النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ = ڪِتَابُ الدَّعَوَاتِ لا يستجاب للأنبياء إلا دعوة واحدة، وقد أجيبت لسيدنا رسول الله وَالله دعوات بأسانيد ثابتة كما سلف، ومنها دعاؤه على المشركين بسبع كسبع يوسف(١)، ودعاؤه على صناديد قريش المعاندين له فقتلوا يوم بدر(٢)، وغير ذلك مما يكثر إحصاؤه مما أجيب من دعائه، بل لم يبلغنا أنه ردًّ من دعائه إلا سؤاله ألا يجعل (الله تعالى)(٣) بأس أمته بينهم خاصة كما سلف؛ لما سبق في أم الكتاب من كون ذلك، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا أَقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]. فصل : قد سلف معنى قوله: (لكل نبي دعوة مستجابة)) وعبارة ابن بطال: يريد أن لكل نبي دعوة عند الله من رفيع الدرجة، وكرامة المنزلة أن جعل له أن يدعوه فيما أحب من الأمور، ويبلغه أمنيته فيدعو في ذلك وهو عالم بالإجابة، على ما ثبت عنه أن جبريل قال: (يا محمد إن أردت أن يحول الله لك جبال تهامة ذهبًا فعل))، وخيره الله بين أن يكون نبيًّا عبدًا، ونبيًا ملكًا، فاختار الآخرة على الدنيا (٤)، وليست هذِه (الدرجة)(٥) لأحد من الناس، وإنما أمرنا بالدعاء راجين الإجابة (غير) (٦) قاطعين عليها ليقفوا (بين)(٧) الرجاء والخوف. (١) سلف برقم (١٠٠٧)، ورواه مسلم (٢٧٩٨). (٢) سلف برقم (٢٤٠)، ورواه مسلم (١٧٩٤). (٣) من (ص٢). (٤) رواه الطبراني في ((الأوسط)) ٨٨/٧ (٦٩٣٧) وضعفه الألباني في ((الضعيفة)) (٢٠٤٤). (٥) في الأصل (الدار) والمثبت من (ص٢). (٦) من (ص٢). (٧) في الأصل (تحت) والمثبت من (ص٢). ١٨٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = فصل : وفي هذا الحديث بيان فضيلة نبينا على سائر الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- حين آثر أمته بما خصه الله به من إجابة الدعوة بالشفاعة له، ولم يجعل ذلك في خاصة نفسه وأهل بيته، فجزاه الله عن أمته أفضل الجزاء، وصلى الله عليه أطيب الصلاة، (فهو)(١) كما وصفه الله (٢) بِلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] a (١) من (ص٢). (٢) ((شرح ابن بطال)) ١٠/ ٧٢ -٧٥. ١٨٣ كِتَابُ الدَّعَوَاتِ = ٢- باب أَفْضَلِ الاسْتِغْفَارِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ﴾، إلى قوله: ﴿وَيَجْعَل لَّكُ أَنْهَرًا﴾ [نوح: ١٠ - ١٢]، ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوَأْ أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٣٥]. ٦٣٠٦ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ بُشَئِرِ بْنِ كَغْبِ العَدَوِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي شَدَّادُ بْنُ أَوْسِ هِ، عَنِ النَّبِيِّ وَّة: ((سَيِّدُ الاسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إله إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدَِ وَوَعْدِكَ مَا أُسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ بِذَنْبِي، أَغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّ أَنْتَ). قَالَ: ((وَمَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنَّا بِهَا، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهْوَ مُوقِنٌ بِهَا، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ، فَهْوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ)). [٦٣٢٣ - فتح ١١ / ٩٧] ثم ساق حديث بُشَيْرِ بْنِ كَعْبِ العَدَوِيِّ عن شَدَّادُ بْنُ أَوْسِ ﴾، أن النَّبِّ وَِّ قال: (سَيِّدُ الأَسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إله إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدَُ، وَأَنَا عَلَى عَهْدَِ وَوَعْدِلَكَ مَا أَسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّ أَنْتَ)). قَالَ: «مَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنَّا بِهَا، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهْوَ مُوقِنٌ بِهَا، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ، فَهْوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ)). هذا الحديث أخرجه البخاري عن أبي معمر، ثنا عبد الوارث: حدثني الحسين(١) -هو ابن ذكوان- ثنا عبد الله بن بريد، عن بشير، (١) ورد بهامش الأصل: لما أخرجه المزي قال: إنه حسين المعلم وابن ابن حريث، = ١٨٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = عن شداد به. وأخرجه الترمذي من حديث الحسين بن حريث، عن عبد العزيز بن أبي حازم، عن كثير بن زيد، عن عثمان بن ربيعة، عن شداد به. ثم قال: حسن غريب من هذا الوجه (١). وأخرجه النسائي من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت وأبي العوام، عن ابن بريدة، أن ناسًا من أهل الكوفة كانوا في سفر ومعهم شداد. فذكره(٢). وعند أبي داود والنسائي رواه الوليد بن ثعلبة الطائي، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قوله(٣). وأخرجه أبو نعيم في ((عمل يوم وليلة)) عن علي بن هارون، ثنا موسى بن هارون، ثنا علي بن حرب، ثنا يزيد بن الحباب، ثنا كثير بن زيد، عن المغيرة بن شعبة، عن شداد أنه الظّهر قال له: ((يا شداد، ألا أدلك على سيد الاستغفار)). الحديث. ثم قال: رواه الحسين بن ذكوان عن ابن بريدة، عن بشير. ورواه محمد بن حبيب، عن السري، عن يحيى، عن هشام، عن أبي الزهير، عن جابر، عن رسول الله وَليل مثله. قال: والاستغفار يكفر الذنوب التي لا توجب على مرتكبها حكمًا في نفس ولا مال، وإن كان ذنبه من الكبائر، وأما من أوجب عليه في نفسه وماله حكمًا؛ لارتكابه ذلك الذنب، فالاستغفار لا يجزئه من = وابن هُذا ابن حريث من مشايخ الأئمة سوى ابن ماجه. والله أعلم. (١) ((سنن الترمذي)) (٣٣٩٣). (٢) ((سنن النسائي الكبرى)) ٦/ ١٥٠ (١٠٤١٧). (٣) ((سنن أبي داود)) (٥٠٧٠)، ((سنن النسائي الكبرى)) ١٢١/٦ (١٠٣٠٠). ١٨٥ كِتَابُ الدَّعَوَاتِ = دون إقامة ذلك الحكم والخروج منه؛ لأن قوله الشّا: ((من قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، غفرت ذنوبه وإن كان فر من الزحف))(١). لأن الفرار منه وإن كان من الكبائر فهو من الذنوب التي لا توجب على مرتكبه حكمًا في نفس ولا مال، ولله أن يعفو أو يصفح عن كل ذنب دون الشرك، للآية الكريمة. فصل : والمدرار في الآية: المطر، أي: مدر ماء. والآية الثانية روي عن علي : كنت إذا سمعت من رسول الله وَلّ حديثًا نفعني الله منه بما شاء أن ينفعني، وإذا حدثني رجل من أصحابه استحلفته، فإذا حلف لي صدقته، فحدثني أبو بكر # -وصدق أبو بكر - قال: سمعت النبي ◌َّ يقول: ((ما من رجل يذنب ذنبا ثم يقوم فيتطهر فيحسن الطهور ثم يستغفر الله رَكَّ إلا غفر له)). ثم تلا هُذِه الآية(٢). (١) رواه أبو داود (١٥١٧) والترمذي (٣٥٧٧) من طريق أبي عمر بن مرة، عن بلال بن يسار بن زيد، عن أبيه، عن جده مرفوعًا، قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وصححه الألباني في ((صحيح سنن أبي داود)) (١٣٥٨)، و((صحيح سنن الترمذي)) (٢٨٣١). ورواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) ٥٨/٦ (٢٩٤٤١)، والحاكم في ((المستدرك)) ١١٨/٢ من طريق أبي سنان، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود مرفوعًا، قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. (٢) رواه أبو داود (١٥٢١)، والترمذي (٤٠٦)، وابن ماجه (١٣٩٥)، ولم يذكر الآية، والنسائي في ((الكبرى)) ١١٠/٦ (١٠٢٥٠) من طريق عثمان بن المغيرة، عن علي بن ربيعة، عن أسماء بن الحكم الفزاري عن علي به. قال الترمذي: حديث علي حديث حسن، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وصححه الألباني في ((صحيح سنن أبي داود)) (١٣٦١). ١٨٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ومعنى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّواْ﴾: لم يمضوا، قاله مجاهد، والمعروف أصر إذا دام، وفي الحديث: ((ما أصر من أستغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرة))(١). وقيل: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: أي: يعلمون أنهم إن (تابوا)(٢) تاب الله عليهم. فصل : وقوله: (((سيد الاستغفار))): أي: أفضله وأعظمه نفعًا؛ لأن فيه الإقرار بالإلهية والعبودية، وأن الله خالق، وأن العبد مخلوق. وقوله: (((وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت))). يعني: العهد الذي أخذه الله على عباده في أصل خلقهم حين أخرجهم من أصلاب آبائهم أمثال الذر، وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟! قالوا: بلى. فأقروا له في أصل خلقهم بالربوبية وأذعنوا له بالوحدانية. والوعد: ما وعدهم أنه من مات منهم لا يشرك بالله شيئًا وأدى ما أفترض (الله)(٣) عليه أن يدخله الجنة. فينبغي لكل مؤمن أن يدعو الله مت أن يميته على ذلك العهد، وأن يتوفاه على الإيمان؛ لينال ما وعد رَّ مَنْ وفى بذلك؛ اقتداء بالشارع في دعائه بذلك، ومثل ذلك سأل الأنبياء ربهم في دعائهم فقال إبراهيم: ﴿وَأَجْتُبْنِ وَبَنِىَّ أَنْ نَّعْبُدَ اُلْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]، وقال يوسف: ﴿َوَفَّنِى (١) رواه أبو داود (١٥١٤)، والترمذي (٣٥٥٩)، وأبو يعلى ١٢٤/١ (١٣٧)، والبيهقي ١٨٨/١٠. من طريق عثمان بن واقد، عن أبي نصرة، عن مولى لأبي بكر، عن أبي بكر مرفوعًا، قال الترمذي: وهذا حديث غريب، إنما نعرفه من حديث أبي نصرة، وليس إسناده بالقوي. وضعفه الألباني في ((ضعيف سنن أبي داود)) (٢٦٧). (٢) في الأصل ((ماتوا)) والمثبت من (ص٢). (٣) مكررة بالأصل. ١٨٧ = كِتَابُ الدَّعَوَاتِ مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِالصَّلِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]، وقال أيضًا نبينا عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام: ((وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضني إليك غير مفتون))(١). وأعلم الثَّ أمته بقوله: ((أنا على عهدك ووعدك ما استطعت)). أن أحدًا لا يقدر على الإتيان بجميع ما امتن الله عليه، ولا الوفاء بكمال الطاعات، والشكر على النعم، إذ نعمه تعالى كثيرة ولا يحاط بها، قلے ألا ترىُ قوله: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: ٢٠] فمن يقدر مع هذا أن يؤدي شكر النعم الظاهرة، فكيف الباطنة! لكن قد رفق الله بعباده فلم يكلفهم من ذلك إلا وسعهم، وتجاوز عما فوق ذلك، وكان القيا يمتثل هذا المعنى في مبايعته للمؤمنين فيقول: ((أنا معكم على السمع والطاعة فيما استطعتم))(٢). وقال ابن التين: يريد: أنا على ما عهدتك عليه، وأوعدتك من الإيمان بك، وإخلاص الطاعة لك ما استطعت من ذلك. وقد يكون معناه: إني مقيم على ما عهدت إليَّ من أمرك، ومتمسك بك ومنتجز وعدك في المثوبة والأجر عليه. واشتراطه في ذلك الاستطاعة معناه: الاعتراف بالعجز والقصور عن كنه الواجب من حقه تعالى، (ثم قال: قاله أبو سليمان -يعني الخطابي) (٣) (٤) -. (١) رواه الحاكم في ((المستدرك)) ٥٢٧/١ (١٩٣٢) وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري. (٢) سيأتي برقم (٧٢٠٢) كتاب: الأحكام، باب: كيف يبايع الإمام الناس، ورواه مسلم برقم (١٨٦٧) كتاب: الإمارة، باب: البيعة على السمع والطاعة فيما استطاع. (٣) من (ص٢). (٤) ((أعلام الحدیث)) ٢٢٣٦/٣ -٢٢٣٧. ١٨٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وقال الداودي: عهد الله الإسلام، ووعده الإقرار بالجزاء يوم الدين. (قال)(١): وقوله ((ما استطعت)) أي: من قول أو عمل. فصل : فإن قلت: أين لفظ الاستغفار في هذا الدعاء، وقد سماه الشارع سيد الاستغفار؟ قيل: الاستغفار في لسان العرب: هو طلب المغفرة من الله. وسؤاله غفران الذنوب السالفة، والاعتراف بها، وكل دعاء كان فيه هذا المعنى فهو استغفار. مع أن في الحديث لفظ الاستغفار، وهو قوله: ((فاغفر لي؛ فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت)). فصل : معنى: ((أبوء)): أقر بنعمتك وألزمها نفسي، وأصل البواء: اللزوم، يقال: أباء الإمام فلانًا بفلان إذا ألزمه دمه وقتله به، وفلان بواءٌ لفلان إذا قتل به، وهو كقوله: بوأه الله منزلًا. أي: ألزمه الله إياه وأسكنه إياه. وعبارة صاحب ((الأفعال)): باء بالذنب: أقر(٢)، أي: أقر بالنعمة والاستغفار والذنب. وقيل: ((أبوء بذنبي)) أي: أحمله كرهًا، لا أستطيع صرفه عن نفسي، ومنه ﴿فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ [البقرة: ٩٠]. فصل : (قوله)(٣): ((من قالها موقنًا بها .. )) إلى آخره. يعني: مخلصًا من قلبه، ومصدقًا بثوابها فهو من أهل الجنة، وهذا كقوله التّها: (من قام (١) من (ص٢). (٢) ((الأفعال)) لابن القوطية ص (١٣٢). (٣) من (ص٢). ١٨٩ كِتَابُ الدَّعَوَاتِ = رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه)) (١) وقال الداودي: هذا يحتمل أن يكون من قوله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] وعادته التبشير بالشيء، ثم (باء)(٢) بأفضل منه لا بأقل مع أرتفاع الأول. ويحتمل أن يكون ذلك ناسخًا، وأن يكون فيمن قاله. و(مات)): قبل فعل ما يغفر لديه ذنوبه. (١) سلف برقم (٣٧) كتاب: الإيمان، باب: تطوع قيام رمضان من الإيمان، ورواه مسلم برقم (٧٥٩) كتاب: صلاة المسافرين، باب: الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح. (٢) من (ص٢). ١٩٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = صَلىالله في اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ ٣- باب اسْتِغْفَارِ النّبِيّ وَسلم ٦٣٠٧ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَبِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّه يَقُولُ: ((والله إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي اليَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً)). [فتح ١٠١/١١] ذكر فيه حديث أَبي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﴾: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ ﴿ يَقُولُ: ((والله إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً)) . الشرح: أراد ◌َ# بذلك تعليم أمته وملازمته الخضوع والعبودية، والاعتراف بالتقصير، وإلا فهو مبرأ من كل نقص، قال وقال: ((لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرًا)) (١)، وقال: ((أفلا أكون عبدًا شكورًا))(٢)، وقال: ((إني أخشاكم لله، وأعلمكم بما أتقى))(٣)، وهذا أولى من قول ابن الجوزي: هفوات الطباع (ما يسلم) (٤) منها أحد، فالأنبياء وإن عصموا من الكبائر، فلم يعصموا من الصغائر، وتتحدد للطبع غفلات(6) تفتقر إلى الاستغفار، فإن المختار عصمتهم منها أيضًا. (١) سلف برقم (١٠٤٤) كتاب الكسوف، باب: الصدقة في الكسوف ورواه مسلم برقم (٩٠١) كتاب صلاة الكسوف، باب: صلاة الكسوف. (٢) سلف برقم (١١٣٠) كتاب: التهجد، باب: قيام النبي ◌َّ الليل ورواه مسلم برقم (٢٨١٩) كتاب صفة الجنة والنار، باب: إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة. (٣) سلف برقم (٥٠٦٣) كتاب: النكاح، باب: الترغيب في النكاح، من حديث أنس ورواه مسلم من حديث عائشة برقم (١١١٠) كتاب: الصيام، باب: صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب. (٤) مثبتة من هامش الأصل حيث قال: لعله سقط. (٥) تكرار بالأصل. ١٩١ كِتَابُ الدَّعَوَاتِ = وقال بعضهم: إنه لم يزل في الترقي، فإذا ترقى إلى حال، رأى ما قبلها دونه، أستغفر منه، كما قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين(١). وما ألطفه، ومثله المراد به عن الفترات والغفلات عن الذكر الذي كان شأنه على الدوام عليه، أو هَمَّه بسبب أمته، وما أطلع عليه من أحوالها بعد، أو سببه أشتغاله بالنظر في مصالح الأمة عن عظيم مقامه، أو شكرًا لما أُولي. ولا شك أن أولى العباد بالاجتهاد في العبادة الأنبياء؛ لما حباهم به من معرفته، فهم دائبون في شكره معترفون له بالتقصير ولا يُدلّون عليه بالأعمال؛ مستكنون خاشعون، قال أبو هريرة -فيما رواه مكحول عنه -: ما رأيت أحدًا أكثر استغفارًا من رسول الله وَلّر، وقال مكحول: ما رأيت (أحدًا)(٢) أكثر استغفارًا من أبي هريرة. وكان مكحول كثير الاستغفار وقال أنس: أمرنا أن نستغفر بالأسحار سبعين مرة (٣). وروى أبو إسحاق، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: كنت مع النبي ﴿ فسمعته يقول: ((أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه)) مائة مرة قبل أن يقوم(٤). (١) هذا من قول أبي سعيد الخراز كما رواه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) ٢٧٦/٤ وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) ١٣٧/٥. وظنه بعض الناس حديثًا؛ لذا أورده الشوكاني في ((الفوائد المجموعة)) ونسبه له وعزاه لابن عساكر. (٢) من (ص٢). (٣) رواه الطبراني في ((الأوسط)) ١٨٣/٩ (٩٤٨٤)، وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٢٠٩/١٠: فيه: الحسن بن أبي جعفر، وهو متروك. (٤) رواه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٦٢٧) وصححه الألباني فيه، ورواه الطبراني ٤١٦/١٢ (١٣٥٣٢). ولفظهما: يستغفر الله في المجلس مائة مرة ((رب اغفر لي، وتب علي، وارحمني، إنك أنت التواب الرحيم)). ١٩٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وروي عن حذيفة أنه شكا إلى رسول الله وَ ل ذرب لسانه على أهله، فقال: ((أين أنت يا حذيفة من الممحاة؟)) قال: وما هي؟ قال: ((الاستغفار، إني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة))(١). وقال العليا لعائشة رضي الله عنها وقت الإفك: ((إن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه))(٢). وروي أن التوبة (من الذنب)(٣): الندم والاستغفار، وقالت عائشة رضي الله عنها: كان العَيْ قبل أن يموت يكثر من قوله: ((سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه)). فسألته عن ذلك، فقال: ((أخبرني ربي أني سأرى علامة في أمتي، فإذا رأيتها أكثرت من ذلك، فقد رأيتها ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاُلْفَتْحُ ﴾﴾)) (٤). وقال أبو أيوب الأنصاري: ما من مسلم يقول: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه. ثلاث مرات إلا غفرت ذنوبه وإن كانت أكثر من زبد البحر، وإن كان فر من الزحف. وكان ابن عمر رضي الله عنهما كثيرًا ما يقول: الحمد لله وأستغفر الله. فقيل له في ذلك، فقال: إنما هي نعمة فأحمد الله عليها، أو خطيئة فأستغفر الله منها . وقال عمر بن عبد العزيز: رأيت أبي في النوم كأنه في بستان فقلت له: أي عملك وجدت أفضل؟ قال: الاستغفار. (١) رواه ابن أبي شيبة ٥٧/٦ (٢٩٤٣٢)، والنسائي في ((الكبرى)) ١١٧/٦ وأبو نعيم في ((حلية الأولياء)» ٢٧٦/١. (٢) سلف برقم (٢٦٦١) كتاب: الشهادات، باب: تعديل النساء بعضهن بعضًا، ورواه مسلم برقم (٢٧٧٠) كتاب: التوبة، باب: في حديث الإفك، وقبول توبة القاذف. (٣) من (ص٢). (٤) رواه مسلم (٤٨٤) كتاب: الصلاة، باب: ما يقال في الركوع والسجود. ١٩٣ كِتَابُ الدَّعَوَاتِ وروى أبو عثمان عن سلمان عه قال: إذا كان العبد يدعو الله في الرخاء فنزل به البلاء فدعا، قالت الملائكة: صوت معروف من أمرئ ضعيف فيشفعون له. وإذا كان لا يكثر من الدعاء في الرخاء فنزل به البلاء فدعا، قالت الملائكة: صوت منكر من أمرئ ضعيف فلا یشفعون له. ولم يزد ابن التين في شرح هذا الحديث على أن قال: في بعض الأثر عنه العليا ((من استغفر الله تعالى سبعين مرة غفر له سبعمائة خطيئة))، وأي عبد أو أمة تذنب كل يوم سبعمائة ذنب؟ فائدة : فوائد الاستغفار: محو الذنوب، وستر العيوب، وإدرار الرزق، وسلامة الخلق، والعصمة في المال، وحصول الآمال، وجريان البركة في الأموال، وقرب المنزلة من الديان، (فالثوب الوسخ أحوج إلى الصابون من البخور؛ ليزول الأثر؛ وتنشرح الصدور)(١). (١) من (ص٢). ١٩٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ٤- باب التّوْبَةِ قَالَ قَتَادَةُ: ﴿تُوبُواْ إِلَى اللَّهِ تَوْبَةُ نَّصُوحًا﴾ [التحريم: ٨] الصَّادِقَةُ النَّاصِحَةُ. ٦٣٠٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ، عَنِ الأَغْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَثٍ، عَنِ الَحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ حَدِيثَيْنِ: أَحَدُهُمَا عَنِ النَّبِيِّ ـلى الله وَالآخَرُ عَنْ نَفْسِهِ. قَالَ: (إِنَّ المُؤْمِنَ يَرىُ ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الفَاجِرَ يَرِئْ ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ. فَقَالَ بِهِ هَكَذَا - قَالَ أَبُو شِهَابٍ بِيَدِهِ فَوْقَ أَنْفِهِ - ثُمَّ قَالَ: (لله أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ رَجُلِ نَزَلَ مَنْزِلًا وَبِهِ مَهْلَكَةٌ، وَمَعَهُ رَاحِلَتْهُ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ فَنَّامَ نَوْمَةً، فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ رَاحِلَتُهُ، حَتَّى اشْتَدَّ عَلَيْهِ الحَرُّ وَالْعَطَشرُ أَوْ مَا شَاءَ اللهُ، قَالَ: أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِي. فَرَجَعَ فَنَامَ نَوْمَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَإِذَا رَاحِلَتُهُ عِنْدَهُ)). تَابَعَهُ أَبُو عَوَانَةَ وَجَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ. وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ: حَدَّثَنَا الأَغْمَشُ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ: سَمِعْتُ الَحَارِثَ. وَقَالَ شُعْبَةُ وَأَبَو مُسْلِم: عَنِ الأَغْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنِ الَحَارِثِ ابْنِ سُوَيْدٍ. وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: حَدَّثَنَا الأَغَمَشُ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ. وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ. [مسلم: ٢٧٤٤ - فتح ١١/ ١٠٢] ٦٣٠٩ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسُ ابْنُ مَالِكِ، عَنِ النَّبِيِّ وَحَدَّثَنَا هُذْبَةُ، حَدَّثَنَا هَمَّاٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ عََّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَه: ((اللهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ سَقَطَ عَلَى بَعِيرِهِ وَقَدْ أَضَلَّهُ فِي أَرْضِ فَلَاةٍ)). [مسلم: ٢٧٤٧ - فتح ١١ /١٠٢] ١٩٥ كِتَابُ الدَّعَوَاتِ = ذکر فیه حدیثین : أحدهما : حديث أَبي شِهَابٍ -واسمه عبد ربه بن نافع الحناط المدائني، أصله كوفي، ومات بالموصل سنة إحدى أو اثنتين وسبعين ومائة، أتفقا عليه، وعلى عبد ربه بن سعيد، أخي يحيى بن سعيد، وانفرد مسلم بأبي نعامة عبد ربه، سعدي بصري. روى عن النهدي وأبي نضرة- عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنِ الحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ حَدِيثَيْنٍ: أَحَدُهُمَا عَنِ النَّبِيِّ وََّ، وَالآخَرُ عَنْ نَفْسِهِ. قَالَ: ((إِنَّ المُؤْمِنَ يَرىْ ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلِ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الفَاجِرَ يَرىْ ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ، فَقَالَ بِهِ هَكَذَا - قَالَ أَبُو شِهَابٍ بِيَدِهِ فَوْقَ أَنْفِهِ - ثُمَّ قَالَ: (الله أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ العبد مِنْ رَجُلِ نَزَلَ مَنْزِلًا وَبِهِ مَهْلَكَةٌ، وَمَعَهُ رَاحِلَتْهُ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَوَضَعَ رَأْسَّهُ فَنَامَ نَوْمَةً، فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ رَاحِلَتُهُ، حَتَّى أَشْتَدَّ عَلَيْهِ الحَرُّ وَالْعَطَشرُ أَوْ مَا شَاءَ اللهُ، قَالَ أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِي. فَرَجَعَ فَنَامَ نَوْمَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَإِذَا رَاحِلَتْهُ عِنْدَهُ» . تَابَعَهُ أَبُو عَوَانَةَ وَجَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ. وَقَالَ (أَبُو أُسَامَةَ)(١): ثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ: سَمِعْتُ الحَارِثَ. وَقَالَ شُعْبَةُ وَأَبُو مُسْلِم وهو قائد الأعمش واسمه عبيد الله بن سعيد، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنَّ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنِ الحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ. وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: ثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ. وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنِ الحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ. (١) في (ص٢) (أبو شامة). ١٩٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - الحديث الثاني : حدثنا إِسْحَاقُ، ثَنَا حَبَّانُ، أيْ: بفتح الحاء والباء الموحدة، ثَنَا هَمَّامٌ، ثَنَا قَتَادَةُ، عن أَنَس بْنُ مَالِكِ ﴾، عَنِ النَّبِّ ◌ََّ. وَحَدَّثَنَا هُدْبَةُ، ثَنَا هَمَّامٌ، ثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: (الله أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ سَقَطَ عَلَى بَعِيرِهِ وَقَدْ أَضَلَّهُ فِي أَرْضِ فَلَاقٍ». الشرح : الكلام عليه من وجوه : أحدها : الذي رواه عن نفسه هو من أوله إلى قوله فوق أنفه، وإن كان روي رفعها، ولكنها واهية، كما نبه عليها أبو أحمد الجرجاني، والمرفوع من قوله: ((لله أفرح)) إلى آخره. ومتابعة جرير وأبي أسامة. أخرجها مسلم عن عثمان وإسحاق عنهما، عن الأعمش ثنا الحارث بن سويد (١). وقال البزار: ثنا يوسف بن موسى، ثنا جرير، عن الأعمش، عن عمارة، عن الحارث، عن عبد الله، وعن الأسود بن يزيد، عن عبد الله بنحوه (٢). (١) مسلم (٢٧٤٤) كتاب التوبة، باب: في الحض على التوبة والفرح بها، وإسناد مسلم: قال إسحاق: أخبرنا، وقال عثمان: حدثنا جرير عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن الحارث بن سويد به. وفي الأصل لم يذكر جرير وعمارة بن عمير. ولعله سقط. (٢) ((مسند البزار)) ٨٢/٥ (١٦٥٥). ١٩٧ ■ ڪِتَابُ الدَّعَوَاتِ ومتابعة أبي معاوية أخرجها النسائي عن أحمد بن حرب، عنه، عن الأعمش، عن عمارة، عن الحارث والأسود، وعن محمد بن عبيد بن محمد، عن علي بن مسهر، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن الحارث، عن عبد الله: ((لله أفرح بتوبة عبده). الحديث(١). وأخرجه الترمذي، عن هناد، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن عمارة (بن عمير) (٢)، عن الحارث بن سويد، ثنا عبد الله بحديثين الحديث، ثم قال: صحيح(٣). ومتابعة أبي عوانة، أخرجها الإسماعيلي عن الحسن، ثنا محمد بن المثنى، ثنا يحيى بن حماد عنه. ثانیھا : مراده بالناصحة التي لا مداهنة فيها، (وقد فسرها البخاري عن قتادة: بأنها الصادقة) (٤). قال صاحب ((العين)): التوبة النصوحة: الصادقة(٥). وقيل: إنما سيمت بذلك؛ لأن العبد ينصح فيها نفسه ويقيها النار؛ لقوله تعالى: ﴿قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيَكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦] وأصل نصوحًا: توبة منصوحًا فيها، إلا أنه أخبر عنها باسم الفاعل للنصح على ما ذكره سيبويه، عن الخليل، في قوله تعالى: ﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [القارعة: ١١] أي: ذات رضا وذكر أمثلة لهذا كثيرة عن العرب، كقولهم: ليل نائم (١) ((سنن النسائي الكبرى)) ٤١٥/٤ (٧٧٤١- ٧٧٤٢). (٢) من (ص٢). (٣) ((سنن الترمذي)) (٢٤٩٧ -٢٤٩٨). (٤) من (ص٢). (٥) ((العين)) ١١٩/٣. وعبارته: التوبة النصوح: أن لا يعود إلى ما تاب عنه. ١٩٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وهم ناصب، (أي: ينام فيه)(١) وينصب(٢)، وكذلك توبة نصوحًا أي: ينصح فيها . وقال عمر بن الخطاب : هي أن يتوب من الذنب ثم لا يعود. وقال أبو إسحاق: بالغة في النصح، مأخوذ من النصح، وهي الخياطة كأن العصيان يخرق والتوبة ترقع. والنصاح: الخيط الذي يخاط به، وقيل: مثله في الحديث الآخر: من أغتاب خرق، ومن استغفر رَفَاً، وقيل: هو مأخوذ من: نصحت الإبل في الشرب أي قصدت. وقرأ عاصم: (نُصوحًا) بضم النون(٣)، أي: ذات نصح. ومعنى ((أفرح)): أرضى بالتوبة، وأقبل لها . والمهلَكة والمهلِكة: المفازة. قاله في ((الصحاح)) (٤). ومعنى: ((سقط على بعيره)): عثر على موضعه وظفر به، ومنه قولهم: على الخبير سقطت. وقوله (أضله) قال ابن السكيت: أضللت بعيري: إذا ذهب مني، وضللت المسجد والدار إذا لم تعرف موضعهما(٥)، وكذلك كل شيء لا یهتدی له. (١) من (ص٢). (٢) ((الكتاب)) لسيبويه ٣٨٢/٣. (٣) قال في ((الحجة للقراء السبعة)) ٣٠٣/٦: أبو بكر عن عاصم وخارجة عن نافع: (توبة نُصُوحًا) بضم النون. وحفص عن عاصم: ﴿قَوْبَةُ نَّصُوحًا﴾ بفتح النون، وكذلك قرأ الباقون. وانظر: ((الكشف عن وجوه القراءات السبع)) ٣٢٦/٢. (٤) ((الصحاح)) ١٦١٦/٤ مادة [هلك]. (٥) ((إصلاح المنطق)) ص (٢٦٨). ١٩٩ كِتَابُ الدَّعَوَاتِ = الثالث : التوبة: فرض من الله على كل من علم من نفسه ذنبًا صغيرًا أو كبيرًا؛ لقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى اللَّهِ تَوْبَةُ نَّصُوحًا﴾ [التحريم: ٨]، وقال: ﴿وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى الَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ الشُّوَءَ بِجَهَلَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾ [النساء: ١٧] فكل مذنب فهو عند مواقعة الذنب جاهل، وإن كان عالمًا، ومن تاب قبل الموت تاب من قريب. وقال الشَّل: ((الندم توبة))(١)، وقال: ((إن العبد ليذنب الذنب فيدخل به الجنة)) قالوا: كيف ذلك يا رسول الله؟ قال: ((يكون بين عينيه تائبًا منه فارًّا حتى يدخل الجنة))(٢). وقال سفيان بن عيينة: التوبة نعمة من الله تعالى أنعم بها على هذِهِ الأمة دون غيرهم من الأمم، وكانت توبة بني إسرائيل القتل. وقال الزهري: لما قيل لهم: ﴿فَتُوبُواْ إِلَى بَارِيَكُمْ فَقْتُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] قاموا صفين، وقتل بعضهم بعضًا حتى قيل لهم: كفوا فكانت لهم شهادة للمقتول وتوبة للحي، وإنما رفع الله عنهم القتل (١) رواه ابن ماجه (٤٢٥٢)، وأحمد ٣٧٦/١ (٣٥٦٨)، والبزار ٣١٠/٥ (١٩٢٦)، والطبراني في ((الأوسط)) ٤٤/٧ (٦٧٩٩)، والحاكم ٤/ ٢٤٣ (٧٦١٢) (٧٦١٣)، والبيهقي في ((الشعب)) ٣٨٦/٥ (٧٠٢٩)، وفي ((السنن الكبرى)) ١٥٤/١٠ (٢٠٥٥٨) من طريق سفيان بن عيينة، عن عبد الكريم الجزري، عن زياد بن أبي مريم، عن عبد الله بن معقل، عن ابن مسعود مرفوعًا، قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه اللفظة، وصححه الألباني في ((صحيح سنن ابن ما جه)» (٣٤٢٩). (٢) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) ص (٥٢) (١٦٢) عن ابن فضالة عن الحسن مرسلًا، وضعفه الألباني في ((ضعيف الجامع)) (١٥٠٣). ٢٠٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - لما بذلوا المجهود في قتل أنفسهم، فما أنعم الله على هذه الأمة نعمة بعد الإسلام، هي أفضل من التوبة. إن الرجل ليفني عمره، وما أفنى منه في المعاصي والآثام، ثم يندم على ذلك ويقلع عنه فيحطها الله عنه، ويقوم وهو حبيب الله. قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّبِينَ وَيُحِبُّ [البقرة: ٢٢٢] وقال الكلية ((التائب من ـرير الذنب كمن لا ذنب له))(١) . وقال ابن المبارك: حقيقة التوبة لها ست علامات: أولها: الندم على ما مضى، الثانية: العزم على ألا يعود، والثالثة: أن (يعمد)(٢) إلى كل فرض ضيعه فيؤديه، والرابعة: أن يعمد إلى مظالم العباد فيؤدي إلى كل ذي حق حقه، والخامسة: أن تعمد إلى (البدن)(٣) الذي ربيته بالسُحت والحرام فتذيبه بالهموم، والأحزان، حتى يلصق الجلد بالعظم، ثم تنشئ بينهما لحمًا طيبًا، إن هو نشأ. والسادسة: أن تذيق البدن ألم الطاعة كما أذقته لذة المعصية. وقال ميمون بن مهران عن ابن عباس رضي الله عنهما (قال) (٤): كم من تائب يرد يوم القيامة يظن أنه تائب وليس بتائب؛ لأنه لم يحكم أبواب (١) رواه ابن ماجه (٤٢٥٠)، والطبراني ١٠/ ١٥٠ (١٠٢٨١). وأبو نعيم في ((الحلية)) ٢١٠/٤، والقضاعي في ((مسند الشهاب)) ٩٧/١ (١٠٨)، والبيهقي في ((السنن الكبرى» ١٠/ ١٥٤ من طريق وهيب بن خالد، عن معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن أبي عبيدة بن عبد الله عن أبيه مرفوعًا، وقد ذكره الهيثمي في ((المجمع)) ٢٠٠/١٠ (١٧٥٢٦) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، وحسنه الألباني في ((صحيح سنن ابن ماجه)) (٣٤٢٧). (٢) في (ص٢) (يعود). (٣) من (ص٢). (٤) من (ص٢).