النص المفهرس
صفحات 501-520
٥٠١ ـ كِتَابُ الرِّقَاقِ قَالَ: (إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا ، يَرْفَعُ اللهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ)). [انظر: ٦٤٧٧ - مسلم: ٢٩٨٨ - فتح: ١١ /٣٠٨]. ثم ساق أحاديث: أحدها : حديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عَُّ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ ◌ّهِ قَالَ: ((مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ (على الله)(١) الجَنَّةَ)). ثانيها : حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ باللفظ الذي علقه أولا وزيادة: ((وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ». ثالثها: حديث أَبِي شُرَيْحٍ مثله . رابعها : حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عَهُ: ((إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيْهَا بَزِلُّ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ)). خامسها : حديثه أيضا ، عَنِ النَّبِيِّ نَِّ: ((إِنَّ العَبْدَ يَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانٍ اللهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَرْفَعُ اللهُ لَهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًّا، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ)). الشرح : المراد بحفظ اللسان: عما لا ينبغي. والقول بالحق واجب، (١) من (ص٢). ٥٠٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == والصمت فيه غير واسع، روي عنه الَّئا أنه قال: ((أكثر الناس خطايا يوم القيامة أكثرهم خوضًا في الباطل))(١). وقال: التقي ملجم لا يتكلم بكل ما يريد، وقال: ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه))(٢). وقال عيسى ◌َل: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فيقسي قلوبكم؛ فإن القلب القاسي بعيد من الله(٣). قال مالك: من لم يعد كلامه من عمله كثر كلامه، ويقال: إن من علم أن كلامه من عمله قل كلامه. قال مالك: ولم يكونوا يهدرون الكلام هكذا، ومن الناس من يتكلم بكلام شهر في ساعة، وذكر عن بعض السلف أنه قال: لو كانت الصحف التي تكتب فيها أعمالنا من عندنا لأقللنا الكلام. وكان أكثر كلام أبي بكر : لا إله إلا الله، يقول: كان الأمر كذا ولا إله إلا الله، وكان كذا ولا إله إلا الله. فصل : والآية المذكورة أولا قال فيها الحسن وقتادة: يكتبان جميع الأشياء، وقال: وخصه عكرمة بالخير والشر(٤). ويقوي الأول تفسير أبي صالح في قوله: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩]، إن الملائكة تكتب كل ما يتكلم به المرء، فيمحو الله تعالى منه ما ليس له ولا عليه، ويثبت ما له وما عليه. والعتيد: الحاضر المهيأ. (١) رواه الطبراني ٩/ ١٠٤ (٨٥٤٧)، والبيهقي في ((الشعب)) ٤١٦/٧ (١٠٨٧)؛ وضعفه الألباني في ((ضعيف الجامع)) (١٣٩٣). (٢) رواه الترمذي (٢٣١٧)، وابن ماجه (٣٩٧٦)، وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (٥٩١١). (٣) رواه مالك في ((الموطأ)) ص ٦١٠. (٤) رواه الطبري في (تفسيره)) ٤١٦/١١-٤١٧ (٣١٨٦٤). ٥٠٣ كِتَابُ الرِّقَاقِ = وقال الداودي: هو الحافظ. والمعروف أن الرقيب هو: الحافظ، وأن العتيد عند أهل اللغة هو: الحاضر. فصل : وقوله: ((من يضمن لي)) هو بفتح الميم في مستقبله، وبكسرها في ماضيه، تقول: ضمنت الشيء أي: كفلت به، واللحى بفتح اللام وبكسرها: منبت الشعر من الإنسان وغيره. وما بين لَحْيَيْهِ: هو لسانه. وعلى هذا أورده البخاري هنا وغيره من العلماء. وقال الداودي: ( ((ما بين لحيَيْه)) ) يعني: الفم، من ضمن ما يكون منه من الشر من قول أو فعل بأكل أو شرب أو غيرهما . قال: ((وما بين رجليه)) يعني: الفرج. فمن حفظ هذين سلم من الشر كله؛ لأنه لم يبق إلا السمع والبصر، فإذا سمع أو رأى صار الفعل إلى الفم أو الفرج، فمن حفظهما كان أصل حفظه أن يحمي سمعه وبصره مما يؤديه إلى فعل الفم والفرج. فصل : رواية أبي سلمة عن أبي هريرة ظه: ((فلا يؤذي جاره))، وليس ذلك في رواية المَقْبُري، عن أبي شريح كما سقناه، ووقع في كلام الداودي أن رواية المقبري عن أبي هريرة: ((فليكرم جاره)). وليس كذلك فاعلمه، وإنما فيه: ((فليكرم ضيفه)) كما سقناه. فصل : السخط، والسخط خلاف الرضا، ومعنى: ((لا يلقي لها بالا)) لا يظن أنها بلغت ما هي بالغته، وقيل: إن أكثر ذلك في مجالس ذوي الأمر المطاع. وقال ابن وهب: يريد من اللفظ بالسوء لم يرد بذلك الحجة ٥٠٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = لأمر الله في الدين، وقيل: هي الكلمة عند ذي السلطان يرضيه بها فيما يسخط الله . وقوله: ( ((يهوي بها)) ) أي: يسقط، وهو بفتح الياء في مستقبله [النجم: ١]. ثلاثي، ومنه: ﴿ وَاَلنَّجْرِ إِذَا هَوَى ﴾﴾ وقوله: ( ((يزل بها)) ) أي: يدخل بها . قال الجوهري: تقول: زللت يا فلان زليلًا، إذا أزل في ظن أو منطق(١). وقال القزاز: زللت بالكسر يزل زللا، والاسم: الزلة والزليلى، وقرأناه بکسر الزاي. فصل : وما أحق من علم أن عليه حفظة موكلين به، يحصون عليه سقط كلامه وعثرات لسانه، أن يحزنه ويقل كلامه فيما لا يعنيه، وما أحراه بالسعي في أن لا يرتفع عنه ما يطول عليه ندمه من قول الزور والخوض في الباطل، وأن يجاهد نفسه في ذلك، ويستعين بالله، ويستعيذ من شر لسانه. فصل : وقوله: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت)). يعني: من كان يؤمن بهما الإيمان التام، فإنه ستبعثه قوة إيمانه على محاسبة نفسه في الدنيا، والصمت عما يعود عليه حسرة وندامة يوم القيامة، وكان الحسن يقول: ابن آدم، نهارك ضيفك فأحسن إليه؛ فإنك إن أحسنت إليه ارتحل يحمدك، وإن أسأت إليه ارتحل يذمك. (١) ((الصحاح)) ١٧١٧/٤، مادة: (زلل). ٥٠٥ كِتَابُ الرِّقَاقِ = وقال عمر بن عبد العزيز لرباح بن عبيد: بلغني أن الرجل ليظلم بالمظلمة، فما يزال المظلوم يشتم ظالمه حتى يستوفي حقه ويفضل الظالم عليه، وروى أسدٌ عن الحسن البصري قال: لا يبلغ أحد حقيقة الإيمان حتى لا يعيب أحدًا بعيب هو فيه، وحتى يبتدئ بصلاح ذلك العيب من نفسه؛ فإنه إن فعل ذلك لم يصلح عيبًا إلا وجد في نفسه عيبًا آخر، فينبغي له أن يصلحه، فإذا كان المرء كذلك كان شغله في خاصته واجبًا، وأحب العباد إلى الله من كان كذلك. فصل : قد أسلفنا أن المراد بـ((ما بين لحييه)): اللسان، فلم يتكلم بما يكتب عليه صاحب الشمال، وبـ((ما بين رجليه)) يعني: فرجه، فلم يستعمله فيما لا يحل، ودل بهذا الحديث أن أعظم البلاء على العبد في الدنيا اللسان والفرج، فمن وقي شرهما فقد وقي أعظم الشر، ألا ترى قوله: ((إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يلقى لها بالاً .. )) إلى آخره. وقال أهل العلم: هي الكلمة عند السلطان بالبغي والسعي على المسلم، فربما كانت سببًا لهلاكه، وإن لم يرد ذلك الساعي، لكنها آلت إلى هلاكه؛ فكتب عليه إثم (تلك)(١)، [و](٢) الكلمة التي يكتب الله له بها رضوانه، الكلمة يريد بها وجه الله بين أهل الباطل، أو الكلمة يدفع بها مظلمة عن أخيه المسلم، ويفرج عنه بها كربة من كرب الدنيا؛ فإن الله يفرج عنه كربة من كرب الآخرة ويرفعه بها درجات يوم القيامة. (١) في الأصل: ذلك، وفي الهامش: صوابه تلك، وهو ما أثبتناه. (٢) ليست في الأصل، والسياق يقتضيها. ٥٠٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = فصل : أفرد ابن أبي الدنيا للصمت مصنفًا كبيرًا (١)؛ فذكر فيه حديث عقبة بن عامر له: يا رسول الله، ما النجاة؟ قال: ((املِك عليك لسانك وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك))(٢). ومنها حديث أسود بن أصرم المحاربي: أوصني يا رسول الله. فذكر له بعد أن قال: أملك يدي ولساني، ((لا تبسط يدك إلا إلى خير، ولا تقل بلسانك إلا معروفًا))(٣). ومنها حديث معاذ: يا رسول الله، أنؤاخذ بما نقول؟ فقال: ((ثكلتك أمك يا ابن جبل، وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد (٤) ألسنتهم)) (٤) . ومنها حديث أنس # مرفوعًا: ((لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه)) (٥)، ومنها حديث عبد الله بن عمرو : ((من صمت نجا))(٦). وغير ذلك مما يطول. (١) في هامش الأصل: رويته عاليا سماعا بحلب، وهو في مجلدة. (٢) ((الصمت)) (٢)، ط. دار الكتاب العربي؛ تحقيق: أبي إسحاق الحويني. والحديث رواه الترمذي (٢٤٠٦)، وصححه الألباني في ((الصحيحة)) (٨٩٠). (٣) ((الصمت)) (٥)، والحديث رواه الطبراني ١/ ٢٨١ (٨١٧)، وصححه الألباني في ((الصحيحة)) (١٥٦٠). (٤) ((الصمت)) (٦)، والحديث رواه الترمذي (٢٦١٦)، وابن ماجه (٣٩٧٣)، وصححه الألباني في ((الصحيحة)) (٤١٢). (٥) ((الصمت)) (٩)، والحديث رواه أحمد ١٩٨/٣، والبيهقي في ((الشعب)) ٤١/١، وصححه الألباني ((الصحيحة)) (٢٨٤١). (٦) ((الصمت)) (١٠)، والحديث رواه الترمذي (٢٥٠١)، وأحمد ١٥٩/٢، وصححه الألباني في ((الصحيحة)) (٥٣٦). ٥٠٧ كِتَابُ الرِّقَاقِ = ٢٤- باب البُكَاءِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ٦٤٧٩- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، حَدَّثَنَا يَخْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَقْصٍ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ◌َُ، عَنِ النَّبِيِّ وَ قَالَ: ((سَبْعَةٌ يُظِلَّهُمُ اللهُ: رَجُلٌ ذَكَرَ اللّهَ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ)). [انظر: ٦٦٠ - مسلم: ١٠٣١- فتح: ٣١٢/١١]. ذَكَرَ فِيهِ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾: ((سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلَّه: رَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خاليا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ)) . وقد سلف (١) ( [وسيأتي](٢) في باب: فضل من ترك الفواحش، من كتاب: المحاربين)(٣) . وفي الباب أحاديث أخر منها: ما رواه أسد بن موسى، عن عمران ابن يزيد، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك مرفوعًا: ((أيها الناس، آبكوا فإن لم تبكوا فتباكوا، فإن أهل النار يبكون في النار حتى تسيل دموعهم في وجوههم كأنها جداول، ثم تنقطع الدموع وتسيل الدماء، فتقرح العيون، فلو أن السفن أجريت فيها لجرت))(٤). (١) سلف برقم (٦٦٠). (٢) زيادة ليست في (ص٢) لا يستقيم الكلام بدونها. (٣) من (ص٢). قلت: سيأتي برقم (٦٨٠٦). (٤) رواه أبو يعلى ١٦١/٧- ١٦٢ (٤١٣٤)، والبغوي في ((شرح السنة)) ٢٥٢/١٥- ٢٥٣ (٤٤١٨)، وفي ((معالم التنزيل)) ٨٠/٤ من طريق ابن المبارك عن عمران بن زيد، به. قال البوصيري في ((الإتحاف)) ٢١٦/٨ (١/١٧٨١٦): فيه يزيد الرقاشي، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ((ضعيف الترغيب)) (٢١٧٨). ٥٠٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وكان الَّة إذا قام إلى الصلاة سمع لجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء (١)، وهُذِه كانت سيرة الأنبياء والصالحين، كان خوف الله أشرب قلوبهم واستولى عليهم الوجل حتى كأنهم عاينوا الحساب، وعن يزيد الرقاشي قال: يا لهفاه، سبقني العابدون، وقطع بي نوح يبكي على خطيئته، ويزيد لا يبكي على خطيئته، إنما سمي نوحًا لطول ما ناح على نفسه من البكاء(٢). وذكر ابن المبارك، عن مجاهد قال: كان طعام يحيى بن زكريا العشب(٣)، وكان يبكي من خشية الله ما لو كان النار على عينيه لا تحرقه، ولقد كانت الدموع أتخذت في وجهه مجرئ. وقال ابن عباس مرفوعًا: ((كان مما ناجى الله موسى أنه لم يتعبد العابدون بمثل البكاء من خيفتي، أما البكاءون من خيفتي فلهم الرفيق لا يشاركون فيه»(٤) . وعن وهيب بن الورد، أن زكريا قال ليحيى ابنه شيئًا، فقال له: يا أبتِ إن جبريل أخبرني أن بين الجنة والنار مغارة لا يقطعها إلا كل بكاء. وقال الحسن: أوحى الله إلى عيسى أن أكحل عينيك بالبكاء إذا رأيت البطالين يضحكون. وعن وهب بن منبه، عن رسول الله وَال قال: ((لم يزل أخي داود باكيًا على خطيئته أيام حياته كلها، وكان (١) رواه أبو داود (٩٠٤)، والنسائي ١٣/٣، وأحمد ٢٥/٤. وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٨٣٩). (٢) ((حلية الأولياء) ٣/ ٥٠-٥١. (٣) ((الزهد)) (٤٧٩). (٤) رواه الطبراني ١٢٠/١٢-١٢١ (١٢٦٥٠)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) ٣٤٥/٧. قال الهيثمي في ((المجمع)) ٢٠٣/٨: فيه جويبر وهو ضعيف جدًّا. ٥٠٩ - كِتَابُ الرِّقَاقِ يلبس الصوف، ويفترش الشعر، ويصوم يومًا ويفطر يومًا، ويأكل خبز الشعير بالملح والرماد، ويمزج شرابه بالدموع، ولم ير ضاحكًا بعد الخطيئة، ولا شاخصًا ببصره إلى السماء، حياءً من ربه، وهذا بعد المغفرة، وكان إذا ذكر خطيئته خر مغشيًا عليه، يضطرب كأنه أعجب منه، فقال: وهذِه خطيئة أخرى)). وروي عن محمد بن كعب في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَثَابٍ﴾ [ص: ٢٥] قال: الزلفى: أول من يشرب من الكأس يوم القيامة داود وابنه عليهما الصلاة والسلام. قال بعضهم: أرىُ هُذِه الخاصية؛ لشربه دموعه من خشية الله. وكان عثمان إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته، فيقال له: قد تذكر الجنة والنار ولا تبكي، وتبكي من هذا؟ قال: إن رسول الله وَ ل﴾ قال: ((إن القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه))(١). وقال أبو رجاء: رأيت مجرى الدموع من ابن عباس كالشراك البالي من البكاء(٢). فصل : ومن أحاديث الباب قوله الطَّئها: ((لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين)). يعني: أهل الحجر(٣). وحديث أبي هريرة ت: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرًا)) (٤) من حديث أبي ذر بزيادة: ((ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله))(٥). (١) رواه الترمذي (٢٣٠٨) وابن ماجه (٤٢٦٧) وصححه الألباني في ((المشكاة)) (١٣٢). (٢) رواه ابن أبي شيبة ٢٢٤/٧. (٣) سلف برقم (٤٣٣)، ورواه مسلم (٢٩٨٠). (٤) سيأتي برقم (٦٦٣٧) كتاب: الأيمان والنذور، باب: كيف كانت يمين النبي ◌ُ (٥) رواه الترمذي (٢٣١٢) وضعفه الألباني في ((ضعيف الترمذي)) (٤٠١). ٥١٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح --- ومن حديث يزيد الرقاشي، عن أنس مرفوعًا: ((ابكوا))، وقد سلف للترمذي من حديث ابن عباس مرفوعًا: ((عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين حرست في سبيل الله)). ثم قال: حسن غريب(١) . وبعضهم رواه عن ابن عباس، عن العباس، ذكره أبو موسى المديني. وله من حديث أبي هريرة: ((ثلاثة أعين لا تمسها النار))(٢) فذكرهما، وزاد: ((وعين فقئت في سبيل الله)). قال المديني: قوله: (فقئت)) غريب لا أعرفه إلا من هذا الوجه. وذلك نحو ما روي عن عثمان بن مظعون، وقتادة بن النعمان رضي الله عنهما، وغيرهما، وروي هذا العدد أيضًا عن معاوية بن حيدة وابن عباس وأبي ريحانة إلا أنهم قالوا يدل فقء العين الغض عن محارم الله، وفي حديث أسامة بن زيد مرفوعًا: ((كل عين باكية يوم القيامة إلا أربعة أعين: عين بكت من خشية الله، وعين غضت عن محارم الله، وعين حرست في سبيل الله، وعين باتت ساهرة فباتت ساجدة لله تعالى))(٣). ومن حديث أبي هريرة # مرفوعًا: ((لا يدخل النار عين بكت من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع)) (٤). قال أبو موسى: وهو على شرط الترمذي والنسائي. ومن حديث زيد بن أرقم: قال رجل: يا رسول الله بما أتقي النار؟ قال: ((بدموع عينيك فإن عينًا بكت من (١) رواه الترمذي (١٦٣٩)، وصححه الألباني كما في ((المشكاة)) (٣٨٢٩). (٢) رواه الحاكم في ((المستدرك)) ٨٢/٢، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) ٤٨٨/١، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وضعفه الألباني في ((الضعيفة)) (٥١٤٤). (٣) رواه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) ١٦٣/٣. (٤) ((مسند الطيالسي)) ٣٢١/١ (٢٤٤٣). ٥١١ كِتَابُ الرِّقَاقِ = خشية الله لا تمسها النار أبدًا))(١). وقال: هذا إسناد غريب، ويروى من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أيضًا(٢). ومن حديث ابن مسعود مرفوعًا: ((ما من عبد مؤمن يخرج من عينيه دموع وإن كانت مثل رأس الذباب من خشية الله لم تصب شيئًا من خروجه إلا حرمه الله على النار))(٣). ثم قال: هذا الحديث من هذا الوجه يعرف بمحمد بن أبي حميد رواه عنه جماعة، ومن حديث قتادة، عن أنس رفعه: ((ما أغرورقت عين بمائها إلا حرمه الله على النار)) (٤). قال: ورواه عبيدة بن حسان، عن النضر بن حميد رفعه فزاد فيه: ((من خشية الله إلا حرم الله جسدها على النار؛ فإن فاضت على وجهه لم يرهق وجهه قتر ولا ذلة))(٥). ومن حديث أنس مرفوعًا: ((إن العبد ليمرض المرض فيرق قلبه فيذکر ذنوبه التي سلفت منه، فيقطر من عينه مثل رأس الذباب من الدمع، فيطهره الله من ذنوبه؛ فإن بعثه بعث مطهرًا وإن قبضه قبضه مطهرًا))(٦) . (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الرقة والبكاء)) ص٤٣ (٤)، والخطيب في (تاريخ بغداد)) ٨/ ٣٦٢، قال ابن الجوزي فى ((العلل المتناهية)) ٣٣٤/٢، ٣٣٥، (١٣٧١): لا يصح عن رسول الله بس، وقال الألباني في ((ضعيف الترغيب والترهيب)) (١٩٣٣): موضوع. (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الرقة والبكاء)) ص ٤٤ (٥). (٣) رواه ابن ماجه (٤١٩٧)، وضعفه الألباني في ((الضعيفة)) (١٥٦٢). (٤) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ١٨٩/١، وضعفه الألباني في ((ضعيف الترغيب والترهيب)) (١٩٣٧). (٥) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) ٤٩٥/١. (٦) رواه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) ٢٤٠/٥. ٥١٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ومن حديث ثابت عنه: نزل جبريل على رسول الله وَل قال: ((وعزتي وجلالي لا تبكين عين عبد في الدنيا من خشيتي إلا أكثرت ضحكها في الجنة))(١). ومن حديث القاسم، عن أبي أمامة رفعه: ((ليس شيء أحب إلى الله من قطرتين وأثرين: قطرة دمع من خشية الله، وقطرة دم تراق في سبيل الله، وأما الأثران: فأثر في سبيل الله وأثر في فريضة من فرائض الله))(٢). وقال أبو موسى: رواه أبو النضر، عن (أبي)(٣) الوليد، عن القاسم، عن أبي أمامة موقوفًا . وذكر ابن منجويه الدينوري في كتاب ((الوجل)) من حديث العباس مرفوعًا: ((إذا اقشعر جلد العبد من خشية الله تحاتت عنه خطاياه كما تحات عن الشجرة اليابسة ورقها)) (٤). قال أبو موسى: لا أعرفه إلا من حديث عبد العزيز بن محمد الدراوردي. قلت: أخرجه ابن منجويه أيضًا من حديث الليث بن سعد أيضًا. (١) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) ٤٨٩/١، وضعفه الألباني في ((ضعيف الترغيب والترهيب)) (١٩٤١). (٢) رواه الترمذي (١٦٦٩)، والطبراني ٢٣٥/٨، وحسنه الألباني في ((المشكاة)) (٣٨٣٧). (٣) من (ص٢). (٤) رواه ابن أبي شيبة ٢٢٥/٧ والبزار ١٤٨/٤،، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) ٤٩١/١، وضعفه الألباني في ((الضعيفة)) (٢٣٤٢). ٥١٣ كِتَابُ الرِّقَاقِ = ٢٥- باب الخَوْفِ مِنَ اللَّهِ رَّ ٦٤٨٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ حُذَيْفَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَ قَالَ: ((كَانَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ يُسِيءُ الظَّنَّ بِعَمَلِهِ، فَقَالَ لأَهْلِهِ إِذَا أَنَا مُتُّ فَخُذُونِي فَذَرُّونِي فِي الْبَحْرِ فِي يَوْمِ صَائِفٍ. فَفَعَلُوا بِهِ، فَجَمَعَهُ اللهُ ثُمَّ قَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى الذِي صَنَعْتَ؟ قَالَ: مَا حَمَلَنِي إِلَّ مَخَافَتُكَ. فَغَفَرَ لَهُ)). [انظر: ٣٤٥٢ - فتح: ١١ / ٣١٢]. ٦٤٨١ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا مُغْتَمِرٌ: سَمِعْتُ أَبِي، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَبْدِ الغَافِرِ، عَنْ أَبِ سَعِيدٍ عَثُ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّّ ذَكَرَ رَجُلًا فِيمَنْ كَانَ سَلَفَ أَوْ قَبْلَكُمْ آتَاهُ اللهُ مَالًا وَوَلَدًا - يَغْنِي: أَعْطَاهُ- قَالَ: ((فَلَمَّا خُضِرَ قَالَ لِبَنِيهِ: أَّ أَبِ كُنْتُ؟ قَالُوا: خَيْرَ أَبٍ. قَالَ: فَإِنَّهُ لَمْ يَبْتَثِرْ عِنْدَ اللهِ خَيْرًا -فَسَّرَهَا قَتَادَةُ: لَمْ يَذَّخِز- وَإِنْ يَقْدَمْ عَلَى اللهِ يُعَذِّبْهُ فَانْظُرُوا، فَإِذَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي، حَتَّى إِذَا صِرْتُ فَحْمًا فَاسْحَقُونِي - أَوْ قَالَ: فَاسْهَكُونِي - ثُمَّ إِذَا كَانَ رِيحٌ عَاصِفٌ فَأَذْرُونِي فِيهَا. فَأَخَذَ مَوَاثِيقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَرَبِّي فَفَعَلُوا، فَقَالَ اللهُ: كُنْ. فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ، ثُمَّ قَالَ: أىُ عَبْدِي، مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ؟ قَالَ: مَخَافَتُكَ - أَوْ فَرَقٌ مِنْكَ - فَمَا تَلَافَاهُ أَنْ رَحِمَهُ اللهُ». فَحَدَّثْتُ أَبَا عُثْمَانَ فَقَالَ: سَمِعْتُ سَلْمَانَ غَيْرَ أَنَّهُ زَادَ ((فَأَذْرُونِي فِي البَحْرِ)). أَوْ كَمَا حَدَّثَ. وَقَالَ مُعَاذٌ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، سَمِعْتُ عُقْبَةَ، سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيّ ◌َلَهِ. [انظر: ٣٤٧٨ - مسلم: ٢٧٥٧ - فتح: ١١ / ٣١٢]. ذَكَرَ فيهِ حَدِيث حذيفة وأبي سعيد رضي الله عنهما السالفين: كان رجل ممن كان قبلكم قال لأهله: إذا متُّ فأحرقوني وذرّروني في البحر. وأسلفنا أن القشيري روى في ((رسالته)) من حديث أبي هريرة ظ# عن رسول الله وَل أنه قال: م ٥١٤ ٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ((بينا رجل ممن كان قبلكم لم يعمل خيرا إلا التوحيد فقال لأهله: إذا متُّ فأحرقوني)» وفيه: «ما حملك على ما فعلت قال: استحياء منك يا رب فغفر له))(١). وذكر البخاري في باب: ما ذكر عن بني إسرائيل، قال حذيفة: كان نباشا(٢) فغفر له لشدة مخافته، فأقرب الوسائل إلى الله خوفه، وأن لا يأمن المؤمن مكره. قال (خالد)(٣) الربعي: وجدت فاتحة زبور داود: رأس الحكمة خشية الرب (٤)، وكان السلف الصالح قد (أشرب)(٥) الخوف من الله قلوبهم، واستقلوا أعمالهم ويخافون أن لا تقبل منهم مع مجانبتهم للكبائر. وروي عن عائشة رضي الله عنها: أنها سألت رسول الله وَله عن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْثُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠] قال: ((يا ابنة الصديق هم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون ويفرقون أن لا يقُبل منهم)) (٦). وقال مطرف بن عبد الله: كاد خوف النار يحول بيني وبين أن أسأل الله الجنة. وقال بكر لما نظر إلى أهل عرفات: ظننت أنهم قد غفر لهم لولا أني كنت معهم (٧). فهذِه صفة العلماء بالله الخائفين له يعدون أنفسهم من الظالمين الخاطئين وهم أنزاه (أبرار)(٨) مع (١) ((الرسالة القشيرية)) ص٢٩٨. وانظر ما سلف برقم (٣٤٥٢). (٢) سلف برقم (٣٤٥٢)، كتاب الأنبياء. (٣) رواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) ٩١/٧ (٣٤٢٤١). (٤) في الأصل: أشرأب، ولعل الصواب ما أثبتناه. (٥) في الأصل: (خلف)، والمثبت هو الصواب كما في مصادر التخريج. (٦) رواه الحميدي ٢٩٨/١. (٧) رواه البيهقي في ((الشعب)) ٣٠٢/٦. (٨) في الأصل: (براء من). ٥١٥ = = كِتَابُ الرِّقَاقِ المقصرين، وهم أكياس مجتهدون لا يدلون عليه بالأعمال، فهم مروعون خاشعون وجلون معترفون. قال ابن مسعود : وددت أني أنقلبت روثة لا أنسب إلا إليها فيقال عبد الله بن روثة وإن الله قد غفر لي ذنبًا واحدًا (١). وقال الحسن البصري: يخرج من النار رجل بعد ألف عام، وليتني كنت ذلك الرجل، لقد شهدت أقوامًا كانوا أزهد فيما أحل لهم منكم فيما حرم عليكم ولهم كانوا أبصر بقلوبهم منكم بأبصاركم، ولهم كانوا أشفق أن لا تقبل حسناتهم منكم أن لا تؤخذوا بسيئاتكم. وقال حكيم من الحكماء: إذا أردت أن تعلم قدرك عند الله فاعلم قدر طاعة الله في قلبك. وقال ميمون بن مهران: ما فينا خير إلا نظرنا إلى أقوام ركبوا الجرائم وعففنا عنها وظننا أن فينا خيرًا وليس فينا خير. فصل : فإن قلت: كيف غفر لهذا الذي أوصى أهله بإحراقه، وقد جهل قدرة الله على إحيائه، وذلك أنه قال: ((إن يقدر عليه يعذبه)). وقال في رواية أخرى: ((فوالله لئن قدر الله عليه ليعذ بنه))؟ قلت: اختلف الناس في تأويل هذا الحديث كما سلف، وعبارة الطبري: اختلف الناس في تأويله، فقال بعضهم: أما ما كان من عفو الله عما كان منه في أيام صحته من المعاصي فلندمه عليها وتوبته منها عند موته؛ ولذلك أمر ولده بإحراقه وتذريره في البر والبحر خشية من عقاب ربه، والندم توبة. ومعنى رواية من روى: (( (فوالله)(٢) لئن قدر الله علي)) أي: إن ضيق الله عليه؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ (١) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) ١٦٨/٣٣ - ١٦٩. (٢) من (ص٢). ٥١٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = [الطلاق: ٧] وقوله: ﴿وَأَمَّ إِذَا مَا أَبْثَلَئُهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: ١٦] لم يرد بذلك وصف بارئه بالعجز عن إعادته حيًّا، يوضحه قوله حين أحياه ربه تعالى فقال: ((ما حملك على الذي صنعت)) قال: ((ما حملني إلا مخافتك)). وفي حديث أبي سعيد: ((ما حملك على ما فعلت)) قال: ((مخافتك)) أو ((فرق منك)) وبالخوف والتوبة نجا من عذابه تعالى. وقال آخرون في معنى: ((لئن قدر الله علي)) القدرة التي هي خلاف العجز، وكان عنده أنه إذا أحرق في البر والبحر أعجز ربه عن إحيائه، قالوا: وإنما غفر له جهله بالقدرة؛ لأنه لم يكن تقدم من الله في ذلك الزمان فإنه لا يغفر الشرك به، وليس في العقل دليل على أن ذلك غير جائز في حكمة الله، بل الدليل فيه على أنه ذو الفضل والإحسان والعفو عن أهل الآثام، وإنما نقول: لا يجوز أن يغفر الشرك بعد قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] فأما جواز غفران الله ذلك لولا الخبر في كتابه فهو كان أولى بفضله والأشبه بإحسانه أنه لا يضره كفر كافر، ولا ينفعه إيمان مؤمن. وقال آخرون: غفر له وإن كان كفرًا من قوله، من أجل أنه قاله على جهل منه بخطئه، وظن أن ذلك صواب، قالوا: وغير جائز في عدل الله وحكمته أن يسوي بين من أخطأ وهو يقصد الصواب، وبين من تعمد الخطأ والعناد للحق في العقاب. وقال آخرون: إنما غفر له وإن كان كفرًا ممن قصد كفره وهو يعقل ما يقول؛ لأنه قاله وهو لا يعقل ما يقول، وغير جائز وصف من نطق بكلمة كفر وهو لا يعلمها كفرًا بالكفر، وهذا قاله وقد غلب على فهمه من الجزع الذي كان لحقه؛ لخوفه من عذاب الله وهذا نظير ٥١٧ كِتَابُ الرِّفَاقِ = الخبر المروي عن رسول الله ◌َ﴾ في الذي يدخل الجنة آخر من يدخلها، فيقال له: إن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها فيقول للفرح الذي يدخله فيقول: يا رب، أنت عبدي(١) وأنا ربك مرتين، قالوا: فهذا القول لو قاله على فهم منه بما يقول كان كفرًا، وإنما لم يكن منه كفرًا؛ لأنه قاله وقد استخفه الفرح من بدائه أن يقول: أنت ربي وأنا عبدك، فلم يكن مأخوذًا بما قال من ذلك، ويشهد لصحة هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ، وَلَكِن ◌َا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] وسيأتي مذهب الأشعري في باب قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُواْ كَلَمَ اَللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥] من كتاب الاعتصام(٢) فهو حديث أكثر الناس فيه القول، وادعت المعتزلة أنه إنما غفرله من أجل توبته التي تابها، فوجب على الله قبولها عقلًا، ومذهب أهل السنة أن الرب لا يجب لعبده عليه شيء، وإنما هو من باب التفضل والإحسان. والشيخ أبو الحسن الأشعري يقطع بقبول التوبة سمعًا، ومن سواه من أهل السنة يجوزه كسائر الطاعات، وعلى هذا يجوز الغفران بفضله عليه بقبول توبته. وقال قوم: غفر له بأصل توحيده الذي لا يضر معه معصية، وعُزي إلى المرجئة. فصل : قوله: ( ((فذروني)) ) أي: فرقوني وهو بضم الذال ثلاثي متعد. (١) في هامش الأصل: الذي أعرفه أن هذا قاله الذي سقط على بعيره في أرض فلاة، وعليه طعامه وشرابه وأما هذا فإنه قال: ((أتسخر مني وأنت الملك)) والله أعلم. (٢) في هامش الأصل: إنما هو في كتاب التوحيد، وهو غير كتاب الاعتصام، وقد وقع له ذلك غير مرة، والذي ظهر لي أن الكتابين عنده واحد، واسمه كتاب الأعتصام، وهذا ليس في روايتنا، والله أعلم. ٥١٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح قال الجوهري وغيره: يقول: ذررت الملح والدواء والحب أذروه ذرًّا، أي: فرقته(١). ومنه الذريرة، ويصح فتح الذال من ذرت الريح الشيء تذروه أي: تفرقه، ومنه قوله تعالى: ﴿نَذْرُؤُهُ الْرِّيَخْ﴾ [الكهف: ٤٥]. وقال ابن التين: قرأناه بالفتح، ورويناه بالضم. وقوله: ( ((فلما حضر))) أي: حضره الموت. وقوله: ( ((فإنه لم يبتئر عند الله خيرًا)) . فسرها قتادة: لم يدخر) وهو تفسير صحيح. قال في ((الصحاح)) وغيره: بأرت الشيء، وابتأرته: أدخرته، (والبثيرة)(٢): الذخيرة (٣)، وكان الأصمعي والكسائي يقولان فيه: لم يقدم خيرًا. وكان غيرهما يقول معناه أنه لم يقدم خيرًا لنفسه حياته. وقال: إن أصل الابتئار: الإخفاء. يقال منه: بأرت الشيء وابتأرته أبتئارًا، ومنه سميت الحفرة البؤرة، وفيه لغتان: أبتأرت وائتبرت، ومصدره أبتئارًا. وقال صاحب ((العين)): (البئرة بوزن) (٤) فعلة: ما دخرت من شيء(٥). وقوله: ( ((إذا مت فأحرقوني))). هو رباعي من أحرق فهو مقطوع الألف. والفحم: جمع فحمة، وقد تحرك حاؤه. وقوله: ( ((فاسحقوني))). هو ثلاثي وألفه ألف وصل، وكذلك ((فاسهكوني)) ثلاثي أيضًا . قال الخطابي: السهك دون السحق، وهو أن يفت الشيء أو يدق (١) ((الصحاح)) ٦٦٣/٢. (٢) في هامش الأصل: حاشية: على فَعِيلة .. (٣) ((الصحاح)) ٥٨٣/٢. (٤) في (ص٢): (التبئرة كون). (٥) ((العين)) ٢٩٠/٨. ٥١٩ == ڪِتَابُ الرِّقَاقِ قطعًا صغارًا(١). وقال الجوهري: السهك لغة في السحق(٢). وقوله: ( ((فإذا كان ريح عاصف فأذروني)) ). يصح أن يقرأ موصول الألف من ذروت الشيء: فرقته. ويصح أن يكون أصله رباعيًا فتقطع ألفه من قولهم: أذرت العين دمعها، وأذرت الرجل عن (قوسه)(٣) أي: رميته. ذكره ابن التين. وقال: قرأناه بقطع الهمزة. وقوله: ((فما تلافاه أن رحمه)). أي: تلقاه برحمته. فصل : روى الحافظ أبو موسى المديني في ((ترغيبه وترهيبه)) من حديث سليمان بن عمرو، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن واثلة بن الأسقع مرفوعًا: ((من خاف الله تعالى خوف الله تعالى منه كل شيء، ومن لم يخف الله تعالى خوفه من كل شيء))(٤). ثم قال: هذا حديث يعرف لسليمان هذا وهو النخعي، وقد رواه عن إسحاق بن وهب العلاف غير محمد بن أحمد بن معدان أيضًا كذلك، ورواه أبو حنيفة الواسطي، عن إسحاق، عن علي بن المبارك، وكان الأول أصح، ثم ساقه من حديث علي مرفوعًا كذلك، ثم قال: قيل: تفرد به القاسم وقد رواه غياث بن إبراهيم، عن جعفر بن محمد، لم يذكر فيه عليًّا، ويروى بإسناد منقطع أيضًا مرفوعًا، ويروى عن (١) ((أعلام الحديث)) ٢٢٤٩/٣. (٢) ((الصحاح)) ١٥٩٢/٤، مادة: (سهك). (٣) كذا بالأصل، ولعلها: فرسه. (٤) رواه القضاعي في ((مسند الشهاب)) ٢٦٥/١ (٤٢٩) من طريق عامر بن المبارك العلاف، عن سليمان بن عمرو، به. وذكره المنذري في ((الترغيب والترهيب)) وعزاه إلى أبي الشيخ في ((الثواب)) وقال: ورفعه منكر. وكذلك قال الألباني في ((ضعيف الترغيب)) (١٩٧٢)، وانظر ((السلسلة الضعيفة)) (٤٨٥). ٥٢٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - عبد الله بن مسعود موقوفًا . ثم ساق من حديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا: ((إنما سلط على ابن آدم من خافه ابن آدم، فلو أن ابن آدم لم يخف إلا الله لم يسلط عليه غيره، وإنما وكل ابن آدم إلى من رجاه، فلو أن ابن آدم لم يرج إلا الله لم يكله إلى غيره))(١) . ثم ساقه من حديث أبي كاهل (٢) قال: قال لي رسول الله وُّ: ((اعلم يا أبا كاهل أنه لن يغضب الله على من كان في قلبه مخافته، ولا تأكل النار منه هدية))(٣). ثم قال: هذا حديث لا يعرف إلا بهذا الإسناد من حديث الفضل بن عطاء. فصل : روى الجُوزي من حديث معاذ مرفوعًا: ((يا معاذ، إن المؤمن لا ينام قلبه، ولا يسكن روعه، ولا يطمئن من اضطرابه، يخاف جسر جهنم، المؤمن التقوى رقيته، والقرآن دليله، والخوف محجته، والشوق مطيته، والوجل شعاره)) (٤). الحديث. (١) أورده المتقي الهندي في ((كنز العمال)) (٥٨٦٥) وعزاه للحكيم الترمذي، وقال الألباني في ((الضعيفة)»: موضوع. (٢) هو أبو كاهل الأحمسي، ويقال البجلي، قال ابن عبد البر: له صحبة ورواية، ذُكِر له حديث منكر طويل، فلم أذكره. ((الاستيعاب)) ٣٠١/٤ (٣١٧٣)، وانظر: ((أسد الغابة)) ٦/ ٢٦٠ (٦١٨٦). (٣) رواه العقيلي في ((الضعفاء)) ١٥٠٢/٣ ومن طريقه ابن الجوزي في ((الموضوعات)) (١٦٥٠) من طريق الفضل بن عطاء، عن الفضل بن شعيب، عن أبي منظور، عن أبي معاذ، عن أبي كاهل، به. قال العقيلي: إسناده مجهول فيه نظر، لا يُعرف إلا من هذا الوجه. أهـ. وذكره الذهبي في ((الميزان)) ٢٧٤/٤ وقال: سند مظلم، والمتن باطل. (٤) لم أقف عليه.