النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
ـ كِتَابُ الرِّقَاقِ
٦٤٣١ - حَدَّثَنَا نُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَخْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنِي قَيْسٌ
قَالَ: أَتَيْتُ خَبَّابَا وَهُوَ يَبْنِي حَائِطًا لَهُ فَقَالَ: إِنَّ أَصْحَابَنَا الذِينَ مَضَوْا لَمْ تَنْقُصْهُمُ
الدُّنْيَا شَيْئًا وَإِنَّا أَصَبْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ شَيْئًا لَا نَجِدُ لَهُ مَوْضِعًا إِلَّ التُّرَابَ. [انظر: ٥٦٧٢-
مسلم: ٢٦٨١ - فتح: ١١/ ٢٤٤].
٦٤٣٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ خَبَّابٍ
، قَالَ: هَاجَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ. [انظر: ١٢٧٦ - مسلم: ٩٤٠ - فتح: ١١ /٢٤٥].
ذَكَرَ فيهِ حَدِيث عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ أنه التَّ بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ إِلَى الْبَحْرَيْنِ
يَأْتِي بِجِزْيَتِهَا .. الحديث سلف في الجزية(١) .
وحديث عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: ((ولكن أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا)).
وسلف في الجنائز(٢).
وحديث أَبِي سَعِيدٍ : ((إِنَّ أَكْثَرَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مَا يُخْرِجُ اللهُ لَكُمْ مِنْ
بَرَكَاتِ الأَرْضِ)). وسلف في الزكاة، في باب: الصدقة على اليتامى (٣).
وحديث عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنِ: ((خَيْرُ القُرُونِ قَرْنِي)) سلف في
(٤)
الفضائل (٤) .
وكذا حديث ابن مسعود(٥) .
وحديث خَبَّابِ، وقد سلف قريبًا (٦) .
(١) سلف برقم (٣١٥٨) كتاب: الجزية والموادعة، باب الجزية والموادعة مع أهل
الذمة والحرب.
(٢) سلف برقم (١٣٤٤) باب الصلاة على الشهيد.
(٣)
سلف برقم (١٤٦٥).
سلف برقم (٣٦٥٠).
(٤)
(٥) سلف برقم (٣٦٥١).
(٦) برقم (٤٠٨٢).

٤٢٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وفي هُذِه الأحاديث: التنبيه على أن زهرة الدنيا ينبغي أن يخشى
سوء عاقبتها، وشر فتنتها من فتح الله عليه الدنيا، ويحذر التنافس
فيها، والطمأنينة إلى زخرفها الفاني؛ لأنه الكَّ خشي ذلك على أمته،
وحذرهم منه لعلمه أن الفتنة مقرونة بالغنى.
ودل حديث عمران وعبد الله أن فتنة الدنيا لمن يأتي بعد القرن
الثالث أشد، حيث قال في سبق الشهادة وظهور السمن، فجعل ظهور
السمن فيهم وشهادتهم بالباطل، وخيانتهم الأمانة، ومنافستهم في
الدنيا، وأخذهم لها من غير وجهها، كما قال العليا في حديث أبي
سعيد: ((ومن أخذه بغير حقه فهو كالذي يأكل ولا يشبع))، وكذلك
خشي عمر بن الخطاب ﴾ فتنة المال، فروي عنه: أنه لما أتي بأموال
كسرى بات هو وأكابر الصحابة عليه في المسجد، فلما أصبح وأصابته
الشمس (أبتلقت)(١) تلك التيجان فبكى، فقال له عبد الرحمن بن
عوف: ليس هذا حين بكاء، إنما هو حين شكر، فقال عمر : إني
أقول: ما فتح الله هذا على قوم قط إلا سفكوا دماءهم، وقطعوا
أرحامهم، وقال: اللهم منعت هذا رسولك؛ إكرامًا منك له، وفتحته
عليَّ لتبتليني به، اللهم اعصمني من فتنته.
فهذا كله يدل أن الغنى بلية وفتنة، ولذلك استعاذ القَّر من شر فتنته،
وقد أخبر الله تعالى بهذا المعنى، فقال لرسوله: ﴿لَا تَعُدَّنَ عَيْنَيَّكَ﴾ [طه:
١٣١] وقرن الفتنة به، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾
[الأنفال: ٢٨] ولهذا آثر أكثر سلف الأمة التقلل من الدنيا، وأخذ
البلغة، إذ التعرض للفتن غرر.
(١) في (ص٢): أشرقت.

٤٢٣
كِتَابُ الرِّقَاقِ
=
فصل :
قوله في حديث أبي سعيد: ((وإن كل ما أنبت الربيع يقتل حبطًا
أو يلم)): هو من أبلغ الكلام في تحذير الدنيا والركون إلى غضارتها،
وذلك أن الماشية يروقها نبت الربيع، فتكثر أكله، فربما تفتقت سمنًا،
فهلكت، فضرب التّ هذا المثل للمؤمن أن لا يأخذ من الدنيا إلا قدر
حاجته، ولا يروقه زهرتها فتهلكه.
قال الأصمعي: والحبط: هو أن تأكل الدابة فتكثر حتى تنتفخ لذلك
بطنها، وتمرض عنه.
وقوله: ( ((أو يلم)) ) يعني: يدني من الموت، وحبط بالحاء
المهملة. قال الشيخ أبو الحسن: وهو الذي أعرف، ووقع في كتابي
بالخاء المعجمة، و(ثلطت)): بفتح اللام، ورويناه بکسرها .
وقوله: ((إن كل ما أنبت الربيع)) قال الداودي: إن كان اللفظ الكل
فقد يأتي بمعنى البعض، قال: وهي لغة سائرة، وقد سلف أيضًا في
باب: الصدقة على التيامى من كتاب الزكاة(١).
فصل :
قول خباب : (إن أصحاب محمد مضوا ولم تنقصهم الدنيا شيئًا)
سببه: إنه لم يكن في عهد رسول الله وَله من الفتوحات والأموال ما كان
بعده، وكان أكثر الصحابة ليس لهم إلا القوت، ولم ينالوا من طيبات
العيش ما يخافون أن ينقصهم ذلك من طيبات الآخرة، ألا ترى قول
عمر بن الخطاب # حين اشترى لحمًا بدرهم: أين تذهب (من)(٢)
(١) سلف برقم (١٤٦٥).
(٢) ليست في الأصل، ويقتضيها السياق.

٤٢٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
هُذِهِ الآية ﴿أَذَهَبْتُمْ طَِّبَتِكُمْ فِى حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَأُسْتَمْنَعْتُم بِهَا﴾؟ [الأحقاف: ٢٠]. فدل
أن التنعم في الدنيا، والاستمتاع بطيباتها تنقص كثيرًا من طيبات الآخرة.
وقوله: (وإنا أصبنا من بعدهم شيئًا لا نجد له موضعًا إلا التراب)
قال أبو ذر: يعني البنيان، ويدل على صحة هذا التأويل: أن خبابًا
قال هذا القول وهو يبني حائظًا له. وقال غيره: أراد كثرة الأموال.
وقال الداودي: يعني لا يكاد ينجو من فتنة، إلا من مات وصار إلى
التراب. وقد سلف ذلك واضحًا في باب: تمني المريض الموت، من
كتاب المرضى(١) .
فصل :
قوله في حديث أبي عبيدة: (أجل)، أي: نعم. قال الأخفش:
إلا أنه أحسن من نعم في التصديق، ونعم أحسن منه في الاستفهام،
فإذا قلت: أنت سوف تذهب؟ قلت: أجل. وكان أحسن من نعم،
وإذا قلت: تذهب؟ قلت: نعم، وكان أحسن من أجل.
فصل :
كان قدوم أبي عبيدة سنة عشر، قدم بمائة ألف(٢) وثمانين ألف ألف
درهم، كذا في ((جامع المختصر))، وفي غيره: أنهم كانوا مجوسًا. وقال
قتادة: كان المال ثمانين ألفًا. قال ابن حبيب: وهو أكثر مال قدم به على
رسول الله وَلّ، قال الزهري: قدم به ليلاً. قال قتادة: وصبَّ على حصير
وفرقه، وما حرم منه سائلًا ، وجاء العباس فجعل يحثي في حجره حتى عجز
عن حمله، وكان الجمل إذا برك حمله بيديه، وكان استعان في حمله
(١) سلف برقم (٥٦٧٢).
(٢) ورد في هامش الأصل: لعله سقط من الجملة ألف لقوله وثمانين ألف ألف.

٤٢٥
كِتَابُ الرِّقَاقِ
=
فنهاهم القليّة عن ذلك، حتى نقص منه، وقوي على النهوض به.
وفيه من الفوائد :
أخذ الجزية من المجوس، وهو مذهبنا ومذهب مالك(١)، خلافًا
لعبد الملك.
فصل :
وقوله: (صلى على أهل أُحدٍ صلاته على الميت) ظاهره أنها
حقيقة، وبه قال بعضهم، وخولف، وإنما دعا، وهو قول المالكية بناء
على أن القبر لا يصلي عليه (٢)، لكنهم شهداء.
فصل :
قوله: (والفرط) المتقدم وهو فرط بالفتح بمعنى: فارط، يقال:
رجل فرط، وقوم فرط، ومنه: أجعله فرطًا لأبويه، أي: أجرًا متقدمًا
حتى يرد عليه.
فصل :
قوله: ( ((خضرة حلوة)) ) يريد أن صورة الدنيا، ومتاعها حسنة
مزلقة، والعرب تسمي الشيء المشرق الناضر خضرًا تشبيها له بالنبات
الأخضر، ومنه سمي الخضر لحسنه، وخضراء الدمن، فكأنه أراد
ظاهرها حسن، وباطنها رديء، وقال الهروي: يعني غضة ناعمة
طرية(٣) .
(١) أنظر: ((الأم)) ٩٦/٤، ((الذخيرة)) ٤٥١/٣.
(٢) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٢١٩/١ وفيه قال مالك: وكان الصحابة يصلون فيها.
قال غيره: وقد صلى النبي ◌َّر على قبر السوداء، وفي هذا دليل.
(٣) ((النهاية في غريب الحديث)) ٤١/٢.

٤٢٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقوله: ( ((لا يأتي الخير إلا بالخير))) تقول: ما كان من ذلك خيرًا
أخذ بحقه، ووضع في حقه، وأريد به وجه الله، لم يأت إلا بخير.
وقوله: ( (هذا المال خضرة حلوة)) ) مثله بالفواكه أول ما تكون طريًّا
لم يغيرها ظرف ولا مكيال ولا يد، فلا يكاد من رآها إلا أشتهاها .
فصل :
قوله: ( ((خيركم قرني)) ) أي: أصحابي. ((ثم الذين يلونهم)) يعني:
التابعين لهم بإحسان، واشتقاقه من الاقتران، وقيل: القرن ثمانون سنة،
أو مائة أو أربعون، وقال ابن الأعرابي: القرن: الوقت من الزمان.
فصل :
قوله: ( ((يشهدون ولا يستشهدون)) ) أي: يبادر بها، وهذا في حق
الآدمي لا في حق الله، وقيل: يشهد بما لا يسمع.
وقوله: ( ((ويخونون ولا يؤتمنون)) ) أي: يخونون فيما لم يؤتمنوا
عليه، فكيف لو ائتمنوا؟ كانوا أشد خيانة.
وقوله: ( ((وينذرون ولا يوفون))) هو بفتح الياء، من: ينذرون،
ثلاثي من نذر ينذر بالكسر والضم.
وقوله: ( ((ويظهر فيهم السمن)) ) هو نحو قوله: ((ألا أخبركم بأهل
النار؟ كل جعظري جواظ))(١)، أي: كثير اللحم، وهو قبيح في حق
الرجال.
(١) سلف برقم (٦٠٧١)، ورواه مسلم (٢٨٥٣).

٤٢٧
- كِتَابُ الرِّقَاقِ
٨- باب قَوْلِ اللّهِ تَعَالَى:
﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ إلى قوله ﴿أَصْحَبِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر:
جَمْعُهُ: سُعُرٌ، قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿اُلْغَرُورُ﴾ [فاطر: ٥] الشَّيْطَانُ.
٦٤٣٣- حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَقْصٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَخْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
إِنْرَاهِيمَ القُرَشِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُعَاذُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ ابن أَبَانَ أَخْبَرَهُ قَالَ: أَتَيْتُ
عُثْمَانَ بِطَهُورٍ وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى المَقَاعِدِ، فَتَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ
النَّبِيَّ ◌َِّ تَوَضَّأَ وَهُوَ فِي هذا المَجْلِسِ، فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ ثُمَّ قَالَ: ((مَنْ تَوَضَّأَ
مِثْلَ هذا الوُضُوءِ، ثُمَّ أَتَى المَسْجِدَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنٍ ثُمَّ جَلَسَ، غُفِرَ لَهُ مَا
تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)). قَالَ: وَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّ: ((لَا تَغْتَرُّوا)). [انظر: ١٥٩ - مسلم: ٢٢٦،
٢٣٢ - فتح: ١١/ ٢٥٠].
ثم ساق حديث مُعَاذِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ ابن أَبَانَ أَخْبَرَهُ قَالَ: أَتَيْتُ
عُثْمَانَ عَُّ بِطَهُورٍ وَهْوَ جَالِسٌ عَلَى المَقَاعِدِ، فَتَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ ثُمَّ
قَالَ: رَأَيْتُ رسول الله وَّرَ تَوَضَّأَ وَهْوَ فِي هُذا المَجْلِسِ يتوضأ فَأَحْسَنَ
الوُضُوءَ ثُمَّ قَالَ: (مَنْ تَوَضَّأَ مِثْلَ هذا الوُضُوءِ، ثُمَّ أَتَى المَسْجِدَ فَرَكَعَ
رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)). قَالَ: وَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّ:
(لَا تَغْتَرُّوا)).
كذا هو في الأصول:
أن ابن أبان، وكذا عزي إلى رواية أبي زيد.
وفي نسخة أبي محمد، عن أبي أحمد: أن أبان أخبره. بسقوط
أبي، والصواب الأول.
وفي رواية ابن السكن: أن حمران بن أبان أخبره قال: أتيت
عثمان .

٤٢٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قال أبو علي: والحديث محفوظ لحمران بن أبان، عن عثمان من
طرق كثيرة لا لأبان (١).
إذا تقرر ذلك؛ فقد نهى الله عباده عن الاغترار بالحياة الدنيا وزخرفها
الفاني، وعن الاغترار بالشيطان، وبين لنا عداوته؛ لئلا نلتفت إلى
تسويله وتزيينه لنا الشهوات المردية، وحذرنا تعالى طاعته، وأخبر أن
أتباعه وحزبه من أصحاب السعير، أي: النار، فحق على المؤمن
العاقل أن يحذر ما حذره منه ربه تعالى ونبيه، وأن يكون مشفقًا خائفًا
وجلًا، إن واقع ذنبًا أسرع الندم عليه، والتوبة منه، وعزم أن لا يعود
لمثله، وإذا أتى حسنة استقلها، واستصغر عمله، ولم يدل بها .
ألا ترى قول عثمان : ((ثم أتى المسجد.)) إلى آخره؟ وهذا
لا يكون (إلا)(٢) من قوله القليفي، ثم أتبع ذلك بقوله: ((لا تغترو))،
وأفهمهم عثمان من ذلك: أن المؤمن ينبغي له أن لا يتكل على
عمله، ويستشعر الحذر، والإشفاق، ويتجنب الاغترار، وقد قال غير
مجاهد في تفسير ﴿اَلْغَرُورُ﴾: هو أن يغتر بالله، فيعمل المعصية،
ويتمنى المغفرة(٣).
(١) ورد بهامش الأصل: حاشية: قال ابن قرقول: (أن أبان أخبره) كذا للجرجاني،
وهو وهم، والصواب لأبي زيد المروزي وأبي ذر والنسفي: (أن أبان .. ) إلى آخر
كلامه. [قلت: أنظر: ((تقييد المهمل)) ٧٤١/٢].
(٢) ليست في الأصل، والمثبت من ((شرح ابن بطال)) ١٥٨/١٠.
(٣) أنظر: ((تفسير ابن أبي حاتم)) ١٠/ ٣١٧١.

٤٢٩
كِتَابُ الرِّقَاقِ
٩- باب ذَهَابِ الصَّالِحِينَ
٦٤٣٤ - حَدَّثَنِي يَخْيَى بْنُ حَمّادٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ بَيَانٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي
حَازِمٍ، عَنْ مِزْدَاسِ الأَسْلَمِيِّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ وَله: «يَذْهَبُ الصَّالِحُونَ الأَوَّلُّ
فَالأَوَّلُ، وَيَبْقَى حُقَالَةٌ كَحُفَالَةِ الشَّعِيرِ أَوِ التَّمْرِ لَا يُبَالِهِمُ اللهُ بَالَةً)). قَالَ أَبُو عَبْدِ
اللهِ: يُقَالُ: حُفَالَةٌ وَحُثَالَةٌ. [انظر: ٤١٥٦ - فتح: ١١ / ٢٥١].
ذَكَرَ فيهِ حَدِيث مِرْدَاسِ الأَسْلَمِيِّ ﴾ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((يَذْهَبُ
الصَّالِحُونَ الأَوَّلُ فَالأَوَّلُ، وَيَبْقَى حُفَالَةٌ كَحُفَالَةِ الشَّعِيرِ أَوِ التَّمْرِ لَا
يُبَالِهِمُ اللهُ بَالَةً)). قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: يُقَالُ: حُفَالَةٌ وَحُثَالَةٌ.
الشرح:
سلف في المغازي (١).
ومرداس هذا هو ابن مالك، عداده في الكوفيين، شهد الحديبية،
وفي الصحابة مرداس (سبعة) (٢) سواه.
والحفالة، والحثالة: الرذالة من كل شيء، وهي سفلة الناس،
وقيل: هي آخر ما يبقى من الشعير، أو التمر وأردؤه، وأصلها في
اللغة: ما تساقط من قشور التمر والشعير، (والحشافة) (٣)، مثل ذلك،
والفاء والثاء يتعاقبان مثل فوم وثوم، وحرث وحرف.
وقال الداودي: هو ما يسقط من الشعير عند الغربلة، وما يبقى من
التمر عندما يؤكل، وإنما شك المحدث: أيُّ الكلمتين قال؟
(١) سلف برقم (٤١٥٦). وورد بهامش الأصل ما نصه: حاشية: هو في الحديبية.
(٢) في (ص٢): تسعة.
(٣) في الأصل: والحشارة، والمثبت من (ص٢).

٤٣٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وقوله: ((لا يباليهم الله بالة)) قال الخطابي: أي لا يرفع لهم قدرًا،
يقال: باليت بالشيء مبالاة، بالية وبالة(١) .
وقال ابن بطال: هو مصدر باليت، محذوف منه الياء التي هي لام
الفعل، وكان أصله بالية، فكرهوا (ما)(٢) قبلها كسرة لكثرة استعمال هذه
اللفظة في نفي كل ما لا يحفل به، وتقول العرب أيضًا في مصدر باليت:
مبالاة، كما تقول: بالة(٣).
وقال الشيخ أبو الحسن: سمعته بالة في الوقف، ولا أدري كيف هو
في الإدراج، قال: وهو بالية بالاة، فلعله عنده لما وقف عليه أجتمع
ساكنان، فحذف أحدهما، وهذا غير بين؛ لأنك تقول: معافاة،
ومراماة، ولو وقفت عليه كما الجمع بين الساكنين في الوقف جائز،
والصحيح ما ذكره الخطابي.
قال ابن التين: ولو علم الشيخ أبو الحسن أن مصدره وقع فيه: بالة
ما أفتقر إلى أعتذار، ولا إلى غيره.
فصل :
وذهاب الصالحين من أشراط الساعة، إلا أنه إذا بقي في الناس
حفالة كحفالة الشعير أو التمر، فذلك إنذار بقيام الساعة وفناء الدنيا .
وهذا الحديث معناه: الترغيب في الاقتداء بالصالحين، والتحذير
من مخالفة طريقهم؛ خشية أن يكون من خالفهم ممن لا يباله الله
ولا يعبأ به (٤) .
(١) ((أعلام الحديث)) ٢٢٤٤/٣.
(٢) في ((شرح ابن بطال)): ياء.
(٣) ((شرح ابن بطال)) ١٥٨/١٠.
(٤) ((شرح ابن بطال)) ١٠/ ١٥٨.

٤٣١
ـ كِتَابُ الرِّقَاقِ
قال الداودي: وهذا على التكثير، ولا تخلو الأرض من قائم الله
بالحجة، فمنهم الراسخون في العلم، قال: والذي جاء في حديث
آخر: («يكون في آخر الزمان قوم، المتمسك منهم بدينه كالقابض على
الجمر، للعامل منهم أجر خمسين منكم))، قيل: بل منهم يا رسول
الله؟ كالمستفهمين، قال: ((بل منكم))(١)، معناه: إن صح في العمل
فللصحابة فضل الصحبة، وفوق ذلك كله؛ لقوله القفيها: ((لو أنفق
أحدكم ملء الأرض ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه))(٢).
(١) رواه أبو داود (٤٣٤١)، والترمذي (٣٠٥٨)، وابن ماجه (٤٠١٤)، قال الترمذي:
هذا حديث حسن غريب. وضعفه الألباني في ((ضعيف ابن ماجه)) (٨٦٩).
(٢) سلف برقم (٣٦٧٣) من حديث أبي سعيد الخدري، ورواه مسلم (٢٥٤٠) من
حديث أبي هريرة، ورواه مسلم (٢٥٤١).

٤٣٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
١٠- باب مَا يُتَّقَى مِنْ فِتْنَةِ المَالِ
وَقَوْلِ اللهِ رَى: ﴿إِنَّمَآ أَمْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥]
٦٤٣٥ - حَدَّثَنِي يَخْيَى بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي
صَالِحِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَُّهَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّه: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ
وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ)). [انظر: ٢٨٨٦-
فتح: ١١/ ٢٥٣] .
٦٤٣٦ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم، عَنِ ابن جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءِ قَالَ: سَمِعْتُ ابن عَيَّاسِ
رضي الله عنهما يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌ََّ يَقُولُ: ((لَوْ كَانَ لإِبْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ
لَا بْتَغَى ثَالِثًا، وَلَا يَمْلأُ جَوْفَ ابن آدَمَ إِلَّ التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ تَابَ).
[انظر: ٦٤٣٧ - مسلم: ١٠٤٩ - فتح: ١١ / ٢٥٣].
٦٤٣٧ - حَدَّثَنِي نُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا مَخْلَدٌ، أَخْبَرَنَا ابن جُرَيْجَ قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءَ يَقُولُ:
سَمِعْتُ ابن عَبَّاسِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلَهِ يَقُولُ: ((لَوْ أَنَّ لاِبْنِ آدَمَ مِثْلَ وَادٍ
مَالًا لأَحَبَّ أَنَّ لَّهُ إِلَيْهِ مِثْلَهُ، وَلَا يَمْلأُ عَيْنَ ابن آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللهُ
عَلَى مَنْ تَابَ)). قَالَ ابن عَبَّاسِ: فَلَا أَذْرِي مِنَ القُرْآنِ هُوَ أَمْ لَا. قَالَ: وَسَمِعْتُ
ابن الزُّبَيْرِ يَقُولُ ذَلِكَ عَلَى المِنْبَرِ. [انظر: ٦٤٣٦ - مسلم: ١٠٤٩ - فتح: ١١ / ٢٥٣].
٦٤٣٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الغَسِيلِ، عَنْ عَبَّاسِ
ابْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدِ قَالَ: سَمِعْتُ ابن الزُّبَيْرِ عَلَى الِنْبَرِ بِمَكَّةً فِي خُطْبَتِهِ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا
النَّاسُ، إِنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ كَانَ يَقُولُ: ((لَوْ أَنَّ ابن آدَمَ أُعْطِيَ وَادِيًّا مَلْأَ مِنْ ذَهَبِ أَحَبَّ
إِلَيْهِ ثَانِيًّا، وَلَوْ أُعْطِيَ ثَانِيًّا أَحَبَّ إِلَيْهِ ثَالِثًا، وَلَا يَسُدُّ جَوْفَ ابن آدَمَ إِلَّ التُّرَابُ،
وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ تَابَ)). [فتح ٢٥٣/١١].
٦٤٣٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ
ابن شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لَ قَالَ: (لَوْ أَنَّ لاِبْنِ آدَمَ
وَادِيًّا مِنْ ذَهَبٍ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَادِيَانٍ ، وَلَنْ يَمْلأَ فَاهُ إِلَّ التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللهُ

٤٣٣
كِتَابُ الرِّقَاقِ
عَلَى مَنْ تَابَ)). [مسلم: ١٠٤٨ - فتح: ١١/ ٢٥٣].
٦٤٤٠ - وَقَالَ لَنَا أَبُو الوَلِيدِ: حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ، عَنْ أُبيِّ
قَالَ: كُنَّا نَرى هذا مِنَ القُرْآنِ حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿أَلْهَنَكُمُ التَّكَاثُرُ ﴾﴾ [التكاثر: ١]
[فتح: ١١ / ٢٥٣].
ذكر فيه أحاديث:
أحدها :
حديث أبي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَطِهِ: («تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ ... )) الحديث وسلف
في الجهاد في باب: الحراسة في الغزو في سبيل الله (١).
و(أبو بكر) هُذا هو: ابن عياش بن سالم الأسدي (الحنَّاط)(٢).
أحد الأعلام، مولى واصل بن حيان، الأحدب الأسدي الكوفي،
انفرد به البخاري، روى له الأربعة، مات سنة ثلاث (وتسعين)(٢)
ومائة، ومات عن ست وتسعين. قال أحمد: ربما غلط. وقال
أبو حاتم: هو وشريك في الحفظ سواء(٤).
ثانيها :
حديث ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ نَّهِ يَقُولُ:
(لَوْ كَانَ لإِبْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى ثَالِثًا، وَلَا يَمْلأُ جَوْفَ ابن آدَمَ
إِلَّ التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ تَابَ)).
وفي رواية: ((لَوْ كَانَ لاِبْنِ آدَمَ مِثْلُ وَادٍ مَالًا لأَحَبَّ أَنَّ لَهُ إِلَيْهِ مِثْلَهُ.)).
(١) سلف برقم (٢٨٨٦).
(٢) في الأصل: الحافظ. والمثبت من (ص٢).
(٣) في الأصل: وسبعين. والمثبت من (ص٢).
(٤) ((الجرح والتعديل)) ٩/ ٣٥١ وانظر ترجمته في ((تهذيب الكمال)) ١٣٢/٣٣.

٤٣٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
قَالَ ابن عَبَّاسِ: مَا أَدْرِي مِنَ القُرْآنِ هُوَ أَمْ لَا؟ وَسَمِعْتُ ابن الزُّبَيْرِ يَقُولُ
ذَلِكَ عَلَى المِنْبَرِ.
ثم ساقه إلىْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابن الزُّبَيْرِ عَلَى
مِنْبَرٍ بِمَكَّةَ فِي خُطْبَتِهِ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ رسول الله ◌َِّ كَانَ يَقُولُ:
(لَوْ أَنَّ ابن آدَمَ أُعْطِيَ وَادِيًّا مَلْآنٌ مِنْ ذَهَبِ أَحَبَّ إِلَيْهِ ثَانِيًّا، وَلَوْ أُعْطِيَ ثَانِيًا
أَحَبَّ إِلَيْهِ ثَالِثًا، وَلَا يَسُدُّ جَوْفَ ابن آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ
تَابَ)).
رابعها :
حديث أَنَس ◌َّه أنه وَ لِّ قَالَ: (لَوْ أَنَّ لإِبْنِ آدَمَ وَادِيًّا مِنْ ذَهَبِ أَحَبَّ
أَنْ يَكُونَ لَهُ وَادِيَانٍ، وَلَنْ يَمْلَأَ فَاهُ إِلَّ التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ تَابَ)).
وَقَالَ لَنَا أَبُو الوَلِيدِ: ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ ◌َ﴾ه،
عَنْ أُبَيِّ هِ قَالَ: كُنَّا نَرِىُ هُذا مِنَ القُرْآنِ حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿أَلَهَنَّكُمُ التَّكَاثُ(١)
[التكاثر: ١] وهذا من أفراده.
الشرح :
تعس: رويناه بكسر العين، وفي ((الصحاح)): تعَس بالفتح يتعس
وأتعسه الله، قال: والتعس: الهلاك، وأصله: الكب، وهو ضد
الانتعاش(٢). وقيل: التعس: أن يخر على وجهه. ففيه ذم مَنْ فتنه
متاع الدنيا الفاني.
وقوله: ( ((إن أُعطي رضي)) ) أي: إن أعطاه المتولي.
(١) كذا في اليونينية، وليست في (ص٢)، وعليها في الأصل: (لا .. إلى)، فربما عنى
بها ما قاله ابن الصلاح أن هذِه العلامة تصلح أن توضع في الروايات على ما صح
في رواية وسقط في أخرى، والله أعلم.
(٢) ((الصحاح)) ٩١٠/٣، مادة: تعس.

٤٣٥
كِتَابُ الرِّقَاقِ
وقوله: ( ((ملآن))) كذا هو في الأصول، وذكره ابن التين بلفظ: ((ملأ))
ثم قال: كذا وقع، وصوابه: ملآن. قال في ((الصحاح)): يقال: دلو ملآى
ماء على (فعلاء)(١)، ويجوز: ملآن ماء، والعامة تقول: ملا ماءً(٢).
(فصل)(٣) :
وحماد بن سلمة أثبت الناس في ثابت، والبخاري لا يأتي به إلا في
الشواهد. قال أبو جعفر: وإنما أتى به في غير حديث ثابت من قبل ربيبه
عبد الكريم بن أبي العوجاء -كان متهمًا بالزندقة- ويقال: إنه كان
(يدس) (٤) في كتاب حماد بن سلمة، وهو من رجال مسلم والأربعة،
وكان أحد الأعلام.
قال ابن معين: إذا رأيت من يقع فيه فاتهمه على الإسلام. وقال
عمرو بن عاصم: كتب عن حماد بن سلمة بضعة عشر ألفًا. مات سنة
سبع وستين ومائة. وكذا قال خلف الواسطي؟ ليس للبخاري عن
ابن سلمة محتجًا به غيره، إنما يقول: قال حماد: استشهادًا (٥).
وقال الإسماعيلي: أخبرنيه ابن ناجية على شك فيه: ثنا علي بن
مسلم، ثنا عفان، قال: وثنا زهير بن محمد، ثنا أحمد بن إسحاق
الحضرمي، أنا حماد بن سلمة .. فذكره.
فصل :
معنى هذا الحديث موجود في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ
(١) كذا في الأصول، وفي ((الصحاح)): (فعلى).
(٢) ((الصحاح)) ١/ ٧٢-٧٣، مادة: ملأ.
(٣) من (ص٢).
(٤) في (ص٢): یدرس.
(٥) انظر ترجمته في ((التاريخ الكبير)) ٢٢/٣، ((الجرح والتعديل)) ١٤٠/٣، ((تهذيب
الكمال)» ٧/ ٢٥٣-٢٦٩.

٤٣٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
لَشَدِيدٌ ﴾﴾
[العاديات: ٨].
ومعنى الفتنة في كلام العرب: الاختبار والابتلاء، ومنه قوله
تعالى: ﴿وَفَتَّكَ فُونَ﴾ [طه: ٤٠] أي: اختبرناك. والفتنة: الإمالة عن
القصد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٣] أي:
ليميلونك. والفتنة أيضا: الإحراق من قوله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ
يُقْتَنُونَ ﴾ [الذاريات: ١٣] أي: يحرقون، هذا قول ابن الأنباري.
والاختبار والابتلاء يجمع ذلك كله، وقد أخبر الله تعالى عن
الأموال والأولاد أنها فتنة، وقال تعالى: ﴿أَلْهَنْكُمُ التَّكَاثُرُ
[التكاثر: ١] وخرج لفظ الخطاب (بذلك)(١) على العموم: لأن الله
تعالى فطر العباد على حب المال والولد، ألا ترى قوله العَيْئلا في
الواديين؟! فأخبر عن حرص العباد على الزيادة في المال، وأنه
لا غاية له يقنع بها ويقتصر عليها، ثم أتبع ذلك بقوله: (ولا يملأ
جوف ابن آدم إلا التراب)) يعني: إذا مات وصار في قبره ملأ جوفه
التراب وأغناه بذلك عن تراب غيره حتى يصير رميمًا .
وأشار التقنية بهذا المثل إلى ذم الحرص على الدنيا والشره على
الازدياد منها؛ ولذلك آثر أكثر السلف التقلل من الدنيا والقناعة
بالكفاف؛ فرارًا من التعرض لما لا يعلم كيف النجاة من شر فتنته،
واستعاذ القّة من شر فتنة الغنى، وقد علم كل مؤمن أن الله قد أعاذه
من شر كل فتنة، وإنما دعاؤه بذلك؛ تواضعًا لله، وتعليمًا لأمته،
وحضًا لهم على إيثار الزهد في الدنيا .
(١) في الأصل: يدلل. والمثبت من (ص٢).

٤٣٧
- كِتَابُ الرِّقَاقِ
١١- باب قَوْلِهِ وَّ: ((هذا المَالُ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ)
وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَآءِ
وَالْبَنِينَ﴾ إلى قوله ﴿مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيًّا﴾ [آل عمران: ١٤].
وَقَالَ عُمَرُ عُ: اللَّهُمَّ إِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ إِلَّا أَنْ نَفْرَحَ بِمَا زَيَّنْتَ
لَنَا، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ أُنْفِقَهُ فِي حَقِّهِ.
٦٤٤١- حَدَّثَنَا عَلِيَّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمِعتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ:
أَخْبَنِي عُزْوَةُ وَسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: سَأَلَّتُ النَّبِيَّ وَّ
فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلَّتُهُ فَأَعْطَانٍ، ثُمَّ سَأَلَّتُهُ فَأَغْطَانَ، ثُمَّ قَالَ: ((هذا المَالُ - وَرُبَّمَا قَالَ
سُفْيَانُ: قَالَ لِي: يَا حَكِيمُ، إِنَّ هذا المَالَ- خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِطِيبٍ
نَفْسِ بُورَِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَالَّذِي
يَأْكُلٌ وَلَا يَشْبَعُ، وَالْيَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الَيَدِ السُّفْلَى)). [انظر: ١٤٧٢ - مسلم: ١٠٥٣-
فتح: ٢٥٨/١١].
ثم ساق حديث حَكِيم ◌ُ﴾: سَأَلْتُ رسول اللهِ وَلَّ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ
سَأَلْتُهُ .. الحديث. وسلفَ في الزكاةُ(١).
وبدأ في الآية بالنساء؛ لأنهن أضر الأشياء على الرجال.
ومعنى ﴿زُيِنَ﴾ أي: زينها الشيطان، أو أنها لما كانت تعجبه كانت
كأنها زينت.
ومعنى ﴿اَلْمُقَنَطَرَةِ﴾: المكملة، مثل: ألوف مؤلفة، والقنطار في
اللغة: الشيء الكثير، مأخوذ من عقد الشيء وإحكامه.
وقال ابن عباس ﴾ والحسن: أنه ألف مثقال.
(١) سلف برقم (١٤٧٢) باب الاستعفاف عن المسألة.

٤٣٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وقال قتادة: مائة رطل. وقال مجاهد: سبعون ألف دينار. وقال
عطاء: سبعة آلاف دينار. وقال معاذ: هو ألف ومائتا أوقية. وقيل:
مائة وعشرون رطلًا. وقيل: سكة النور ذهبا .
وأخبر الفاروق بما لا يكاد ينجو منه أحد، وكان من الزهاد، وقيل
لبعضهم: من أزهد عمر أو أويس؟، قال: عمر؛ لأنه قدر فزهد.
وقوله: ( ((اليد العليا خير من اليد السفلى)) ) ليس على عمومه، وقد
استطعم موسى والخضر أهل قرية، وقال التَّه في لحم بريرة: ((هو عليها
صدقة ولنا هدية))(١).
وهذا الباب هو في معنى الذي قبله، يدل على أن فتنة المال والغنى
مخوفة على من فتحه الله عليه لتزيين الله تعالى له ولشهوات
الدنيا في نفوس عباده، فلا سبيل لهم (إلى)(٢) نقفته إلا بعون الله
عليه؛ ولهذا قال عمر # ما قال، ثم دعا أن يعينه على إنفاقه في
حقه، فمن أخذ المال من حقه ووضعه في حقه فقد سلم من فتنته
وحصل على ثوابه، وهذا معنى قوله: ((فمن أخذه بطيب نفس بورك
له فيه))، وفي قوله أيضا: ((ومن أخذه بطيب نفس)) تنبيه لأمته على
الرضا بما قسم لهم.
وفي قوله: ((ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه)) إلى آخره:
ذم الحرص والشره إلى الاستكثار، ألا ترى أنه شبه فاعل ذلك
بالبهائم التي تأكل ولا تشبع؟ وهذا غاية الذم له؛ لأن الله وصف
الكفار بأنهم يأكلون كما تأكل الأنعام، يعني أنهم لا يشبعون كهم؛
(١) سلف برقم (١٤٩٥) كتاب الزكاة، باب إذا تحولت الصدقة، ورواه مسلم (١٥٠٤)
كتاب العتق، باب إنما الولاء لمن أعتق.
(٢) في الأصل: في. والمثبت من (ص٢).

٤٣٩
= ڪِتَابُ الرِّقَاقِ
لأن الأنعام لا تأكل لإقامة أرماقها وإنما تأكل للشره والنهم، فينبغي
للمؤمن العاقل الفهم عن الله وعن رسوله أن يتشبه بالسلف الصالح
في أخذ الدنيا، ولا يتشبه بالبهائم التي لا تعقل. وقد سلف تفسير
((خضرة حلوة))(١) .
(١) سلف برقم (٦٤١٧).

٤٤٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
١٢- باب مَا قَدَّمَ مِنْ مَالِهِ فَهْوَ لَهُ
٦٤٤٢- حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ حَقْصٍ، حَدَّثَنِي أَبي، حَدَّثَنَا الأَغَمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي
إِنْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ، عَنِ الَحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ عَبْدُ اللهِ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: «أَيُّكُمْ مَالُ
وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ؟)). قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا مِنَّا أَحَدٌ إِلَّ مَالُهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ.
قَالَ: (فَإِنَّ مَالَهُ مَا قَدَّمَ، وَمَالُ وَارِثِهِ مَا أَخَّرَ)). [فتح ١١ / ٢٦٠].
ذكر فيه حديث الحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، عن عَبْدِ اللهِ قال: قَالَ النَِّيُّ ◌َّ:
(أَيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ؟)). قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا مِنَّا أَحَدٌ
إِلَّا مَالُهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ. قَالَ: ((فَإِنَّ مَالَهُ مَا قَدَّمَ، وَمَالُ وَارِثِهِ مَا أَخَّرَ)).
هذا الحديث رواه البخاري عن عمر بن حفص، عن أبيه، عن
الأعمش: حدثني إبراهيم التيمي، عن الحارث به. وعند الإسماعيلي:
عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه أو الحارث بن سويد عنه،
وفيه: قالوا: يا رسول الله، ما منا أحد إلا ماله أحب إليه من مال
وارثه. فقال: ((اعلموا ما تقولون)) فقالوا: ما نعلم إلا ذاك. الحديث
وهذا الحديث تنبيه للمؤمن على أن يقدم من ماله لآخرته، ولا يكون
خازنًا له وممسكه عن إنفاقه في الطاعة، فيخيب من الانتفاع به يوم
الحاجة إليه، وربما أنفقه وارثه في الطاعة فيفوز بثوابه. فإن قلت:
هذا الحديث يدل على أن إنفاق المال في وجوه البر أفضل من تركه
لوارثه، وهذا يعارض الحديث الآخر وهو قوله لسعد: ((إنك إن تذر
ورثتك أغنياء خير من أن تتركهم عالة يتكففون الناس)) (١).
قيل: لا تعارض بينها، وإنما حضَّ الشارع سعدًا على أن يترك مالًا
(١) سلف برقم (١٢٩٥) كتاب الجنائز، باب رثى النبي ◌َّ سعد بن خولة، ورواه
مسلم (١٦٢٨) كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث.