النص المفهرس
صفحات 501-520
٥٠١ كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ ٨٠- باب قَوْلِ النَّبِيِّ وَهُ: (يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا)) وَكَانَ يُحِبُّ الْتَّخْفِيفَ وَالْيُسْرَ عَلَى النَّاسِ. ٦١٢٤ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُزْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: لَمَا بَعَثَهُ رَسُولُ اللهِ وَّةِ وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قَالَ لَهُمَا: ((يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا)). قَالَ أَبُو مُوسَى: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا پِأَرْضِ يُصْنَعُ فِيهَا شَرَابٌ مِنَ العَسَلِ يُقَالُ لَهُ: البِتْعُ، وَشَرَابٌ مِنَ الشَّعِيرِ يُقَالُ لَهُ: المِزْرُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِّ: ((كُلَّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ)). [انظر: ٢٢٦١ - مسلم: ١٧٣٣ - فتح: ٥٢٤/١٠]. ٦١٢٥ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِ التَّيَّحِ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ وَّةِ: ((يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَسَكِّنُوا وَلَا تُنَفِّرُوا)). [انظر: ٦٩ - مسلم: ١٧٤٣ - فتح: ١٠ / ٥٢٤]. ٦١٢٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ: مَا خُيِّرَ رَسُولُ الهِ وَّهِ بَيْنَ أَمْرَيْنِ قَطُّ إِلَّ أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَكُنْ إِنَا، فَإِنْ كَانَ إِنَّمَا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ، وَمَا أَنْتَقَمَ رَسُولُ اللهِ وَه لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ قَطَّ، إِلَّ أَنْ تُنْتَهَكَ حُزْمَةُ اللهِ، فَيَنْتَقِمَ بِهَا لله. [انظر: ٣٥٦٠- مسلم: ٢٣٢٧ - فتح: ١٠/ ٥٢٤]. ٦١٢٧ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدِ، عَنِ الأَزْرَقِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: كُنَّا عَلَى شَاطِئٍ نَهْرِ بِالأَهْوَازِ قَدْ نَضَبَ عَنْهُ المَاءُ، فَجَاءَ أَبُو بَرْزَةَ الأَسْلَمِيُّ عَلَى فَرَسِ، فَصَلَّى وَخَلَّى فَرَسَهُ، فَانْطَلَقَتِ الفَرَسُ، فَتَرَكَ صَلَاتَهُ وَتَبِعَهَا حَتَّى أَدْرَكَهَا فَأَخَذَهَا، ثُمَّ جَاءَ فَقَضَى صَلَاتَهُ، وَفِينَا رَجُلٌ لَهُ رَأْيٌ، فَأَقْبَلَ يَقُولُ: أَنْظُرُوا إِلَى هذا الشَّنْخِ تَرَكَ صَلَاتَهُ مِنْ أَجْلٍ فَرَسِ. فَأَقْبَلَ فَقَالَ: مَا عَنَّفَنِي أَحَدٌ مُنْذُ فَارَقْتُ رَسُولَ اللهِ وَ. وَقَالَ: إِنَّ مَنْزِلِيٍ مُتَرَاخِ، فَلَوْ صَلَّيْتُ وَتَرَكْتُ لَمْ آتِ أَهْلِي إِلَى اللَّيْلِ. وَذَكَرَ أَنَّهُ صَحِبَ النَّبِيَّ وََّ فَرَأَىْ مِنْ تَيْسِيرِهِ. [انظر: ١٢١١ - فتح: ٥٢٥/١٠]. ٦١٢٨ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، ح. ٥٠٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابن شِهَابٍ، أَخْبَرَبِ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُثْبَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي المَسْجِدِ، فَثَارَ إِلَيْهِ النَّاسُ لِيَقَعُوا بِهِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ بَّهِ: ((دَعُوهُ، وَأَهْرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ ذَنُوبًّا مِنْ مَاءٍ - أَوْ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ - فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ)). [انظر: ٢٢٠ - فتح: ٥٢٥/١٠]. ذکر فیه أحاديث: أحدها : حديث أبي موسى: لَمَّا بَعَثَّهُ رَسُولُ اللهِ وَّهِ وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قَالَ لَهُمَا: ((يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرًا .. )) الحديث. ثانیھا : حديث أَبِي التَّيَّاح - وهو لقب- وكنيته: أبو حماد، واسمه: يزيد بن حميد الضبعي، من أنفسهم، البصري، مات سنة ثمان وعشرين، وقيل: سنة ثلاثين ومائة- قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ قَالَ: قَالَ رسول الله وَّ: ((يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَسَكِّنُوا وَلَا تُنَفِّرُوا)). وأما ثالثها : حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ: مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللهِ وَلَه بَيْنَ أَمْرَيْنِ قَطْ إِلَّا (أَخَذَ) (١) أَيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا .. الحديث. رابعها : حديث الأَزْرَقِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: كُنَّا عَلَى شَاطِئٍ نَهْرٍ بِالأَهْوَازِ قَدْ نَضَبَ عَنْهُ المَاءُ، فَجَاءَ أَبُو بَرْزَةَ الأَسْلَمِيُّ عَلَىْ فَرَسِ، فَصَلَّى وَخَلَّى فَرَسَهُ، فَانْطَلَقَتِ الفَرَسُ، فَتَرَكَ صَلَاتَهُ وَتَبِعَهَا حَتَّى أَدْرَكَهَا فَأَخَذَهَا، ثُمَّ جَاءَ فَقَضَى صَلَاتَهُ، وَفِينَا رَجُلٌ لَهُ رَأْيٌ، فَأَقْبَلَ يَقُولُ: أَنْظُرُوا إِلَى هذا (١) في الأصل: (اختار). ٥٠٣ = كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ الشَّيْخِ تَرَكَ صَلَاتَهُ مِنْ أَجْلِ فَرَسٍ. فَأَقْبَلَ فَقَالَ: مَا عَنَّفَنِي أَحَدٌ مُنْذُ فَارَقْتُ رَسُولَ اللهِ وَّ. قال: وَقَالَ: إِنَّ مَنْزِلِي مُتَرَاخِ، فَلَوْ صَلَّيْتُ وَتَرَكْتُ فرسي لَمْ آتِ أَهْلِي إِلَى اللَّيْلِ. وَذَكَرَ أَنَّهُ صَحِبَ رسول الله ◌َّهِ فذكر مِنْ تَيْسِيرِهِ. والأزرق هذا: هو تابعي ثقة، من أفراد البخاري وأبي داود والنسائي، والده قيس الحارثي من بلحارث بن كعب بن عمرو بن خالد بن مالك بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان، أخو النخع، واسمه: جسر بن عمرو بن علة بن خالد بن مالك، وهو مذحج. وأبو برزة نضلة بن عبيد الأسلمي. قيل: إنه مات بمرو في إمارة يزيد بن معاوية، بعد سنة أربع وستين (في المفازة)(١) بين سجستان وهراة. وقيل: مات بالبصرة. والبخاري أخرجه عن أبي النعمان، واسمه: محمد بن الفضل السدوسي عارم، مات سنة أربع وعشرين ومائتين. وروى البخاري مرة، عن المسندي، عنه. وقيل: إنه تغير بأخَرة. وروى مسلم عن عبد بن حميد وجماعة، عنه. الحديث الخامس : حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، ثنا شُعَيْبٌ، عَنِ الزهري، ح. وقال الليث: حدثني يونس، عن ابن شهاب، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُثْبَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﴿ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَغْرَابِيًّا بَالَ فِي المَسْجِدِ، فَثَارَ إِلَيْهِ النَّاسُ لِيَقَعُوا فيه، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((دَعُوهُ، وَأَهْرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ - أَوْ: سَجْلًا مِنْ مَاءٍ - فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ)). (١) في الأصل: (بمفازة). ٥٠٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وهذِهِ الأحاديث ستأتي أيضًا، بأمره العليا بالتيسير في الحدود والأحكام. قال الطبري: ومعنى قوله: ( ((يسروا ولا تعسروا)) ) فيما كان من نوافل الخير دون ما كان فرضًا من الله، وفيما (خيَّر)(١) الله سبحانه في عمله من فرائضه في حال العذر كالصلاة قاعدًا في حال العجز عن القيام، وكالإفطار في رمضان في السفر والمرض، وشبه ذَلِكَ مما رخص الله فيه لعباده وأمر بالتيسير في النوافل والإتيان بما لم يكن شاقًّا ولا فادحًا؛ خشية الملل لها ورفضها، وذلك أن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل، وقال العَّه لبعض أصحابه: ((لا تكن كفلان کان یقوم اللیل فتركه))(٢). وقال غير الطبري: من تيسيره العليا أنه لم يعنف البائل في المسجد ورفق به، ومن ذَلِكَ قطع أبي برزة لصلاته واتباعه فرسه، وأنه رأى من تيسير رسول الله صلّ ما حمله على ذَلِكَ. وجماعة الفقهاء يرون أن من كان في صلاة وانفلتت دابته أنه يقطع صلاته ويتبعها؛ لأن الصلاة تدرك إعادتها، ومسير دابته عنه قاطع له. وقد استوعبنا ذَلِكَ في الصلاة؛ لكن عندنا تصلى صلاة شدة الخوف ( ... )(٣). وقال ابن التين: معنى: (قضى صلاته) أبتدأها، وهو صحيح إن كانت الدابة قريبة أمسكها وإلا قطع وأمسك وابتدأ . قال الطبري: وفي أمره الَّيْ بالتيسير في ذَلِكَ معان: الأمان من الملال، ومن مخالطة العجب قلب صاحبه حتَّى يرى كأن له فضلًا على من قصر عن مثل فعله فيهلك؛ ولهذا قال التليف: ((هلك المتنطعون)) (٤) (١) في (ص٢): (خفف). (٣) كلمة غير واضحة. (٢) سلف برقم (١١٥٢). (٤) رواه مسلم (٢٦٧٠). ٥٠٥ = كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ وبلغ رسول الله وَ ﴿ أن قومًا أرادوا أن يختصوا، وحرموا الطيبات واللحم على أنفسهم، فقام خطيبًا وأوعد في ذَلِكَ أشد الوعيد. وقال: ((لم أبعث بالرهبانية، وإن خير الدين عند الله الحنيفية السمحة، وإن أهل الكتاب هلكوا بالتشديد، شددوا فشدد الله عليهم)) (١) . وفي هذا من الفقه: أن أمر الدنيا نظير ذَلِكَ في أن الغلو وتجاوز القصد فيها مذموم. وبذلك نزل القرآن قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ﴾ [الفرقان: ٦٧] الآية، فحمد الله تعالى في نفقاتهم ترك الإسراف والإقتار، وقال: ﴿وَءَاتِ ذَا الْقُرْبَ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ﴾ الآية [الإسراء: ٢٦] فأمر بترك التبذير فيما يعطى في سبيله التي يرجى بها الزلفة لدیه . فالواجب واجب على كل ذي لب أن تكون أموره كلها قصدًا في (عبادته)(٢) كان، أو في أمر دنياه، وفي عداوة كان أو محبة، في أكل أو شرب، أو لباس أو عري، وكل هذا ورد الخبر عن السلف أنهم كانوا يفعلونه . وأما اجتهاده التَّة في عبادة ربه، فإن الله كان خصه من القوة ما لم يخص به غيره، (فكان)(٣) ما فعل من ذَلِكَ سهلًا عليه؛ على أنه الَّها لم یکن یحيي لیلہ کله قیامًا ، ولا شهرًا کله صيامًا غیر رمضان. وقد قيل: إنه کان یصوم شعبان کله فيصله برمضان. (١) رواه الطبراني ٨/ ١٧٠ (٧٧١٥) من حديث أبي أمامة مطولًا، وقال الهيثمي في («مجمع الزوائد)» ٣٠٢/٤: فيه عفير بن معدان، وهو ضعيف. اهـ رواه ابن سعد في ((الطبقات)) ٣٩٥/٣ عن أبي قلابة مرسلًا مختصرًا. (٢) في (ص٢): عبادة ربه. (٣) في الأصل: فكل، والمثبت من (ص٢). ٥٠٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح : قلت: كذا عبر به ابن بطال، وهو في الصحيح فلا ينبغي أن نغير ذلك فأما سائر شهور السنة فإنه كان يصوم بعضه ويفطر بعضه، ويقوم بعض الليل وينام بعضه، وكان إذا عمل عملًا داوم عليه فهو أحق من أقتدي به الذي أصطفاه الله لرسالته وانتخبه لوحيه (١). فصل : قوله في حديث أبي موسى : (وشراب من الشعير يقال له: المزر)، كذا عند ابن فارس أنه نبيذ الشعير(٢)، قال الجوهري: هو من الذرة(٣). ولعله منهمًا. وقوله فيه: ( ((كل مسكر خمر))). فيه بيان أن العلة الإسكار، وأن التحريم يتعلق بذلك من غير التفات إلى ما يعمل منه. فصل : قولها: (وما أنتقم رسول الله وَليم لنفسه). أي: في الغالب كما قيل؛ لأنه أمر بقتل جماعة، منهم ابن خطل، لكنه عند التأمل يرجع إلى (انتهاك) (٤) الحرمات. وقيل: أرادت إذا أوذي بغير السبب المؤدي إلى الكفر: من أخذ المال، وجبذ الأعرابي بثوبه، وتظاهر عائشة وحفصة (رضي الله عنهما)(٥) عليه. وأما من أذاه بالسب فهو كفر وانتهاك لحرمة الله فينتقم، لما يكون ذَلِكَ ليس بحق نفسه. (١) انتهى من قول الطبري، حكاه عنه -وكذا قول غيره الذي تقدم- ابن بطال ٣٠٢/٩-٣٠٣. (٢) ((مجمل اللغة)) ٨٣٠/٢. (٣) ((الصحاح)) ٨١٦/٢. (٤) في الأصل: أنتقام. (٥) من (ص٢). ٥٠٧ = كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ وقولها: (وما خير بين أمرين إلا أختار أيسرهما). تريد: في أمر دنياه؛ لقولها: (ما لم يكن إثمًا)، والإثم لا يكون إلا في أمر الآخرة، وقد سلف إيضاحه. فصل : ومعنى (نضب عنه الماء): غار وبعد في الأرض وسفل وهو بفتح الضاد، وقوله: (وفينا رجل له رأى). قال الداودي: يظن أنه يحسن. وليس كذلك، وهذا هو المتعاطي ما لا يعلم. (والتعنيف: التعبير واللوم)(١). وقوله: (ومنزلي متراخ) أي: بعيد. فصل : قوله: (فثار إليه). أي: وثب. والذَّنوب: الدلو فيه الماء، قال ابن السكيت: قريب من المليء، يؤنث ويذكر، ولا يقال لها وهي فارغة: ذنوب. وعبارة ابن فارس: الذنوب: الدلو العظيمة. والسَّجْل -مذكر -: وهو الدلو إذا كان فيه ما قل أو كثر، ولا يقال لها وهي فارغة: سَجْل(٢). (١) غير واضحة بالأصل، ولعل الصواب ما أثبتناه. (٢) ((مجمل اللغة)) ٣٦١/١ مادة (ذنب)، ((إصلاح المنطق)) ص ٣٦١. ٥٠٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == ٨١- باب الانْبِسَاطِ إِلَى النَّاسِ وَقَالَ ابنِ مَسْعُودٍ ﴾: خَالِطِ النَّاسَ، وَدِينَكَ لَا تَكْلِمَنَّهُ، وَالدُّعَابَةِ مَعَ الأَهْلِ. ٦١٢٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّيَّحِ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: إِنْ كَانَ النَّبِيُّ ◌ََّ لَيُخَالِطُنَا حَتَّى يَقُولَ لِأَخْ لِي صَغِيرٍ: «يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟)). [انظر: ٦٢٠٣ - مسلم: ٢٥١٠ - فتح: ١٠/ ٥٢٦]. ٦١٣٠- حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كُنْتُ أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ عِنْدَ النَّبِيِّ ◌َّةِ، وَكَانَ لِي صَوَاحِبُ يَلْعَبْنَ مَعِي، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ نَّهَ إِذَا دَخَلَ يَتَقَمَّعْنَ مِنْهُ، فَيُسَرِّبُهُنَّ إِلَيَّ فَيَلْعَبْنَ مَعِي. [مسلم: ٢٤٤٠ - فتح: ٥٢٦/١٠]. ذكر فيه حديث أنس : إِنْ كَانَ رسول الله وََّ لَيُخَالِطُنَا حَتَّى يَقُولَ لأَخِ لِي صَغِيرٍ: ((يَا أَبًا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟)). وحديث عائشة رضي الله عنها: كُنْتُ أَلْعَبُ (بِالْبَنَاتِ) (١) عِنْدَ رسول اللهَ وََّ، وَكَانَ لِي صَوَاحِبُ يَلْعَبْنَ مَعِي، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَلَّهِ إِذَا دَخَلَ يَتَقَمَّعْنَ مِنْهُ، فَيُسَرِّبُهُنَّ إِلَيَّ فَيَلْعَبْنَ مَعِي. الشرح: كان التليف أحسن الأمة أخلاقًا، وأبسطهم وجهًا، وقد وصفه الله تعالى ذَلِكَ بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾﴾ [القلم: ٤] فكان ينبسط إلى النساء والصبيان ويمازحهم ويداعبهم، وقد قال ◌َ: ((إني لأمزح ولا أقول إلا حقًّا))(٢). (١) في (ص٢): (بالنار) وهو خطأ. (٢) رواه الطبراني ٣٩١/١٢، وفي ((الأوسط)) ٢٩٨/١ من حديث ابن عمر، وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (٢٤٩٤). ٥٠٩ كِتَابُ البِرِّ والصِّلَّةِ وكان يُسرح إلى عائشة صواحبها؛ ليلعبن معها. فينبغي للمؤمن الأقتداء بحسن أخلاقه وطلاقة وجهه. وقال أبو عبيد: قوله: (يتقمعن). يعني: دخلن البيت وتغيين، يقال للإنسان: قد أنقمع وقمع؛ إذا دخل في الشيء أو دخل بعضه في بعض، قال الأصمعي: ومنه سمي القمع الذي يصب فيه الدهن وغيره؛ لأنه يدخل (في)(١) الإناء. والذي يراد من الحديث: الرخصة في اللعب التي يلعب بها الجواري وهي البنات، فجاءت فيها الرخصة وهي تماثيل، وليس وجه ذَلِكَ عندنا إلا من أجل أنها لهو الصبيان، ولو كان للكبار لكان مكروهًا، كما جاء النهي في التماثيل كلها وفي الملاهي (٢)، وقال غيره: اللعب بالبنات منسوخ بنهي الشارع عن الصور؛ لأن كل من رخص في الصور فيما كان رقمًا أو في تصوير الشجر وما لا روح له. كلهم قد أجمعوا أنه لا يجوز تصوير ما له روح، وذكر ابن أبي زيد عن مالك: أنه كره أن يشتري الرجل لابنته الصور. ونقل هذه المقالة -وهي النسخ- ابن التين عن الداودي ثم قال: وهذا أشبه بمذهب مالك. فصل : معنى قوله في أثر ابن مسعود: لا تكلمنه أي: لا تجرحنه، والكَلْم: الجراحة، تقول: كلمته، وقرئ: (دابة من الأرض تكلمهم) أي: تجرحهم وتسمهم، فكأنه أدخل في دينه وصمًا إذ جرحه، وهو ثلاثي تقول: كلمته کلمًا . (١) من (ص٢). (٢) ((غريب الحديث)) ٣٥٢/٢. ٥١٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وقوله في بعض النسخ: والدعابة مع الأهل: أي: المزاح، وهو حسن المعاشرة معهم. وقوله: (ودينك): نصبه أحسن من رفعه؛ لأن الفعل إذا استعمل عن المفعول بضميره كان المختار الرفع، إلا أن يكون مع الأمر أو النهي أو العرض أو التمييز أو الاستفهام أو الجزاء أو الجحد، وهو هنا مع النهي. والنُغير: تصغير نغر - بضم النون وفتح الغين (١) - وهو جمع نغرة، وهو طير كالعصفور محمر المنقار، وبتصغيره جاء الحديث، والجمع: نغران، کصرد وصردان. وفيه: تكنية الصغير، وأن حرم المدينة لا يمنع الصيد فيه، قاله الخطابي(٢) . قال ابن التين: والذي ذكره بعض أصحابنا أن هذا كان قبل نزول التحريم فيه، وهذا لا يلزم على قول مالك في ((المدونة))؛ لأنه أجاز للحلال أن يدخل بالصيد في الحرم ويذبحه (٣)، وفي ((العتبية)) لابن القاسم: عليه إرساله إذا دخل الحرم. وذكره ابن المنذر عن أحمد وإسحاق وأصحاب الرأي، قال أبو عبد الملك: ويجوز أن يكون منسوخا بنهيه عن تعذيب الحيوان. واختلف في الجزاء في حرم المدينة، والأظهر عندنا أنه لا شيء فيه وهو قول مالك، وأوجبه ابن نافع من أن مالكًا والشافعي والجمهور قالوا بالحرمة من غير جزاء، وأما أبو حنيفة فأباحه. (١) ورد في هامش الأصل: أي المعجمة. وكتب تحت تعليق نصه: حاشية: والجمع: نغران کجرذ وجرذان. (٢) ((أعلام الحديث)) ٣/ ٢٢٠٠. (٣) ((المدونة)) ٣٣٥/١. ٥١١ كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ = فصل : (والبنات)(١) في حديث عائشة: التماثيل الصغار التي يلعب بها الجواري. وقال الداودي: ويحتمل أن تكون الباء بمعنى: مع. والبنات: الجواري. وهو غير ظاهر؛ لقولها: (وكان لي صواحب يلعبن معي). فمن قال: هي التصاوير. اختلفوا في علة نهيها. وقال الخطابي فيه: إن اللعب بالبنات ليس (كالنهي لسائر)(٢) الصور التي جاء فيها الوعيد، ورخص لعائشة؛ لأنها غير بالغ(٣). وقولها: (فيسربهن إلي) أي: يرسلهن. وقال الداودي: أي: يأذن لهن أن يخرجن. وفي ((الصحاح)): سرب عليه الخيل: وهو أن يبعث عليه الخيل سربة بعد سربة (٤). (١) من (ص٢). (٢) كذا بالأصل، وفي ((أعلام الحديث)): كالتَّلَهِّي بسائر . (٣) ((أعلام الحديث)) ٢٢٠١/٣. (٤) ((الصحاح)) ١٤٧/١. ٥١٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ٨٢- باب المُدَارَاةِ مَعَ النَّاسِ وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِيِ الدَّرْدَاءِ ﴾: إِنَّا لَنَكْشِرُ فِي وُجُوهِ أَقْوَامِ، وَإِنَّ قُلُوبَنَا لَتَلْعَنُهُمْ. ٦١٣١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابن المُنْكَدِرِ، حَدَّثَهُ عُزْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ، أَنَّهُ أَسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ بَ رَجُلٌ، فَقَالَ: ((اتْذَنُوا لَهُ، فَبِْسَ ابنِ العَشِيرَةِ أَوْ بِشْسَ أَخُو العَشِيرَةِ)». فَلَمَّا دَخَلَ أَلَانَ لَهُ الكَلَامَ. فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، قُلْتَ مَا قُلْتَ، ثُمَّ أَنْتَ لَهُ فِي القَوْلِ! فَقَالَ: «أَيْ عَائِشَةُ، إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللهِ مَنْ تَرَكَهُ - أَوْ وَدَعَهُ- النَّاسُ أَتْقَاءَ فُحْشِهِ)). [انظر: ٦٠٣٢ - مسلم: ٢٥٩١ - فتح: ٥٢٨/١٠]. ٦١٣٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، أَخْبَرَنَا ابن عُلَيَّةَ، أَخْبَرَنَا أَيُّبُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ أُهْدِيَتْ لَهُ أَقْبِيَةٌ مِنْ دِيبَاجٍ مُزَرَّرَةٌ بِالذَّهَبِ، فَقَسَمَهَا في نَاسِ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَعَزَلَ مِنْهَا وَاحِدًا لِخْرَمَةَ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: ((خَبَأْتُ هذا لَكَ)). قَالَ أَيُّوبُ بِثَوْبِهِ أَنَّهُ يُرِيهِ إِيَّاهُ، وَكَانَ فِي خُلُقِهِ شَيْءٌ. رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ. وَقَالَ حَاتِمُ بْنُ وَزْدَانَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنِ ابن أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ اِشْوَرِ: قَدِمَتْ عَلَى النَّبِيِّ ◌َِّ أَقْبِيَةٌ. [انظر: ٢٥٩٩ - مسلم: ١٠٥٨ - فتح: ١٠/ ٥٢٨]. ثم ساق حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها: أَسْتَأْذَنَ عَلَى رسول الله صَى اللّه وَمَليلا رَجُلٌ، فَقَالَ: ((بِثْسَ أَخُو العَشِيرَةِ)). الحديث وقد سلف، وكتب الدمياطي هنا: أنه مخرمة بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة، والد المسور. وحديث ابن عُلَيَّةَ، ثنا أَيُّوبُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ النَّبِيَّ نَّه أُهْدِيَتْ لَهُ أَقْبِيَةٌ مِنْ دِيبَاج مُزَرَّرَةٌ بِالذَّهَبِ، فَقَسَمَهَا فِي نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَعَزَلَ مِنْهَا وَاحِدًا لِمَخْرَمَّةَ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: ((خَبَأْتُ هذا لَكَ)). قَالَ أَيُّوبُ ٥١٣ = كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ بِثَوْبِهِ يُرِيهِ إِيَّاهُ، وَكَانَ فِي خُلُقِهِ شَيْءٌ. رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ. وَقَالَ حَاتِمُ بْنُ وَرْدَانَ: ثَنَا أَيُّوبُ، عَنِ ابن أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ المِسْوَرِ: قَدِمَتْ عَلَى النَّبِيِّ وَ أَقْبِيَةٌ. الشرح : الكشر: ظهور الأسنان للضحك، وكاشره: إذا ضحك في وجهه وانبسط إليه. وعبارة ابن السكيت: الكشر: التبسم، يقال: كشر الرجل وانكلَّ وافترَّ وابتسم، كل ذَلِكَ تبدو منه الأسنان(١). وقال: (لتلعنهم). كذا بخط الدمياطي مجودًا من اللعن، وذكره ابن التين بلفظ: نقليهم. ثم قال: أي: نبغضهم. يقال: (قلاه)(٢) يقليه قلى وقلاء. قال ابن فارس: وقد قالوا: قليته أقلاه(٣). وفي ((الصحاح)): يقلاه لغة طيء(٤). وهي من النوادر، فعل يفعل بغير حرف حلق، ومثله: رکن یرکن، أبی یأبى، وحیی يحيى. ولا شك أن المدارة من أخلاق المؤمنين، وهي: خفض الجناح للناس ولين الكلمة وترك الإغلاظ لهم في القول، وذلك من أقوى أسباب الألفة وسل السخيمة. وقد روي عن رسول الله وَ لل أنه قال: ((مداراة الناس صدقة))(٥). (١) ((إصلاح المنطق)) لابن السكيت ص ٤١٩. (٢) في الأصل: (قلأته) والمثبت من (ص٢). (٣) ((مجمل اللغة)) ٢/ ٧٣٠، مادة: (قلو). (٤) ((الصحاح)) ٢٤٦٧/٦، مادة (قلا). (٥) رواه ابن حبان في ((صحيحه)) ٢١٦/٢ (٤٧١) وأبو نعيم في ((الحلية)) ٢٤٦/٨ من حديث جابر، والحديث ضعفه الألباني في ((السلسلة الضعيفة)) (٤٥٠٨) كما أن الحديث روي عن أنس بن مالك والمقدام بن معدي كرب وأبي هريرة. أنظر: ((السلسلة الضعيفة)) (٤٥٠٨) .. ٥١٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = قال بعض العلماء: وقد ظن من لم يُنعم النظر أن المداراة هي المداهنة، وذلك غلط؛ لأنها مندوب إليها، والمداهنة محرمة. والفرق بينهما لائح؛ لأن المداهنة أشتق اسمها من الدهان الذي يظهر على ظواهر الأشياء ويستر بواطنها، قال العلماء: وهي أن يلقى الفاسق المظهر لفسقه فيؤالفه ويؤاكله ويشاربه، ويرى أفعاله المنكرة ويريه الرضا بها ولا ينكرها عليه ولو بقلبه. فهذِه المداهنة التي برأ الله منها نبيه الَّ بقوله: ﴿وَدُوْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ [القلم: ٩]. والمداراة: هي الرفق بالجاهل الذي يتستر بالمعاصي ولا يجاهر بالكبائر، والمعاطفة في رد أهل الباطل إلى مراد الله بلين ولطف، حتَّى يرجعوا عَمّا هم عليه . فإن قلت: فما الجواب عن حديث: ((بئس ابن العشيرة)) ثم حدثه وأثنى عليه شرًّا عند خروجه؟ قلت: كان العَّهُ مأمورًا بألا يحكم على أحد إلا بما ظهر منه للناس، لا بما يعلمه هو منهم دون غيره. وكان المنافقون لا يظهرون له إلا التصديق والطاعة، فكان الواجب عليه ألا يعاملهم إلا بمثل ما أظهروا له؛ إذ لو حكم في علمه بشيء من الأشياء لكانت سنة أن يحكم كل حاكم بما أطلع عليه، فيكون شاهدًا وحاكمًا. والأمة مجمعة أنه لا يجوز ذَلِكَ. وقد قال الطَّ في المنافقين: ((أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم))(١). والداخل عليه إنما كان يظهر في ظاهر لفظه الإيمان، فقال فيه التَّة قبل وصوله إليه وبعد خروجه ما علمه دون أن يظهر له في وجهه، بما لو أظهره صار حكمًا. (١) رواه أحمد ٤٣٢/٥-٤٣٣ من طريق عبيد الله بن عدي بن الخيار، عن رجلٍ من الأنصار مرفوعًا، ورواه مالك في ((الموطأ)) ص ١٢٤ عن عبيد الله بن عدي مرسلًا. ٥١٥ كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ وأفاد بكلامه بما علمه منه إعلام عائشة رضي الله عنها (بحاله)(١)، ولو أنه كان من أهل الشرك ورجا رسول الله ◌َّ إيمانه واستئلافه وقومه وإنابتهم إلى الإسلام، لم يكن هذا مداهنة؛ لأنه ليس عليه حكم إلا من جهة الدعاء إلى الإسلام لا من جهة الإنكار والمقاطعة، كما فعل الَّه مع المشرك الذي دخل عليه، وابن أم مكتوم ليلة سأله أن يدنيه ويعلمه، وأقبل على المشرك، رجاء منه أن يدخل في الإسلام، وتولى عن ابن أم مكتوم فعاتبه الله في ذَلِكَ(٢). فبان أنه من رسول الله وَلّه إنصاف أن يظهر للإنسان ما يظهر له مما يظهره للناس أجمعين من أحواله مما لا يعلمون منه (غيره)(٣)، كما فعل بابن العشيرة. (١) من (ص٢). (٢) رواه الترمذي (٣٣٣١) من حديث عائشة وقال: هذا حديث حسن غريب . (٣) من (ص٢). ٥١٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٨٣- باب لَا يُلْدَعُ المُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ وَقَالَ مُعَاوِيَةُ: لا حلم إلا بتجربة . ٦١٣٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ أَنَّهُ قَالَ: ((لَا يُلْدَغُ المُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنٍ)). [مسلم: ٢٩٩٨ - فتح: ٥٢٩/١٠]. ثم ساق حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عُه، قال النَّبِيُّ ◌َّهِ: (لَا يُلْدَغُ المُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ)). أثر معاوية أخرجه ابن أبي شيبة عن عيسى بن يونس، عن هشام، عن أبيه قال: (قال) (١) معاوية. فذكره(٢). والمراد أن من جرب الأمور وعرف عواقبها، وما يؤول إليه أمر مَن ترك الحلم، وركب السفه والسباب ممن سفه والانتصار منه، آثر الحلم، وصبر على قليل من الأذى؛ ليدفع به ما هو أكبر منه. وقال الخطابي: معناه أن المرء لا يوصف بالحلم ولا يترقى إلى درجته حتَّى يركب الأمور ويجربها فيعثر مرة بعد أخرى، فيعتبر بها ويتبين مواضع الخطأ؛ فيجتنبها. وقال ضمرة: الحلم أرفع من العقل؛ لأن الله تعالى تسمى به(٣). وأما الحديث: فلفظه خبر، ومعناه الأمر، يقول: ليكونن المؤمن حازمًا حذرًا لا يؤتى من ناحية الغفلة فيخدع مرة بعد أخرى. وقد (١) من (ص٢). (٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ١٨٨/٦ (٣٠٥٤٩). (٣) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) ٣٠٠/٢ (١٨٥٥). ورواه أحمد في ((الزهد)) ص٢٧٩، وابن أبي حاتم في «تفسيره)) ٧٩٨/٣ (٤٣٩٢) كلاهما من طريق ضمرة، عن رجاء بن أبي سلمة. ٥١٧ كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ = يكون ذَلِكَ في أمر الدين كما يكون في أمر الدنيا، وهو أولاها بالحذر. وروي بلفظ النهي بكسر الغين قال: فيتحقق معنى النهي فيه على هذِه الرواية(١) . قال ابن التين: وكذا قرأناه. قال: وهذا مثل قديم يمثل به من قبل رسول الله وَّةٍ، وهو القَّ كثيرًا ما يتمثل بالأمثال القديمة. وأصل ذَلِكَ أن رجلًا أدخل يده في جحر فلدغ منه مرة ثانية. قال أبو عبيد: تأويل هذا الحديث عندنا: أنه ينبغي للمؤمن إذا نكب من وجه لا يعود لمثله. وترجم له في كتاب ((الأمثال)) باب: المحاذرة للرجل من كل شيء قد أبتلي بمثله مرة. وفيه أدب شريف أدب به الشارع أمته، ونبههم كيف يحذرون ما يخافون سوء عاقبته؟! ووقع في ابن بطال أن هذا الكلام مما لم يسبق به رسول الله وَيه، وهو مخالف لما أسلفناه، وقاله في أبي عزة الشاعر، وكان أسر يوم بدر فسأل رسول الله وَ﴿ أن يمن عليه، وذكر فقرًا فمنّ عليه، وأخذ عليه عهدًا ألا يحرض عليه ولا يهجوه. ففعل، ثم رجع إلى مكة فاستهواه صفوان بن أمية، وضمن له القيام بعياله، فخرج مع قريش، وحرض عليه فأسر، فسأل رسول الله وَّ المن، فقال: ((لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين لا تمسح عارضيك بمكة تقول: سخرت من محمد مرتين)» ثم أمر به فقتل(٢) . (١) ((أعلام الحديث)) ٣/ ٢٢٠٢. (٢) ((شرح ابن بطال)) ٣٠٧/٩-٣٠٨، والحديث رواه البيهقي ٩/ ٦٥ عن ابن المسيب مرسلًا، وانظر: ((الإرواء)) (١٢١٥). ٥١٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = (فائدة : استنبط بعضهم من هذا الحديث أن المرء إذا أذنب وعوقب عليه أنه لا يعاقب عليه ثانيًا في الآخرة، وهو حسن)(١). (١) من (ص٢). ٥١٩ = ڪِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ ٨٤- باب حَقِّ الضَّيْفِ ٦١٣٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، عَنْ يَخْيَى ابن أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: دَخَلَ عَلَيّ رَسُولُ اللهِ وَّهِ فَقَالَ: ((أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَقُومُ اللَّيْلَ وَتَصُومُ النَّهَارَ؟)). قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: ((فَلَا تَفْعَلْ، قُمْ وَنَمْ، وَصُمْ وَأَفْطِرْ، فَإِنَّ لِجَسَدَِ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْرَِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّكَ عَسَى أَنْ يَطُولَ بِكَ عُمُرٌ، وَإِنَّ مِنْ حَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ مِنْ كُلِّ شَهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامِ، فَإِنَّ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا فَذَلِكَ الدَّهْرُ كُلُّهُ)). قَالَ: فَشَدَّدْتُ، فَشُدِّدَ عَلَيَّ فَقُلْتَّ: فَإِّي أُطِيقُ غَيْرَ ذَلِكَ. قَالَ: ((فَصُمْ مِنْ كُلِّ جُمُعَةٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ)). قَالَ: فَشَدَّدْتُ، فَشُدِّدَ عَلَيَّ. قُلْتُ: أُطِيقُ غَيْرَ ذَلِكَ. قَالَ: ((فَصُمْ صَوْمَ نَبِيِّ اللهِ دَاوُدَ)). قُلْتُ: وَمَا صَوْمُ نَبِيّ اللهِ دَاوُدَ؟ قَالَ: ((نِصْفُ الدَّهْرِ)). [انظر: ١١٣١ - مسلم: ١١٥٩ - فتح: ١٠ / ٥٣١]. ذكر فيه حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو أنه العَنْهُ قَالَ له : ((إِنَّ لِزَوْرَِ عَلَيْكَ حَقًّا)) .. الحديث بطوله وقد سلف في الصيام(١). والزور ينصرف على وجوه القوم الزوار والواحد، يقال: قوم زور ورجل زور؛ لأنها مثل: رضا، مثل: رجل عدل. قال الجوهري: الزور: الزائرون، ورجل زائر وقوم زور وزوار، مثل: سافر وسفر وسفار، وتجعل زور جمعًا(٢). وقوله: (وإن لزوجك عليك حقًّا)) هذا هو الأفصح في المرأة زوج؛ قال تعالى: ﴿أَسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]. (١) سلف برقم (١٩٧٥) باب: حق الجسم في الصوم. (٢) ((الصحاح)) ٢/ ٦٧٣، مادة (زور). ٥٢٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وقوله: (وإن من حسبك)) هو بإسكان السين أي: يكفيك(١) أن تصوم ثلاثة أيام من كل شهر، ومنه: حسبنا الله أي: كافينا . (١) ورد في هامش الأصل: لو قال: كافيك كان أحسن؛ لأنه في الحديث اسم وقد أمره بفعل.