النص المفهرس

صفحات 1-20

التَّوْضُ الْمُ
لِشِرْح
الجامع الصحيح
تَصْنیف
سِرَاجِلِّينِ أَبِ حَقْصٍ عُمَرَيْنِ عَلِيِّبَنْ أَحْدِ الأَنصَارِيِّ الشَّافِيِّ
المعروف بـ ابن المُلقّن
(٧٢٣ - ٨٠٤ هـ )
المُجَلَّدُ الشَّلَاثُونَ
تحقيق
دار الفلاح
لِلِبَحْثِ العِلمِّ وَتَحَقِيْق التّراث
بإشراف
چمعُفتچى
خَالِدُ الرَّحَاظ
تَقْدِيمُ
فَضِيلَةٍ الأستاذ الدكتور
أحمد عبد عبد الكريم
أستاذ الحديث بجامعة الأزهر
إصدارات
3
إِدَارَةُ الشّؤُونِ الإِسْلامِيَّةِ-دَوّلةِقَطَرْ

التَّوْضِوَيَحُ

حُقُوق الطَّبْع مَحَفُوظَة
لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية
إدارة الشؤون الإسلامية
دولة قطر
الطبعة الأولى / ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
قامت بعمليات الإخراج الفني والطباعة
دَارُ التَّوْاار
نُورُ الدُّنْطَ الِّ
لصاحبها ومديرها العام
سوريا - دمشق - ص. ب : ٣٤٣٠٦
لبنان - بَيروت - ص. ب: ١٤/٥١٨٠
هاتف: ٢٢٢٧٠٠١ ١١ ٠.٩٦٣- فاكس: ٢٢٢٧٠١١ ١١ ٠٠٩٦٣
www.daralnawader.com

٠
فريق العمل في تحقيق واخراج
كِتَابُ التوضيح
دار الفلاح
الفَيُّوم
بإشراف
جمعَة فتحى عبدالحليم
خالد محمود الربَّاط
التّحْقيق وَالمقابلة والتّعليق
وائل إمام عبد الفتاح أحمَد فوزي إبراهيم
خالدمصطفى توفيق
حِمام كمال توفيق
عبد الله أحمَد فؤاد
عصام حمدي محمد
أحمَدْ رولي عبدالعظيم
هافى رمضانْ هاشم
رِيْعُ محمَّد عوض الله
أحمد عويسْ جنيد
محمّد زكريّا يوسف - سَامح محمّد عَبْد - سَعِيْ عَزّبْ عِيد
عادل أحمد محمود طّ مصطفى أمين عماد مصطفى أمين
محمّ عبدالفتاح عَليْ محمد أحمد عبد التَّوَابْ مصطفى عبدالحميد الصلابي
+
٠
٠
٠

£

+
ء
+
+
◌َافَ الِّقَافِ
باقي
ـمـ
3
ـسر

£

٩
ـ كِتَابُ الرِّقَاقِ
٤٤- باب يَقْبِضُ اللّهُ الأَرْضَ
رَوَاهُ نَافِعٌ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ
صلى الله
وستكم .
[انظر: ٧٤١٢]
٦٥١٩- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ،
حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَهُ، عَنِ النَّبِيِّ وََّ قَالَ: ((يَقْبِضُ اللهُ
الأَرْضَ وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا المَلِكَ أَيْنَ مُلُوكُ الأَرْضِ)).
[انظر: ٤٨١٢- مسلم: ٢٧٨٧ - فتح: ١١ / ٣٧٢].
١
٦٥٢٠ - حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ بُكَثِرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي
هِلَالٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ قَالَ النَّبِيُّ ◌َّ:
(تَكُونُ الأَرْضُ يَوْمَ القِيَامَةِ خُبْزَةً وَاحِدَةً، يَتَكَفَّؤُهَا الجَبَّارُ بِيَدِهِ كَمَا يَكْفَأُ
أَحَدُكُمْ خُبْزَتَهُ فِي السَّفَرِ ، نُزُلًا لأَهْلِ الجَنَّةِ)). فَأَتَّى رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ فَقَالَ: بَارَكَ
الرَّحْمَنُ عَلَيْكَ يَا أَبَا القَاسِمِ، أَلَا أُخْبِرْكَ بِنْزُلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَوْمَ القِيَامَةِ؟. قَالَ: (بَلَى)).
قَالَ: تَكُونُ الأَرْضُ خُبْزَةً وَاحِدَةً كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ◌َ. فَنَظَرَ النَّبِيُّ ◌َهَ إِلَيْنَا، ثُمَّ
ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ. ثُمَّ قَالَ: أَلَا أُخْبِرْكَ بِإِدَامِهِمْ؟ قَالَ: إِدَامُهُمْ بَالَامٌ وَنُونٌ.
قَالُوا: وَمَا هذا؟ قَالَ: ثَوْرٌ وَنُونٌ يَأْكُلُ مِنْ زَائِدَةِ كَبِدِهِمَا سَبْعُونَ أَلْفًا. [مسلم: ٢٧٩٢ -
فتح: ١١ / ٣٧٢].
٦٥٢١ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَزْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمِ
قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ سَغدٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌ِّه يَقُولُ: ((يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ
القِيَامَةِ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ عَفْرَاءَ كَقُرْصَةٍ نَقِيٍّ)). قَالَ سَهْلُ - أَوْ غَيْرُهُ : لَيْسَ فِيهَا
مَعْلَمُ لأَحَدٍ. [مسلم: ٢٧٩٠ - فتح: ١١ / ٣٧٢].
هذا التعليق أخرجه مسلم في ((صحيحه)) (١) بلفظ: ((يطوي الله
(١) مسلم (٢٧٨٨).

١٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده ثم يقول: أنا الملك، أين
الجبارون؟ أين المتكبرون؟)).
وفي حديث عبيد الله بن مقسم: أنه نظر إلى عبد الله بن عمر يحكي
رسول الله وَالّ قال: ((يأخذ سماواته وأرضيه بيديه، فيقول: أنا الله،
ويقبض أصابعه ويبسطها، (فيقول: أنا الملك)))(١) حَتَّى نظرت إلى
المنبر يتحرك من أسفل حَتَّى أقول: أساقط هو برسول الله وَلاء(٢). ثم
ساق البخاري حديث أبي هريرة # عن رسول الله وَ له قال: ((يقبض
الله الأرض، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك
الأرض؟)).
وحديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ﴾ قال: قَالَ النَّبِىُّ ◌َله: «تَكُونُ الأَرْضُ
يَوْمَ القِيَامَةِ خُبْزَةً وَاحِدَةً، يَتَكَفَّؤُهَا الجَبَّارُ بِيَدِهِ)) ... الحديث.
وحديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عَظُ ((يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى أَرْضِ
بَيْضَاءَ عَفْرَاءَ كَقُرْصَةٍ نَقِيٍّ)). قَالَ سَهْلٌ - أَوْ غَيْرُهُ: لَيْسَ فِيهَا مَعْلَمْ
أَحَدٍ .
الشرح :
معنى يقبض: يجمع، والخبزة: الطُلْمَةُ، وهي عجين يوضع في
الحفرة بعد إيقاد النار فيها .
قال الجوهري: والناس يسمون الخبزة: الملة، وإنما الملة: الحفرة
نفسها، والتي تمل فيها هي الطُلْمَةُ، والخبزة، والمليل (٣).
(١) من (ص٢).
(٢) مسلم (٢٧٨٨).
(٣) ((الصحاح)) ١٨٢٠/٥-١٨٢١، ١٩٧٦/٥.

١١
= كِتَابُ الرِّقَاقِ
وقوله: ( ((كما يكفأ أحدكم خبزته في السفر)) ) يريد: خبزة الملة
التي يصنعها في السفر؛ فإنها لا ترحى كالرقاقة، وإنما تقلب على
الأيدي حَتَّى تستوي، قال ابن التين: كذا فسره الخطابي(١)، وروينا
السُفر بضم السين على أنه جمع سفرة، قال الجوهري: السفرة
بالضم: طعام يتخذه المسافر، ومنه سميت السفرة (٢).
وقوله: ( ((يتكفؤها))) أي: يقلبها، ويميلها من كفأت الإناء: قلبته،
ويقال أيضًا: أكتفئت الإناء مثل كفأته، وقال الداودي: يصلحها بقوته
لا يوصف تعالى بمماسة.
وقوله: ( ((نزلَّ لأهل الجنة))): المنزل ما يعد للضيف من الطعام
والشراب، يقال: نزل، ونزل بسكون الزاي وضمها، وقد قرئ بهما،
وخط نزيل: مجتمع، وقيل النزل: الثواب، وقيل: الرزق، وقيل في
قوله تعالى: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا﴾ [الصافات: ٦٢] أنه الريع والفضل.
يقال: أقمت للقوم نزلهم أي: ما يصلح أن ينزلوا عليه من الغذاء.
وقال الأخفش في قوله تعالى: ﴿جَنَّتُ اٌلْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الكهف: ١٠٧] هو
من نزول الناس بعضهم على بعض يقال: ما وجدنا عندكم نزلًا، وقيل :
النزل ما يقام للضيف وأهل العسكر.
قال الداودي: ومعنى ذَلِكَ: إنما يأكل منها في المحشر من يصير
إلى الجنة لثوابهم يأكلون منها فيها .
وقوله: (فضحك حَتَّى بدت نواجذه). قال الأصمعي: هي
الأضراس، وقال غيره: هي المضاحك، وقال أبو العباس: هي
الأنياب؛ لأن ضحكه العَيْه كان تبسمًا، وقال ابن فارس: الناجذ:
(١) ((أعلام الحديث)) ٢٢٦٧/٣.
(٢) ((الصحاح)) ٦٨٦/٢.

١٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
السن بين الناب والضرس(١)، وقاله الداودي. وفي ((الصحاح)) وغيره:
أنه أحد الأضراس، وللإنسان أربعة نواجذ في أقصى الأسنان بعد
الأرحاء يقال: ضحك حَتَّى بدت نواجذه: إذا استغرب فيه (٢).
وقوله: (ألا أخبرك بإدامهم)، الإدام: ما يؤتدم به، يقال: أدم الخبز
باللحم يأدمه بالكسر، وقوله (إدامهم بالام ونون) قال الخطابي: كذا
رووه لنا بالباء المعجمة بواحدة. وكذا رويناه، قال: وتأملت النسخ
المسموعة من أبي عبد الله من طريق حماد بن شاكر، وإبراهيم بن
معقل والفربري، فاتفقت على نحو واحد بالام والنون، فأما النون
فالحوت، وأما بالام فشيء مبهم، وقد دل الجواب من اليهودي على
أنه اسم للثور، وهو ما لم ينتظم، ولا يصح أن يكون على التفرقة
اسمًا لشيء، فيكون اليهودي أراد أن يعمي الاسم فقطع الهجاء،
وقدم أحد الحرفين فقال: يالام، وإنما هو في حق الترتيب لازم
هجاء، لأى على وزن لغى أي: ثور، يقال للثور الوحشي: لأي،
وجمعه: آلاء، فصحف فيه الرواة، فقالوا: ياللام، وإنما هو بالام؛
فكتبوه بالهجاء المضاعف فأشكل واستبهم كما ترى، وهذا أقرب
ما يقع لي فيه، إلا أن يكون ذَلِكَ بغير لسان العرب، فإن المخبر به
يهودي، فلا يبعد أن يكون إنما عبر عنه بلسانه، ويكون ذَلِكَ في
لسانهم يلا، وأكثر العبرانية فيما يقوله -أهل المعرفة بها - مقلوب
على لسان العرب بتقديم الحروف وتأخيرها، وقد قيل: إن العبراني
هو العرباني، فقدموا الباء، وأخروا الراء (٣).
(١) ((معجم مقاييس اللغة)) ص ٩٧٦.
(٢) ((الصحاح)) ٢/ ٥٧١.
(٣) انتهى من ((أعلام الحديث)) ٢٢٦٦/٣ - ٢٢٦٧.

١٣
= كِتَابُ الرِّقَاقِ
وقوله: (يأكل من زائدة كبدها سبعون ألفًا). زائدة الكبد: هي
القطعة الصغيرة كالإصبع التي تكون في طرف الكبد.
قال الداودي: يعني أن ذَلِكَ أول ما يأكل أهل الجنة، يلعب الثور
والحوت بين أيديهم، فيذكي الثور الحوت بقرنه، فيأكلون منه، ثم يعيده
الله تعالى فيلتقيان قد ذكى الحوت الثور بذنبه؛ فيأكلون منه، ثم كذلك
ما شاء الله، وفيه ترشيح لحديث: ((سيد إدام الدنيا، والآخرة اللحم))
وقال كعب فيما ذكره ابن المبارك: إن الله يقول لأهل الجنة إذا
دخولها: إن لكل ضيف جزورًا وإني أجزرتكم اليوم حوتًا، وثورًا
فيجزر لأهل الجنة(١).
فصل :
وقوله: ( ((عفراء كقرصة نقيٍّ)) ) قال الداودي: عفراء يعني: شدة
البياض، وكذا قال ابن فارس: شاة عفراء، أي خالصة البياض (٢).
وقال الخطابي: العفرة: البياض ليس بالناصع(٣). وقال الجوهري
نحوه، قال: وشاة عفراء يعلو بياضها حمرة (٤)، والقرصة والقرص:
من الخبز. والنقي: الحواري، يعني: من القش والنخالة.
وقوله: ( ((ليس فيها معلم لأحد)) ). يريد أن الأرض مستوية ليس
فيها ما يستر البصر. وقال الداودي: أي لا يحوز أحد منها شيئًا
يكون له دون غيره، إنما لكل واحد منهم ما أدرك.
(١) ((الزهد)) (٤٣٢).
(٢) ((مجمل اللغة)) ٦١٦/٣.
(٣) ((أعلام الحديث)) ٢٢٦٨/٣.
(٤) ((الصحاح)) ٢/ ٧٥٢.

١٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقال الجوهري: المعلم: الأثر الذي يستدل به على الطريق، أي:
كلها سواء(١).
(١)
فصل :
أحاديث الباب دالة على أن الرب جل جلاله يفني جميع خلقه
أجمع، كما سلف في حديث أبي هريرة وغيره، وقيل: إن المنادي
ينادي بعد حشر الخلق على أرض بيضاء مثل الفضة، لم يعص الله
عليها: لمن الملك اليوم؟ فيجيبه العباد: لله الواحد القهار. رواه
أبو وائل، عن ابن مسعود ۵﴾.
قال القرطبي: وليس هو مما يؤخذ بالقياس ولا بالتأويل، والقول
الأول أظهر؛ لأن المقصود إظهار أنفراده تعالى بالملك عند أنقطاع
دعاوى المدعين، وانتساب المنتسبين، إذ قد ذهب كل ملك وملكه،
وكل جبار ومتكبر، وانقطعت نسبتهم ودعاويهم، وهذا ظاهر، وهو
قول الحسن، ومحمد بن كعب، وهو معنى قوله: ((أنا الملك أين
ملوك الأرض)) وعند قوله: لمن الملك اليوم هو أنقطاع زمن الدنيا،
وبعده يكون البعث والنشور والحشر (٢).
فصل :
فإن قلت: فما تأويل اليد عندكم، وحقيقتها في الجارحة المعلومة
عندنا، وتلك التي يكون القبض والطي بها؟ فالجواب: أن لفظ الشمال
أشد إشكالًا، وذلك في الإطلاق على الله محال، ثم اعلم أن لليد في كلام
العرب معان خمسة: القوة، ومنه: ﴿ذَا الْأَيْدِ﴾ [ص: ١٧]، والملك، ومنه:
(١) ((الصحاح)) ١٩٩١/٥.
(٢) ((التذكرة)) ص١٩٤ -١٩٥.

١٥
- كِتَابُ الرِّقَاقِ
﴿قُلْ إِنَّ اُلْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٣]، والنعمة، تقول: كم يد لك عند
فلان. أي: كم من نعمة أسديتها إليه. والصلة، ومنه: ﴿مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآً
أَنْعَكمًا﴾ [يس: ٧١] أي: مما عملنا نحن، وقال تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُواْ الَّذِى
بِيَدِهِ، عُقْدَةُ النِّكَاحْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] أي: له النكاح. والجارحة، ومنه:
﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْنًا﴾ [ص: ٤٤]. قلت: ولليد معان أخر: الذل، ومنه:
﴿حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ﴾ [التوبة: ٢٩] قال الهروي: أي عن ذل واعتراف
أن دين الله عال على دينهم، وقوله: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]
قيل: في الوفاء، وقيل: في الثواب. وفي الحديث: ((هذِه يدي لك))
أي استسلمت وانقدت لك. وقد يقال ذَلِكَ للغائب. واليد: الاستسلام.
قال الشاعر:
أطاع يدًا بالقول فهو ذلول.
أي: أنقاد واستسلم. واليد: القدرة، ومنه الآية السالفة،
والسلطان، والسخاء، والحفظ والوقاية، ومنه الحديث: ((يد الله على
الفسطاط))(١)، والطاعة، والطاقة، والجماعة، والأكل، والندم. وفي
الحديث: أخذتهم يد البحر. يريد: طرف الساحل، ويقال للقوم إذا
تفرقوا وتمزقوا في الآفاق: صاروا أيدي سبا. وفي ((المحكم)): يد
القوس: أعلاها. وقال أبو حنيفة: السَّيَة اليمنى، يرويه عن أبي
(زياد)(٢) الكلابي، ويد السيف: مقبضه، ويد الرحى: العود الذي
يقبض عليه الطاحن(٣)، ويد الطائر: جناحه، وقالوا: لا آتيه يد
الدهر، أي: الدهر، هذا قول أبي عبيد. وقال ابن الأعرابي: معناه:
(١) أنظر: ((كشف الخفاء)) (٨٩٩).
(٢) في الأصل: (زيد).
(٣) ((المحكم)) ٧٦/١٠.

١٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
لا آتيه الدهر كله، ولقيته أول ذات يدي، أي: أول شيء. وحكى
اللحياني: أول ذات يدي، فإني أحمد الله، وفي ((المغيث)): وفي
الحديث: ((اجعل الفساق يدًا يدًا، ورجلًا رجلًا)) أي: فرق بينهما في
الهجرة(١). واتبعت (الغنم)(٢) باليدين، أي: بيمينين مختلفين، بعضها
بيمين، وبعضها بيمين آخر، ويد الثوب: ما فضل منه إذا تغطيت به
والتحفت.
وعند القزاز: وأعطاه عن ظهر يد، أي ابتداءً لا عن بيع، ولا عن
مكافأة، ويد الشيء: أمامه، ويقال لمن أتى شيئًا: قد ألقى يده في كذا،
وهُذا عيش يدٍ، أي: واسع.
وفي ((المغرب)): بايعته يدًا بيدٍ، أي: بالنقد. فهُذِه معان شتى لها،
واليد هنا: القدرة وإحاطته بجميع مخلوقاته، يقال: ما في قبضة الله،
یریدون: في ملکه وقدرته.
فصل :
قد سلف معنى القبض أنه الجمع، وكذا الطي، وقد يكون معناها :
إفناء الشيء وإذهابه بقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ﴾ [الزمر: ٦٧]
يحتمل أن يكون المراد به: والأرض جميعًا ذاهبة فانية يوم القيامة،
وقوله: ﴿وَالسَّمَوَتُ مَطْوِيَتُ بَِمِينِهِ،﴾ [الزمر: ٦٧] ليس يريد به طيًّا
بعلاج وانتصاب، وإنما المراد بذلك الذهاب والفناء. يقال: قد
أنطوى عنا ما كنا فيه، وجاءنا غيره، وانطوى عنا الدهر بمعنى الفناء
والذهاب.
(١) ((المجموع المغيث)) ٥٢٧/٣.
(٢) من (ص٢).

١٧
كِتَابُ الرِّقَاقِ
=
فإن قلت: فقد جاء في الحديث: ((يقبض أصابعه ويبسطها))(١).
وهذِه صفة الجارحة.
فالجواب :
أن هذا مذهب المجسمة من اليهود والحشوية، تعالى الله عن ذَلِكَ،
وإنما المعنى حكاية الصحابي عن رسول الله وَليقول: يقبض أصابعه
ويبسطها. وليس اليد في الصفات بمعنى الجارحة حَتَّى يتوهم بثبوتها
ثبوت الأصابع، فدل على أنه التّئ هو الذي يقبض أصابعه ويبسطها .
وذكر الأصابع لم يوجد في شيء من الكتاب والسنة المقطوع بصحتها .
فإن قلت: قد ورد ذكر الإصبع في غير ما حديث كحديث
الصحيحين، أنه التليف أتاه رجل من أهل الكتاب فقال: يا أبا القاسم،
أَبَلَغَكَ أن الله تعالى يحمل السماوات على إصبع، والأرضين على
إصبع، والشجر على إصبع، والثرى على إصبع، والخلائق على
إصبع؟ فضحك رسول الله وَّهِ حَتَّى بدت نواجذه فنزل: ﴿وَمَا قَدَرُواْ
اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٦٧](٢).
وحديث الصحيحين من طريق عبد الله بن عمرو أنه سمع رسول الله
وَّ يقول: ((إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب
واحد، يصرفها حيث يشاء)) ثم قال القفيها: ((اللهم مصرف القلوب صرف
قلوبنا على طاعتك))(٣) ومثله كثير.
فالجواب:
أما إطلاق الجارحة هنا، فمحال تقدس الله عن ذَلِكَ، وهو هنا
(١) رواه ابن حبان ٣١٦/١٦ (٧٣٢٤).
(٢) سلف برقم (٤٨١١)، ورواه مسلم (٢٧٨٥).
(٣) قلت: بل هو من أفراد مسلم، رواه برقم (٢٦٥٤)!

١٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
بمعنى القدرة على الشيء ويسر تقليبه، وهو كثير في كلامهم (١).
(١) هذا الكلام مخالف لمذهب السلف -كما سبق بيان ذلك- حيث إن مذهبهم
الإيمان بصفات الله، من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تأويل؛ ولكن
يمرونها كما جاءت، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: فهل يجوز أن يملأ الكتاب
والسنة من ذكر اليد، وأن الله تعالى خلق بيده، وأن يداه مبسوطتان، وأن الملك
بيده، وفي الحديث ما لا يحصى، ثم إن رسول الله وَّةٍ وأولي الأمر لا يبينون
للناس أن هذا الكلام لا يراد به حقيقته ولا ظاهره، حتى ينشأ جهم بن صفوان بعد
انقراض عصر الصحابة فيبين للناس ما نزل إليهم على نبيهم، ويتبعه عليه بشر بن
غياث، ومن سلك سبيلهم، وكيف يجوز أن يعلمنا نبينا وَّل كل شيء، ثم يترك
الكتاب المنزل عليه، وسنته الغراء مملوءة مما يزعم الخصم أن ظاهره تشبيه
وتجسيم، وإن اعتقاد ظاهره ضلال، وهو لا يبين ذلك، ولا يوضحه.
وقال في موضع آخر: وقد تواتر مجيء اليد في حديث النبي ◌ّر، فالمفهوم من هذا
الكلام أن لله تعالى يدين مختصتين به ذاتيتين له كما يليق بجلاله، وأنه سبحانه خلق
آدم بيديه دون الملائكة وإبليس. ((مجموع الفتاوى)» ٣٦٣/٦.
وقال -رحمه الله -: فقوله ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ﴾ لا يجوز أن يراد به القدرة؛ لأن
القدرة صفة واحدة، ولا يجوز أن يعبر بالاثنين عن الواحد.
ولا يجوز أن يراد به النعمة؛ لأن نعم الله لا تحصى، فلا يجوز أن يعبر عن النعم
التي لا تحصى بصيغة التثنية، ولا يجوز أن يكون لما خلقت أنا؛ لا أنهم إذا أرادوا
ذلك أضافوا الفعل إلى اليد، فتكون إضافته إلى اليد إضافة له إلى الفعل.
أما إذا أضاف الفعل إلى الفاعل، وعدى الفعل إلى اليد بحرف الباء، كقوله: ﴿لِمَا
خَلَقْتُ بِيَدَىٌّ﴾ فإنه نص في أنه فعل الفعل بيديه، ولهذا لا يجوز لمن تكلم أو مشى
أن يقال: فعلت هذا بيديك، ويقال: هذا فعلته يداك؛ لأن مجرد قوله: فعلت
كافٍ في الإضافة إلى الفاعل، فلو لم يرد أنه فعله باليد حقيقة كان ذلك زيادة
محضة من غير فائدة، لا تجد في كلام العرب ولا العجم فصيحًا يقول: فعلت هذا
بيدي، أو فلان فعل هذا بيديه، إلا ويكون فعله بيديه حقيقة، ولا يجوز أن يكون
لا يد له، أو أن يكون له يد والفعل وقع بغيرها، وبهذا الفرق المحقق تتبين مواضع
المجاز ومواضع الحقيقة، ويتبين أن الآيات لا تقبل المجاز البتة من جهة نفس
اللغة. ((مجموع الفتاوى)) ٣٦٥/٦-٣٦٦.

١٩
= ڪِتَابُ الرِّقَاقِ
فلما كانت السماوات والأرض أعظم الموجودات قدرًا، وأكثرها
خلقًا، كان إمساكها بالنسبة إلى الله كالشيء الحقير الذي نجعله نحن
بين أصابعنا، ونتصرف فيه كيف شئنا، فتكون الإشارة بقوله: ((ثم
يقبض أصابعه، ويبسطها، ثم يهزهن)) كما في بعض ألفاظ مسلم(١).
أي: هُذِه في قدرته كالحبة (مثلًا)(٢) في كف أحدنا التي لا يبالي
بإمساكها، ولا بهزها، ولا بحركتها، والقبض والبسط عليها، ولا يجد
في ذَلِكَ صعوبة ولا مشقة، وقد تكون الإصبع في كلام العرب بمعنى:
النعمة، وهو المراد بقوله: ((إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع
الرحمن)) أي: بين نعمتين من نعمه، يقال: لفلان عليَّ إصبع. أي:
أثر حسن إذا أنعم عليه نعمة حسنة، وللراعي على ماشيته إصبع: أي
أثر حسن، وفيه عدة أشعار.
فصل :
فإن قلت: كيف يجوز إطلاق الشمال على الله تعالى وذلك يقضي
بالنقص؟
فالجواب :
أنه مما تفرد به عمر بن حمزة عن سالم(٣).
وقد روى هذا الحديث نافع وابن مقسم عن ابن عمر فلم يذكر فيه
الشمال (٤).
(١) مسلم (٢٧٨٦).
(٢) من (ص٢).
(٣) رواه مسلم (٢٤/٢٧٨٨).
(٤) سيأتي برقم (٧٤١٢) من طريق نافع.
ورواه مسلم (٢٥/٢٧٨٨-٢٦) من طريق عبيد الله بن مقسم.

٢٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
ورواه أيضًا أبو هريرة وغيره عن رسول الله وَ خلال، ولم يذكر واحد
منهم الشمال.
وقال البيهقي: روي ذكر الشمال في حديث آخر في غير هذه القصة،
إلا أنه ضعيف بمرة، وكيف يصح ذلك مع ما صح عنه أنه سمی كلتا يديه
يمينًا (١)، وكأن من قال ذَلِكَ أرسله من لفظه على ما وقع له إذ عادة
العرب ذكرها في مقابلة اليمين(٢).
قال الخطابي: ليس فيما يضاف إلى الله تعالى من صفة اليد شمال؛
لأن الشمال محل النقص والضعف، وليس معنى اليد عندنا الجارحة،
وإنما هي صفة جاء بها التوقيف، فنحن نطلقها على ما جاءت،
وننتهي إلى حيث أنتهى بها الكتاب والسنة المأثورة الصحيحة، وهو
مذهب أهل السنة والجماعة، وقد تكون اليمين في كلام العرب بمعنى
القدرة والملك، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ [النساء: ٣]
يريد: الملك، وقال ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِلْيَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] أي: بالقوة
والقدرة، أي: أخذنا قوته وقدرته، كذا ذكره الفراء(٣)، وأنشد فيه
للشماخ وغيره، وقد تكون في كلامهم بمعنى التبجيل والتعظيم، تقول:
فلان عندنا باليمين. أي: بالمحل الجليل، وأنشد عليه.
وأما قوله: ((كلتا يديه يمين)) فإنه أراد بذلك التمام والكمال.
فصل :
إن قلت: أين يكون الناس عند طي الأرض؟ قلت: يكونون على
(١) رواه مسلم (١٨٢٧) من حديث عبد الله بن عمرو.
(٢) انتهى كلام البيهقي من كتابه ((الأسماء والصفات)) ١٣٩/٢ -١٤٠.
(٣) ((معاني القرآن)) ١٨٣/٣.