النص المفهرس
صفحات 481-500
٤٨١ كِتَابُ الرِّقَاقِ = ومن حديث المحبر بن هارون، عن أبي يزيد المديني، عن (عبد الرحمن)(١) بن المرقع(٢)؛ ومن حديث موسى الجهني عن زيد بن وهب مثله مرفوعًا (٣) . وروينا في كتاب (الجوزي) (٤) من حديث شقيق البلخي، عن إبراهيم بن أدهم، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة عليه قال: دخلت على النبي ◌ٍَّ﴾ وهو يصلي جالسًا فسألته، فقال: ((من الجوع)). فبكيت، فقال: ((لا تبك فإن شدة الحساب لا تصيب الجائع إذا احتسب)). وكان بشر بن الحارث يقول: الجوع يصفي الفؤاد، ويميت الهوى، ويورث العلم الدقيق. ورأى يحيى بن طاهر العلوي سيدنا رسول الله وَّ في المنام وهو يقول: يا طاهر أطعم هؤلاء المتصوفة - يعني: الذين شكوا الجوع- وقل لهم: من لم يصبر على الجوع (فليخرج)(٥) من جواري. وقال عروة بن الزبير: من ضبط نفسه ضبط الأخلاق الصالحة. (١) في (ص٢): أبي عبد الرحمن. (٢) ((الجوع)) (٢). (٣) السابق (٣). (٤) في (ص٢): ابن الجوزي. (٥) في الأصل: فلعمري. والمثبت من (ص٢). ٤٨٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ١٨- باب القَصْدِ وَالْمُدَاوَمَةِ عَلَى العَمَلِ ٦٤٦١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا أَبي، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَشْعَثَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ مَشْرُوقًا قَالَ: سَأَلَّتُ عَائِشَةَ رضي الله عنها: أَيُّ العَمَلِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى النَّبِيِّ نَّهِ؟ قَالَتِ: الدَّائِمُ. قَالَ: قُلْتُ: فَأَيَّ حِينٍ كَانَ يَقُومُ؟ قَالَتْ: كَانَ يَقُومُ إِذَا سَمِعَ الصَّارِخَ. [انظر: ١١٣٢ - مسلم: ٧٤١ - فتح: ٢٩٤/١١]. ٦٤٦٢- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُزْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ أَحَبُّ العَمَلِ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَ الذِي يَدُومُ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ. [انظر: ١١٣٢- فتح: ١١/ ٢٩٤]. ٦٤٦٣- حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا ابن أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ بَّهِ: (لَنْ يُنَجِّيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ)). قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِرَحْمَةٍ، سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَاغْدُوا وَرُوحُوا، وَشَيْءٌ مِنَ الدُّلْجَةِ، وَالْقَصْدَ القَصْدَ تَبْلُغُوا)). [انظر: ٣٩- مسلم: ٢٨١٦- فتح: ٢٩٤/١١]. ٦٤٦٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ قَالَ: ((سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَاعْلَمُوا أَنْ لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ عَمَلُهُ الجَنَّةَ، وَأَنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ أَدْوَمُهَا إِلَى اللهِ وَإِنْ قَلَّ)). [١٩٧٠، ٦٤٦٥، ٦٤٦٧ - مسلم: ٧٨٢، ٢٨١٨ - فتح: ٢٩٤/١١]. ٦٤٦٥ - حَدَّثَنِي نُحَمَّدُ بْنُ عَزْعَرَةَ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِنْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ: سُئِلَ النَّبِيُّ ◌ََّ: أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ قَالَ: ((أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ)). وَقَالَ: ((اكْلَفُوا مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ)). [انظر: ١٩٧٠ - مسلم: ٧٨٢، ٧٨٣ - فتح: ١١/ ٢٩٤]. ٦٤٦٦ - حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أُمَّ المُؤْمِنِينَ، عَائِشَةَ قُلْتُ: يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ كَيْفَ كَانَ عَمَلُ النَّبِيِّ ٤٨٣ = كِتَابُ الرِّفَاقِ وَه؟ هَلْ كَانَ يَخُصُّ شَيْئًا مِنَ الأَيَّامِ؟ قَالَتْ: لَا، كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً، وَأَيُّكُمْ يَسْتَطِيعُ مَا كَانَ النَّبِيُّ ◌َِّ يَسْتَطِيعُ؟ !. [انظر: ١٩٨٧ - مسلم: ٧٨٣ - فتح: ١١ /٢٩٤]. ٦٤٦٧ - حَدَّثَنَا عُلَّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا نُحَمَّدُ بْنُ الزِّبْرِقَانِ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ بَلَ قَالَ: ((سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، فَإِنَّهُ لَا يُدْخِلُ أَحَدًا الجَنَّةَ عَمَلُهُ)). قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِمَغْفِرَةٍ وَرَحْمَةٍ)). قَالَ: أَظُنُّهُ عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ أَبِ سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ. وَقَالَ عَفَّنُ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَلَّهَ: ((سَدِّدُوا وَأَبْشِرُوا)). وَقَالَ مُجَاهِدٌ: سَدَادًا ﴿سَدِيدًا﴾ [النساء: ٩] وَسَدَادًا صِدْقًا. [انظر: ٦٤٦٤ - مسلم: ٢٨١٨- فتح: ٢٩٤/١١]. ٦٤٦٨- حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ◌َُهُ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِوَ لَّهِ صَلَّى لَنَا يَوْمًا الصَّلَاةَ، ثُمَّ رَقِيَ الِنْبَرَ فَأَشَارَ بِيَدِهِ قِبَلَ قِبْلَةِ المَسْجِدِ فَقَالَ: ((قَدْ أُرِيتُ الآنَ- مُنْذُ صَلَّيْتُ لَكُمُ الصَّلَاةَ- الجَنَّةَ وَالنَّارَ مُمَثَلَتَيْنِ فِي قُبُلِ هذا الجِدَارِ، فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِي الخَيْرِ وَالشَّرِّ، فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِي الخَيْرِ وَالشَّرِ)). [انظر: ٩٣ - مسلم: ٢٣٥٩ - فتح: ٢٩٥/١١] . ذکر فيه أحاديث: أحدها : حديث مسروق: سَأَلْتُ عَائِشَةَ رضي الله عنها: أَيُّ العَمَلِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى رسول الله وَّهِ؟ قَالَتِ: الدَّائِمُ. قَالَ: قُلْتُ: فَأَيَّ حِينٍ كَانَ يَقُومُ؟ قَالَتْ: كَانَ يَقُومُ إِذَا سَمِعَ الصَّارِغَ. ثانیھا : حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ أَحَبُّ العَمَلِ إِلَى ٤٨٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - رَسُولِ اللهِ نَّهِ الذِي يَدُومُ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ. ثالثها : حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (لَنْ يُنَجِّيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ)). قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِرَحْمَتِهِ، سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَاغْدُوا وَرُوحُوا، وَشَيْءٌ مِنَ الدُّلْجَةِ، وَالْقَصْدَ القَصْدَ تَبْلُغُوا)). وَقَالَ مُجَاهِدٌ: سَدَادًا وتسديدًا: صِدْقًا. رابعها : حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّه ◌ِلِّ قَالَ: ((سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَاعْلَمُوا أَنْ لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ عَمَلُهُ الجَنَّةَ، وَأَنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ" خامسها : حديثها أَيْضًا قَالَتْ: سُئِلَ رسول الله وََّ: أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ قَالَ: ((أَدْوَمُه وَإِنْ قَلَّ)). وَقَالَ: ((الْلَفُوا مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ)). سادسها : حديث عَلْقَمَةَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ رضي الله عنها كَيْفَ كَانَ عَمَلُ رسول الله وَلّهِ؟ هَلْ كَانَ يَخُصُّ شَيْئًا مِنَ الأَيَّامِ؟ قَالَتْ: لَا، كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً، وَأَيُّكُمْ يَسْتَطِيعُ مَا كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ يَسْتَطِيعُ؟ ! . سابعها : حدثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الزِّبْرِقَانِ، ثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها عَنِ النَّبِيِّ ◌َِ قَالَ: ((سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، فَإِنَّهُ لَا يُدْخِلُ أَحَدًا الجَنَّةَ عَمَلُهُ)). قَالُوا: ٤٨٥ كِتَابُ الرِّقَاقِ = وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِرَحْمَتِهِ)). قَالَ: أَظُنُّهُ عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ. وَقَالَ عَمَّانُ: ثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بَهِ: ((سَدِّدُوا وَأَبْشِرُوا)). قَالَ مُجَاهِدٌ: سَدَادًا وسَدِيدًا: صِدْقًا . ثامنها : حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكِ ﴾ أنه وَهِ صَلَّى لَنَا يَوْمًا الصَّلَاةَ، ثُمَّ رَقِيَ المِنْبَرَ فَأَشَارَ بِيَدِهِ قِبَلَ قِبْلَةِ المَسْجِدِ فَقَالَ: ((قَدْ رَأَيْتُ الآنَ -مُنْذُ صَلَّيْتُ لَكُمُ الصَّلَاةَ- الجَنَّةَ وَالنَّارَ مُمَثَلَتَيْنٍ فِي قُبُلِ هذا الجِدَارِ، فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِي الخَيْرِ وَالشَّرِّ، فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِ الخَيْرِ وَالشَّرِّ). الشرح : حديث عفان كأن البخاري أخذه عنه مذاكرة، وأخرجه مسلم عن محمد بن حاتم، ثنا بهز، ثنا وهيب، عن موسى به(١). وأغرب ابن مَنده فقال في جزء له: إن البخاري حيث قال: قال فلان، فهو تدلیس. وهو بعید. وقد قال ابن القطان لما ذكر تدليس الشيوخ قال: لم يصح ذلك عن البخاري قط . ومعنى: ( ((يتغمد))): يغمر، ومعناه لغة: الستر. يقال: تغمدت فلانًا أي: سترت ما كان منه وغطيت، ومنه: غمد السيف. قال أبو عبيد: لا أحسب يتغمدني إلا مأخوذًا من غمد السيف؛ لأنك إذا غمدته فقد ألبسته إياه وغشيته به . (١) مسلم (٢٨١٨). ٤٨٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ( ((واغدوا وروحوا))) هو مثل ضربه للعمل أي: يعمل ثم (يجمر)(١) نفسه فيعمل طرفي النهار ويستريح وسطه لئلا يمل، والدلجة بضم الدال وفتحها مثل: برهة من الدهر وبرهة، وأراد بذلك زيادة صلاة الليل. وقوله: ( ((والقصدَ القصدَ)) ) هو منصوب على الإغراء أي: الزموا القصد . و( ((اكلفوا))) بفتح اللام. وقال ابن التين: قرأناهما بالضم، وهو بالفتح في كتب أهل اللغة. ويقال: كلف بهذا الأمر بالكسر كلفًا وهو الإبلاغ بالشيء. وقوله: (ديمة) أي: دائمًا مثل الديمة من المطر، وأصل الديمة: المطر الدائم مع سكون، فشبهت عائشة رضي الله عنها عمله في دوامه مع الاقتصاد وترك الغلو بديمة المطر. وقال ابن فارس: هو الذي يقيم أيامًا(٢)، وقال الجوهري: الديمة: المطر الذي ليس فيه رعد ولا برق، أقله ثلث النهار أو ثلث الليل، وأكثره ما بلغ من العدد(٣). وقوله: ( ((ممثلتين في قبل هذا الجدار)) ) قال الداودي: يريد قدامه. وقال الجوهري: يقال: أنزل بقبل هذا الجدار أي: بسفحه (٤) وهو أسفله حيث يتفسح فيه الماء. فصل : قال المهلَّب: إنما حضَّ الشارع أمته على القصد والمداومة على (١) في (ص٢): يحمي. (٢) ((مجمل اللغة)) ٣٤١/١، مادة: (ديم). (٣) ((الصحاح)) ١٩٢٤/٥، مادة: (ديم). (٤) ((الصحاح)) ١٧٩٥/٥، مادة: (قبل). ٤٨٧ كِتَابُ الرِّقَاقِ = العمل وإن قل، خشية الانقطاع عن العمل الكثير، فكأنه رجوع عن فعل الطاعات، وقد ذم الله ذلك، ومدح من أوفى بالنذر. وقد سلف بيان هذا المعنى في أبواب صلاة الليل من كتاب الصلاة . فإن قلت: إن قول عائشة رضي الله عنها: لم يكن رسول الله ـلى الله وســ يخص شيئًا من الأيام بالعمل يعارضه قولها: ما رأيت رسول الله أكثر صيامًا منه في شعبان(١). قيل: لا تعارض بينهما، وذلك أنه العليمي كان كثير الأسفار في الجهاد، فلا يجد سبيلا إلى صيام الثلاثة الأيام من كل شهر، فيجمعهما في شعبان. ألا ترى إلى قول عائشة رضي الله عنها: كان يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم (٢)، فهذا يبين أنه لم يخص شيئًا من الزمان، إنما كان يوقع العبادة على قدر نشاطه وفراغه من جهاده وأسفاره، فيقل مرة ويكثر أخرى، وقد قيل في معنى (كثرة صيامه في شعبان وجوهٌ أخرى)(٣)، قد ذكرتها في باب: صوم شعبان في كتاب الصيام، فإن قلت: فما معنى ذكر حديث أنس في هذا الباب؟ قيل: معناه أن يوجب ملازمة العمل وإدمانه ما مثل له من الجنة للرغبة، ومن النار للرهبة، فكان في ذلك فائدتان: إحداهما (٤): ينبغي للناس أن يتمثلوا الجنة والنار بين أعينهم إذا وقفوا بين يدي الله تعالى، كما مثلهما الله لنبيه، وشغله بالفكرة (١) سلف برقم (١٩٦٩) كتاب: الصوم، باب: صوم شعبان. (٢) أنظر الهامش السابق. (٣) في الأصل: إن صيامه في شعبان أجوبة أخر. والمثبت من (ص٢). (٤) في الأصل: إحداها والمثبت من (ص٢). ٤٨٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - فيهما عن سائر الأفكار الحادثة عن تذكير الشيطان بما يسهيه حتى لا یدري کم صلی. والثانية: أن يكون الخوف من النار الممثلة، والرغبة في الجنة، نصب عيني المصلي، فيكونا باعثين له على الصبر، والمداومة على العمل المبلغ إلى رحمة الله، والنجاة من النار برحمته. فإن قلت: قوله: ((لن يدخل أحدكم الجنة عمله)) يعارض قوله: [الزخرف: ٧٢]. وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَِّىّ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُتُمْ تَعْمَلُونَ قيل: لا تعارض؛ فإن دخولها هو برحمة الله لا بعمله، والله أخبر أن الجنة تنال المنازل فيها بالأعمال، أي: كما هو مبين في الحديث. ومعلوم أن درجات العباد فيها متباينة على قدر تباين أعمالهم. فمعنى الآية في ارتفاع الدرجات وانخفاضها، والنعيم فيها، ومعنى الحديث في الدخول في الجنة والخلود فيها، فلا تعارض. فإن قلت: فقد قال الله تعالى: ﴿أَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] فأخبر أن دخولها بالأعمال أيضًا. فالجواب أن قوله: ﴿أَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ كلام مجمل وتقديره أدخلوا منازل الجنة وبيوتها بما كنتم تعملون، فالآية مفتقرة إلى بيان الحديث. وللجمع بين الحديث وبين الآيات، وجه آخر، هو أن يكون الحديث مفسرًا للآيات، ويكون تقديرها: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِىّ أُورِثْتُمُوهَا الزخرف: ٧٢] و: ﴿كُلُواْ وَأَشْرَبُواْ هَنِيْئًا بِمَا كُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (49) تَعْمَلُونَ ﴾ [الطور: ١٩]، و﴿أَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ مع رحمة الله لكم وتفضله عليكم؛ لأن فضله ك ورحمته لعباده في اقتسام ٤٨٩ = كِتَابُ الرِّقَاقِ المنازل في الجنة، كما هو في دخولها لا ينفك منه حين ألهمهم إلى ما نالوا به ذلك، ولا يخلو شيء من مجازات الله عباده من رحمته وتفضله، ألا ترى أنه جازى على الحسنة عشرًا وعلى السيئة واحدةً، وأنه أبتدأ عباده بنعم لا تحصى، لم يتقدم لهم فيها سبب ولا فعل، منها: أن خلقهم بشرًا سويا، ومنها: نعمة الإسلام، ونعمة العافية، ونعمة تضمنه لأرزاق عباده، وأنه كتب على نفسه الرحمة، وأن رحمته سبقت غضبه(١)، إلى ما لا يهتدى إلى معرفته من ظاهر النعم وباطنها . فصل : وقول مجاهد: (سدادًا سديدًا: صدقًا)، كأنه يريد به ما رواه الطبري في (تفسيره)) عن موسى بن هارون، ثنا عمرو بن طلحة، ثنا أسباط، عن السدي، عن ابن أبي نجيح، عن ورقاء، عن مجاهد(٢). (١) سيأتي برقم (٧٤٢٢). (٢) (تفسير الطبري)) ٣٣٨/١٠ من طريق الحسن عن ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد. ٤٩٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ١٩- باب الرَّجَاءِ مَعَ الخَوْفِ وَقَالَ سُفْيَانُ: مَا فِي القُرْآنِ آيَةٌ أَشَدُّ عَلَيَّ مِنْ ﴿لَسْتُمْ عَلَى شَىْءٍ حَتَّى تُقِيمُواْ التَّوْرَنَةَ وَالْإِنجِيلَ﴾ [المائدة: ٦٨]. ٦٤٦٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ◌َُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ يَقُولُ: ((إِنَّ اللهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، وَأَرْسَلَ فِي خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً وَاحِدَةً، فَلَوْ يَعْلَمُ الكَافِرُ بِكُلِّ الذِي عِنْدَ اللهِ مِنَ الرَّحْمَةِ لَمْ يَيْأَسْ مِنَ الجَنَّةِ، وَلَوْ يَعْلَمُ المُؤْمِنُ بِكُلِّ الذِي عِنْدَ اللهِ مِنَ العَذَابِ لَمْ يَأْمَنْ مِنَ النَّارِ)). [انظر: ٦٠٠٠ - مسلم: ٢٧٥٢ - فتح: ٣٠١/١١]. هذا مذكور في تفسيره، والمراد: حتى تعملوا بما فيهما (وتقرأوا بما فيهما)(١) عن محمد وعيسى عليهما السلام، وقيل: من صفات نبينا، وقال غيره: أخوف آية ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]. ثم ساق حديث (عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ)(٢) أَبِي هُرَيْرَةَ عُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهُ يَقُولُ: ((إِنَّ اللهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، وَأَرْسَلَ فِي خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً وَاحِدَةً، فَلَوْ يَعْلَمُ الكَافِرُ بِكُلِّ الذِي عِنْدَ اللهِ مِنَ الرَّحْمَةِ لَمْ بَيْأَسْ مِنَ الجَنَّةِ، وَلَوْ يَعْلَمُ المُؤْمِنُ بِكُلِّ الذِي عِنْدَ اللهِ مِنَ العَذَابِ لَمْ يَأْمَنْ مِنَ النَّارِ)». (وهذا الحديث سلف في كتاب الأدب من حديث الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة)(٣). (١) من (ص٢). (٣) من (ص٢)، والحديث سلف برقم (٦٠٠٠). (٢) من (ص٢). ٤٩١ كِتَابُ الرِّقَاقِ = وفيه: بيان أن الرحمة التي جعلها في عباده مخلوقة، وكذلك سائر المائة، بخلاف الرحمة التي هي صفة من صفاته. واليأس: القنوط، يقال: يئس بالكسر: ييأس، وفيه لغة أخرى بكسر الهمزة من مستقبله، وهو شاذ. قال المبرد: منهم من يبدل في المستقبل الياء الثانية ألفًا؛ فيقول: يائس وآيس، وعلى هذا ما تقدم. ٤٩٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ٢٠- باب الصَّبْ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ رَّ وقول الله تعالى ﴿إِنََّا يُوَّ الصَِّرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]. وَقَالَ عُمَرُ عَّه: وَجَدْنَا خَيْرَ عَيْشِنَا بِالصَّبْرِ. ٦٤٧٠- حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَبِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أُنَاسًا مِنَ الأَنَّصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ مَِّ، فَلَمْ يَسْأَلَّهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَّ أَعْطَاهُ، حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُمْ حِينَ نَفِدَ كُلُّ شَيْءٍ أَنْفَقَ بِيَدَيْهِ: (مَا يَكُنْ عِنْدِي مِنْ خَيْرِ لَا أَدَّخِرُهُ عَنْكُمْ، وَإِنَّهُ مَنْ يَسْتَعِفَّ يُعِفُّهُ اللهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ، وَلَنْ تُعْطَوْا عَطَاءَ خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ)). [انظر: ١٤٦٩ - مسلم: ١٠٥٣ - فتح: ٣٠٣/١١]. ٦٤٧١- حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَخْيَى، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عِلَاقَةَ قَالَ: سَمِعْتُ المُغِيرَةَ بْنَ شُغْبَةَ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ◌ََّ يُصَلِّي حَتَّى تَرِمَ - أَوْ تَنْتَفِخَ - قَدَمَاهُ، فَيُقَالُ لَهُ، فَيَقُولُ: ((أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟)). [انظر: ١١٣٠ - مسلم: ٢٨١٩- فتح: ٣٠٣/١١]. ثم ذكر حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أَنَّ نَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ وَّهِ، فَلَمْ يَسْأَلْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَّا أَعْطَاهُ، حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُمْ حِينَ نَفِدَ كُلُّ شَيْءٍ أَنْفَقَ بِيَدَيْهِ: ((مَا يَكُنْ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فلم أَدَّخِرْهُ عَنْكُمْ، وَإِنَّهُ مَنْ يَسْتَعِفَّ يُعِقَّهُ اللهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ، وَلَنْ تُعْطَوْا عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ)). وحديث المُغِيرَةِ -رضي الله عنه- يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ونَ﴿ يقوم حَتَّى تَرِمَ - أَوْ تَنْتَفِخَ - قَدَمَاهُ، فَيُقَالُ لَهُ، فَيَقُولُ: ((أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟!)) . ٤٩٣ كِتَابُ الرِّقَاقِ = الشرح : (معنى حديث أبي سعيد سلف في الزكاة(١)، وحديث المغيرة سلف في قيامه العَئلا)(٢). ومعنى (((يستعف))) لا يلحف في المسألة، كذا شرحه ابن التين. وقال ابن بطال: مَنْ يعفه الله يستعفف، وكذا: من نصره الله ينصر ومن يغنه الله لآية، [الليل: ٥] يستغن، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَأَنَّقَى وبين صحة هذا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ﴾ [التوبة: ١١٨] فلولا ما سبق في علمه أنه قضى لهم بالتوبة ما تابوا، وكذلك في العفة والغنى والصبر، لولا ما سبق في علمه أنهم ممن يقع ذلك منهم ما قدروا على شيء من ذلك بفعلهم، يبين ذلك قوله القذيفة: ((اعملوا فكل ميسر لما خلق له))(٣). وهذا حجة في أن أفعال العباد خلق الله تعالى. وقوله: ( ((يعفه الله)) ) أي: يرزقه ما يعفه إما المال أو القناعة. وقوله: (ترم)، يقال: ورم يرم بالكسر فيهما وهو شاذ مثل: يئس. قال الأصمعي: يقال يئس بيئس، وحسب يحسب، ونعم ينعم بالكسر فيهن. وقال أبو زيد: علياء مضر يكسرون العين فيهن وسفلاها يفتحونها. وقال سيبويه، هذا عند أصحابنا إنما يجيء على لغتين بمعنى، يئس ييأس، وياءس يئس لغتان، ثم ركب منهما، وأما: ورم يرم، وومق یمق و(نفق ينفق) (٤)، (وولى يلي)(٥)، وورث يرث فلا يجوز فيهن إلا الكسر لغة واحدة. (١) سلف برقم (١٤٦٩). (٢) من (ص٢). والحديث سلف برقم (١١٣٠). (٣) سلف برقم (٤٩٤٩)، ورواه مسلم (٢٦٤٧/ ٧). (٤) في (ص٢): (وفق يفق). (٥) من (ص٢). ٤٩٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح فصل : أرفع الصابرين منزلة عند الله من صبر عن محارم الله، وصبر على العمل بطاعته، ومن فعل ذلك فهو من خالص عباده وصفوته، ألا ترى قوله الَّهي: ((لم تعطوا عطاء خيرًا وأوسع من الصبر)). وسئل الحسن عن قوله الثّ حين سئل عن الإيمان، فقال: ((الصبر والسماح))(١). فقيل للحسن: ما الصبر والسماح؟ قال: السماح لفرائض (١) رواه ابن أبي شيبة في ((الإيمان)) (٤٣)، ومن طريقه البيهقي في ((الشعب)) ١٢٢/٧ (٩٧١٠) من طريق هشام، عن الحسن، عن جابر بن عبد الله، مرفوعًا. قال الألباني في تعليقه على ((الإيمان)) (٣٥): حديث صحيح؛ رجاله ثقات لولا عنعنة الحسن. ورواه أبو يعلى ٣/ ٣٨٠ (١٨٥٤)، وعنه ابن عدي فى (الكامل))، ٤٨٤/٨، من طريق يوسف بن محمد بن المنكدر، عن أبيه، عن جابر بن عبدالله مرفوعًا. قال الحافظ العراقي في ((تخريج الإحياء)) (٣٢٩١): فيه يوسف بن محمد بن المنكدر؛ ضعفه الجمهور؛ وقال في موضع آخر (٣٦٧٢): فيه يوسف بن محمد ابن المنكدر، ضعيف. وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٥٩/١: فيه يوسف بن محمد بن المنكدر، وهو متروك. وانظر: ((الصحيحة) ٩٣/٢. قلت: وفي الباب عن عمرو بن عبسة: رواه أحمد ٣٨٥/٤، وعبد بن حميد في ((المنتخب)) (٣٠٠)، والبيهقي في ((الشعب)) ٢٤٢/٦ (٨٠١٥)، من طريق حجاج بن دينار، عن محمد بن ذكوان، عن شهر بن حوشب، عن عمرو بن عبسة، مرفوعًا. قال الحافظ العراقي في ((تخريج الإحياء)) (٣٢٩١): فيه شهر بن حوشب. وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٥٤/١: في إسناده شهر بن حوشب وقد وثق على ضعف فيه. وفي الباب أيضا عن عبادة بن الصامت وعمير بن قتادة الليثي؛ وانظر: ((الصحيحة)) (١٤٩١، ١٤٩٥). ٤٩٥ = ڪِتَابُ الرّقَاقِ الله، والصبر عن محارم الله(١). وقال الحسن: وجدت الخير في صبر ساعة . فصل : الصبر في حديث المغيرة صبر على العمل بطاعة الله؛ لأنه الكلية كان يصلي بالليل حتى ترم قدماه، ويقول: ((أفلا أكون عبدا شكورا؟!)) واختلف السلف في حد الشكر كما قال الطبري، فقال بعضهم: شكر العبد ربه على أياديه عنده، ورضاه بقضائه وتسليمه لأمره فيما نابه من خير أو شر. ذكره الربيع بن أنس، عن بعض أصحابه. وقال آخرون: شكر العبد طاعته لربه، روي ذلك عن السدي ومحمد بن كعب. وقال آخرون: هو الإقرار بالنعم أنها لله وأنه المتفضل بها، وقالوا : الحمد لله والشكر معنى واحد، روي ذلك عن ابن عباس وابن زيد. قال الطبري: والصواب في ذلك أن شكر العبد هو إقراره بأن ذلك من الله دون غيره، إقرارًا بحقيقة الفعل ويصدقه العمل، فأما الإقرار الذي يكذبه العمل فإن صاحبه لا يستحق اسم الشاكر بالإطلاق، ولكنه يقال: شكر باللسان، والدليل على صحة ذلك. قوله تعالى: ﴿أَعْمَلُواْ ءَلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣] ومعلوم أنه لم يأمرهم، إذ قال لهم ذلك بالإقرار بنعمته؛ لأنهم كانوا لا يجحدون أن یکون ذلك تفضلا منه علیھم، وإنما أمرهم بالشكر على نعمه بالطاعة له بالعمل. وكذلك قال نبينا حين تفطرت قدماه ما سلف. فإن قلت: أي: المنزلتين أعلى الصبر أو الشكر؟ قيل: كل رفيع الدرجة شريف المنزلة، وما ذو العافية والرخاء، كذي الفاقة والبلاء (١) رواه البيهقي في ((الشعب)) ١٢٢/٧ (٩٧٠٩). ٤٩٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وفي قوله: ﴿إِنََّا يُوَنَّ الصَّبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] وخصوصه إياهم من الأجر على صبرهم دون سائر من ضمن له ثوابًا على عمله ما يبين عن فضل الصبر، وقد روى الأعمش عن أبي الزبير عن جابر رفعه: ((يود أهل العافية يوم القيامة أن جلودهم في الدنيا كانت تقرض بالمقاريض لما يرون من ثواب الله لأهل البلاء)) (١) . وذكر ابن أبي الدنيا من حديث أم هانئ رضي الله عنها قالت: دخل عليَّ رسول الله وَّر فقال: ((أبشري فإن الله قد أنزل لأمتي الخير كله، إن الحسنات يذهبن السيئات)» قلت: بأبي وأمي، وما الحسنات؟ قال: ((الصلوات الخمس)). ودخل عليَّ فقال: ((أبشري فإن الله قد نزل خيرًا لا شر بعده)) قلت: بأبي وأمي، ما هو؟ قال: «أنزل الله ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾، فقلت: يا رب، زد أمتي)). فأنزل الله تعالى: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِ كُلِّ سُتْلَةٍ مِّأْئَةُ حَبَّةٌ﴾ [البقرة ٢٦١] فقلت: (يا رب، زد أمتي)). فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَّ الصَّبِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾(٢) [الزمر: ١٠]. وروى الطبراني من حديث الحسن، (عن جده)، عن رسول الله وقوله : ((إن في الجنة شجرة يقال لها: شجرة البلوى، يؤتى بأهل البلاء يوم القيامة، فلا يرفع لهم ديوان ولا ينصب لهم ميزان، فيصب عليهم الأجر صبًّا)) ثم قرأ: ﴿إِنَّمَا يُوَّ الصَِّرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾(٣). (١) رواه الترمذي (٢٤٠٢)، وصححه الألباني في ((الصحيحة)) (٢٠٦). (٢) ((شرح ابن بطال)) ١٠ / ١٨٣ - ١٨٤. (٣) ((المعجم الكبير)) ٩٢/٣-٩٣ (٢٧٦٠)؛ قال الهيثمي في ((المجمع)) ٣٠٥/٢: فيه سعد بن طريف؛ وهو ضعيف جدًّا. = ٤٩٧ كِتَابُ الرِّقَاقِ ٢١- باب ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ [الطلاق: ٣] قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمِ: فِي كُلِّ مَا ضَاقَ عَلَى النَّاسِ. ٦٤٧٢ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ ◌ُصَيْنَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: كُنْتُ قَاعِدًا عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَقَالَ: عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّ قَالَ: ((يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًّا بِغَيْرِ حِسَابٍ، هُمُ الذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكِّلُونَ)). [انظر: ٣٤١٠ - مسلم: ٢٢٠- فتح: ١١/ ٣٠٥] . ثم ذكر حديث ابن عَبَّاسِ : ((يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ، هُمُ الذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيِّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)) . وقد سلف(١)، وكذا أغفله ابن التين وابن بطال فمن بعدهم. (١) سلف برقم (٥٧٥٢) كتاب: الطب، باب: من لم يرق. ٤٩٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ٢٢- باب مَا يُكْرَهُ مِنْ قِيلَ وَقَالَ ٦٤٧٣- حَدَّثَنَا عَلِيَّ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُغِيرَةُ وَفُلَانٌ وَرَجُلٌ ثَالِثٌ أَيْضًا، عَنِ الشَّغَبِيِّ، عَنْ وَرَّادِ كَاتِبِ المُغِيرَةِ بْنِ شُغْبَةَ أَنَّ مُعَاوِيَةً كَتَبَ إِلَى الْمُغِيرَةِ أَنِ أَكْتُبْ إِلَى بِحَدِيثٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِِّ، قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْمُغِيرَةُ: إِّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ عِنْدَ آَنْصِرَافِهِ مِنَ الصَّلَاةِ: ((لا إله إِلَّ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهْوَ عَلَى كُلِّ شَىءٍ قَدِيرٌ)). ثَلاَثَ مَرَّاتٍ. قَالَ: وَكَانَ يَنْهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةِ المَالٍ، وَمَنْعِ وَهَاتِ، وَعُقُوقِ الأَمَّهَاتِ، وَوَأْدِ البَنَاتِ. وَعَنْ هُشَيْمِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ وَرَّادًا يُحَدِّثُ هذا الحَدِيثَ، عَنِ المُغِيرَةِ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َثِّرِ. [انظر: ٨٤٤ - مسلم: ٥٩٣ - فتح: ١١ /٣٠٦]. ذَكَرَ فيهِ حَدِيث المغيرة بطوله، وقد سلف (١)، وفيه: وَكَانَ يَنْهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ. لا جرم حذفه ابن بطال. قال أبو عبيد: فيه تجوز غريب، وذلك أنه جعل القال مصدرًا كأنه قال: عن قيل، قال، وقول، يقال، قلت، قولًا، وقيلًا، وقالًا، ومعناه أنه نهى عن الإكثار مما لا يغني من أحاديث الناس، ورويناه منونًا على أنه مصدر فيهما، وروي تركه، وقيل في معناه: إنه يذكر أقوالًا للعلماء في الحادثة، ويرتكب أحدها بغير دليل. وقوله: (وعن كثرة السؤال) أي: عما لا حاجة فيه، أو السؤال المعروف، أو الإلحاف فيه أو عما لا يعني كان نهى عنه. (١) سلف برقم (٨٤٤، ١٤٧٧، ٢٤٠٨، ٥٩٧٥). ٤٩٩ - كِتَابُ الرِّقَاقِ وقال مالك: والله ما نعرف إن كان هو هذا الذي أنتم فيه من تفريع المسائل(١). وقيل: أراد النهي عن السؤال عن أشياء سألت عنها، وأراد السؤال عنها لئلا يحرم شيئًا كان مسكونًا عنه. وقوله: (وإضاعة المال) أي: وضعه في غير محله وحقه. وقوله: (ومنع وهات) يعني: منع ما يجب من الحقوق وسؤال ما ليس له. وقوله: (ووأد البنات) هي البنت تدفن حية، كانوا يفعلونه في الجاهلية إذا ولد للفقير منهم بنت دسها في التراب، كما حكى الله عنهم، يقال: وأدت الوائدة ولدها تئده وأدًا، وكل هذا سلف واضحًا. (١) أنظر: ((المنتقى)) ٣١٥/٧. ١٠٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == ٢٣- باب حِفْظِ اللَّسَانِ وقول النبي ◌َّ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ)). وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ : [ق: ١٨]. ١٨ رَقِبُ عِيدٌ ٦٤٧٤- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ المُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِىّ، سَمِعَ أَبَا حَازِمِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ بَّهِ قَالَ: ((مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الجَنَّةَ)). [انظر: ٦٨٠٧ - فتح: ٣٠٨/١١]. ٦٤٧٥ - حَدَّثَنِي عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ)). [انظر: ٥١٨٥- مسلم: ٤٧ - فتح: ٣٠٨/١١]. ٦٤٧٦- حَدَّثْنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا لَيْثُ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِي شُرَيْحِ الْخُزَاعِيِّ قَالَ: سَمِعَ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي النَّبِيَّ وَ يَقُولُ: ((الضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامُ جَائِزَتُهُ)). قِيلَ: مَا جَائِزَتُهُ؟ قَالَ: ((يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِّ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَسَّكُتْ)). [انظر: ٦٠١٩- مسلم: ٤٨- فتح: ٣٠٨/١١]. ٦٤٧٧ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنِي ابن أَبِي حَازِمٍ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِنْرَاهِيمَ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ سَمِعَ رَسُولَ اللهِوَلّه يَقُولُ: ((إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا، يَزِلَّ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ المَشْرِقِ)). [٦٤٧٨- مسلم: ٢٩٨٨ - فتح: ٣٠٨/١١]. ٦٤٧٨- حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ، سَمِعَ أَبَا النَّضْرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ - يَغْنِي: ابن دِينَارٍ - عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلىالله