النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ = كِتَابُ الاسْتِنْذَانِ وقال القزاز: الأولى أن المراد بالفطرة هنا ما جبل الله الخلق وطباعهم عليه، وهو كراهة ما هو في جسمه مما ليس من زينته. فرع : اختلف في وقت الختان: فعندنا بعد البلوغ، ويستحب في السابع بعد الولادة(١)؛ اقتداء بأمر رسول الله وَّر في الحسن والحسين، فإنه ختنهما يوم السابع من ولادتهما، رواه الحاكم في ((مستدركه)) من حديث عائشة، وقال: صحيح الإسناد(٢). وقال الليث: الختان للغلام ما بين السبع سنين إلى العشر. وقال مالك: عامة ما رأيت الختان ببلدنا إذا أُثّغر (٣). وقال مكحول: إن إبراهيم خليل الرحمن ختن ابنه إسحاق لسبعة أيام، وختن ابنه إسماعيل لثلاث عشرة سنة. وروي عن أبي جعفر أن فاطمة كانت تختن ولدها اليوم السابع(٤)، وكره ذلك الحسن البصري، ومالك بن أنس؛ خلافًا لليهود، قال مالك: والصواب في خلافهم(٥). وقال الحسن: هو خطر وهو وجه عندنا. قال المهلب: وليس أختتان إبراهيم بعد ثمانين سنة مما (يوجب علينا)(٦) مثل فعله، إذ عامة من يموت من الناس لا يبلغ الثمانين، وإنما أختتن إبراهيم وقت أوحي إليه بذلك وأمر به ففعل. والنظر يدل أنه ما كان ينبغي إلا قرب (١) انظر: ((المجموع)) ٣٥٠/١. (٢) ((المستدرك)) ٤/ ٢٣٧. (٣) ((المنتقى)) ٣٣٢/٧. (٤) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ١١٣/٥ (٢٤٢٤٨). (٥) ((المنتقى)) ٣٣٢/٧. (٦) في الأصل: (وجب عليه). م ١٦٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وقت الحاجة لاستعمال ذلك العضو بالجماع، کما اختتن ابن عباس عند مناهزة الاحتلام وقال: كانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك؛ لأن الختان تنظيف لما يجتمع من الوضوء تحت الغرلة، ولذلك -والله أعلم- أمر بقطعها واختتان الناس في الصغر -والله أعلم- لتسهيل الألم على الصغير؛ لضعف عضوه؛ وقلة فهمه. فائدة(١): من خفف القدوم أراد الحديدة التي اختتن إبراهيم بها، ومن شدد فهو المكان، وقد يجوز أن يجتمع له الأمران، ذكره أجمع ابن بطال(٢). أخرى: الاستحداد: حلق شعر العانة والأرفاغ بالحديد، وهو استفعال من الحديد، وعن (الأصمعي)(٣): استحد الرجل إذا بور ما تحت إزاره. وهو خلاف المعروف. وتقليم الأظفار: وقصها . وعبارة ابن التين ما ينجر به مخفف، قال الجوهري: ولا تشديد، ومن شدد قال: موضع. قال الهروي: يقال: هو مقيل إبراهيم الفيفا، وقيل: هو قرية بالشام. وقال الداودي: من شدد يقول: بالفأس الصغير. (١) ورد بهامش الأصل ما نصه: من قوله: وعبارة ابن التين فيما يأتي إلى قوله: فائدة ينبغي أن ينقل من مكانه إلى بعد قوله: أجمع ابن بطال . ولعل أن المؤلف كتبه كذلك ولكن الناقل ما عرف بنقله، والظاهر أن سببه وسخ في أصل المؤلف، والله أعلم. (٢) ((شرح ابن بطال)) ٦٩/٩. (٣) في (ص٢): (الشعبي). ١٦٣ كِتَابُ الاسْتِئْذَانِ = وقول ابن بطال وقد يجمع له الأمران يعني به قدوم الذي يختن به في القدوم هو موضع. فائدة : قوله: (وكانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك) يقال: ختنه، يخْتِنه ويختنه، ذكره القزار، والختان: ما ينتهي إليه القطع من الصبي والجارية. ومعنى: أدرك: بلغ. قال الداودي: والذي هنا في سن ابن عباس صحيح. وقيل: توفى رسول الله صل وهو ابن عشر سنين. وهو أصح. وقوله: (وأنا ختين): أي: مختون، كقتيل: بمعنى: مقتول. ١٦٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٥٢- باب كُلُّ لَهْوٍ بَاطِلٌ إِذَا شَغَلَهُ عَنْ طَاعَةِ اللّهِ رَّ وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ. وقال الله رَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللهِ﴾ [لقمان: ٦]. ٦٣٠١- حَدَّثَنَا يَجْيَى بْنُ بُكَثِرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَبِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَهَ: «مَنْ حَلَفَ مِنْكُمْ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: بِاللَّاتِ وَالْعُزِىُ. فَلْيَقُلْ: لَا إله إِلَّ اللهُ. وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أَقَامِرْلَكَ. فَلْيَتَصَدَّقْ)). [انظر: ٤٨٦٠- مسلم: ١٦٤٧ - فتح ١١/ ٩١] ثم ذكر حديث أَبي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (مَنْ حَلَفَ مِنْكُمْ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: بِاللَّاتِ وَالْعُزِىُ. فَلْيَقُلْ: لَا إله إِلَّ اللهُ. وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أَقَامِرْكَ. فَلْيَتَصَدَّقْ)). وقد سلف. واختلف المفسرون في اللهو في الآية، فقال الضحاك: الشرك(١). وقال ابن مسعود: الغناء. وحلف عليه ثلاثًا (٢). وقال: الغناء ينبت النفاق في القلب(٣). وقاله مجاهد، وزاد: إن لهو الحديث في الآية الاستماع إلى الغناء، وإلى مثله من الباطل(٤) وقاله ابن عباس(٥) وجماعة من أهل التأويل أيضًا أنه الغناء، وقال القاسم بن محمد: (١) رواه الطبري ٢٠٤/١٠ (٢٨٠٦٤). (٢) رواه الطبري ٢٠٣/١٠ (٢٨٠٤٠)، والبيهقي ٢٢٣/١٠. (٣) رواه البيهقي ١٠/ ٢٢٣. (٤) رواه الطبري ٢٠٤/١٠ (٢٨٠٥٧). (٥) السابق ٢٠٣/١٠ (٢٨٠٤٢). ١٦٥ كِتَابُ الاسْتِئْذَانِ == الغناء باطل، والباطل في النار(١). ولذلك ترجم البخاري ما سلف. وقيل: المعنى: ما يلهي من الغناء وغيره، فمن قال شيئًا ليريح نفسه ويستعين به على الطاعة مما لا خفاء فيه فهو جائز. وقيل: إذا قل جاز. وكرهه مالك وإن قَلَّ؛ سدًّا للذريعة، وروى ابن وهب عنه ما سيأتي. وأما قوله: إذا شغله عن طاعة الله. فهو مأخوذ من قوله: ﴿لِيُضِلَ عَن سَبِيلِ اللهِ﴾ [لقمان: ٦] فدلت الآية على أن الغناء وجميع اللهو إذا شغل عن طاعة الله. وعن ذكره أنه محرم، وكذلك قال ابن عباس: ﴿لِيُضِلَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٦] أي: عن قراءة القرآن وذكر الله (٢). ودلت أيضًا أن اللهو إذا كان يسيرًا لا يشغل عن الطاعة، ولا يصد عن ذكره أنه غير محرم، ألا ترى أن الشارع أباح للجاريتين يوم العيد الغناء في بيت عائشة؛ من أجل العيد كما سلف(٣)، كما أباح لعائشة النظر إلى لعب الحبشة بالحراب في المسجد، وسترها وهي تنظر إليهم حتى شبعت، قال لها: ((حسبك)) (٤)، وقال التَّ لعائشة وقد حضرت زفاف أمرأة إلى رجل من الأنصار: (يا عائشة، ما كان معكم لهو فإن الأنصار يعجبهم اللهو)(٥) . وقد سلف في باب: (سنة)(٦) العيدين لأهل الإسلام في كتاب (١) القرطبي ١٤/ ٥٢. (٢) رواه الطبري ١٠/ ٢٠٥ (٢٨٠٦٦). (٣) برقم (٩٤٩). (٤) سلف برقم (٩٥٠). (٥) سلف برقم (٥١٦٢). (٦) من (ص٢). ١٦٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == الصلاة ما يرخص فيه من الغناء وما يكره، فدلت هذه الآثار على ما دلت عليه الآية من أن يسير الغناء واللهو الذي لا يصد عن ذكر الله وطاعته مباح. وأجاز سماعه أهل الحجاز، وقيل لمالك: إن أهل المدينة يسمعون الغناء قال: إنما يسمعه عندنا الفساق(١). وقال الأوزاعي: يترك من قول أهل الحجاز سماع الملاهي. وروى ابن وهب، عن مالك أنه سئل عن ضرب الكير والمزمار، وغير ذلك من اللهو الذي ينالك سماعه وتجد لذته وأنت في طريق أو مجلس: أيؤمر من ابتلي بذلك أن يرجع من الطريق، أو يقوم من المجلس؟ قال: أرى أن يقوم إلا أن يكون جالسًا لحاجة، أو يكون على حالة لا يستطيع القيام، ولذلك يرجع صاحب الطريق، أو يتقدم أو يتأخر. وقد جاء فيمن نزه سمعه عن قليل اللهو وكثيره ما روى أسد بن موسى، عن عبد العزيز بن أبي سلمة، عن محمد بن المنكدر قال: بلغنا أن الله تعالى يقول يوم القيامة: أين عبادي الذين كانوا ينزهون أنفسهم وأسماعهم عن اللهو ومزامير الشيطان أحلهم رياض المسك وأخبروهم أني قد أحللت عليهم رضواني (٢). وسلف اختلاف العلماء في فضائل القرآن قراءة القرآن بالألحان، ومن كرهه ومن أجازه. (١) القرطبي ١٤/ ٥٢. (٢) رواه ابن الجعد في ((مسنده)) (١٦٨٢) من طريق ابن المبارك ومعن كلاهما عن مالك بن أنس عن محمد بن المنكدر، به. ١٦٧ كِتَابُ الاسْتِئْذَانِ = فصل : وإنما أدخل البخاري حديث أبي هريرة في الباب لقوله في الترجمة: ( (ومن قال تعالَ أقامرك فليتصدق))). ولم يختلف العلماء في تحريم القمار؛ لقوله تعالى: ﴿إِنََّا الْخَغُرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الآية [المائدة: ٩٠]. واتفق أهل التأويل أن الميسر هنا القمار. وكره مالك اللعب بالنرد وغيرها من الباطل(١)، وتلا: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ اُلْحَقْ إِلَّا الضَّلَلُ﴾(٢) [يونس: ٣٢] وقال: من أدمن اللعب بها فلا تقبل له شهادة -وبذلك قال الشافعي- إذا شغله اللعب بها عن الصلاة حتى يفوته وقتها(٣) . والأصح عندنا تحريم اللعب بالنرد (٤). وقد قال أبو ثور: من تلاهى ببعض الملاهي حتى تشغله عن الصلاة لم تقبل شهادته. وأمره بالصدقة على الندب عند العلماء؛ لأنه لم يفعل شيئًا (لا)(٥) الوجوب؛ لأن الله تعالى لا يؤاخذ بالقول في غير الشرك حتى يصدقه الفعل أو يكذبه، حتى لو قال لامرأة: تعالي أزن بك أو أشرب ولم يفعل، لم يلزمه حد في الدنيا ولا عقوبة في الآخرة؛ إذا كان مجتنبا للكبائر لكن ندب من جرى مثل هذا القول على لسانه ونواه قلبه وبتَّ قوله أن يتصدق خشية أن تكتب عليه صغيرة؛ أو يكون ذلك من اللمم، وكذلك ندب من حلف باللات والعزى أن يشهد شهادة (١) ((المنتقى)) ٢٨٧/٧، ((الذخيرة)) ٢٨٣/١٣. (٢) القرطبي ١٤/ ٥٢. (٣) ((الأم)) ٦/ ٢٢٤. (٤) ((روضة الطالبين)) ٢٣٠/١١. (٥) في الأصل: إلا، وما أثبتناه مناسب للسياق. ١٦٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - التوحيد والإخلاص فينسخ بذلك ما جرى على لسانه من كلمة الإشراك والتعظيم لها وإن كان غير معتقد لذلك، والدليل على أن ذلك على الندب أن الله لا يؤاخذ العباد من الأيمان إلا بما أنطوت الضمائر على أعتقاده وكانت به شريعة لها، وكل محلوف به باطل فلا كفارة وإنما الكفارات في الأيمان المشروعة. فإن قلت: فما معنى أمره الفئة الداعي إلى المقامرة بالصدقة من بين سائر أعمال البر؟ قيل له: معنى ذلك -والله أعلم- أن أهل الجاهلية كانوا يجعلون جعلًا في المقامرة ويستحقونه منهم، فنسخ الله تعالى أفعال الجاهلية، وحرم القمار، وأمرهم بالصدقة عوضًا عما أرادوا استباحته من الميسر المحرم وكانت الكفارات من جنس الذنب؛ لأن المقامر لا يخلو أن يكون غالبًا أو مغلوبًا، فإن كان غالبًا فالصدقة كفارة لما كان يدخل في يده من الميسر، وإن كان مغلوبًا فإخراجه الصدقة لوجه الله أولى من إخراجه عن يده شيئًا لا يحل له إخراجه. ١٦٩ كِتَابُ الاسْتِئْذَانِ - ٥٣- باب مَا جَاءَ في البِنَاءِ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ وَِّ: (مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: إِذَا تَطَاوَلَ رِعَاءُ البَهْمِ فِي البُنْيَانِ)). [انظر: ٥٠] ٦٣٠٢- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ - هُوَ ابن سَعِيدٍ - عَنْ سَعِيدٍ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قَالُ: رَأَيْتُنِي مَعَ النَّبِيِّ ◌َ بَنَيْتُ بِيَدِي بَيْتًا يُكِنُّنِي مِنَ المَطَرِ وَيُظِلَّنِي مِنَ الشَّمْسِ، مَا أَعَانَنِي عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ. [فتح ١٠/ ٩٢] ٦٣٠٣ - حَدَّثَنَا عَلِيّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ عَمْرُو: قَالَ ابن عُمَرَ: والله مَا وَضَعْتُ لَبِنَةً عَلَى لَبِنَةٍ وَلَ غَرَسْتُ نَخْلَةً مُنْذُ قُبِضَ النَّبِيُّ وَِّ. قَالَ سُفْيَانُ: فَذَكَرْتُهُ لِبَغْضِ أَهْلِهِ، قَالَ: والله لَقَدْ بَنَى [بَيْتًا]. قَالَ سُفْيَانُ: قُلْتُ: فَلَعَلَّهُ قَالَ قَبْلَ أَنْ يَبْنِيَ. [فتح ٩٢/١١] وقد سلف مسندًا . ثم ساق حديث ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: رَأَيْتُنِي مَعَ النَّبِيِّ وَّ بَنَيْتُ بِيَدِي بَيْتًا يُكِنُّنِي مِنَ المَطَرِ وَيُظِلَِّي مِنَ الشَّمْسِ، مَا أَعَانَنِي عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ رَّ. وفي رواية عنه: والله مَا وَضَعْتُ لَبِنَةً عَلَىْ لَبِنَةٍ وَلَا غَرَسْتُ نَخْلَةً مُنْذُ قُبِضَ النَّبِيُّ وَِّ. قَالَ سُفْيَانُ: فَذَكَرْتُهُ لِبَعْضِ أَهْلِهِ، قَالَ: والله لَقَدْ بَنَى. قَالَ سُفْيَانُ: قُلْتُ: فَلَعَلَّهُ قَالَ قَبْلَ أَنْ يَبْنِيَ. الشرح : أشراط الساعة: علاماتها، جمع: شرط - بفتح الراء- والبهم - بفتح الباء -: جمع بهمة، وهي صغار الضأن، قاله الجوهري(١). وقال أبو عبيد في ((مصنفه)): البهم: من أولاد المعز، يقال ذلك للذكر (١) ((الصحاح)) ١٨٧٥/٥. ١٧٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - والأنثى. وقال ابن فارس: البهم: صغار الغنم(١). ولبنة ككلمة ما يبنى بها، وجمعها: لبن، وقال ابن السكيت: ومن العرب من يقول: لبنة أي: بإسكان الباء. وقوله: (ما أعانني عليه أحد). يريد لخفة مؤنته، وتأويل سفيان فيما قيل عن ابن عمر، أنه بنى بعد أن قال صحيح؛ لأن العالم إذا روي عنه قولان مختلفان أو قول مخالف لفعله ينبغي حملهما على ما لا تناقض فيه؛ ألا ترى أن قريب ابن عمر لم يكذبه في قوله. وقوله: (ولا غرست نخلة)، ليس الغرس من ذلك في شيء؛ لأن من غرس بنية طلب الكفاف أو لفضل ما ينال منها، ففي ذلك الفضل لا الإثم. قاله الداودي. وقوله: (يكثُّنِي من المطر)، هو بضم الياء من أكنَّ، قال ابن التين: كذا قرأناه. وفي (الصحاح)) عن الكسائي: كنت الشيء: سترته، وصنته من الشمس، وأكننته في نفسي: أسررته. وقال أبو زيد: كننته وأكننته بمعنى واحد في الكن وفي النفس جميعًا تقول: كننت العلم وأکننته، وكننت الجارية وأكننتها(٢). فصل : والتطاول في البنيان من أشراط الساعة، وذلك أن يبنى ما يفضل عما يكنه من الحر والبرد، ويستره عن الناس، وقد ذم الله تعالى من وَتَتَّخِذُونَ مَصَائِعَ لَعَلَّكُمْ فعل ذلك فقال: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيع ءَايَةً تَعْبَتُونَ (٧٨) تَخْلُدُونَ (3)﴾ [الشعراء: ١٢٨ - ١٢٩] يعني: قصورًا، وقد جاء عن رسول الله وسلم أنه قال: ((ما أنفق ابن آدم في التراب فلن يخلف له (١) ((مجمل اللغة)) ١٣٨/١. (٢) ((الصحاح)) ٢١٨٩/٦. ١٧١ = كِتَابُ الاسْتِئْذَانِ ولا يؤجر عليه))(١). فأما من بنى ما يحتاج إليه ليكنه من الحر و(البرد)(٢) فمباح له ذلك، وكذلك فعل السلف؛ ألا ترى قول ابن عمر رضي الله عنهما : (بنيت بيدي بيتًا يكنني من المطر .. ) إلى آخره، وقد روي مثل ذلك عن رسول الله وَلهر، ذكر الطبري، عن الحسن، عن حمران بن أبان، عن عثمان بن عفان أنه اللّه قال: ((كل شيء سوى جلف هذا الطعام -(يعني: كثير الطعام)(٣)- وهذا الماء وبيت يقله وثوب يستره، فليس لابن آدم فيه حق)) فأباح من البناء ما يقيه أذى الشمس والمطر اللذين لا طاقة لأحد باحتمال مكروههما، كما أباح من الغذاء ما به قوام بدنه، من مطعم أو مشرب، ومن الملبس ما يستر عورته، وما زاد على ذلك فلا حق له فيه، يعني: إذا لم يصرفه في الوجوه المقربة له إلى الله تعالى فإذا فعل ذلك فله الحق في أخذه وصرفه في حقه. وروى ابن وهب وابن نافع عن مالك قال: كان سلمان يعمل الخوص بيده، وهو أمير، ولم يكن له بيت إنما كان يستظل بالجدر والشجر وأن رجلًا قال له: ألا أبني لك بيتًا تسكن فيه؟ فقال: ما لي به حاجة فما زال به الرجل حتى قال: أعرف البيت الذي يوافقك قال: فصفه لي قال: أبني لك بيتًا إذا قمت فيه أصاب رأسك سقفُه وإن أنت مددت فيه رجليك أصابهما الجدار. قال: نعم كأنك كنت في نفسي والله أعلم. آخر كتاب الاستئذان بحمد الله ومنّه (١) سلف بنحوه برقم (٥٦٧٢). (٢) في (ص٢): (المطر). (٣) من (ص٢). ٠ + ٠ ٠ + * ٨٠ كِتَاب ◌َالدَّعَوَاتِ * + + + M M ٨٠- كِتَابَ الدَّعَوَاتِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَدْعُونِّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]. [فتح ١١ /٩٤] ج ١- [باب] وَلِكُلِّ نَبِيِّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ ٦٣٠٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِ الزَّنَادِ، عَنِ الأَغْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ بِ قَالَ: ((لِكُلِّ نَبِيِّ دَعْوَةٌ يَدْعُو بِهَا، وَأُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِىَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لأُمَّتِي فِي الآخِرَةِ)). [٧٤٧٤ - مسلم: ١٩٨، ١٩٩ - فتح ١١ /٩٦] ٦٣٠٥ - وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ: قَالَ مُعْتَمِرٌ: سَمِعْتُ أَبِي، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ قَالَ: (كُلُّ نَبِّ سَأَلَ سُؤْلًا - أَوْ قَالَ: لِكُلِّ نَبِيِّ دَعْوَةٌ قَدْ دَعَا بِهَا- فَاسْتُجِيبَ، فَجَعَلْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأَمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ)). [مسلم: ٢٠٠ - فتح ٩٦/١١] حدثنا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِهِ قَالَ: ((لِكُلِّ نَبِيِّ دَعْوَةٌ يَدْعُو بِهَا، وَأُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِئَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لأُمَّتِي فِي الآخِرَةِ» وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ: قَالَ مُعْتَمِرٌ: سَمِعْتُ أَبِي، عَنْ أَنَسِ، عَنِ النَِّيِّ ◌َِّـ قَالَ: ((كُلُّ نَبِيِّ سَأَلَ سُؤْلًا - أَوْ قَالَ: لِكُلِّ نَبِيِّ دَعْوَةٌ قَدْ دَعَا بِهَا- ١٧٦ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح فَاسْتُجِيبَ، فَجَعَلْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ». هذا الباب ذكره ابن بطال في أواخر (شرحه)(١) بعد الفتن، -ولا أدري لما فعل ذلك(٢) - ومعنى الآية: إن شئت (فضلًا مني)(٣) كقوله تعالى: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيِّهِ إِن شَآءَ﴾ [الأنعام: ٤١]. وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما: ليس من عبد يدعو الله إلا استجاب له، وإن كان الذي دعا به رزقًا له في الدنيا، أعطاه إياه، وإن لم يكن له رزقًا في الدنيا أدخر له. وروي: ((ما من داع يدعو الله إلا كان بين إحدى ثلاث: إما أن يستجاب له؛ يعطى مَا سأل، أو يصرف عنه به، وإما أن يدخر له، وإما أن يكفر عنه به))(٤). ومعنى داخرين: أذلاء صاغرين. ثم قال البخاري: وَلِكُلِّ نَبِيِّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ. ثم ساق من حديث الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ قَالَ: ((لِكُلِّ نَبِيِّ دَعْوَةٌ يَدْعُو بِهَا، وَأُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِئَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لأَمَّتِي فِي الآخِرَةِ)). وقال معتمر: سمعت أبي عن أنس ، عن النبي وَّ قال: ((كل نبي سأل سؤالًا -أو قال- لكل نبي دعوة قد دعاها فاستجيبت فجعلت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة)). (١) في الأصل ((صحیحه)). (٢) ((شرح ابن بطال)) ١٠/ ٧٢. 2 (٣) من (ص٢). (٤) رواه أحمد ١٨/٣ من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا وصححه الحاكم في ((المستدرك)) ١/ ٤٩٣. والألباني في ((صحيح الترغيب)) (١٦٣٣). ١٧٧ = ڪِتَابُ الدَّعَوَاتِ الشرح : هذا التعليق أخرجه مسلم (في الإيمان)(١) من حديث محمد بن العلاء، ثنا المعتمر به(٢)، وعنده في حديث أبي هريرة ((وأردت إن شاء الله أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة)) (٣) وفي رواية: ((فتعجل كل نبي دعوته، وإني أختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا))(٤)، وفي رواية: ((لكل نبي دعوة مستجابة يدعو بها فيستجاب فيؤتاها وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة))(٥) (وفي رواية)(٦): ((لكل نبي دعوة دعا بها في أمته فاستجيب، وأريد أن أدخر دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة))(٧). وهذا من حسن نظره عليه أفضل الصلاة والسلام؛ حيث اختار أن تكون دعوته فيما ينبغي، ومن فضل كرمه أن جعلها لأمته شفاعة للمذنبين، فكأنه القدير هيأ النجائب للمنقطعين؛ ليلحقهم بالسابقين. نبه عليه ابن الجوزي. وقوله: ((دعا بها في أمته))) يحتمل وجهين: أن يكون دعا بها لنفسه. وهو فيهم، أو دعا بها فيهم إما لصلاحهم، أو لهلاكهم. (١) من (ص٢). (٢) مسلم (٢٠٠). (٣) مسلم (١٩٨). (٤) مسلم (١٩٩). (٥) مسلم (١٩٩/ ٢٣٩). (٦) في (ص٢) (وإنه). (٧) مسلم (١٩٩/ ٢٤٠). ١٧٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ومعنى: (لكل نبي دعوة)) أي: أفضل دعائه، وكذا قوله: (كل نبي سأل سؤالًا))(١). والسؤال: ما يسأله المرء، قال تعالى: ﴿قَدْ أُوْنِيتَ سُؤْلَكَ يَمُوسَى﴾ [طه: ٣٦] قرئ بالهمز وتركه. ولهم دعوات غير ذلك: فالنبي ◌َّ سأل ألا تهلك أمته بالسنين فأعطيها، وسأل ألا يسلط عليهم عدوهم، وسأل ألا يجعل بأسهم بينهم فمنعها، وجعل بأسهم بينهم كفارات(٢). وقوله: (((لكل نبي دعوة مستجابة))) هذه دعوة تخص كل نبي لدنياه، مثل قول نوح العَيْئا: ﴿لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ﴾ [نوح: ٢٦]، ومثل قولة زكريا القائل: ﴿فَهَبْ لِ مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا﴾ [مريم: ٥]، ومثل قول سليمان: ﴿وَهَبْ لِ مُلْكًا﴾ [ص: ٣٥] فاختباؤه الَّر دعوته لأمته؛ رأفة بهم ورحمة عليهم الوقت شدتهم واحتياجهم وانقطاع أعمالهم، قال عمر بن عبد العزيز: لأنا أخوف من أن أحرم الدعاء من أن أمنع الإجابة. وقال ابن عيينة: لو يسر كفار جهنم إلى الدعاء بالخروج لخرجوا، ولكنهم إنما نادوا ﴿يَمَلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] وقالوا: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا﴾ الآية [المؤمنون: ١٠٧] وقد علم سبحانه أنهم سيعودون لو أخرجوا، فلو لم يشترطوا أنهم لا يعودون وأخلصوا الدعاء لخرجوا . فصل : أمر الله عباده بالدعاء وضمن لهم الإجابة في الآية المذكورة. وقيل : المعنى أدعوني بطاعتكم إياي، أستجب لكم في الذي التمستم مني بعبادتكم إياي، ومن طاعة العبد ربه دعاؤه إياه، ورغبته في حاجته إليه دون ما سواه، والمخلص له العبادة المتضرع إليه في حاجته، (١) من (ص٢). (٢) رواه أحمد ١٤٦/٣، ١٥٦ وصححه ابن خزيمة (١٢٢٨)، والحاكم في ((المستدرك)) ٣١٤/١. ١٧٩ كِتَابُ الدَّعَوَاتِ = موقن أن قضاءها بيده، مفترض لعجزها منه، ومن عبادته إياه تضرعه إليه فيها. وقد روي عن وكيع، عن سفيان، عن صالح -مولى التوأمة- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((من لم يدع الله غضب (الله)(١) (٢) علیە))(٢) . وروى شعبة، عن منصور، عن ذر، عن يُسَيع الحضرمي، عن النعمان ابن بشير، عن رسول الله وَ لا قال: ((الدعاء هو العبادة)) وقرأ: ﴿أُدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِ﴾ (٣) [غافر: ٦٠] فسمى الدعاء عبادة. وروى الأوزاعي عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها، أنه الكلية قال: ((إن الله يحب الملحين في الدعاء))(٤). (١) من (ص٢). (٢) رواه ابن ماجه (٣٨٢٧)، وأحمد ٤٤٣/٢، وابن أبي شيبة ٢٢/٢ (٢٩١٦٠) من طريق وكيع عن أبي المليح المدني عن أبي صالح، به. وحسنه الألباني في ((صحيح ابن ماجه)) (٣٠٨٥). (٣) رواه أبو داود (١٤٧٩)، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (٧١٤)، والنسائي في ((الكبرى)) ٦/ ٤٥٠، والطبراني في ((الدعاء)) (٢). وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (١٣٢٩). (٤) رواه العقيلي في ((الضعفاء)) ٤٥٢/٤، وابن عدي في (الكامل)) ٥٠٠/٨، والطبراني في ((الدعاء)) (٢٠)، والقضاعي في ((مسند الشهاب)) ١٤٥/٢، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) ٣٨/٢ (١١٠٨) من طريق بقية عن الأوزاعي. قال البيهقي: هكذا قال: ثنا الأوزاعي، وهو خطأ. ثم رواه (١١٠٩) من طريق بقية عن يوسف بن السفر عن الأوزاعي ثم أعله بيوسف بن السفر. وقال الحافظ في ((التلخيص)) ٩٥/٢: تفرد به يوسف بن السفر عن الأوزاعي وهو متروك، وكان بقية ربما دلسه. وقال الألباني في ((إرواء الغليل)) (٦٧٧): هذا إسناده واه جدًّا، بل موضوع؛ آفته يوسف بن السفر فإنه كذاب. ١٨٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = فإن قلتَ: قول أبي الدرداء: يكفي من الدعاء مع العمل ما يكفي من الطعام مع الملح. وقيل لسفيان: ادع الله. قال: إن ترك الذنوب هو الدعاء، مخالف لما جاء في فضل الإلحاح في الدعاء، والأمر بالدعاء والضراعة إلى الله. قلتُ: لا؛ لأن الذي جبلت عليه النفوس، أن من طلب حاجة ممن هو ساخط عليه لأمرٍ تقدم منه، استوجب به سخطه، أنه بالحرمان أولى، ممن هو عنه راض لطاعته له واجتنابه سخطه فإذا علم من عبده المطيع له حاجة إليه، كفاه اليسير من الدعاء. فإن قلتَ: فما علامة الإجابة؟ قلتُ: روىْ شَهْر بن حوشب أن أم الدرداء قالت له: يا شهرُ، إن شفق المؤمن في قلبه كسعفة أحرقتها في النار، ثم قالت: يا شهر، ألا تجد القشعريرة؟ قلت: نعم قالت: فادع الله؛ فإن الدعاء يستجاب عند ذلك. وروى ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير أنه سمع أبا رهم السماعي يقول: ما يشعر به عند الدعاء العطاس. فصل : فإن قلت: ما معنى قوله: (لكل نبي دعوة مستجابة)) وقد قال تعالى للناس كافة: ﴿أَدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] فعم كل الدعاء، وهذا وعد من الله لعباده وهو لا يخلف الميعاد، وإنما خص كل نبي بدعوة واحدة مستجابة فأين فضل درجة النبوة. قيل: ليس الأمر كما ظننت ولا تدل الآية على أن كل دعاء مستجاب لداعيه، وقد قال قتادة: إنما يستجاب من الدعاء ما وافق القدر. وليس الحديث مما يدل أنه