النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١
كِتَابُ الرِّقَاقِ
=
حاله مسبوقا في الآخرة لما حضَّ الشارع على أن يتنافس(١) في عمله،
ولحض أبا لبابة على الحالة التي يسبق بها إلى الجنة، ألا ترى قوله في
حديث: ((الخيل لثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر،
فالذي عليه وزر فرجل ربطها فخرًا ورياء ونواء لأهل الإسلام))(٢)،
فهذا من المحبوسين للحساب. والأولان فهو كفافهما، غير أن آفات
الغنى أكثر، والناجون من أهل الغنى أقل؛ إذ لا يكاد يسلم من آفاته
إلا من عصمه الله؛ فلذلك عظمت منزلة المعصوم فيه؛ لأن الشيطان
يسول فيه إما في الأخذ بغير حقه، أو الوضع في غير حقه، أو في
منعه من حقه، أو في (التجبر)(٣) والطغيان من أجله، أو في قلة
الشكر عليه، أو المنافسة فيه إلا ما لا يبلغ صفته.
فصل :
قال المهلب: دخول الفقراء قبل الأغنياء بالمدة المذكورة ليس فيه
تفضيل للفقر؛ لأن تقديم دخولها لا تستحق به فضيلة؛ ألا ترى أنه العليا
أفضل البشر ولا يتقدم بالدخول(٤) فيها حتى يشفع في أمته، وكذلك
صالح المؤمنين يشفعون في قوم دونهم في الدرجة، وإنما ينظر يوم
القيامة بين الناس فيتقدم الأقل حسابًا فالأقل. فلذلك قدمت الفقراء؛
لأنه لا غلبة عليهم في حساب الأموال، فيدخلون الجنة قبل الأغنياء،
ثم يحاسب أصحاب الأموال فيدخلون الجنة، وينالون فيها من
(١) من (ص٢).
(٢) سلف برقم (٢٨٦٠) كتاب: الجهاد والسير، باب: الخيل لثلاثة.
(٣) في الأصل: الفخر. والمثبت من (ص٢).
(٤) ورد بهامش الأصل: هذا الكلام فيه نظر، ومع ذلك هو أول من يقرع باب الجنة،
والله أعلم.

٤٦٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -=
الدرجات ما قد لا يبلغهم الفقر.
فصل :
وكذلك ليس قوله: ((اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء))
لا يوجب فضل الفقير، وإنما معناه أن الفقراء في الدنيا أكثر من
الأغنياء فأخبر عن ذلك، كما تقول: أكثر أهل الدنيا الفقراء. لا من
جهة التفضيل، وإنما هو إخبار عن الحال، وليس الفقر أدخلهم
الجنة، إنما دخلوا بصلاحهم مع الفقر، أرأيت الفقير إذا لم يكن
صالحًا فلا فضل له في الفقر.
فصل :
وحديث سهل لا يخلو أن يكون فضل الفقير عليهم لفقره أو لفضله،
فإن كان الثاني فلا حجة فيه لهم، وإن كان الأول فكان ينبغي أن يشترط
في ملء الأرض مثله لا فقير لهم، ولا دلالة في الحديث على تفضيله
عليه مع جهة فقره، لأنا نجد الفقير إذا لم يكن صالحًا، فكل غني
صالح خير منه .
فصل :
في حديث خباب أن هجرتهم لم تكن لدنيا يصيبونها ولا نعمة
يستعجلونها، وإنما كانت لله؛ ليثيبهم عليها في الآخرة بالجنة والنجاة
من النار، فمن قتل منهم قبل أن يفتح الله عليهم البلاد قالوا: مَرَّ ولم
يأخذ من أجره شيئًا في الدنيا، وكان أجره في الآخرة موفرًا له، وكان
الذي بقي منهم حتى فتح الله عليهم الدنيا ونالوا من الطيبات خشوا
أن يكون عجل لهم أجر طاعتهم وهجرتهم في الدنيا بما نالوا فيها من
النعيم؛ إذ كانوا على نعيم الآخرة أحرص.

٤٦٣
كِتَابُ الرِّقَاقِ
=
فصل :
وتركه التَّ الأكل على الخوان وأكل المرفق، فإنما فعل ذلك؛ لأنه
رفع الطيبات للحياة الدائمة في الآخرة، ولم يرض أن يستعجل في
الدنيا الفانية شيئًا منها، أخذًا منه بأفضل الدارين، وكان قد خيره الله
بين أن يكون نبيًّا عبدًا أو نبيًّا ملكًا، فاختار عبدًا(١)، فلزمه أن يفي لله
بما اختاره. والمال إنما يرغب فيه مع مقارنة الدين، ليستعان به على
الآخرة، والشارع مغفور له، فلم يحتج إلى المال من هذا الوجوه،
وكان ضمن الله له رزقه بقوله: ﴿نَّحْنُ نَرْزُقُكْ وَالْعَقِبَةُ لِلنَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢]
فصل :
وقول عائشة رضي الله عنها: (لقد توفي رسول الله وَلاو .. ) إلى
آخره. هو في معنى حديث أنس ه الذي قبله من الأخذ بالاقتصاد
وبما يسد الجوعة.
وفيه: بركة الشارع، وأن الطعام المكيل يكون فناؤه معلومًا للعلم
بكيله، وأن الطعام غير المكيل فيه البركة؛ لأنه غير معلوم مقداره(٢).
(والرف: شبه الطاق، والجمع رفوف، قاله في ((الصحاح))(٣). وقال
في ((المطالع)): الرف خشب يرفع عن الأرض في البيت يرفأ إليه ما يراد
حفظه، وهو الرفوف أيضًا)(٤).
فصل :
قد أسلفنا أن ابن قتيبة صنف في تفضيل الغنى على الفقر، وأتى
على ذلك بأخبار لا تثبت أسانيدها ولا تصح مرسلاتها، ثم أولها
(١) تقدم تخريجه.
(٢) انتهى من ((شرح ابن بطال)) ١٦٨/١٠: ١٧٤.
(٣) ((الصحاح)) ١٣٦٦/٤، مادة: (رفف).
(٤) من (ص٢).

٤٦٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -=
بتوهمه أن ذلك تأويلها، ولو صحت لكان تأويلها غير تأويله، بل لا يصح
تأويله أصلًا.
ثم أتى بأشعار أحتج بها على الشريعة، ثم بحكايات وأوصاف
ليست بحجج ولا دلائل؛ بل هي خطب وتواريخ ومحن، فلسنا
نقول: أن الغنى مكروه؛ بل هو مباح، وإنما الكلام في الأفضل،
فمما قاله: زعم أنه العَّ روي عنه - بغير سند ولا إمام- أنه تعوذ من
الفقر، ثم فسر ذلك بأنه لا يجوز أن يكون فقر النفس، وإنما هو فقر
المال، وادعى أن له على ذلك شواهد كثيرة: منها :
أنه كان يقول في دعائه: ((اللهم إني أعوذ بك من غنى يبطر وفقر
مرب أو ملب)). وهو الملاصق بالأرض.
وكذلك قوله: ((لا غنى يطغي ولا فقر ينسي)) وفسره فقال: دعا
بالتوسط في الحد، فتدبروا قوله.
هذا تأويله، فما أبعده مما قاله واعتقده، وحسب أن هذا له دليلٌ،
وهو عليه حجة؛ وذلك أنه ذكر حديثًا لا يعرف، وقصد إلى الشواذ ثم
جعله حجة في تفضيل الغنى، ولو صح ما كان في مثل هذا الغنى،
ولا في مثل هذا الفقر، وكلاهما مرديان؛ لأن الغني المبطر قد عصى
الله به، والفقير المنسي قد نسي الله فعصاه، قال تعالى: ﴿نَسُواْ اللَّهَ
فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] وإنما الكلام في الغنى الذي لا يبطر، والفقر
الذي لا ينسي. فمن قال مثل قوله هذا: هل مَرَّ به من إنعام النظر
مثقال ذرة؟!
ثم فسره أيضًا بأن الفقر الذي استعاذ منه إنما هو فقر المال دون فقر
النفس برواية وبغير رواية، والأولى على ظاهر الحديث أن يكون استعاذ
من فقر النفس دون المال بدلالة الحديث الثابت:

٤٦٥
كِتَابُ الرِّقَاقِ
=
((ولكن الغنى غنى النفس))(١).
واحتج أيضًا بحديث مرسل لا تثبت به حجة، أنَّ الحسن قال: أنه التّالي.
قال: ((كاد الفقر أن يكون كفرًا)). وهو غير صحيح، ولو صح لكان تأويله
سترًا من النار: لأن معنى كفرت الشيء: سترته، ولو قلنا بتأويله للزم منه
الفقر في الدنيا، ودخول النار في الآخرة لكفره. ويدل على أن الفقر أفضل
قول عمر في غزوة نها وند إذ جيء بمالها فصب في المسجد: ما فتح الله هذا
على قوم إلا سفكوا عليه دماءهم، وقطعوا أرحامهم. فهل سَفَك الناس
دماءهم، وقطعوا أرحامهم على الفقر؟! فكيف يكون المال أفضل على
هذا من الفقر، وهو ذريعة إلى قطع الأرحام؟ فإن أحتج متوهم بعيد
الفهم بقول الله تعالى: ﴿تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] يعني: مالا؛ قلنا: قد
[العاديات: ٨] يعني: المال،
٨
قال أيضًا: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدُ
فقد عاب محبته مع تسميته خيرًا، وعابه أيضًا في آية أخرى، فقال:
﴿فَمَّا الْإِنْسَنُ إِذَا مَا أَبْئَلَئُهُ رَبُّهُ﴾ الآية [الفجر: ١٥].
واحتج أيضًا بقول الشاعر:
ليس من مات فاستراح بميت إنما الميتُ ميت الأحياء
ويرده أنه تعالى قال: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْئًا فَأَحْيَيْنَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢]
قيل: كان كافرًا فأحييناه بالإسلام، أو ضالا فهديناه كما قال مجاهد.
ولم يقل أحد أن ذلك في الفقر من المال.
قال ابن قتيبة: قبض الله نبينا موسرًا إنما قال عليه، فتأول بذلك أنه
لم يكن دعاؤه إذ استعاذ (من الفقر)(٢) إلا فقر المال.
(١) سلف برقم (٦٤٤٦) كتاب: الرقاق، باب: الغنى غنى النفس.
(٢) من (ص٢).

٤٦٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
[الضحى: ٨] فالعائل:
وقد قال تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى
الفقير.
قال البخاري: عائلًا: ذو عيال(١) خلاف قول ابن قتيبة وهو أوفق.
ويقال لابن قتيبة: لو أنعمت النظر لما احتججت بمثل هذا، لأن
سورة الضحى مكية، والغنى قد يكون غنى النفس، ويكون من المال
كما تقدم عنه، وإنما قال: (فأغنى) ولم يقل: سأغنيك؛ لأن فدك
والنضير وخيبر كان فتحها بعد هذه السورة بسنين، وقال عمر: إن الله
خص رسوله في هذا المال بشيء لم يعطه أحدًا غيره(٢)، فإذا كان
مخصوصًا بشهادة عمر، فكيف يجوز أن يكون لمن لم يخص بمثل
هذا الخصوص؟!
وقد روى أبو هريرة : أن رسول الله وَّه قال: ((اللهم أجعل رزق
آل محمد قونًا)) كما سيأتي(٣) .
فإن قلت: إن الغنى أفضل؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَعِذُواْ لَهُم مَّا أُسْتَطَعْتُم
◌ِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠] والخيل لا يقوم إلا بالغنى.
قيل له: هُذِهِ حال ضرورة إلى الغنى في هذِه الحال، وإذا دعت
الضرورة إلى الغنى في حال يجوز أن يكون الغنى أفضل، كما أن
الصلاة على هيئتها هو الغرض الذي لا يجوز غيره، وإذا دعت
ضرورة الخوف إلى القصر من هيئتها في تلك الحال لم يجز على
الإطلاق؛ إلا أن تكون تلك الصلاة في تلك الهيئة من القصر أفضل،
(١) سلف في كتاب: التفسير، سورة الضحى.
(٢) سلف برقم (٤٠٣٣) كتاب: المغازي، باب: حديث بني النضير.
(٣) سيأتي برقم (٦٤٦٠) كتاب: الرقاق، باب: كيف كان عيش النبي ◌َّ وأصحابه ..

٤٦٧
كِتَابُ الرِّقَاقِ
=
بل الصلاة على هيئتها من التمام هو الواجب، فكما لم يغير حال الخوف
من جواز قصر الصلاة من فرض تأديتها على هيئتها في غير الخوف،
كذلك لا تغير الضرورة إلى الغنى في حال الجهاد أنَّ الفقر أفضل من
الغنى.
ألا ترى أنه العليّه كان يجعل ما أفاء الله عليه بعد نفقته في الكراع
والسلاح وما يحتاج الجهاد إليه؛ فإن قيل: إنما نقاتل العدو بالغنى،
وهو المال. قيل: ليس كذلك؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً
فَأَثْبُتُوا﴾ إلى قوله: ﴿مَعَ الصَّبِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٥- ٤٦] فقد نفى أن يكون
المال من صفة القتال، وقال تعالى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ
أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ﴾ [البقرة: ٢٤٧]، وقال هرقل
لأبي سفيان إذ سأله عن سيدنا رسول الله وَله: أشراف الناس أتبعوه
أم ضعفاؤهم؟ فذكر أن ضعفاءهم أتبعوه، فقال: هم أتباع الرسل (١).
فقد أعلمك أن الضعفاء أتباع الرسل، وهم الذين قاتلوا الكفار.
وقال أبو أمامة الباهلي: لقد فتح الفتوح أقوام ما كانت حلية سيوفهم
الذهب والفضة إلا العلابي والآنك والحديد(٢).
فصل :
المختار عندنا: أن الغني الشاكر أفضل من الفقير الصابر؛ لأن
الغنى هي الحالة التي توفي عليها الشارع، وهي أكمل الحالات.
وقد سئل سيدي أبو علي الدقاق: أيهما أفضل الغنى أو الفقر ؟
فقال: الغنى؛ لأنه وصف الحق، والفقر وصف الخلق، ووصف
(١) سلف برقم (٧) كتاب: بدء الوحي، ورواه مسلم (١٧٧٣) كتاب: الجهاد والسير،
باب كتاب النبي ◌َّ إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٢٥ (١٩٤٥٤).

٤٦٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
الحق أفضل من وصف الخلق، وما أحسن هذا، وأما الكفاف فهي
الدرجة الرفيعة؛ لأنه العليم لا يَسأل إلا أفضل الأحوال.
وفي ابن ماجه من حديث أنس مرفوعًا: ((ما من غني ولا فقير إلا وَدَّ
يوم القيامة أنه أوتي قوتًا))(١).
قال القرطبي: فعلى هذا أهل الكفاف هم - إن شاء الله- صدر كتيبة
الفقراء الداخلين قبل الأغنياء بخمسمائة عام؛ لأنهم وسطهم، والوسط :
العدل(٢)؛ قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًّا﴾ [البقرة: ١٤٣].
فصل :
معنى (حَرِيٌّ) في حديث سهل: حقيق.
والنمرة: في حديث خباب: بردة يلبسها الإماء، أو إزار من صوف
مخطط، وقال الجوهري: بردة من صوف يلبسها الأعراب(٣)، وقال
ابن فارس: كساء ملون (٤).
والإذْخِر: نبت ريحه طيب، وهو جمع، والواحدة: إذْخِرة(٥).
ومعنى (أينعت): أدركت، وكذلك ينع.
قال القزاز: وأينع أكثر من ينع.
(ويَهْدبُهَا): بضم الدال وكسرها أي: يجنيها .
والخوان: بضم الخاء وكسرها: المائدة المعدة لذلك، ويقال فيه
أيضًا: الأخوان.
(١) ابن ماجه (٤١٤٠)، وضعفه الألباني في ((الضعيفة)) (٤٨٦٩).
(٢) ((المفهم)) ١٣١/٧ - ١٣٢.
(٣) ((الصحاح)) ٨٣٨/٢، مادة: (نمر).
(٤) ((مجمل اللغة)) ٨٨٥/٢، مادة: (نمر).
(٥) ((الصحاح)) ٦٦٣/٢، مادة: (ذخر).

٤٦٩
كِتَابُ الرِّقَاقِ
=
فصل :
قوله: (تابعه أيوب وعوف. وقال صخر وحماد بن نجيح: عن أبي
رجاء عن ابن عباس)، أما متابعة أيوب فأخرجها النسائي عن بشر بن
هلال، عن عمران بن موسى، عن عبد الوارث، عن أبي أيوب، عن
أبي رجاء، عن عمران(١).
وأما متابعة عوف، فذكرها في النكاح عن عثمان بن الهيثم. ثنا
عوف، عن أبي رجاء(٢).
وقال أبو مسعود الدمشقي: إنما رواه عن أيوب -كما قاله البخاري-
عبدُ الوارث، وسائر أصحاب أيوب يقولون: عن أيوب، عن أبي رجاء،
عن ابن عباس.
وقد رواه أبو الأشهب وابن أبي عروبة وابن علية والثقفي وعاصم بن
هلال وجماعة؛ عن أيوب، عن أبي رجاء، عن ابن عباس.
قلت: رواه النسائي عنه عن أبي رجاء، عن عمران، وأخرجه
الترمذي عن ابن بشار، عن ابن أبي عدي وغندر وعبد الوهاب؛ عن
عوف، عن أبي رجاء، ثم قال: حسن صحيح.
قال: وهكذا يقول عوف، عن أبي رجاء، عن عمران.
وكذا روى غيره. ويقول أيوب: عن أبي رجاء عن ابن عباس،
وكلا الإسنادين ليس فيهما مقال، ويحتمل أن يكون أبو رجاء سمعه
منهما(٣).
(١) ((السنن الكبرى)) للنسائي ٣٩٨/٥-٣٩٩ (٩٢٦٠).
(٢) السابق (٩٢٥٩).
(٣) الترمذي (٢٦٠٣).

٤٧٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
ومتابعة صخر أخرجها النسائي عن يحيى بن مخلد المقسمي، ثنا
المعافى بن عمران عن صخر بن جويرية، عن أبي رجاء(١).
ومتابعة حماد بن نجيح أخرجها النسائي أيضًا عن محمد بن معمر
البحراني، ثنا عثمان بن عمر، عن حماد بن نجيح، عن أبي رجاء (٢).
(١) ((السنن الكبرى)) للنسائي ٣٣٩/٥، (٩٢٦٣).
(٢) السابق (٩٢٦٤).

٤٧١
= كِتَابُ الرِّقَاقِ
١٧- باب كَيْفَ كَانَ عَيْشُ النَّبِيِّ أَِِّّ وَأَصْحَابِهِ،
وَتَخَلِّيهِمْ مِنَ الدُّنْيَا
٦٤٥٢ - حَدَّثَنِي أَبُو نُعَيْم بِنَحْوِ مِنْ نِصْفِ هذا الحَدِيثِ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ ذَرِّ حَدَّثَنَا
تُجَاهِدٌ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَقُولُ: اللَّهِ الذِي لَا إِلهَ إِلَّ هُوَ، إِنْ كُنْتُ لأَغْتَمِدُ بِكَبِدِي عَلَى
الأَرَضِ مِنَ الجُوعِ، وَإِنْ كُنْتُ لأَشُدُّ الَحَجَرَ عَلَى بَطْنِي مِنَ الْجُوعِ، وَلَقَدْ فَعَدْتُ يَوْمًا
عَلَى طَرِيقِهِم الذِي يَخْرُجُونَ مِنْهُ، فَمَرَّ أَبُو بَكْرٍ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ، مَا سَأَلْتُهُ
إِلَّ لِيُشْبِعَنِي، فَمَزَّ وَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ مَرَّ بِي عُمَرُ فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ، مَا سَأَلَتُهُ إِلَّ
لِيُشْبِعَنِي، فَمَرَّ فَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ مَرَّ بِي أَبُو القَاسِمِ ◌َِّ فَتَبَسَّمَ حِينَ رَآنٍ وَعَرَفَ مَا فِي
نَفْسِي وَمَا فِي وَجْهِي، ثُمَّ قَالَ: ((أَبَا هِرٍّ)). قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: ((الْحَقْ)).
وَمَضَى فَتَبِغْتُهُ، فَدَخَلَ فَاسْتَأْذَنَ فَأَذِنَ لِي، فَدَخَلَ فَوَجَدَ لَبَنَا فِي قَدَحِ فَقَالَ: ((مِنْ أَيْنَ
هذا اللَّبَنُ؟)). قَالُوا: أَهْدَاهُ لَكَ - قُلَانٌ أَوْ فُلَانَةُ -. قَالَ: ((أَبَا هِرٍّ)). قُلْتُ: لَبَيْكَ يَا رَسُولَ
اللهِ. قَالَ: ((الْحَقْ إِلَى أَهْلِ الصُّفَّةِ فَادْعُهُمْ لِي)). قَالَ: وَأَهْلُ الصُّفَّةِ أَضْيَافُ الإِسْلَامِ،
لَا يَأْؤُونَ إِلَى أَهْلِ وَلَا مَالٍ وَلَا عَلَى أَحَدٍ، إِذَا أَتَتْهُ صَدَقَةٌ بَعَثَ بِهَا إِلَيْهِمْ، وَلَمْ يَتَنَاوَّلْ
مِنْهَا شَيْئًا، وَإِذَا أَتَتْهُ هَدِيَّةٌ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ وَأَصَابَ مِنْهَا وَأَشْرَكَهُمْ فِيهَا، فَسَاءَنِي ذَلِكَ
فَقُلْتُ: وَمَا هذا اللَّبَنُ فِي أَهْلِ الصُّفَّةِ؟ كُنْتُ أَحَقُّ أَنَا أَنْ أُصِيبَ مِنْ هذا اللَّبَنِ شَرْبَةً
أَتَّقَوِىُ بِهَا، فَإِذَا جَاءَ أَمَرَنِي فَكُنْتُ أَنَا أُعْطِيهِمْ، وَمَا عَسَى أَنْ يَبْلُغَنِي مِنْ هذا اللَّبَنِ، وَلَمْ
يَكُنْ مِنْ طَاعَةِ اللهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ نََّ بُدُّ، فَأَتَيْتُهُمْ فَدَعَوْتُهُمْ فَأَقْبَلُوا، فَاسْتَأْذَنُوا فَأَذِنَ
لَهُمْ، وَأَخَذُوا مَجَالِسَهُمْ مِنَ البَيْتِ. قَالَ: ((يَا أَبَا هِ)). قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ:
((خُذْ فَأَعْطِهِمْ)). قَالَ: فَأَخَذْتُ القَدَحَ، فَجَعَلْتُ أُعْطِيهِ الرَّجُلَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَزْوِىُ، ثُمَّ
يَرُدُّ عَلَّ القَدَحَ، فَأُعْطِيهِ الرَّجُلَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَزْوِىُ، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ القَدَحَ فَيَشْرَبُ حَتَّى
يَرْوىُ، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ القَدَحَ، حَتَّى أَنْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ بََّ وَقَدْ رَوِيَ القَوْمُ كُلُّهُمْ، فَأَخَذَ
القَدَحَ فَوَضَعَهُ عَلَى يَدِهِ، فَتَظَرَ إِلَيَّ فَتَبَشَمَ فَقَالَ: ((أَبَا هِرٍّ)). قُلْتُ: لَبَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ.
قَالَ: (بَقِيتُ أَنَا وَأَنْتَ)). قُلْتُ: صَدَقْتَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: ((اقْعُدْ فَاشْرَبْ)). فَقَعَدْتُ

٤٧٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
فَشَرِبْتُ. فَقَالَ: ((اشْرَبْ)). فَشَرِبْتُ، فَمَا زَالَ يَقُولُ: ((اشْرَبْ)). حَتَّى قُلْتُ: لَا وَالَّذِي
بَعَثَكَ بِالْحَقٌّ، مَا أَجِدُ لَهُ مَسْلَكًا. قَالَ: ((فَأَرِنِي)). فَأَعْطَيْتُهُ القَدَحَ، فَحَمِدَ اللهَ وَسَمَّى
وَشَرِبَ الفَضْلَةَ. [انظر: ٥٣٧٥ - فتح: ١١ / ٢٨١].
٦٤٥٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَخْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا قَيْسٌ قَالَ: سَمِعْتُ
سَغدًا يَقُولُ: إِّ لأَوَّلُ العَرَبِ رَمَى بِسَهْم فِي سَبِيلِ اللهِ، وَرَأَيْتُنَا نَغْزُو وَمَا لَنَا طَعَامٌ
إِلَّ وَرَقُ الْحُبْلَةِ وهذا السَّمُرُ، وَإِنَّ أَحَدَنَّا لَيَضَعُ كَمَا تَضَعُ الشَّاهُ مَا لَهُ خِلْطٌ، ثُمَّ
أَصْبَحَتْ بَنُو أَسَدٍ تُعَزِّرُنِي عَلَى الإِسْلَامِ، خِبْتُ إِذَا وَضَلٌ سَغْيِي. [انظر: ٣٧٢٨ - مسلم:
٢٩٦٦ - فتح: ١١ / ٢٨٢].
٦٤٥٤- حَدَّثَنِي عُثْمَانُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ،
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ نَِّ مُنْذُ قَدِمَ المَدِينَةَ مِنْ طَعَامِ بُرِّ ثَلَاثَ لَيَالٍ
تِبَاعًا حَتَّى قُبِضَ. [انظر: ٥٤١٦- مسلم: ٢٩٧٠ - فتح: ١١ / ٢٨٢].
٦٤٥٥ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِنْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ - هُوَ
الأَزْرَقُ - عَنْ مِشْعَرِ بْنِ كِدَامٍ، عَنْ هِلَالٍ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ:
مَا أَكَلَ آَلُ مُحَمَّدٍ وَ أَكْلَتَيَّنِ فِي يَوْمٍ إِلَّ إِحْدَاهُمَا تَمْرٌ. [مسلم: ٢٩٧١ - فتح: ١١ /٢٨٢].
٦٤٥٦ - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي،
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ فِرَاشُ رَسُولِ اللهِ وَل﴿ مِنْ أَدَمْ، وَحَشْؤُهُ مِنْ لِيفِ. [مسلم:
٢٠٨٢ - فتح: ١١/ ٢٨٢].
٦٤٥٧- حَدَّثَنَا هُذْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَخْيَى، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ: كُنَّا
تَأْتِي أَنَسَ بْنَ مَالِكِ وَخَبَّازُهُ قَائِمٌ، وَقَالَ: كُلُوا، فَمَا أَعْلَمُ النَّبِيَّ ◌َ رَأَىْ رَغِيفًا مُرَقَّقًا،
حَتَّى ◌ِحَقَ بِاللهِ، وَلَا رَأَىُ شَاةَ سَمِيطًا بِعَيْنِهِ قَطَّ. [انظر: ٥٣٨٥- فتح: ١١ / ٢٨٢].
٦٤٥٨ - حَدَّثَنَا نُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَخْيَى، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ
عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ يَأْتِيٍ عَلَيْنَا الشَّهْرُ مَا نُوقِدُ فِيهِ نَارًا، إِنَّمَا هُوَ التَّمْرُ
وَالْمَاءُ، إِلَّ أَنْ تُؤْتَى بِاللَّحَيْمِ. [انظر: ٢٥٦٧ - مسلم: ٢٩٧٢ (٢٨) - فتح: ١١ / ٢٨٢].

٤٧٣
كِتَابُ الرِّقَاقِ
٦٤٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَوَيْسِيُّ، حَدَّثَنِي ابن أَبِ حَازِمِ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: لِعُزْوَةَ ابن أُخْتِي إِنَّ كُنَّا لَنَنْظُرُ
إِلَى الهِلَالِ ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ وَمَا أُوْقِدَتْ فِي أَنْيَاتِ رَسُولِ اللهِ وَلَ نَارٌ. فَقُلْتُ: مَا
كَانَ يُعِيشُكُمْ؟ قَالَتِ: الأَسْوَدَانِ التَّمْرُ وَالماءُ، إِلَّ أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللهِ نَّهِ جِيْرَانٌ مِنَ
الأَنَّصَارِ كَانَ لَهُمْ مَنَائِحُ، وَكَانُوا يَمْنَحُونَ رَسُولَ اللهِ ◌َّهِ مِنْ أَنْيَاتِهِمْ، فَيَسْقِينَاهُ. [انظر:
٢٥٦٧- مسلم: ٢٩٧٢ (٢٨) - فتح: ١١ / ٢٨٣].
٦٤٦٠- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَارَةَ
عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بَُّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ بَّه: ((اللَّهُمَّ أَرْزُقْ آَلَ مُحَمَّدٍ
قُوتًا)). [مسلم: ١٠٥٥ - فتح: ١١ / ٢٨٣]
ذکر فیه أحادیث:
أحدها :
حَدَّثَنِي أَبُو نُعَيْم بِنَحْوِ مِنْ نِصْفِ هُذا الحَدِيثِ، ثَنَا عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ، ثَنَا
مُجَاهِدٌ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﴾ .. فذكر حديث اللبن وأهل الصفة مطولا.
وسلف في الاستئذان مختصرًا(١). فقال: حدثنا أبو نعيم: ثنا
عمر بن ذر. وعن محمد بن مقاتل، عن ابن المبارك، عن (عمر بن
ذر)(٢)، ثنا مجاهد به، ولعله النصف المشار إليه هاهنا .
وأخرجه النسائي من حديث محمد بن يحيى، ثنا أبو نعيم، عن
عمر بن ذر (٣). والترمذي عن هناد، عن يونس بن بكير، عن عمر،
ثم قال: صحیح (٤).
(١) سلف برقم (٦٢٤٦) باب: إذا دعي الرجل فجاء هل يستأذن.
(٢) في الأصل: عمرو بن دينار. والمثبت من (ص٢).
(٣) رواه النسائي كما في ((تحفة الأشراف)) ١٠/ ٣١٥ (١٤٣٤٤).
(٤) الترمذي (٢٤٧٧).

٤٧٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ثم ساق البخاري بعده أحاديث:
أحدها :
حديث سعد : إِنِّي لأَوَّلُ العَرَبِ رَمَى بِسَهْم فِي سَبِيلِ اللهِ، وَرَأَيْتُنَا
نَغْزُو وَمَا لَنَا طَعَامٌ إِلَّ وَرَقُ الحُبْلَةِ وهذا السَّمُرُ، وَإِنَّ أَحَدَنَا لَيَضَعُ كَمَا
تَضَعُ الشَّاءُ مَا لَهُ خِلْطٌ، ثُمَّ أَصْبَحَتْ بَنُو أَسَدِ تُعَزِّرُنِي عَلَى الإِسْلَامِ،
خِبْتُ إِذَا وَضَلَّ سَعْبِي.
ثانیھا :
حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها: مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ وَ لَ مُنْذُ قَدِمَ المَدِينَةَ
مِنْ طَعَامِ بُرِّ ثَلَاثَ لَيَالٍ تِبَاعًا حَتَّى قُبِضَ.
ثالثها :
وعنها: مَا أَكَلَ آلُ مُحَمَّدٍ بِّهِ أَكْلَتَيْنِ فِي يَوْمٍ إِلَّا إِحْدَاهُمَا تَمْرٌ.
رابعها :
وعنها قالت: كَانَ فِرَاشُ رَسُولِ اللهِ وَهِ مِنْ أَدَم حَشْوُهُ لِيفٌ.
خامسها :
حديث قَتَادَةَ قَالَ: كُنَّا نَأْتِي أَنَسَ بْنَ مَالِكِ ◌َ﴾ُهِ وَخَبَّازُهُ قَائِمٌ، قَالَ:
كُلُوا، فَمَا أَعْلَمُ النَّبِيَّ وَ رَأىَ رَغِيفًا مُرَقَّقًا، حَتَّى لَحِقَ بِاللهِ رَتْ، وَلَا
رَأَىْ شَاةً سَمِيًا بِعَيْنِهِ قَظُ.
سادسها :
حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ يَأْتِي عَلَيْنَا الشَّهْرُ وَمَا نُوقِدُ
فِيهِ نَارًا، إِنَّمَا هُوَ التَّمْرُ وَالْمَاءُ، إِلَّا أَنْ نُؤْتَى بِاللَّحَيْمِ.
سابعها :
حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ لِعُرْوَةَ: ابن أُخْتِي إِنْ كُنَّا

وعـ
٤٧٥
= كِتَابُ الرِّقَاقِ
لَنَنْظُرُ إِلَى الهِلَالِ ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ وَمَا أَوْقَدُوا فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللهِ
وَّ نَارًا. فَقُلْتُ: مَا كَانَ يُعِيشُكُمْ؟ قَالَتِ: الأَسْوَدَانِ التَّمْرُ وَالْمَاءُ، إِلَّا
أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللهِ نَّهَ جِيرَانٌ مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ لَهُمْ مَنَائِحُ، وَكَانُوا
يَمْنَحُونَ رَسُولَ اللهِ وَّهِ مِنْ أَبْيَاتِهِمْ، فَيَسْقِينَا .
ثامنها :
حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ النبيَِّ: «اللَّهُمَّ أَرْزُقْ آَلَ مُحَمَّدٍ
قُوتًا)).
الشرح :
قوله في الحديث الأول: (إنَّ أبا هريرة كان يقول: آللَّهِ الذي لا إله
إلا هو) يجوز في الله الخفض والنصب. قال ابن التين: ورويناه
بالنصب. قال ابن جني: إذا حذفت حرف القسم نصبت الاسم بعده
بالفعل المقدر تقول: الله لأذهبن. قال امرئ القيس:
فقالت: يمين الله ما لك حيلة وما إن أرى عنك الغواية تنجلي
ومن العرب من يجر اسم الله وحده مع حذف حرف الجر، فيقول:
اللهِ لأقومن؛ وذلك لكثرة ما يستعملون هذا الأَسم، وتقول: أي هاللهِ
ذا، فتجر الاسم بها؛ لأنها صارت بدلًا من الواو، وكذلك قولهم في
الاستفهام: ألله لتذهبن؟ صارت همزة الاستفهام عوضًا من الواو
فجررت الأسم، وتقول في التعجب: لله لأقومن (١)!
وقوله: (إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض) الكبد بكسر الباء
وسكونها مثل فخذ وفخذ.
وقوله: (وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع) قال الخطابي:
(١) ((اللمع في العربية)) ص ١٨٥.

٤٧٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
أشكل الأمر في شد الحجر على البطن من الجوع على قوم، حتى
توهموا أنه تصحيف، فزعموا (أنما هو)(١) الحجز جمع الحجزة التي
يشد بها المرء وسطه، قال: ومن أقام بالحجاز، وعرف عاداتهم علم
أن الحجر واحد الحجارة؛ وذلك أن المجاعة تصيبهم دهرًا،
فلما خوى البطن هزم فلم (يمكن معه)(٢) الانتصاب؛ فيعمد حينئذ
إلى صفائح رقاق من طول الكف فتربط على البطن، وتشد (بحجزه)(٣)
فوقها فتعتدل قامة الإنسان بعض الاعتدال(٤).
وقوله: (إلا ليشبعني) أي: ليأمرني أن أتبعه.
وقوله: (قال: ((الْحَق)) ومضى) أي: أتبعني.
قوله: (وأشركهم فيها) قال ابن القوطية: شركك في الأمر شركًا
وشركه: ضرب له شريكًا، وفي المال كذلك، وأشرك الكافر بالله:
جعل له شريكًا، والنعل: جعلت له شراكًا(٥).
وقوله: (فيشرب حتى يروى) هو بفتح الواو في مستقبله، وبكسرها
في ماضیه.
فصل :
الحُبْلَةَ بالضم، وسكون الباء: ثمر العضاه قاله الجوهري(٦) وابن
(٧)
فارس(٧) .
(١) في الأصل: يكن منه، والمثبت من ((أعلام الحديث)).
(٢) في الأصل: أن. والمثبت من (ص٢).
(٣) في الأصل: بحجر، والمثبت من ((أعلام الحديث)).
(٤) ((أعلام الحديث)) ٢٢٤٦/٣-٢٢٤٧.
(٥) ((الأفعال)) ص ٨٠.
(٦) ((الصحاح)) ١٦٦٤/٤، مادة: (حبل).
(٧) ((المجمل)) ٢٦٢/١، مادة: (حبل).

٤٧٧
كِتَابُ الرِّقَاقِ
=
وقال أبو (عبيد)(١): الحبلة وورق السمر: ضربان من الشجر
أو النبات. وقال ابن الأعرابي: الحبلة: ثمر السمر يشبه اللوبياء.
وقال الجوهري: السمُرة بضم الميم: من شجر الطلح، والجمع:
سمر وسمرات وأسمر في أدنى الجمع(٢)، والتعزير: التأديب، والبر
جمع: برة من القمح. وجوز المبرد أن يجمع على أبرار خلافًا
(٣)
لسيبويه(٣).
فصل :
وقوله في سند حديث عائشة الأخير: (حدثني ابن أبي حازم عن
أبيه): هو عبد العزيز بن أبي حازم سلمة بن دينار، (ويزيد بن رومان)
هو أبو روح مولى آل الزبير بن العوام، مات سنة ثلاثين ومائة.
وحديث سعد # سلف في الأطعمة، في باب: ما كان العليا
وأصحابه يأكلون (٤)، وتقدم فيه أيضًا الكلام في حديث عائشة وأنس
وأبي هريرة ﴿ مع الأحاديث المعارضة لها.
فصل :
قال الطبري: في اختيار الشارع وخيار السلف من الصحابة والتابعين
(شظف)(٥) العيش، والصبر على مرارة الفقر والفاقة، ومقاساة خشونة
(خشن)(٦) الملابس والمطاعم، على خفض ذلك ودعته حلاوة الغنى
(١) في الأصل: عبيدة.
(٢) ((الصحاح)) ٦٨٩/٢، مادة: (سمر).
(٣) السابق ٢ / ٥٨٨، مادة (برر).
(٤) سلف برقم (٥٤١٢).
(٥) في هامش الأصل: الشظف: الشدة والضيق.
(٦) من (ص٢).

٤٧٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ونعيمه، ما أبان عن فضل الزهد في الدنيا وأخذ البلغة والقوت خاصة،
وكان نبينا -عليه أفضل الصلاة والسلام- يطوي الأيام، ويعصب على
بطنه الحجر من الجوع، إيثارًا منه شظف العيش والصبر عليه، مع
علمه بأنه لو سأل ربه أن يسير له جبال تهامة ذهبًا وفضة لفعل، وعلى
هُذِه الطريقة جرى الصالحون.
ألا ترى قول أبي هريرة : أنه كان يشد الحجر على بطنه من
الجوع، وخرج يتعرض من يمر به من الصحابة يسأله عن آي من
القرآن ليحمله ويطعمه(١) .
فصل :
وفيه: أنَّ كتمان الحاجة خير من إظهارها، وأشبه بإخلاص
الصالحين والصابرين، وإن كان جائزًا له الإخبار بباطن أمره وحاجته
لمن يرجوه لكشف فاقته.
فصل :
وهذا الحديث علم عظيم من أعلام النبوة؛ وذلك أنه التفّ عرف
ما في نفس أبي هريرة، ولم يعلم ذلك أبو بكر ولا عمر رضي الله عنهما .
وفيه: شرب العدد الكثير من اللبن القليل حتى شبعوا ببركة
النبوة(٢)، وذلك من أعلامها أيضًا.
فصل :
وفيه أيضًا: ما كان عليه التَّه من إيثار البلغة، وأجود العرب في كرم
نفسه؛ وأنه لم يستأثر بشيء من الدنيا دون أمته.
(١) ((شرح ابن بطال)) ١٧٦/١٠.
(٢) السابق ١٧٦/١٠ -١٧٧.

٤٧٩
كِتَابُ الرِّفَاقِ
=
فصل :
وقوله: ((اللهم أرزق آل محمد قوتًا)) فيه: دليل على فضل الكفاف
وأخذ البلغة من الدنيا والزهد فيما فوق ذلك رغبة في توفيره نعيم
الآخرة، وإيثارًا لما يبقى على ما يفنى لتقتدي بذلك أمته، ويرغبوا
فيما رغب فيه نبيهم عليه أفضل الصلاة والسلام.
فصل :
روى الطبري بإسناده، عن ابن(١) مسعود ﴾ قال: حبذا المكروهان:
الموت والفقر، والله ما هو إلا الغنى والفقر، ولا أبالي بأيهما ابتليت،
إن حق الله في كل واحد منهما واجب، إن كان الغنى ففيه العطف، وإن
كان الفقر ففيه الصبر(٢). قال الطبري: فمحنة الصابر أشد من محنة
الشاكر، وإن كانا شريفي المنزلة غير أني أقول كما قال مطرِّف بن
عبد الله: لأن أعافى فأشكر، أحب إلي من أبتلى فأصبر.
فصل :
ومن فضل قلة الأكل: ما روى يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عن
أبي هريرة رفعه: ((إنَّ أهل البيت ليقل طعمهم فتستنير بيوتهم))(٣) .
وروى إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن محمد بن علي، عن
أبيه أنه التَّه قال: ((من سره أن يكون حكيمًا فليقل طعمه، فإنه يغشى
جوفه بنور الحكمة)).
(١) في الأصل: أبي والمثبت من مصادر التخريج.
(٢) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) ٩/ ٩٢، وأبو نعيم في ((الحلية)) ١/ ١٣٢.
(٣) رواه الطبراني في ((الأوسط)) ٢٢٨/٥-٢٢٩ (٥١٦٥)؛ قال الهيثمي في ((المجمع))
١٠/ ٢٦٣: فيه عبد الله بن المطلب العجلي، ضعفه العقيلي، وبقية رجاله ثقات؛
والحديث أورده الألباني في ((الضعيفة)) (١٦٦) وقال: موضوع.

٤٨٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقال مالك بن دينار: سمعت عبد الله الرازي يقول: كان أهل العلم
بالله والقبول عنه يقولون: إن الشبع يقسي القلب، ويفتر البدن.
فصل :
ومن سيرهم(١) في تخليهم من الدنيا ما روى وكيع، عن الأعمش،
عن شقيق (٢)، عن مسروق، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال أبو بكر
في مرضه الذي مات فيه: أنظروا ما زاد في مالي منذ دخلت الخلافة،
فابعثوا به إلى الخليفة بعدي فإني قد كنت أستحله، وقد كنت أصبت من
الودك نحوًا مما كنت أصيب من التجارة، قالت عائشة رضي الله عنها :
لما مات نظرنا فإذا عبد نوبي يحمل صبيانه، وناضح كان يسنى عليه
فبعثناهما إلى عمر، فأخبرني جدي أن عمر بكى، وقال: رحمة الله
على أبي بكر، لقد أتعب من بعده(٣).
فصل :
روينا في كتاب ((الجوع)) لابن أبي الدنيا من حديث خالد بن معدان
عن المقدام بن معدي كرب مرفوعًا: ((ما ملأ ابن آدم وعاءً شرًّا من
بطن)) (٤)
(١) في الأصل: سيره، ولعل ما أثبتناه موافق للسياق.
(٢) في الأصل: سفيان والمثبت من مصادر التخريج.
(٣) رواه ابن سعد في ((الطبقات)) ١٩٢/٣، وابن أبي شيبة ٤٦٩/٤ (٢٢١٧٤).
(٤) ((الجوع)) (١).
والحديث رواه ابن ماجه (٣٣٤٩)، وأحمد ١٣٢/٤، والنسائي في ((الكبرى))
١٧٧/٤، وابن حبان ٤٤٩/٢ (٦٧٤).
وصححه الألباني في ((الصحيحة)) (٢٢٦٥).