النص المفهرس

صفحات 541-560

٥٤١
= كِتَابُ الرِّقَاقِ
وفي الصغائر عليهم فيها خلف(١).
(قال القاضي عياض: وعامة السلف وأهل العلم من الفقهاء
والمحدثين على ما ذهب إليه أبو بكر القاضي؛ للأحاديث الدالة على
المؤاخذة بأعمال القلوب، لكنهم قالوا: إن هذا العزم يكتب بسيئة،
وليست السيئة التي هم بها لكونه لم يعملها وقطعه عنها قاطع غير
خوف الله والأمانة، لكن نفس الإصرار والعزم معصية، فتكتب
معصية، فإذا عملها كتبت معصية ثانية، فإن تركها خشية الله كتبت
كما في الحديث: ((إنما تركها من جراي)) (٢) فصار تركه لها لخوف الله
ومجاهدته نفسه الأمارة بالسوء في ذلك وعصيانه هواه حسنة،
فأما الهم الذي لا يكتب فهي الخواطر التي لا توطن النفس عليها،
ولا يصحبها عقد ولا نية، وذكر بعض المتكلمين خلافًا فيما إذا تركها
لخوف الله، بل لخوف الناس، هل تكتب حسنة؟ قال: (لا)(٣) لأن
ما حمله على تركها الحياء، وهذا ضعيف لا وجه له (٤).
قال النووي: هذا كلام القاضي، وهو حسن لا مزيد عليه. وقد
تظاهرت نصوص الشرع بالمؤاخذة بعزم القلب المستقر، من ذلك
قوله تعالى: ﴿إِثَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَحِشَةُ﴾ [النور: ١٩] وقوله
تعالى: ﴿إِنَّ بَعْضَ اُلَّنِّ إِثْرٌ﴾ [الحجرات: ١٢] وقد تظاهرت نصوص
الشرع وإجماع العلماء على تحريم الحسد واحتقار المسلمين وإرادة
(١) ((المعلم بفوائد مسلم)) ٧٩/١-٨٠.
(٢) مسلم (١٢٩)، كتاب الإيمان، باب إذا هم العبد بحسنة كتبت وإذا هم بسيئة لم
تکتب.
(٣) ساقطة من الأصل، والمثبت من (ص٢).
(٤) ((إكمال المعلم)) ١/ ٤٢٥-٤٢٦.

٥٤٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المكروه وغير ذلك من أعمال القلوب(١).
وقال الشيخ عز الدين في ((أماليه)): الآية وهي: ﴿مَنْ جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ
عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] مخصوصة بعزائم الأعمال، فإن عملها
كتبت له عشر حسنات لا أحد عشر لأنا نأخذها بقيد كونها مهمومًا بها،
وكذلك إذا عمل السيئة، فإنه قال: كتبت له سيئة، أي: تكتب له على
السيئة المهموم بها سيئة، ولا تكتب عليه واحدة للهم وواحدة للعمل)(٢).
فصل :
وفي هذا الحديث تصحيح مقالة من قال: إن الحفظة يكتبون ما يهم
به العبد من حسنة أو سيئة، وتعلم أعتقاده كذلك، ورد مقالة من زعم أن
الحفظة إنما تكتب ما ظهر من عمل العبد وسمع.
واحتجوا بما روى ابن وهب، عن معاوية بن صالح، عن كثير بن
الحارث، عن القاسم مولى معاوية، عن عائشة قالت: لأن أذكر الله
في نفسي أحب إلي من أن أذكره بلساني سبعين مرة؛ وذلك لأن ملكًا
لا يكتبها وبشرًا لا يسمعها، ذلك وقد جاء أن نية المؤمن خير من
عمله، أي: لأنها مخفية عن الملك والبشر.
والصواب في ذلك كما قال الطبري: ما صح به الحديث عنه عليه
أفضل الصلاة والسلام أنه قال: ((من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له
حسنة)). والهم بالحسنة إنما هو فعل العبد بقلبه دون سائر الجوارح
كذكر الله بقلبه، فالمعنى الذي يصل به الملكان الموكلان بالعبد إلى
علم ما يهم به بقلبه، هو المعنى الذي به يصل إلى علم ذكر ربه بقلبه.
(١) ((صحيح مسلم بشرح النووي)) ١٥١/٢ -١٥٢.
(٢) من (ص٢).

٥٤٣
= كِتَابُ الرِّقَاقِ
ويجوز أن يكون جعل الله لهما إلى علم ذلك سبيلا، كما يجعل
لكثير من أنبيائه السبيل إلى كثير من علم الغيب، وقد أخبر الله تعالى
عن عيسىُ وَّ أنه قال لبني إسرائيل ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي
يُوتِكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩]، وقد أخبر نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام
بكثير من علم الغيب، قالوا: فغير مستنكر أن يكون الكاتبان الموكلان
بابن آدم قد جعل لهما سبيل إلى علم ما في قلوب بني آدم من خير
أو شر فيكتبانه إذا حدث به نفسه أو عزم عليه، وقد قيل: إن ذلك
بريح يظهر لهما من القلب.
سئل أبو معمر عن الرجل يذكر الله بقلبه كيف يكتب الملك، قال:
يجد الريح، وسيأتي في كتاب الاعتصام(١) في باب قوله تعالى:
قے
﴿وَيُعَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَةٌ﴾ [آل عمران: ٢٨] اختلاف السلف في أي الذكرين
أعظم (ثوابًا)(٢)، ذكر القلب أو اللسان، قال جماعة بالثاني، روي
ذلك عن أبي عبيدة وعبد الله بن مسعود، والصواب في ذلك -كما قال
أبو جعفر - الأول، (لمن)(٣) لم يكن إمامًا يقتدى به لاسيما إن كان في
محفل أجتمع أهله لغير ذكر الله أو في سوق، وذلك أنه أسلم له من
الرياء، وقد روينا في حديث سعد ابن أبي وقاص صه مرفوعًا: ((خير
الرزق ما يكفي، وخير الذكر الخفي)) (٤).
(١) ورد في هامش الأصل: إنما هذا الباب في كتاب التوحيد، وقد وقع له مثل ذلك
مرارا، والله أعلم.
(٢) في الأصل: (تقربا).
(٣) في الأصول: (فمن)، ولعل الصواب ما أثبتناه.
(٤) رواه أحمد ١٧٢/١ وابن حبان ٩١/٣، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) ١/ ٤٠٧.
وضعفه الألباني في ((ضعيف الجامع)) (٢٨٨٧).

٥٤٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وأخرجه العسكري في كتاب ((السرائر)) (١) من حديث زيد بن خالد
بلفظ: ((خير الذكر ما خفي، وخير الرزق ما كفى)) فإن كان خليا فالذكر
باللسان والقلب أفضل؛ لأن شغل جارحتين بما يرضي الله أفضل من
شغل جارحة واحدة، وكذا ثلاث جوارح أفضل من جارحتين،
وكلما زاد فهو أفضل عند الله.
وروى ابن أبي الدنيا من حديث جابر: خرج علينا رسول الله
وَسَم
صَلىالله
فقال: ((اغدوا وروحوا في ذكر الله، واذكروه في أنفسكم)) ومن حديث
عائشة رضي الله عنها مرفوعًا: ((أفضل)) أو قال: ((تضاعف الذكر
الخفي الذي لا تسمعه الحفظة على الذي تسمعه بسبعين ضعفًا))(٢)
وحديث أبي موسى السالف: ((اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون
أصم ولا غائبًا))(٣).
وروى العسكري في الكتاب السالف من طريق أبي داود الطيالسي
من حديث أبي هريرة : أن رجلًا قال: يا رسول الله إني أعمل العمل
أسره، فإذا أطلع عليه سرني، فقال: ((لك أجران: أجر السر وأجر
العلانية))(٤)، وعن خُصيف أنه قال: إذا عمل رجل عملًا وحدث به
قيل: أكتبوه علانية، وإن حدث به هو قيل: أكتبوه مرائيا .
(١) في هامش الأصل: رويناه عاليًا.
(٢) رواه أبو يعلى ١٨٢/٨. وضعفه الحافظ العراقي في ((تخريج أحاديث الإحياء))
(٣٣٩٤).
(٣) سلف برقم (٢٩٩٢)، كتاب: الجهاد والسير، باب: ما يكره من رفع الصوت في
التكبير.
(٤) رواه الترمذي (٢٣٨٤)، وابن ماجه (٤٢٢٦) من طريق أبي داود الطيالسي.
وضعفه الألباني في ((ضعيف ابن ماجه)) (٩٢٧).

٥٤٥
كِتَابُ الرِّقَاقِ
=
فصل :
لما ذكر ابن التين حديث الباب قال: تأول العلماء هذا على أنه ترك
عمل السيئة على القدرة عليها، ويزاد في ذلك حسنة من الله، وقد بينه في
مسلم، فقال: ((فإن تركها فأنا أكتبها له حسنة، إذا تركها من
جرائي(١)))(٢).
وفي حديث آخر: ((من هم بالسيئة فلم يعملها لم تكتب))(٣). قال:
وكثير من الفقهاء والمحدثين على ظاهر هُذِه الأخبار؛ فإن هذا تفضل من
الله، وأن من هم بسيئة لا إثم عليه، إن لم يعملها، وتكتب له حسنة إذا
تركها من خشية الله، ومعنى ما في كتاب مسلم: لم تكتب إذا لم يتركها
من خشية الله.
فصل :
قوله: فيما يرويه عن ربه، يقتضي أنه من الأحاديث الإلهية المنسوبة
إلى كلام الله رَّك نحو: ((أنا عند ظن عبدي بي))(٤) وليس المراد ذلك،
إنما المراد فيما يحكيه عن فضل ربه أوحكم ربه أو نحو ذلك.
(١) ورد في هامش الأصل: وفي البخاري: ((من أجلي)) وهو يعني: من جراي التي في
مسلم.
(٢) مسلم (١٢٩) كتاب: الإيمان، باب: إذا هم العبد بحسنة كتبت، وإذا هم بسيئة لم
تکتب.
(٣) مسلم (١٣٠)، كتاب: الإيمان، باب: إذا هم العبد بحسنة، كتبت، وإذا هم
بسیئة، لم تكتب.
(٤) سيأتي برقم (٧٤٠٥) كتاب: التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿وَيُعَذِّرُكُمُ اللَّهُ
نَفْسٌ﴾، ورواه مسلم (٢٦٧٥)، كتاب: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار،
باب: الحث على ذكر الله تعالى.

٥٤٦
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
ومعنى (((كتب)) ) أمر الحفظة بكتابتها، أو كتبها في علم على وفق
الواقع فيها .
وقوله: ( ((ثم بين ذلك))) أي: فصله، يعني: النبي ◌َّ، فضَّل
بقوله: ((من هم بحسنة .. )) إلى آخره ما أجمله بقوله: ((إن الله كتب
الحسنات والسيئات)))(١).
(١) من (ص٢).

٥٤٧
كِتَابُ الرِّقَاقِ
٣٢- باب مَا يُتَّقَى مِنْ مُحَقَّرَاتِ الذّنُوبِ
٦٤٩٢- حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ، عَنْ غَيْلَانَ، عَنْ أَنَسِ عَهُ، قَالَ: إِنَّكُمْ
لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالًا هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعَرِ، إِنْ كُنَّا نَعُدُّ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ
صلىالله
وستَّاه
المُوبِقَاتِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: يَغْنِي بِذَلِكَ الْمُهْلِكَاتِ. [فتح ١١ / ٣٢٩].
ذَكَرَ فِيهِ حَدِيث أَنَسِ عَظُه، قَالَ: إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالًا هِيَ أَدَقُّ فِي
أَعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعَرِ، إِنْ كُنَّا نعدها عَلَى عَهْدِ رسول الله ◌َّةِ المُوبِقَاتِ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: يَعْنِي: المُهْلِكَاتِ.
إنما كانوا يعدون الصغائر من الموبقات؛ لشدة خشيتهم لله، وإنه لم
يكن لهم كبائر، ألا ترى أن إبراهيم العَّ إذا سئل الشفاعة يوم القيامة
يذكر ذنبه بتلك الكلمات الثلاث: في زوجته، وإني سقيم، وفعله
كبيرهم. فرأى ذلك من الذنوب، وإن كان لقوله وجه صحيح فلم يقنع
من نفسه إلا بظاهر يطابق الباطن، وهذا غاية الخوف، والمحقرات
إذا كثرت صارت كبائر؛ للإصرار عليها والتمادي فيها، وقد روى
ابن وهب، عن عمرو بن حريث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم
أبي عمران أنه سمع أبا أيوب يقول: إن الرجل ليعمل الحسنة
(فيثق) (١) بها، ويعمل المحقرات فيلقى الله يوم القيامة، وقد أحاطت
به خطيئته، وإن الرجل ليعمل السيئة فما يزال منها مشفقًا حذرًا حتى
يلقى الله يوم القيامة آمنًا .
وذكر أسد بن موسى، عن ابن مسعود قال: إياكم ومحقرات
الذنوب، فإنها تجمع حتى تهلك صاحبها، وإن رسول الله وَله قد
ضرب لنا مثلًا كمثل ركب نزلوا بأرض فلاة، فلم يجدوا فيها حطبًا؛
(١) في الأصول: (فيتقي)، ولعل المثبت هو الصحيح كما في ((الفتح)) ٣٣٠/١١.

٥٤٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
فانطلق كل واحد منهم فجاء بعود حتى اجتمعت أعواد؛ فأوقدوا نارًا
أنضجت ما جعل فيها(١). ورواه سهل بن سعد، عن رسول الله وَل﴾(٢).
وقال أبو عبد الرحمن الحُبلي: مثل الذي يجتنب الكبائر ويقع في
المحقرات كرجل لقاه سبع فاتقاه حتى نجا منه، ثم لقيه فحل إبل
فاتقاه فنجا منه، فلدغته نملة فأوجعته، ثم أخرى ثم أخرى حتى
اجتمعن عليه فصرعنه؛ فكذلك الذي يجتنب الكبائر ويقع في
المحقرات.
وقال الصديق : إن الله يغفر الكبير فلا تيأسوا، ويعذب على
الصغير فلا تغتروا.
(١) رواه أحمد ٤٠٢/١. وحسنه الألباني في ((صحيح الجامع)) (٢٦٨٧).
(٢) رواه أحمد ٣٣١/٥. وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (٢٦٨٦).

٥٤٩
كِتَابُ الرِّقَاقِ
٣٣- باب الأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ وَمَا يُخَافُ مِنْهَا
٦٤٩٣- حَدَّثَنَا عَليَّ بْنُ عَيَّاشِ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ
سَهْلٍ بْنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ قَالَ: نَظَرَ النَّبِيُّ ◌َّهِ إِلَى رَجُلٍ يُقَاتِلُ - المُشْرِكِينَ وَكَانَ مِنْ
أَعْظَمِ المُسْلِمِينَ غَنَاءَ عَنْهُمْ - فَقَالَ: ((مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ
فَلْيَنْظُرْ إِلَى هذا)». فَتَبِعَهُ رَجُلٌ فَلَمْ يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى جُرِحَ، فَاسْتَغْجَلَ الَمْتَ،
فَقَالَ بِذُبَابَةِ سَيْفِهِ فَوَضَعَهُ بَيْنَ ثَدْيَئِهِ، فَتَحَامَلَ عَلَيْهِ حَتَّى خَرَجَ مِنْ بَيْنِ كَتِفَيْهِ، فَقَالَ
النَّبِيُّ ◌َةَ: ((إِنَّ العَبْدَ لَيَعْمَلُ- فِيمَا يَرى النَّاسُ - عَمَلَ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَإِنَّهُ لَمِنْ
أَهْلِ النَّارِ، وَيَعْمَلُ - فِيمَا يَرى النَّاسُ - عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ وَهْوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ،
وَإِنَّمَا الأَعْمَالُ بِخَوَاتِيمِهَا)). [انظر: ٢٨٩٨ - مسلم: ١١٢ - فتح: ١١ /٣٣٠].
ذَكَرَ فيهِ حَدِيث سَهْلِ بْنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ ◌ُهِ قَالَ: نَظَرَ النَّبِيُّ ◌َه إِلَى
رَجُلِ يُقَاتِلُ المُشْرِكِينَ - وَكَانَ مِنْ أَعْظَم المُسْلِمِينَ غَنَاءً عَنْهُمْ - فَقَالَ: ((مَنْ
أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هذا». فَتَبِعَهُ رَجُلٌ
الحديث وفي آخره، ((وَإِنَّمَا الأَعْمَالُ بالخواتيم)).
(الشرح :
هذا الحديث سلف في الجهاد والمغازي(١)، ويأتي في القدر،
وترجم عليه: العمل بالخواتيم (٢).
وأخرجه مسلم في الإيمان(٣)، والقدر) (٤)(٥)
(١) سلف برقم (٢٨٩٨)، باب: لا يقول: فلان شهيد.
(٢) سيأتي برقم (٦٦٠٧) باب: العمل بالخواتيم.
(٣) برقم (١١٢)، باب: غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه.
(٤) برقم (٢٦٥١)، باب: كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه.
(٥) من (ص١).

التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
والغناء -ممدود- الكفاية من قولهم: أغنيت (كغنى)(١) فلان أي:
أجزاه عنك مجزاة، ومنه قوله تعالى: ﴿مَّ أَغْنَى عَنّ مَالِيَّةٌ
٢٨
[الحاقة: ٢٨].
وقوله: (فوضعه بين ثدييه). قال ابن فارس: ثندؤة الرجل كثدي
المرأة، وهو مهموز إذا ضم(٢).
ويقال: خاتم بفتح التاء وكسرها، وخاتام، وخيتام، و(ختام)(٣)،
وختم فهو ست لغات بمعنى، والجمع: الخواتيم.
وفي تغييب الله عن عباده خواتم أعمالهم، حكمة بالغة، وتدبير
لطيف، وذلك أنه لو علم أحد خاتمة عمله، لدخل الإعجاب والكسل
من علم أنه يختم له بالإيمان، ومن علم أنه يختم له بالكفر يزداد غيًّا
وطغيانًا وكفرًا؛ فاستأثر الله بعلم ذلك؛ ليكون العباد بين خوف
ورجاء، فلا يعجب المطيع لله بعمله، ولا ييأس العاصي من رحمته؛
ليقع الكل تحت الذل والخضوع لله تعالى والافتقار إليه.
وقال حفص بن حميد: قلت لابن المبارك: أرأيت رجلًا قتل رجلًا
فوقع في نفسي أني أفضل منه؛ فقال عبد الله: أمنك على نفسك أشد من
ذنبه، أي: أمنك على نفسك أنك من الناجين عند الله من عذابه أشد من
ذنب القاتل؛ لأنه لا يدري ما يؤول إليه أمره وعلى ما يموت، ولا يعلم
أيضًا حال القاتل إلى ما يصير إليه، لعله يتوب فيموت تائبًا فيصير إلى
عفو الله، وتصير أنت إلى عذابه لتغير حالك من الإيمان بالله إلى
الشرك به، فالمؤمن في حال إيمانه وإن كان عالمًا بأنه محسن فيه غير
(١) في الأصل: (بغنى).
(٢) ((مجمل اللغة)) ١/ ١٥٧.
(٣) في الأصل: (ختم).

٥٥١
- كِتَابُ الرِّقَاقِ
عالم على ما هو ميت عليه وإلى ما هو صائر إليه، فغير جائز أن يقضي
لنفسه وإن كان محسنًا بالحسنى عند الله ولغيره، وإن كان مسيئًا بالسوء،
وعلى ذلك مضى خيار السلف.
:

٥٥٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٣٤- باب العُزْلَةُ رَاحَةً مِنْ خُلّاطِ السُّوءِ
٦٤٩٤ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ
يَزِيدَ، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ حَدَّثَهُ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ: حَدَّثَنَا
الأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيّ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ قَالَ: جَاءَ
أَغْرَائِيُّ إِلَى النَّبِيِّ ◌ََّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «رَجُلٌّ جَاهَدَ بِنَفْسِهِ
وَمَالِهِ، وَرَجُلٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَعْبُدُ رَبَّهُ وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ)).
تَابَعَهُ الزُّبَيْدِيُّ وَسُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ وَالنُّعْمَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَقَالَ مَعْمَرٌ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ - عَطَاءِ أَوْ عُبَيْدِ اللهِ- عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ. وَقَالَ يُونُسُ وَابْنُ
مُسَافِرٍ وَيَخْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َِّ،
عَنِ النَّبِيِّ ◌َهِ. [انظر: ٢٧٨٦ - مسلم: ١٨٨٨ - فتح: ١١ /٣٣٠].
٦٤٩٥ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم، حَدَّثَنَا الَاحِشُونُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِ صَعْصَعَةَ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َّهَ يَقُولُ: ((يَأْتِي عَلَى النَّاسِ
زَمَانٌ خَيْرُ مَالِ الرَّجُلِ المُسْلِمِ الغَنَمُ، يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الجِبَالِ وَمَوَاقِعَ القَطْرِ،
يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الفِتَنِ)). [انظر: ١٩ - فتح: ١١ / ٣٣١].
حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أنا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ،
أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ حَدَّثَهُ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ: ثَنَا
الأَوْزَاعِيُّ -هو أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو، مات سنة سبع وخمسين
ومائة - ثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْئِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الَّخُدْرِيِّ
قَالَ: جَاءَ أَعْرَائِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ نَّهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟
قَالَ: ((رَجُلٌ جَاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، وَرَجُلٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَعْبُدُ رَبَّهُ
وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ)) .
تَابَعَهُ الزُّبَيْدِيُّ وَسُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ وَالنُّعْمَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَقَالَ

٥٥٣
كِتَابُ الرِّقَاقِ
=
مَعْمَرٌ: عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءٍ - أَوْ عُبَيْدِ اللهِ- عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ
وَهِ. وَقَالَ يُونُسُ وَابْنُ مُسَافِرٍ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ
عَطَاءٍ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِّ وََّ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ.
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم، ثَنَا المَاحِشُونُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةً،
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ نَّهِ يَقُولُ: ((يَأْتِّي
عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ خَيْرُ مَالِ المُسْلِمِ الغَنَمُ، يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الجِبَالِ وَمَوَاقِعَ
القَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الفِتَنِ».
الشرح :
قد سلف اسم الأوزاعي ووفاته.
ومتابعة الزبيدي أخرجها مسلم، عن منصور بن أبي مزاحم، ثنا
يحيى بن حمزة، عن الزبيدي(١) .
واسم الزبيدي: محمد بن الوليد أبو الهذيل الشامي، أتفقا عليه،
مات سنة ثمان وأربعين ومائة.
والنعمان: هو ابن راشد الجزري الرقي أخو إسحاق، ضعفه
ابن المديني. وقال البخاري: كثير الوهم (٢).
ومتابعة معمر رواها مسلم أيضًا عن ابن حميد، ثنا عبد الرزاق، عن
معمر، عن محمد، عن عطاء أو عبيد الله(٣) .
وقال أبو مسعود الدمشقي: قال عبد الرزاق: كان معمر يشك (٤).
(١) برقم (١٢٢/١٨٨٨)، كتاب: الإمارة، باب: فضل الجهاد والرباط.
(٢) ((التاريخ الكبير)) ٨٠/٨.
(٣) برقم (١٢٣/١٨٨٨)، كتاب: الإمارة، باب: فضل الجهاد والرباط.
(٤) ((المصنف)) لعبد الرزاق ٣٦٨/١١.

٥٥٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ثم حدث به مرة عن عطاء بغير شك كأنه يريد ما رواه الخطابي عن
محمد بن هاشم، ثنا الفربري، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن عطاء من
غير شك(١).
وقوله: (وحدثنا محمد بن يوسف .. ) إلى آخره، أخرجه مسلم أيضًا
عن عبد الله بن عبد الرحمن عنه (٢). ومتابعة سليمان بن كثير، أخرجها
أبو داود، عن أبي الوليد الطيالسي، عن سليمان به(٣).
فصل :
ابن مسافر: هو عبد الرحمن بن خالد بن مسافر أبو خالد،
وقيل: أبو الوليد (الفهمي)(٤) المصري، واليها لهشام سنة ثمان عشرة
ومائة، وعزل عنها سنة تسع عشرة ومائة، وهو مولى الليث بن سعد
من فوق.
والماجشون: هو عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة دينار، مولى
آل المنكدر، أبو عبد الله؛ مات سنة أربع وستين ومائة على الأصح،
وصلى عليه المهدي ببغداد، متفق على ثقته.
وعبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن الحارث بن أبي
صعصعة عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن
مازن بن النجار الأنصاري النجاري المازني، أخو محمد بن عبد الله،
انفرد البخاري بهما وأبيهما .
(١) رواه الخطابي في ((العزلة)) ص ١٩. وفيه: الدبري، بدل: الفربري وليس في الرواة
عن عبد الرزاق من يسمى الفربري.
(٢) برقم (١٨٨٨/ ١٢٤) كتاب: الإمارة، باب: فضل الجهاد والرباط.
(٣) أبو داود (٢٤٨٥)، وصححه الألباني في ((صحيح سنن أبي داود)) (٢٢٤٦).
(٤) في (ص٢): (التميمي).

٥٥٥
ـ كِتَابُ الرِّقَاقِ
فصل :
وقوله: ( ((جاهد بنفسه وماله)) ) أي: وقام بالحقوق الواجبة،
كالصلاة وغيرها .
والشعب بكسر الشين: الطريق في الجبل، وكذا صرح به صاحب
(العين)) أنه ما أنفرج بين جبلين(١). وقال الشعبي: هو مواضع
الجبل، قال: وقوله: ((في شعب من الشعاب)) هذا في غير زمن رسول
الله ◌َّ؛ لأن الجهاد كان فيه فرضًا على أهل المدينة ومن حولهم من
الأعراب، إن خرج رسول الله وَل﴾ خرجوا جميعًا إلا من له عذر، وإن
خرج قوم بقي معه آخرون.
وقوله: ( ((شعف الجبال)) ) الشعف بالشين المعجمة وتحريك
العين: رأس الجبل، والجمع: شعف، وشعوف، وشعاف، وقال
صاحب ((العين)): شعف الجبال: رءوسها(٢). وكذلك شعف الأثافي،
وشعفة كل شيء: أعلاه.
( ((ومواقع القطر))): بطون الأودية.
فصل :
في الحديث: أن اعتزال الناس عند ظهور الفتن والهرب عنهم أسلم
للدين من مخالطتهم. ذكر علي بن معبد، عن الحسن بن واقد قال: قال
التليفون: ((إذا كانت سنة ثمانين ومائة فقد أحلت لأمتي الغربة والعزلة،
والترهب في رءوس الجبال))(٣) وذكر علي بن معبد عن عبد الله بن
(١) ((العين)) ٢٦٣/١.
(٢) ((العين)) ٢٦٠/١.
(٣) أنظر: ((تذكرة الموضوعات)) ص ٢٢٣.

٥٥٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
المبارك، عن مبارك بن فضالة، عن الحسن يرفعه إلى رسول الله وَله
قال: ((يأتي على الناس زمان لا يسلم لذي دين دينه إلا من فر بدينه
من شاهق إلى شاهق، وجحر إلى جحر، فإذا كان ذلك لم تنل
المعيشة إلا بمعصية الله، فإذا كان ذلك (حلت العزلة)). قالوا :
يا رسول الله، كيف تحل العزلة وأنت تأمرنا بالتزوج؛ قال:)(١) ((إذا
كان ذلك كان هلاك الرجل على يدي أبويه، فإن لم يكن له أبوان كان
هلاكه على يدي زوجته، فإن لم يكن له زوجة كان هلاكه على يدي
ولده، فإن لم يكن له ولد كان هلاكه على (يدي)(٢) القرابات
والجيران)) قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؛ قال: ((يعيرونه بضيق
المعيشة، ويكلفونه ما لا يطيق، فعند ذلك يورد نفسه المهالك التي
يهلك فيها)).
وروينا في كتاب ((العزلة)) للخطابي من حديث الحسن عن أبي
الأحوص، عن عبد الله بن مسعود مرفوعًا: ((ليأتين على الناس زمان
لا يسلم لذي دين دينه إلا من فر بدينه من قرية إلى قرية، أو من
شاهق إلى شاهق، ومن جحر إلى جحر، كالثعلب الذي يروغ))(٣) .
وفي حديث إسحاق بن راشد عن عمرو بن وابصة الأسدي، عن أبيه
قال: حدثني ابن مسعود قال: ذكر رسول الله وَلقر الفتنة وأيام الهرج
(١) من (ص٢).
(٢) في الأصل: (ذوي).
(٣) ((العزلة)) ص ٢٠.
قال الحافظ العراقي في «تخريج أحاديث الإحياء)) ٣٧١/١: ذكره الخطابي في
((العزلة)) من حديث ابن مسعود، والبيهقي في ((الزهد)) نحو من حديث أبي هريرة
وكلاهما ضعيف. اهـ.

٥٥٧
كِتَابُ الرِّفَاقِ
=
قال: ((حين لا يأمن الرجل جليسه)) قلت: فبم تأمرني إن أدركت ذلك
الزمان؟ قال: ((تكف نفسك ويدك، وادخل دارك)) قلت: يا رسول
الله، أرأيت إن دخل علي داري؟ قال: (فادخل بيتك))، قلت:
يا رسول الله، أرأيت إن دخل علي بيتي؟ قال: ((فادخل في مسجدك،
واصنع كذا - وقبض بيمينه على الكوع- وقل: ربي الله. حتى تموت))(١).
وفي حديث ابن المبارك أنا شعبة، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن
حفص بن عاصم، أن عمر قال: خذوا حظكم من العزلة(٢). وفي
رواية قال عمر: العزلة راحة من خليط السوء(٣) .
وفي حديث محمد بن سنان القزاز، أنا أبو بكر، عن بكير بن مسمار
قال: سمعت عامر بن سعد بن أبي وقاص قال: كان سعد في إبل وغنم
له، فأتاه ابنه عمر، فلما رآه قال: أعوذ بالله من شر هذا الراكب.
فلما أنتهى إليه قال: يا أبة، أرضيت أن تكون أعرابيًّا والناس
يتنازعون الملك، فضرب سعد صدر عمر فقال: أسكت يا بني، فإني
سمعت رسول الله وَل* يقول: ((إن الله يحب العبد التقي، الغني،
الخفي))(٤) .
وفي ((مشكل الآثار)) للطحاوي عن ابن عباس مرفوعًا: ((ألا أخبركم
(١) رواه أبو داود (٤٢٥٨)، والخطابي في ((العزلة)) ص ٢١ - ٢٢، قال الحافظ
العراقي في ((تخريج أحاديث الإحياء)) ٥٤٦/١: رواه أبو داود مختصرًا والخطابي
في ((العزلة)) بتمامه، وفي إسناده عند الخطابي انقطاع، ووصله أبو داود بزيادة رجل
اسمه سالم یحتاج إلى معرفته. اهـ
(٢) ((الزهد والرقائق)) برواية نعيم بن حماد ص ٣ (١١).
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٧/ ١١٧، والخطابي في ((العزلة)) ص ٢٢.
(٤) رواه مسلم برقم (٢٩٦٥) كتاب: الزهد والرقائق.

٥٥٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
بخير الناس منزلًا)). قلنا: بلى يا رسول الله. قال: ((رجل آخذ بعنان
فرسه في سبيل الله، وأخبركم بالذي يليه، رجل معتزل في شعب يقيم
الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويعتزل شرور الناس)) (١). الحديث.
فإن قلت: أين ما روي عن رسول الله وَّر؟ ((المسلم الذي يخالط
الناس، ويصبر على أذاهم، خير من المسلم الذي لا يخالط الناس،
ولا يصبر على أذاهم))(٢)، فيجاب بأنه لا تضاد؛ لأن قوله: ((رجل
آخذ بعنان فرسه)). خرج مخرج العموم، والمراد به الخصوص،
فالمعنى فيه؛ أنه من خير الناس؛ لأنه قد ذكر غيره بمثل ذلك، فقال:
((خير الناس من طال عمره، وحسن عمله))(٣) وقال: ((خياركم من تعلم
القرآن وعلمه))(٤). وقال تعالى: ﴿وَأُوِيَتْ مِن كُلِّ شَىْءٍ﴾ [النمل: ٢٦]
ولم تؤت مما اختص به سليمان شيئًا، ويحتمل أن يكون المراد بذلك
أنه من خير أهلها، وإذا جاز ذلك جاز أن تكون المنزلة التي هو بها
بينها وبين المنزلة المذكورة قبلها منزلة (أكمل)(٥) أو لعلها فوق
المنزلة التي هي قبلها أيضًا فيكون من يخالط الناس ويصبر على
أذاهم أفضل ممن لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم باعتزاله،
ويحتمل أن يكون أراد بتفضيله في وقت من الأوقات ولم يرد به كل
الأوقات، كما في حديث أبي (ثعلبة)(٦): ((إذا رأيت شخًّا مطاًا،
(١) ((تحفة الأخيار بترتيب شرح مشكل الآثار)) ٧/ ١٨٠.
(٢) رواه الترمذي (٢٥٠٧)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) ١١٢/٧، وصححه الألباني
في ((المشكاة)) ٥٠٨٧.
(٣) رواه الترمذي (٢٣٢٩)، وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (٣٢٩٦).
(٤) سلف برقم (٥٠٢٧) كتاب: فضائل القرآن، باب: خيركم من تعلم القرآن وعلمه.
(٥) في الأصل: (أخرى).
(٦) في الأصل: (بكرة).

٥٥٩
ــ كِتَابُ الرِّقَاقِ
وهوَّي متبعًا، فعليك بنفسك، وإياك وأمر العوام))(١) فيكون اعتزال الناس
في ذلك الزمان أفضل من مخالطتهم، ويكون ما سواه من الأزمنة
بخلافه، ويكون المراد بتفضيل مخالطة الناس فيه على ترك مخالطتهم،
حتى لا يكون بين الحديثين تضاد، ومما يدل على هذا التأويل في
اختلاف الأزمنة قوله اللّه: ((ستكون فتن المضطجع فيها خير من
القاعد))(٢). الحديث، وفيه: ((من كانت له إبل فليلحق بإبله، ومن
كانت له غنم فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه))(٣).
فصل :
قال (الخطابي)(٤): العزلة عزلتان، والفرقة فرقتان: فرقة الآراء
والأديان، وفرقة الأشخاص والأبدان، والجماعة جماعتان: الأئمة
والأمراء، والعامة والدهماء، فأما الافتراق في الآراء والأديان فإنه
محظور في العقول، محرم في قضايا الأصول؛ لأنه داعية الضلال،
وسبب التعطيل والإهمال، ولو ترك الناس متفرقين؛ لتفرقت الآراء
والنحل؛ ولكثرت الأديان والملل، ولم تكن فائدة في بعثة الرسل،
وهذا هو الذي عابه الله من التفرق في كتابه وذمه في آي كثيرة، وعلى
هُذِه الوتيرة يجري الأمر أيضًا في الافتراق على الأئمة والأمراء؛ لأن
في مفارقتهم مفارقة الألفة، وزوال العصمة والخروج من كنف الطاعة
(١) رواه أبو داود (٤٣٤١)، والترمذي (٣٠٥٨)، والبيهقي في ((شعب الإيمان))
٨٣/٦، وضعفه الألباني في ((المشكاة)) (٥١٤٤).
(٢) مسلم (١٨٤٩/ ٥٥) كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند
ظهور الفتن.
(٣) رواه الحاكم ٤٢٦/٤، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
(٤) في الأصل: (الطحاوىُ).

٥٦٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وظل الأمن، وهو الذي نهى عنه الشارع وأراده بقوله: ((من فارق
الجماعة فمات، فميتته جاهلية))(١). وذلك أن أهل الجاهلية لم يكن
لهم إمام يجمعهم على دين، ويتألفهم على رأي واحد، بل كانوا
(طوائف) (٢) شتى، وفرقًا مختلفين، آراؤهم متناقضة، وأديانهم
متباينة، وذلك الذي دعا كثيرًا منهم إلى عبادة الأصنام، وطاعة
الأزلام رأيًا فاسدًا أعتقده في أن عندها خيرًا، أو أنها تملك لهم نفعًا
أو تدفع عنهم ضرًا .
فأما عزلة الأبدان ومفارقة (الجماعة)(٣) التي هي العوام، فإن من
حكمها أن تكون تابعة للحاجة، وجارية مع المصلحة، وذلك أن عظم
الفائدة اجتماع الناس في المدن وتجاورهم في الأمصار، إنما هو أن
يتضافروا ويتعاونوا على المصالح ويتوازروا فيها إذا كانت مصالحهم
لا تكمل إلا به ومعايشهم لا تزكو إلا عليه، فللإنسان أن يتأمل حال
نفسه فينظر في أية طبقة يقع منهم، وفي أي جهة ينحاز من جملتهم؛
فأما من كانت أحواله تقتضي المقام بين ظهراني العامة، لما يلزمه من
إصلاح المهنة التي لا غنية له به عنها، ولا يجد بدًّا من الاستعانة بهم
فيها. ولا وجه لمفارقتهم في الدار ومباعدتهم في السكن والجوار،
فإنه إذا فعل ذلك تضرر بوحدته، وأضر من وراءه من أهله وأسرته،
وإن كانت نفسه بكلها مستقلة، وحاله في ذاته وذويه متماسكة
فالاختيار له في هذا الزمان اعتزال الناس، ومفارقة عوامهم، فإن
السلامة في مجانبتهم، والراحة في التباعد منهم، ولسنا نريد- رحمك
(١) ابن حبان ٣٠٣/١٣ (٥٩٦٥).
(٢) في الأصل: (طرائق).
(٣) في (ص٢): (الجوامع).