النص المفهرس
صفحات 521-540
٥٢١ = كِتَابُ الرِّقَاقِ ومن حديث أنس ه أنه العليا دخل على شاب وهو في الموت فقال: (كيف تجدك؟)) قال: أرجو الله يا رسول الله وأخاف ذنوبي، فقال التليفون: ((لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وآمنه مما يخاف))(١) . ومن حديث عبد الله بن مصعب بن خالد بن زيد بن خالد الجهني، عن أبيه، عن جده زيد بن خالد قال: تلقفت هذِه الخطبة من في رسول الله وَل بتبوك، سمعته يقول، فذكر حديثًا طويلًا فيه: ((وخير الزاد التقوى، ورأس الحكمة مخافة الله، وخير ما ألقي في القلب اليقين)»(٢). فصل : عند السمرقندي من رواية الحسن، عن جابر # مرفوعًا: ((المؤمن بين مخافتين: بين أجل قد مضى لا يدري ما الله صانع فیه، وبین أجل قد بقى لا يدري ما الله قاض فيه)). الحديث(٣). (١) رواه الترمذي (٩٨٣)، وابن ماجه (٤٢٦١) وقال الترمذي: حسن غريب، وقد روى بعضهم هذا الحديث عن ثابت عن النبي تثير مرسلا. (٢) عزاه العجلوني في ((كشف الخفاء)) (١٢٥٥) للعسكري، وقال: ورواه أبو الشيخ عن ابن عباس مرفوعًا. وأورده المتقي الهندي في ((كنز العمال)) (٤٣٥٨٧) وعزاه للبيهقي في ((الدلائل))، وابن عساكر عن عقبة بن عامر، وللسجزي في ((الإبانة)) عن أبي الدرداء، ولابن أبي شيبة عن ابن مسعود موقوفًا. وانظر: ((السلسلة الضعيفة)) (٢٠٥٩). (٣) ذكره الديلمي في ((الفردوس)) (٤٢٦١) عن جابر، وقال العراقي في ((المغني عن حمل الأسفار)) (٣٨٨٩): ولم يخرجه ولده في ((مسند الفردوس)). ورواه البيهقي في ((الشعب)) (١٠٥٨١) من طريق الحسن البصري، عن رجل من أصحاب النبي مَ﴾ مرفوعًا . ٥٢٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح وروي عن منصور بن عمار قال: كنت تحت منبر عدي بن أرطاة فقال: ألا أحدثكم بحديث ما بيني وبين رسول الله وَله رجل، قال رسول الله وقال: ((إن الله تعالى ملائكة في السماء السابعة، سجود منذ خلقهم الله تعالى إلى يوم القيامة، ترعد فرائصهم من مخافة الله)). الحديث(١). فصل : قال أبو الليث: علامة الخوف من الله تتبين في سبعة أشياء: أولهن: في لسانه، فيمنعه من الكذب والغيبة وكلام الفضول، ويجعل لسانه مشغولًا بالذكر والتلاوة ومذاكرة أهل العلم. ثانيها: أن يخاف من أمر بطنه، فلا يدخل بطنه إلا قليلا حلالًا، ویأکل مقدار حاجته. ثالثها: أن يخاف من أمر بصره، فلا ينظر إلى الحرام ولا إلى الدنيا بعين الرغبة، وإنما يكون نظره إليها على وجه العبرة. رابعها: أن يخاف من أمر سمعه، حتى لا يسمع ما لا يعنيه. خامسها: أن يخاف من أمر قدميه، فلا يمشي في غير طاعة الله، وإنما يمشي في طاعته. سادسها: أن يخاف من أمر يديه، فلا يمد يده إلى الحرام، وإنما يمدها إلى ما فيه طاعة الله. (١) رواه ابن نصر المروزي في ((تعظيم قدر الصلاة)) (٢٦٠) وفيه أن عدي بن أرطاة قال: سمعتُ رجلا من أصحاب النبي ◌َّر، ما بيني وبين رسول الله أَژل غيره، يحدثني عن رسول الله وَالر .. الحديث. وضعفه الألباني في ((الضعيفة)) (١٩٨٨). ٥٢٣ كِتَابُ الرِّقَاقِ سابعها: أن يخاف من أمر قلبه، فيخرج منه العداوة والبغضاء وحسد الإخوان، ويدخل فيه النصيحة، وشفقة المسلمين، حتى يكون خائفًا في أمر طاعته، فيجعل طاعته خالصًا لوجهه، ويخاف الرياء والنفاق، فإذا فعل ذلك فهو من الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَالْآَخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ [الزخرف: ٣٥]. للمتقىن﴾ ٥٢٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ٢٦- باب الانْتِهَاءِ عَنِ المَعَاصِي ٦٤٨٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، حَدَّثْنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَِّي بُزْدَةَ، عَنْ أَبِي بُزْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ مَّهَ: ((مَثَلِي وَمَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللهُ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى قَوْمًا فَقَالَ: رَأَيْتُ الجَيْشَ بِعَيْنَيَّ، وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ العُرْيَانُ، فَالنَّجَأَّ النَّجَاءَ. فَأَطَاعَتْهُ طَائِفَةٌ فَأَدْلَجُوا عَلَى مَهْلِهِمْ فَنَجَوْا، وَكَذَّبَتْهُ طَائِفَةٌ فَصَبَّحَهُمُ الجَيْشُ فَاجْتَاحَهُمْ)). [٣٤٧٨ - مسلم: ٢٧٥٧ - فتح: ٣١٦/١١]. ٦٤٨٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ عَُّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ نَّه يَقُولُ: ((إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ النَّاسِ كَمَثَلِ رَجُلِ أَسْتَوْقَدَ نَارًا، فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ جَعَلَ الفَرَاشُ وهذِه الدَّوَابُ التِي تَقَعُ فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا، فَجَعَلَ يَنْزِعُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَقْتَحِمْنَ فِيهَا، فَأَنَا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، وَهُمْ يَقْتَحِمُونَ فِيهَا)). [انظر: ٣٤٢٦ - مسلم: ٢٢٨٤- فتح: ٣١٦/١١]. ٦٤٨٤ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمِ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍوٍ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ وَهُ: ((الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ)). [انظر: ١٠- مسلم: ٤٠- فتح: ٣١٦/١١]. ذکر فيه أحاديث: أحدها: حديث أَبِي مُوسَى ◌َّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَطِّ فذكر حديث: ((وأنا النذير العريان)). ثانيها: حديث أبي هريرة : «مَثَلِي وَمَثَلُ النَّاسِ كَمَثَلِ رَجُلِ أَسْتَوْقَدَ نَارًا، فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ جَعَلَ الفَرَاشُ وهذِهِ الدَّوَاتُّ التِي تَقَعُ فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا)) الحديث. ثالثها: حديث عبد الله بن عمرو: ((الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ)) . ٥٢٥ = كِتَابُ الرِّقَاقِ وكلها أمثال ضربها الشارع لأمته؛ لينبههم بها على استشعار الحذر خوف التورط في محارم الله والوقوع في معاصيه، ومثل ذلك لهم بما عاينوه وشاهدوه من أمور الدنيا، فيقرب ذلك من إفهامهم، ويكون أبلغ في موعظتهم، فمثل العليا أتباع الشهوات المؤدية إلى النار بوقوع الفراش في النار؛ لأن الفراش من شأنه إتباع (حر) (١) النار حتى يقع فيها . فکذلك متبع شهوته یول به ذلك إلى عذاب النار، وشبه جهل راكب الشهوات بجهل الفراش؛ لأنها لا تظن أن النار تحرقها حتى تقتحم فيها . فصل : و( ((العريان))): رجل من خثعم حمل عليه رجل يوم ذي الخلصة. قال ابن السكيت: هو عوف بن عامر، فقطع يده ويد امرأته(٢)، فرجع إلى قومه، فضرب الظّ المثل لأمته؛ لأنه تجرد لإنذارهم لما يصير إليه من أتبعه من كرامة [الله](٣)، وبما يصير إليه من عصاه من نقمته وعذابه، يجرد من رأى من الحقيقة ما رأى النذير العريان المذكور حتى ضرب به المثل في تحقيق الخبر، ولم يذكر ابن بطال غيره (٤). وزعم ابن الكلبي أن النذير العريان هي أمرأة رقبة بن عامر بن كعب لما خشي زوجها ابن المنذر بن ماء السماء لقتله أولاد أبي دواد جار (١) في (ص٢): (ضوء). (٢) ((إصلاح المنطق)) لابن السكيت ص٣٢٣. (٣) ليست في الأصل، والمثبت من ((شرح ابن بطال)). (٤) ((شرح ابن بطال)) ١٩٤/١ -١٩٥. ٥٢٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = المنذر فركبت جملًا (ولحقت)(١) بقومها وقالت: أنا النذير العريان. ويقال: أول من فعله إبرهة الحبشي لما أصابته الرمية بتهامة حين غزا البيت (ورجع إلى اليمن وقد سقط لحمه. وقال الفضل بن سلمة: إنما يقال النذير العريان)(٢)؛ لأن الرجل إذا رأى الغارة فجئتهم وأراد إنذار قومه تجرد من ثيابه وأشار بها؛ ليعلم أن قد فجئهم أمر، ثم صار مثلًا لكل أمر يخاف بمفاجأته، وفي ((المختلف والمؤتلف)) لأبي بشر الآمدي: زنير -بالنون- بن عمرو الخثعمي الذي يقال له النذير العريان، وكان ناكحًا في آل زبيد فأرادت زبيد أن تغزو خثعمًا فخشوا أن ينذر قومه، فحرسه أربعة نفر، فصادف غرة بعد أن رمى ثيابه، وكان من أشد الناس عدوًّا. وقال أبو عبد الملك: هذا مثل قديم، وذلك أن رجلًا لقي جيشًا فجردوه وعروه، فجاء إلى المدينة فقال: إني رأيت الجيش- بعيني- وإني أنا النذير لكم وتروني عريانا، جردني الجيش، فالنجاء النجاء. فصل : وقوله: ( ((العريان)) ) هو بمثناه تحت. قال الخطابي: رواه محمد بن خالد بياء موحدة فإن كان محفوظًا فمعناه: الفصح بالإنذار ولا يكني ولا يوري، يقال: رجل عربان أي: فصيح اللسان ويقال: أعرب الرجل عن حاجة: إذا أفصح عنها. قال: وروي العريان، ومعناه: أن الرَّبيئة(٣) إذا كان على مركب عال فبصر بالعدو ونزع ثوبه فأشاح به (١) غير واضحة بالأصل، والمثبت من ((فتح الباري)). (٢) من (ص٢). (٣) الربيئة: العين والطليعة الذي ينظر للقوم لئلا يدهمه عدو. ٥٢٧ كِتَابُ الرِّقَاقِ = فنذر القوم، فيبقى عريانًا(١). فصل : قوله: ( ((فالنجاء النجاء))): هو ممدود، قال ابن فارس: يقال: نجا الإنسان ينجو نجاة، ومن السرعة نجاء، وناقة ناجية ونجاة: سريعة(٢). وهو منصوب على الإغراء أي: الزموا النجاء، والمعنى: أسرعوا . فصل : وقوله: ( ((فادلجوا))): هو بتشديد الدال، كذا ضبطه الدمياطي، قال الجوهري: أدلج إذا سار أول الليل، رباعي(٣)، وكذلك ذكر الخطابي(٤) وقال ابن فارس: أدلج القوم، إذا قطعوا الليل كله سيرًا، وادلجوا بتشديد الدال: إذا ساروا من آخره(٥). وقال الداودي: أدلجوا: ساروا في طائفة من الليل. قال ابن التين: ورويناه رباعيًّا على أنه بقطع الهمزة. فصل : وقوله: ( ((على مهلهم)) ) هو بفتح الميم والهاء. وقوله: ( ((فصبحهم الجيش)) ) أي: أتاهم صباحًا . ( ((فاجتاحهم)) ) أي: استأصلهم ، ومنه الجائحة التي تفسد الثمار، وأصله من جُحْتُ الشيء أجُوْحُهُ أي: أستأصله. (١) ((أعلام الحديث)) ٣/ ٢٢٥٠-٢٢٥١. (٢) ((مجمل اللغة)) ٨٥٨/٢، مادة (نجو). (٣) ((الصحاح)) ٣١٥/١، مادة (دلج). (٤) ((أعلام الحديث)) ٢٢٥١/٣. (٥) ((مجمل اللغة)) ٣٣٣/١، مادة: (دلج). ٥٢٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = فصل : والفراش، قال النحاس في ((معانيه)): صغار البق. وفي ((تفسير الطبري)) نحوه كغوغاء الجراد يركب بعضه بعضًا (١). وكذا قال الفراء في تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ [القارعة: ٤] بزيادة وكذلك الناس يوم القيامة(٢). وقال الطبري: ليس هو ببعوض ولا ذبان(٣). وهو قول أبي عبيد. وقال ابن سيده في (محكمه)): دواب مثل البعوض واحدتها: فراشة(٤). وقال أبو نصر: هي التي تطير وتتهافت في السراج، وفي المثل: أطيش من فراشة، والجمع: فراش(٥). وقال القزاز: تطير بالليل، ومنه: أحد من فراشة، ويقال للرجل الخفيف فراشة تشبيهًا بذلك، وفي ((مجمع الغرائب)): هي ما يتهافت في النار من الطيارات، وفي ((مغرب المطرزي)) هو: غوغاء الجراد، وهو ما يتفرش أي: يبسط جناحيه، وسموا دود القز فراشًا؛ لأنها تطير كذلك إذا خرجت من الفيلق(٦). وقال الداودي: هو طائر فوق البعوض. فصل : وقوله: ( ((وأنا آخذ بحجزكم)) ): هو جمع حجزة: وهو معقد الإزار وحجزة السراويل التي فيها التكة. وقال الداودي: يعني مرابط (١) ((تفسير الطبري)) ٦٧٦/١٢. (٢) ((معاني القرآن)) ٢٨٦/٣. (٣) ((تفسير الطبري) ١٢ / ٦٧٦. (٤) ((المحكم)) ٣٨/٨. (٥) ((الصحاح)) ١٠١٥/٣. (٦) ((المغرب)) ١٣٢/٢. ٥٢٩ كِتَابُ الرِّفَاقِ = السراويل، كأنه يأخذ الإنسان بها من ورائه قد أشفى على السقوط فمن بين غالب له مقتحم، ومن بين ناج، والجيم يصح سكونها وفتحها. قال ابن التين: وبالفتح قرأناه. فصل : قوله: ( ((والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه)) ) أي: قطعه وتباعد من فعله، معنى المهاجر: التام الهجرة فلا هجرة أعظم من هجر المحرمات، كما قال التَّ: ((إن جهاد النفس أكبر من جهاد العدو)). فصل : تحذلق بعض الشراح فقال: ينظر في دخول قوله القديئها: ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)) في هذا الباب، وقد أغفل منه قوله : ((والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه)) فحذف موضع الحاجة ثم شرع يسأل. ٥٣٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ٢٧ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ◌َّ: (لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا)) ٦٤٨٥- حَدَّثَنَا يَجْيَى بْنُ بُكَثِرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ عُ كَانَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَله: «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا)). [٦٦٣٧ - فتح: ١١ / ٣١٩]. ٦٤٨٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا)». [انظر: ٩٣- مسلم: ٢٣٥٩ - فتح: ٣١٩/١١]. ذكر فيه من طريق أبي هريرة وأنس رضي الله عنهما . وروى (سنيد)(١)، عن هشيم، عن كوثر بن حكيم، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: خرج رسول الله وَّةٍ إلى المسجد، فإذا قوم يتحدثون ويضحكون، فقال: ((أكثروا ذكر الموت، أما والذي نفسي بيده لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم کثیرًا». وخشية الله تعالى إنما تكون على مقدار العلم به، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوْأَ﴾ [فاطر: ٢٨] ولما لم يعلم أحد كعلمه التّي لم يخش كخشيته، فمن نور الله قلبه وكشف الغطاء عن بصيرته، وعلم بحب ما هو الله تعالى من النعم، وما تجب عليه من الطاعة والشكر وادكر بما يستقبل من أهوال يوم القيامة، وما يلقى العباد في تلك المواقف من الشدائد، وما يعاينوه من مسائلة الله عباده عن مثاقيل الذر وعن النقير والقطمير، كان حقيقًا بطول الحزن وكثرة (١) في الأصل: (شبل). ٥٣١ كِتَابُ الرِّقَاقِ = البكاء، ولهذا قال أبو ذر: لو تعلمون العلم لما ساغ لكم طعام ولا شراب، ولا نمتم على الفرش، ولا أحببتم النساء، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون وتبكون. وقال عبد الله بن عمرو: أبكوا، فإن لم تجدوا بكاء فتباكوا، فلو تعلمون العلم لصلى أحدكم حتى ينكسر ظهره، ولبكى حتى ينقطع صوته. وقال الفضيل: بلغني عن طلحة أنه ضحك يومًا فوثب على نفسه فقال: فيم تضحك؟ إنما يضحك من قطع الصراط، ثم قال: آليت على نفسي أن لا أكون ضاحكًا حتى أعلم متى تقع الواقعة. فلم ير ضاحگا حتى صار إلى الله. وقال الحسن: يحق لمن عرف أن الموت مورده، والقيامة موعده وأن الوقوف بين يدي الله تعالى مشهده، أن يطول في الدنيا حزنه. وقال سفيان: في قوله تعالى: ﴿وَكَانُوْ لَنَا خَشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩] قال: الحزن الدائم في القلب (١)، وقال: إنما الحزن على قدر البصر، وقال بعضهم: الحزن والخشية من مواريث القلوب التي ينال بها ما قبلها من الأعمال، فمن رام أن يقيم فرضه تامًّا فيصلي الله بكمال الصلاة، ويصوم بكمال الصيام، ويؤدي كذلك سائر الفرائض، ويقوم بالحق على نفسه وأهله ومن يسأل عنه في مخالطته ومداخلته، ويقيم ما أمر به في لسانه وسمعه وبصره وجميع جوارحه حتى يدخل في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَامُواْ﴾ [فصلت: ٣٠] وجد نفسه عن ذلك عاجزًا مقصرًا، فإذا رأى بعين جلية وعلم قرب أجله وعظم خطيئته، وأن الوقوف بين يدي الله تعالى من ورائه، حزن على (١) ((تفسير الثوري)) ص ٢٠٥. ٥٣٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == نفسه بتخلفه عن السابقة التي يسمعها لغيره، ووجب عليه الجد في أمره واستجلاب معونة الله بالاعتصام به. قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَرِعُونَ فِ الْخَيْرَتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبَّا وَكَانُوْ لَنَا خَشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩]. وقال مطرف بن عبد الله: دع أعمال الشر، فإن في الخير شرًّا كثيرًا، فلو لم يكن لنا ذنوب إلا أن الله تعالى يؤاخذنا بصحة أعمالنا وإتقانها وإحكامها وإصلاحها وصوابها؛ لكان في هذا شغل كثير لمن يعقل؛ وقد سلف في كتاب: الإيمان، في باب: خوف العبد من أن يحبط عمله ولا يشعر، ما يشبه هذا المعنى. ٥٣٣ = كِتَابُ الرِّقَاقِ ٢٨- باب حُجِبَتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ ٦٤٨٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِ الزِّنَادِ، عَنِ الأَغْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ بَلَ قَالَ: ((حُجِبَتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ، وَحُجِبَتِ الجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ)). [مسلم: ٢٨٢٣ - فتح: ٣٢٠/١١]. ذَكَرَ فِيهِ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((حُجِبَتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ، وَحُجِبَتِ الجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ)). (هذا الحديث أخرجه مسلم بلفظ: ((حفت)) بدل: ((حجبت))(١)، وهو بمعناه أي: بينه وبينها هذا الحجاب، فإذا فعله دخلها، وهو دال على أن أحتمال المكاره والمشاق بأمر وراءه الجنة سهل يسير)(٢). وهذا من جوامع الكلم وبديع البلاغة في ذم الشهوات والنهي عنها والحض على طاعة الله وإن كرهتها النفوس وشق عليها؛ لأنه إذا لم يكن يوم القيامة غير الجنة والنار ولم يكن بد من المصير إلى إحداهما فوجب على المؤمنين السعي فيما يدخل الجنة ويبعد من النار وإن شق ذلك عليهم؛ لأن الصبر على النار أشق، فخرج هذا الخطاب منه بلفظ الخبر، وهو من باب النهي والأمر. (١) مسلم (٢٨٢٣)، كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها. (٢) من (ص٢). ٥٣٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ٢٩- باب ((الْجَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ، وَالنَّارُ مِثْلُ ذَلِكَ)) ٦٤٨٨ - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ وَالأَغْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ عَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َهَ: ((الْجَنَّةُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ، وَالنَّارُ مِثْلُ ذَلِكَ)). [فتح: ١١/ ٣٢١]. ٦٤٨٩ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا غُنْدَرْ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بِّهِ قَالَ: «أَصْدَقُ بَيْتٍ قَالَهُ الشاعِرُ: أَلَا كُلُّ شَىءٌ مَا خَلَا اللّهَ بَاطِلُ)). [انظر: ٣٨٤١ - مسلم: ٢٢٥٦ - فتح: ١١/ ٣٢١]. ذَكَرَ فيهِ حَدِيث أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﴾ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ وََّ، وذكره باللفظ المذكور. وحديث أَبِي هُرَيْرَةَ عَه، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: ((أَصْدَقُ بَيْتٍ قَالَهُ الشاعر: أَلَا كُلَّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللّهَ بَاطِلُ)). هذان الحديثان ذكرهما ابن بطال في الباب الذي قبله. وحديث الترجمة والحديث الأول دليل واضح على أن الطاعات الموصلة إلى الجنة، والمعاصي المقربة من النار، وقد تكون في أيسر الأشياء. ألا ترى قوله التي: ((إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالا يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يلقي لها بالا يكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه))(١). (١) رواه ابن ماجه (٣٩٦٩)، ومالك في ((الموطأ)) ص ٦٠٩، وصححه الألباني في ((صحيح سنن ابن ماجه)) (٣٢٠٥). ٥٣٥ كِتَابُ الرِّقَاقِ = فينبغي للمؤمن أن لا يزهد في قليل من الخير يأتيه، ولا يستقل قليلا من الشر يجتنيه فيحسبه هينًا وهو عند الله عظيم؛ فإن المؤمن لا يعلم الحسنة التي يرحمه الله بها، ولا يعلم السيئة التي يسخط الله عليه بها . وقد قال الحسن البصري: من تقبلت منه حسنة واحدة دخل الجنة. فصل : وقوله: ( ((أصدق(١) بيت .. ))) إلى آخره، روينا من طريق ابن إسحاق، عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عمن حدثه عن عثمان ظ قال: لما رأى عثمان بن مظعون ما فيه الصحابة من البلاء وهو يغدو أو يروح في أمان من الوليد بن المغيرة رد عليه. جواره، ثم انصرف ولبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب في مجلس من مجالس قريش وهو ينشدهم، فجلس عثمان معهم فقال: ألا كل شيء ما خلا الله باطل. فقال عثمان: صدقت وكل نعيم لا محالة زائل. فقال عثمان: كذبت؛ نعيم الجنة لا يزول. فقال لبيد: يا معشر قريش والله ما كان يؤتى جليسكم، فمتى حدث هذا فيكم؟ فقال رجل من القوم: هذا سفيه من سفهائنا فلا تجدن في نفسك من قوله. فرد عليه عثمان حتى شرى أمرهما، فقام ذلك الرجل فلطم عينه (٢). وروينا في ((الشعراء)) تأليف أبي زرعة أحمد بن الحسن الرازي، عن أبي بكر بن يوسف بن إسحاق بن بهلول الأزرق، ثنا جدي، عن أبيه، (١) مكررة في الأصل. (٢) أنظر: ((سيرة ابن هشام)) ٣٩١/١-٣٩٢. ٥٣٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == عن أبي شيبة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله وَله: ((إن من الشعر حكمًا، وأصدق بيت تكلمت به العرب: ألا كل شيء ما خلا الله باطل)) (١). فصل : البید هذا عامري ثم جعفري صحابي شاعر مشهور، وفد في وفد بني جعفر بن كلاب فأسلم وحسن إسلامه، ولم يقل شعرًا منذ أسلم، توفي عام المجاعة)(٢). قال ابن بطال: والمراد بقوله: ( ((ألا كل شيء .. ))) إلى آخره الخصوص؛ لأن كل ما قرب من الله تعالى فليس بباطل، وإنما أراد أن كل شيء ما خلا الله باطل من أمر الدنيا الذى لا يؤول إلى طاعة الله، ولا يقرب منه تعالى فهي باطل(٣). وكذا قال الداودي: أراد به ما عدا الأنبياء والرسل والملائكة والكتب والبعث حق، وأراد ما خلا الله: ما لم يكن لله، قال: وقوله: (((بيت))) وفي رواية ((كلمة)) فإن أراد بالبيت كلمة فهي كلمة وإن أراد به الشطر؛ فلأن بعضه يدل على بعض، والزيادة مقبولة والذي في اللغة أن الكلمة بطولها . (١) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) ٣٠٠/٢٣. - (٢) من (ص٢). (٣) ((شرح ابن بطال)) ١٠/ ١٩٨. ٥٣٧ = كِتَابُ الرِّقَاقِ ٣٠ - باب لِيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَشْفَلَ مِنْهُ، وَلَ يَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ ٦٤٩٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عَنِ الأَغْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ مَِّ قَالَ: ((إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي المَالِ وَالْخَلْقِ فَلْيَنْظُرُ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ)). [مسلم: ٢٩٦٣ - فتح: ١١ /٣٢٢]. ذَكَرَ فِيهِ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَةَ عُ، عَنْ رَسُولِ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي المَالِ وَالْخَلْقِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ 90 مِنه)). هذا الحديث جامع لمعاني الخير كما قال الطبري، وذلك أن العبد لا يكون بحال من عبادة ربه مجتهدًا فيها إلا وجد من هو فوقه في ذلك، فمتى طلب نفسه باللحاق بمن هو فوقه أستقصر حاله التي هو عليها فهو أبدًا في زيادة تقربه من ربه. ولا يكون على حالة خسيسة من دنياه إلا وجد من أهلها من هو أخس منه حالًا؛ فإذا تأمل الشخص ذلك وتفكره وتبين نعم الله عليه، علم أنها وصلت إليه، ولم تصل إلى كثير من خلقه، فضله الله تعالى بها من غير أمر أوجب ذلك له على خالقه ألزم نفسه من الشكر عليها؛ أن وفق لها ما يعظم به اغتباطه في معاده. ٥٣٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ٣١- باب مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ أَوْ بِسيئةٍ ٦٤٩١ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا جَعْدٌ أَبُو عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءِ العُطَارِدِيُّ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ فِيمَا يَزْوِي عَنْ رَبِّهِ وَىْ قَالَ: قَالَ: ((إِنَّ اللّهَ كَتَبَ الحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِمِائَةٍ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيَِّةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً)). [مسلم: ١٣١ - فتح: ١١ / ٣٢٣]. ذَكَرَ فيهِ حَدِيث ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ تبارك وتعالى قَالَ: ((إِنَّ اللهَ كَتَبَ الحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِمِائَةٍ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيَِّةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً)) . الشرح : (هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا في الإيمان(١)، وهو حديث عظيم من قواعد الإسلام، وهو من لطف الله بعبده، ورفقه به، واعتنائه بقوله ((عنده)) ولم يذكر ذلك في السيئة بل قال: ((كتبها الله له واحدة)) أي: عليه، وأكد بـ ((كاملة))؛ لشدة الاعتناء، وكذا في السيئة المتروكة، ولا شك أنه)(٢) إذا حدث العبد نفسه بالمعصية لم يؤاخذ؛ فإذا عزم (١) برقم (١٣١) باب: إذا هم العبد بحسنة كتبت، وإذا هم بسيئة لم تكتب . (٢) ما بين القوسين من (ص٢). ٥٣٩ كِتَابُ الرِّقَاقِ = فقد خرج عن حديث النفس ويصير من أعمال القلب، فإن عقد النية على الفعل فحينئذٍ یأئم. وبيان الفرق بين الهم والعزم: أنه لو حدث نفسه في الصلاة وهو فيها بقطعها لم تنقطع، فإذا عزم انقطعت. وسئل سفيان بن سعيد: أيؤاخذ العبد بالهمة؟ قال: إذا عزم، والملكان يجدان ريح الحسنات والسيئات إذا عقد القلب. وحديث الباب حديث شريف بين فيه الشارع مقدار فضل الله تعالى على عباده، كما أسلفناه، بأن جعل هموم العبد بالحسنة وإن لم يعملها حسنة، وجعل همومه بالسيئة إن لم يعملها حسنة، وإن عملها كتبت سيئة واحدة، وإن عمل الحسنة كتبت عشرًا، ولولا هذا التفضل العظيم، لم يدخل أحد الجنة؛ لأن السيئات من العباد أكثر من الحسنات، فلطف الله بعباده بأن ضاعف لهم الحسنات دون السيئات، وإنما جعل الهم بالحسنة حسنة؛ لأن الهم بالخير هو فعل القلب لعقد النية على ذلك. فإن قلت: فكان ينبغي على ذلك أن تكتب لمن هم بالشر ولم يعمله سيئة؛ لأن الهم بالشر عمل من أعمال القلب للشر. قيل: ليس كما توهمت، ومن كف عن أعمال الشر فقد فسخ أعتقاده للسيئة باعتقاد آخر نوى به الخير وعصى هواه المريد للشر، فذلك عمل القلب من أعمال الخير فجوزي على ذلك بحسنة، وهذا كقوله التعليم: ((على كل مسلم صدقة)) قالوا: فإن لم يفعل. قال: ((فليمسك عن الشر فإنه صدقة)). كما سلف في الأدب في باب: كل معروف صدقة(١). (١) سلف برقم (٦٠٢٢). ٥٤٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وحديث ابن عباس معناه مخصوص لمن هم بسيئة فتركها لوجه الله، ( كما في ((صحيح مسلم)): ((إنما تركها من جراي)))(١)، وأما من تركها مكرهًا على تركها؛ بأن يحال بينه وبينها فلا تكتب له حسنة ولا يدخل في معنى الحديث. قال المازَرِي: مذهب ابن الطيب أن من عزم على المعصية بقلبه ووطن عليها نفسه مأثوم في اعتقاده وعزمه، وقد يحمل ما وقع من هذِه الأحاديث وشبهها على أن ذلك فيمن لم يوطن نفسه على المعصية، وإنما مر ذلك على فكره من غير استقرار ويسمي هذا الهم، ويفرق بين الهم والعزم، ويكون معنى قوله في مسلم: ((لم تكتب عليه)) على هذا القسم الذي هو خاطر غير مستقر، وخالفه كثير من الفقهاء و(المحدثين)(٢) أخذًا بظاهر الأحاديث ويحتج للقاضي بقوله العلّا: ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما)) الحديث، وفيه: (لأنه كان حريصًا على قتل صاحبه)) فقد جعله مأثومًا بالحرص على القتل، وهذا قد يتأولونه على خلاف هذا. فيقولون: قد قال: ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما)» (٣) فالإثم إنما يتعلق بالفعل والمقاتلة، وهو الذي وقع عليه أسم الحرص، ويتعلق بالكلام على الهم ما في قصة يوسف وهو قوله: ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ [يوسف: ٢٤] أما على طريقة الفقهاء فذلك مغفور لهم غير مؤاخذ به إذا كان شرعه كشرعنا في ذلك، وأما على طريقة القاضي فيحمل ذلك على الهم الذي ليس هو بتوطين النفس، ولو حمل على غيره لأمكن أن يقال: هي صغيرة. (١) من (ص٢). (٢) في الأصل: (والنحويين). (٣) سلف برقم (٣١)، كتاب: الإيمان، باب: ﴿وَإِن طَايِفَنَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْنَتَلُواْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَأَ﴾.