوا)) ) إلى آخره يدل أنهم يقيمون
كذلك أيامًا .
وقال قتادة في تفسير قوله: ﴿لِأَوَّلِ الْحَثْرِّ﴾ [الحشر: ٢] هي نار تحشر
الناس من المشرق إلى المغرب تبيت معهم حيث باتوا، وترحل
فيرحلون، وتأكل من تخلف (٤) .
وقوله: ( ((أليس الذي أمشاه)) ) إلى آخره، ظاهره: أنه يمشي على
وجهه حقيقة، وقيل: هو مثل الكافر والمؤمن أن هذا ضال وهذا
مهتد، وهذا قول مجاهد في تفسير قوله تعالى: ﴿أَفَنْ يَمْشِى مُكِبًّا عَلَى
وَجْهِهِ﴾(٥) [الملك:
(١) سلف برقم (٤٧٦٠).
(٣) ((أعلام الحديث)) ٢٢٦٩/٣ - ٢٢٧٠.
(٤) ((الطبري)) ٢٨/١٢.
(٥) أنظر: ((تفسير مجاهد)) ٦٨٦/٢.
(٢) في (ص٢): بعضهم.

٣٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقال قتادة في تفسير (الآية)(١) بل هو حقيقة (٢)، وظاهر الحديث هنا
حجة له .
وقوله: ( ((غرلًا))) أي: غلفًا غير مختونين، غلام أغرل، أي:
أقلف، والغرلة: القلفة.
وقوله: ( (يُهمهم)) ) هو بضم أوله، يقال: أهمني الأمر: أحزنني،
وأقلقني، وهمني المرض: أذابني، وهممت بالشيء: إذا أردته. قال
ابن التين: رويناه بالضم على أنه رباعي من: أهمني الأمر، أي:
أقلقني، وفي بعض الروايات بفتحها لعله من: همني المرض إذا
أذابني، والأول أبين، قال تعالى: ﴿وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آلـ
عمران: ١٥٤].
فصل :
وقوله: ( ((إن أول الخلائق يكسى إبراهيم العلي)) ) فيه: فضل له
بذلك، ويؤتى محمد الشفاعة، ولم يؤتها أحد غيره.
وقوله: ( ((فيؤخذ بهم ذات الشمال)) ) إلى آخره هو تحذير لأصحابه
أن لا يحدثوا بعده حدثًا، ولعلهم المنافقون، ويحتمل أن يسموا له
فلا يسميهم تحذيرًا لغيرهم، ويحتمل أن لا يسموا له.
( (والعبد الصالح)) ) عيسى صلوات الله وسلامه عليه.
( ((والردة))): الكفر بعد الإيمان، وارتد بعده قوم من العرب، وقتل
من قتل على ردته، وأحرق الصديق بعضهم بالنار، ولعل بعض من راجع
الإيمان لم يخلص إيمانه.
(١) في (ص٢): قوله: ﴿لِأَوَّلِ الْحَثْرِّ﴾.
(٢) رواه الطبري في ((تفسيره)) ١٧١/١٢-١٧٢ (٣٤٥١٣ - ٣٤٥١٤).

٣٣
كِتَابُ الرِّقَاقِ
=
فصل :
وقوله: ( ((في قبة)) ) إنما كان ذلك يفعل في السفر.
وقوله: ( ((أترضون)) ) إلى آخره خرج مخرج الاستفهام، وأريد به
البشرى، وبشر بالأقل بالأول، ثم بالأكثر ليعلم سرورهم.
فصل :
قوله: ( ((كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود)) ) وفي الحديث
الآتي في الباب بعده، أو ((كالرقمة في ذراع الحمار))(١)، فالشعرة
على التقليل والتكثير؛ لأنه لا يكون ثورًا ليس في جلده إلا مائة
شعرة، والرقمة: يحتمل أن تكون على الحقيقة.
وقوله: ( ((أخرج بعث جهنم)) ) أي: جنسها وأهلها، يقال: كنت في
بعث فلان. بفتح الباء، أي: في جنسه الذي بُعث.
وقوله: ( ((من كل مائة تسعة وتسعين))) قال الداودي: هذا المحفوظ
الموجود على العيان؛ لكثرة الأمم، وقلة المسلمين، وقال أيضًا: ((من
يأجوج، ومأجوج ألفًا إلا واحدًا، ومنكم واحد)) وهذا على التكثير؛ لأن
سواهم من الكفار لا يدخلون الجنة، ومن لم يدخلها دخل النار.
فصل :
الحشر على أربعة أوجه: حشران في الدنيا، ومثلهما في الآخرة،
فأما اللذان في الدنيا، فقوله تعالى: ﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ [الحشر: ٢].
قال الزهري: كانوا من سبط لم يصبهم الجلاء، وكان الله قد كتبه
عليهم، فلولا ذَلِكَ لعذبهم في الدنيا (٢)، وكان أول حشر حشروا في
الدنيا إلى الشام كما سلف.
(١) برقم (٦٥٣٠).
(٢) رواه الطبري ٢٨/١٢ (٣٣٨١٦).

٣٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
قال ابن عباس: من شك في أن الحشر في الشام فليقرأ هذه الآية،
وذلك أنه العليا قال لهم: ((اخرجوا)) قالوا: إلى أين؟ قال: ((إلى أرض
المحشر))(١) قال قتادة: هذا أول الحشر (٢).
الثاني: ما رواه البخاري من حديث أبي هريرة # في الباب، وقال
قتادة: إنه نار تحشرهم كما سلف.
قال عياض: هُذا قبل قيام الساعة، وهو آخر أشراطها كما ذكره
مسلم، وآخر ذَلِكَ نار تخرج من قعر عدن ترحل الناس. وفي رواية:
تطرد الناس إلى محشرهم، وفي حديث آخر: ((لا تقوم الساعة حَتَّى
تخرج نار من أرض الحجاز))(٣) ويدل أنها قبل يوم القيامة قوله:
(فتقيل معهم)) إلى آخره، وفي رواية لغير مسلم: ((إذا سمعتم بها
فاخرجوا إلى الشام)) (٤).
وذكر الحليمي في ((منهاجه)): أن ذَلِكَ في الآخرة، فقال: يحتمل أن
قوله القَّا: ((يحشر الناس على ثلاث طرائق)) إشارة إلى الأبرار،
(والمخلّطين)(٥)، والكفار؛ فالأبرار هم الراغبون إلى الله فيما أعد
لهم من ثوابه، والراغبون: هم الذين بين الخوف والرجاء. فأما
الأبرار: فإنهم يأتون بالنجائب، وأما (المخلطون)(٦): فهم الذين
أريدوا في الحديث، وقيل إنهم يحملون على الأبعرة(٧).
(١) ((تفسير البغوي)) ٦٩/٨.
(٢) المصدر السابق.
(٣) مسلم (٢٩٠٢).
(٤) ((إكمال المعلم) ٣٩١/٨. والرواية هذِه رواها الترمذي (٣١٤٢).
(٥) في الأصل: (والمخلصين)، والمثبت من ((شعب الإيمان)).
(٦) في الأصل: (المخلصون)، والمثبت من ((شعب الإيمان)).
(٧) نقل كلام الحليمي هذا، البيهقي في ((شعب الإيمان)) ٣١٨/١.

٣٥
كِتَابُ الرِّقَاقِ
وأما الفجار: فهم المحشورون إلى النار، وذلك أن الله تعالى يبعث
إليهم ملائكة؛ فيقيض لهم نارًا تسوقهم، ولم يرد في هذا الحديث إلا ذكر
البعير، فإما أن يكون ذَلِكَ من إبل الجنة أو من الإبل التي تجيء وتحشر
يوم القيامة، فهذا ما لم يأت بيانه، والأشبه أن لا يكون من نجائب
الجنة؛ لأنه حملها الأبرار وكان مع ذَلِكَ من جملة المؤمنين فإنهم بين
الخوف والرجاء؛ لأن من هؤلاء من يغفر الله ذنوبه؛ فيدخل الجنة،
ومنهم من يعاقبه بالنار، ثم يخرجه (منها)(١)، ويدخله الجنة، وإذا
كان كذلك لم يبق أن يردوا موقف الحساب على نجائب الجنة، ثم
ينزل عنها بعضهم إلى النار؛ لأن من أكرمه الله بالجنة مرة لم يهنه بعد
ذَلِكَ بالنار.
وفي لفظ: عن أبي هريرة ، وذكر الحشر، ((أما إنهم يتقون
بوجوههم كل حدب وشوك))(٢)، فهذا إن ثبت مرفوعًا(٣)، فالركبان
هم المتقون السابقون الذين يغفر الله ذنوبهم عند الحساب فلا يعذبهم،
إلا أن المتقين يكونون على نجائب الجنة، والآخرون على دواب سوى
دواب الجنة .
وقال البيهقي: الراغبون يحتمل أن تكون إشارة إلى الأبرار.
والراهبون: المخلطون الذين هم بين الخوف والرجاء، والذين
تحشرهم النار هم الكفار، ويحتمل أن يكون هذا وقت الحشر إلى
موقف الحساب (٤) .
(١) من (ص٢).
(٢) رواه الترمذي (٣١٤٢).
(٣) ضعفه الألباني في ((ضعيف الترغيب)) (٢٠٨٨).
(٤) انظر: ((شعب الإيمان)) ٣١٨/١.

٣٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وأما ما ورد من حشرهم حفاة عراة غرلًا ففي وقت النشور من
القبور، ويحتمل أن يكون هذا معنى قوله: ((راغبون وراهبون)) في
وقت حشرِهم إلى الجنة بعد الفراغ من الحساب، والأول أولى.
والصنف الثاني: الذين يعذبهم الله بذنوبهم ثم يخرجهم من النار إلى
الجنة، وهؤلاء يكونون مشاة على أقدامهم، وقد يحتمل على هذا أن
يمشوا وقتًا ويركبون ثم يركبون أو يكونوا ركبانًا، فإذا قاربوا المحشر
نزلوا فمشوا ليتفق الحديثان.
والصنف الثالث: المشاة على وجوههم، وهم الكفار، وقد يحتمل
أن يكونوا ثلاثة أصناف: صنف مسلمون، وهم ركبان، وصنفان من
الكفار، أحدهما : الأعلام، فهؤلاء يحشرون على وجوهم، والآخرون:
الأتباع فهم يمشون على أقدامهم، وإلى هذا ذهب الغزالي في ((كشف
علوم الآخرة)) فإنه لما ذكر: قيل: يا رسول الله كيف يحشر الناس؟
قال: ((اثنان على بعير، وخمسة على بعير، وعشرة على بعير)).
قال: معناه -والله أعلم- أن قومًا يأتلفون في الإسلام برحمة الله
يخلق لهم من أعمالهم بعيرًا يركبون عليه، وهذا من ضعف العمل
لكونهم يشتركون فيه كقوم خرجوا من سفر بعيد، وليس مع أحد منهم
ما يشتري مطية توصله فاشترك في ثمنها اثنان أو ثلاثة أبتاعوا مطية
يتعقبون عليها في الطريق، ويبلغ بعير مع عشرة، فاعمل هداك الله
عملًا يكون لك بعير خالص من الشركة، واعلم أن ذَلِكَ هو المتجر
الرابح، والمضمون والله. كما قال تعالى: ﴿يَوَمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى
الرَّحْمَنِ وَفْدًا لَهِمَا﴾ [مريم: ٨٥].
وفي ((غريب الرواية)) أنه التَّه قال يومًا لأصحابه: ((كان رجل من بني
إسرائيل كثيرًا ما يفعل الخير حَتَّى إنه ليحشر فيكم)) قالوا: وما كان

٣٧
= كِتَابُ الرِّقَاقِ
يصنع؟ قال: ((ورث من أبيه مالًا كثيرًا فاشترى بستانًا؛ فحبسه للملائكة،
وقال: هذا بستاني عند الله، وفرق دنانير (عديدة)(١) في الضعفاء، وقال:
أشتري بهذا جارية من الله وعبدًا، وأعتق رقابًا كثيرة، وقال: هؤلاء خدمي
عند الله، والتفت ذات يوم إلى رجل ضرير البصر فرآه تارة يمشي، وتارة
يكبو فابتاع له مطية يسير عليها، وقال: هذِه مطيتي عند الله أركبها، وقال:
والذي نفسي بيده لكأني أنظر إليها وقد جيء بها إليه مسرجة ملجمة
فركبها ليسير بها إلى الموقف».
وكان ما ذكره عياض من أن ذَلِكَ في الدنيا أظهر لما في نفس
الحديث من ذكر المساء، والمبيت، والقائلة، والصباح(٢)، وليس
ذَلِكَ في الآخرة، يوضحه حديث أبي هريرة ﴾ مرفوعًا عند الترمذي:
(«يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف: صنفًا مشاة، وصنفًا ركبانًا،
وصنفًا على وجوههم)) قيل: يا رسول الله: كيف يمشون على
وجوههم؟ قال: ((إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم
على وجوههم أما إنهم يتقون بوجوههم كل حدب وشوك))(٣)، وهذا
يدل على أنه في الدنيا إذ ليس في الآخرة على ما سلف من أن
المحشر على أرض كقرصة النقي، فليس فيها شوك ولا حدب.
وروى النسائي من حديث أبي ذر مرفوعًا: ((الناس يحشرون ثلاثة
أفواج: فوج راكبين طاعمين كاسين، وفوج تسحبهم الملائكة على
وجوههم، وتحشر النار أفواجًا يمشون ويسعون، يلقي الله الآفة على
(١) في (ص٢): كثيرة.
(٢) (إكمال المعلم)) ٣٩١/٨.
(٣) الترمذي (٣١٤٢).
وضعفه الألباني في ((ضعيف الترغيب)) (٢٠٨٨).

٣٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
الظهر فلا يبقى، حَتَّى إن الرجل لتكون له الحديقة يغطيها نبات القتب
فلا يقدر عليها)) (١). قال البيهقي: يحتمل أن يكون أراد بالفوج
الثاني: المسلمين الذين خلطوا عملًا صالحًا، وآخر سيئًا، فيكونون
مشاة، والأبرار ركبانًا(٢).
فصل :
روى أبو زيد عمر بن شبة في كتابه ((أخبار المدينة)) عن أبي هريرة
قال: آخر من يحشر رجلان رجل من جهينة، وآخر من مزينة، فيقولان:
أين الناس؟ فيأتيان المدينة فلا يريان إلا الثعالب، فينزل إليهما ملكان
يسحبانهما على وجوههما حَتَّى يلحقاهما بالناس(٣).
فصل : ٠
روى البيهقي من حديث حماد بن سلمة، أنا أبو قزعة الباهلي، عن
حكيم بن معاوية، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ◌ُله: ((يحشرون
هاهنا - وأومأ بيده نحو الشام- مشاة وركبانًا، وعلى وجوههم)).
وفي كتاب أبي نعيم، عن عبد الله بن عمرو: ((ثم يبعث الله بعد قبض
عيسى، وأرواح المؤمنين بتلك الريح الطيبة نارًا تخرج من نواحي
الأرض يحشر الناس والدواب إلى الشام)) (٤).
وعن معاذ: « يحشر الناس أثلاثًا: ثلثًا على ظهور الخيل، وثلثًا
يحملون أولادهم على عواتقهم، وثلثًا على وجوههم مع القردة
والخنازير إلى الشام، فيكون الذين يحشرون إلى الشام لا يعرفون حقًّا
(١) ((سنن النسائي)) ١١٦/٤-١١٧.
(٢) أنظر: ((شعب الإيمان)) ٣١٨/١-٣١٩.
(٣) «تاريخ المدينة)) ٢٧٩/١.
(٤) رواه نعيم بن حماد في ((الفتن)) ٦٢٥/٢.

٣٩
- كِتَابُ الرِّقَاقِ
ولا فريضة، ولا يعملون بكتاب ولا سنة، يتهارجون هم والجن مائة سنة
تهارج الحمر والكلاب، وأول ما يفجأ الناس بعد من أمر الساعة أن يبعث
الله لیلا ریحًا فتقبض کل دینار ودرهم، فتذهب به إلى بيت المقدس، ثم
يشق الله بنيان بيت المقدس فينبذه في البحيرة (١).
وعن عكرمة قال: يحشر الناس نحو الشام، وأول من يحشر من هذِه
الأمة النضير(٢) وكله دال على أنه في الدنيا كما سلف، وأما في الآخرة
فحالهم مختلف كما مر.
فصل :
والصنف الآخر حشرهم إلى الموقف، قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ
الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ [مريم: ٨٥] أي: ركبانًا على النجب، وقيل:
على الأعمال.
وفي البيهقي من حديث عبد الرحمن بن إسحاق القرشي، عن
النعمان بن سعيد، عن علي مرفوعًا في الآية: قال: ((أما إنهم يحشرون
على أقدامهم، ولا يساقون سوقًا، ولكنهم يؤتون بنوق من نوق الجنة،
لم ينظر الخلائق إلى مثلها، رحالها الذهب، وأزَّمتها الزبرجد؛
فيقعدون عليها حَتَّى يقرعوا باب الجنة)) وكذا ذكره ابن عباس فيما
ذكره عنه أبو عمرو عثمان بن أحمد الدقاق في ((أهواله)).
فصل :
روى الطبراني في أوسط معاجمه من حديث معاذ مرفوعًا: ((يدخل
فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بأربعين عامًا، وإن صالح العبيد
(١) رواه نعيم بن حماد ٦٢٥/٢ - ٦٢٦.
(٢) رواه نعيم بن حماد ٦٢٧/٢.

٤٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
يدخلون الجنة قبل الآخرين بأربعين عامًا، وإن أهل المدائن يدخلون
الجنة قبل أهل الرساتيق بأربعين عامًا لفضل المدائن بالجمعة
والجماعات وحلق الذكر، وإذا كان بلاءً خصوا به دونهم)) (١) .
فصل :
وسمی المتقين وفدًا لأنهم یسبقون الناس إلى حیث يدعون إليه،
فهم لا ينتظرون أحدًا لكنهم يجدون ويسرعون، والملائكة تتلقاهم
بالبشارات، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَّئُهُمُ الْمَلَتَبِكَةُ هَذَا يَوْمُّكُمُ الَّذِى
كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] فيزيدهم ذَلِكَ إسراعًا، وحق للمتقين
أن يسبقوا لسبقهم في الدنيا إلى الطاعات.
فصل :
(قوله) (٢) (﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا ﴾﴾) [مريم: ٨٦] أي:
عطاشًا وقال: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَيِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: ١٠٢]، وقال: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ
يَوْمَ الْقِيَمَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًّا وَبِّكْمًا وَصُمَّا﴾ [الإسراء: ٩٧] وقال: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ
عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ شَرٌ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا ﴾ [الفرقان: ٣٤]
وهذا هو الحشر الرابع.
فصل :
وقد ورد آيات في الحشر ظاهرها التعارض، منها قوله ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ
كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلَّا سَاعَةٌ مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٤٥].
وقال: ﴿ وَتَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبِّكْمًا وَصُمَّا﴾ [الإسراء:
٩٧].
(١) ((المعجم الأوسط)) ٤/ ٢٥٠-٢٥١ (٤١١٢).
(٢) من (ص٢).