النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ
=
٦١- باب الكِيْ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿ثَانِىَ عِطْفِهِ﴾ [الحج: ٩] مُسْتَكْبِرٌ فِي نَفْسِهِ،
عِطْفُهُ: رَقَبَتُهُ.
٦٠٧١- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرِ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مَعْبَدُ بْنُ خَالِدِ القَيْسِيُّ،
عَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهُبِ الْخَزَاعِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ نَ قَالَ: ((أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الجَنَّةِ؟ كُلُّ
ضَعِيفٍ مُتَضَاعِفٍ، لَو أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ، أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ؟ كُلُّ عُثُلٌ
جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ)). [انظر: ٤٩١٨ - مسلم: ٢٨٥٣ - فتح ٤٨٩/١٠]
٦٠٧٢- وَقَالَ نُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ الطَّوِيلُ، حَدَّثَنَا
أَنَسُ بْنُ مَالِكِ قَالَ: كَانَتِ الأَمَّةُ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ المَدِينَةِ لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللهِ وَه
فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ. [فتح ٤٨٩/١٠]
ذكر فيه حديث حَارِثَةَ بْنِ وَهْبِ الخُزَاعِيِّ ◌َهِ، عَنِ النَّبِيِّ وََّ قَالَ:
((أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الجَنَّةِ؟ كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَاعِفٍ، لَو أَقْسَمَ عَلَى الهِ
لِأَبَرَّهُ، أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ؟ كُلُّ جَوَّاظٍ عُثُلٌّ مُسْتَكْبٍِ)).
(وهذا سلف في التفسير، ويأتي في الأيمان والنذور (١)، وأخرجه
مسلم أيضًا. ثم قال:)(٢) وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى: ثَنَا هُشَيْمٌ، أَنَا
حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، ثَنَا أَنَسٌِّ قَالَ: كَانَتِ الأَمَةُ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ المَدِينَةِ لَتَأْخُذُ
بِيَدِ رَسُولِ اللهِ وََّ، فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ.
وهذا يشبه أن يكون أخذه عن شيخه محمد بن عيسى مذاكرة، وهو
ابن الطباع أبو جعفر أخو إسحاق ويوسف، نزل أذنة، روى عن مالك
وغيره وعنه أبو داود والدارمي، خرج له النسائي وابن ماجه أيضًا،
(١) سيأتي برقم (٦٦٥٧) باب: قول الله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَتِهِمْ﴾.
(٢) من (ص٢).

٤٢٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وعلق له البخاري كما ترى، وكان حافظًا مکثرًا فقيهًا. قال أبو داود:
كان يحفظ نحوًا من أربعين ألف حديث. وقال أبو حاتم: ثقةٌ مأمونٌ
ما رأيت أحفظ منه للأبواب، مات سنة أربع وعشرين ومائتين(١).
وذكر الحافظ أبو سعيد النيسابوري في ((شرف المصطفى)) التأليف
الكبير أن عليَّ بن زيد بن جدعان روى عن أنس ﴾ قال: إن كانت
الوليدة من ولائد المدينة لتجيء فتأخذ بيد رسول الله ﴾﴾، فتذهب به،
فما ينزع يده من يدها حتَّى تذهب به حيث شاءت. وعزاه ابن بطال إلى
رواية شعبة، عن عليٍّ بن زيد به، بزيادة: حتَّى تكون هي تنزعها .
قال: وروى شعبة، عن أبان بن تغلب، عن فضيل الفقيمي، عن
النخعي، عن علقمة، عن عبد الله، عن رسول الله وَل قال: ((لا يدخل
الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر)) فقال رجل: إن الرجل ليحب
أن يكون ثوبه (حسن)(٢) ونعله (حسن)(٢). قال: ((إن الله جميل يحب
الجمال، الكبر من بطر الحق وغمص الناس))(٣). وروى عبد الله بن
عمرو بن العاصي: عن رسول الله وَّالله قال: ((إن المستكبرين يحشرون
يوم القيامة أمثال الذر على صورة الناس (يطؤهم) (٤) كل شيء من
الصَّغار، يساقون حتَّى يدخلوا سجنًا في النار يسقون من طينة الخبال
عصارة أهل النار))(٥).
(١) انظر: ((الجرح والتعديل)) ٣٨/٨ (١٧٥)، ((تهذيب الكمال)) ٢٥٨/٢٦ (٥٥٣٤).
(٢) ورد فوقها فى الأصل: كذا.
(٣) رواه مسلم (٩١) كتاب: الإيمان، باب: تحريم الكبر، بلفظ: ((غمط الناس)).
(٤) في (ص٢): يعلوهم.
(٥) رواه الترمذي (٢٤٩٢)، وأحمد ١٧٩/٢، وابن أبي شيبة ٣٢٩/٥ (٢٦٥٧٣)،
والبخاري في ((الأدب المفرد)) (٥٥٧).

٤٢٣
كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ
فإن قلت: فقد وصف الظَّ العتل الجواظ المستكبر أنه من أهل
النار، فبين لنا تكبره، على من هو؟ قيل: هو الذي باطنه منطوٍ على
التكبر على الله، فهذا كافر لا شك في كفره، وذلك هو الكبر الذي
عناه النبي وَّر بقوله، في حديث ابن مسعود: ((لا يدخل الجنة من كان
في قلبه (مثقال حبة)(١) من کبر)).
والعتل: الجافي الغليظ، ومنه قوله تعالى: ﴿عُثُلِ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ
[القلم: ١٣] قال الفراء: إنه الشديد الخصومة بالباطل(٢). وعلى الأول
أهل اللغة.
فإن قلتَ: فقد وصفت الكبر بغير ما وصفه به رسول الله وَالر، وذلك
أنك رويت عنه وسلم أنه قال: ((الكبر من سفه الحق، وغمص الناس
وازدرى الحق))(٣) ووصفت أنت الكبر: أنه التكبر على الله.
قيل: الكبر الذي وصفناه هو خلاف خشوع القلب لله، ولا ينكر أن
يكون من الكبر ما هو أستكبار على غير الله، والذي قلنا من معنى الكبر
على الله، فإنه غير خارج من معنى ما روينا عنه، أنه من غمص الناس
وازدراء الحق، وذلك أن معتقد الكبر على ربه لا شك أنه للحق مزدرٍ
وللناس أشد استحقارًا .
ومما يدل على أن المراد بمعنى الآثار في ذَلِكَ عن رسول الله وَل
ما رواه الطبري، عن يونس، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث أن
(١) في (ص٢): ذرة.
(٢) ((معاني القرآن)) ١٧٣/٣.
(٣) رواه أحمد ١٦٩/٢-١٧٠، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (٥٤٨)، والبزار في
((مسنده)) ٤٠٧/٦-٤٠٨ (٢٤٣٣) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وليس
فيهم قوله: ((وازدرى الحق)) وصححه الألباني في ((الصحيحة)) (١٣٤).

٤٢٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
دراجًا أبا السمح حدثه، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن
النبي ◌ّلّ قال: ((من تواضع لله درجة رفعه الله درجة، ومن تكبر على
الله درجة يضعه الله درجة، حتَّى يجعله في أسفل سافلين))(١) فدل هذا
الحديث أن غمص الناس وحقر الناس (استكبار)(٢) على الله.
وقد روى حماد بن سلمة، عن قتادة وعلي بن زيد، عن سعيد بن
المسيب، عن أبي هريرة ، عن رسول الله وَليو، فيما يحكيه عن ربه
رَّق: ((الكبرياء ردائي، فمن نازعني ردائي قصمته))(٣) فالمستكبر على
الله لا شك أنه منازعه رداءه، ومفارق دينه، وحرام علیه جنته، كما
قال التَّف أنه ((لا يدخلها إلا نفس مسلمة)) (٤) ومن لم يخشع لله قلبه
فهو عليه مستكبر إذ معنى الخشوع التواضع وخلافه التكبر والتعظم.
فالحق على كل مكلف إشعار قلبه الخشوع بالذلة، والاستكانة له
بالعبودية؛ خوف أليم عقابه. وقد روي عن محمد بن عليٍّ أنه قال:
ما دخل قلب أمرئٍ شيء من الكبر إلا نقص من عقله مثله، قلَّ ذَلِكَ
أو كَثُرَ (٥).
فصل :
سلف تفسير العتلّ، ويأتي تفسيره مع الجواظ في الأيمان والنذور،
وفي باب قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩].
(١) رواه ابن ماجه (٤١٧٦)، وأحمد ٧٦/٣ من طريق دراج، عن أبي الهيثم، به.
(٢) في الأصل (استكبارًا)، والصواب ما أثبتناه.
(٣) رواه الحاكم ٦١/١، ورواه بنحوه مسلم (٢٦٢٠) كتاب: البر والصلة، باب:
تحريم الكبر من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد.
(٤) سيأتي برقم (٦٥٢٨) كتاب: الرقاق، باب: كيف الحشر.
(٥) ((شرح ابن بطال)) ٢٦٦/٩-٢٦٨، وأثر محمد بن علي - هو أبو جعفر الباقر - رواه
أبو نعيم في ((الحلية)) ١٨٠/٣.

٤٢٥
كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ
والجواظ: الرجل الجافي الغليظ. وقيل: القصير البطين. وقال
الداودي: الجواظ: الجعظري، الكثير اللحم (العظيم) (١) البطن،
الغليظ العنق. وقال الجوهري: هو الضخم المختال في مشيته، وكذا
عند ابن فارس (٢) والهروي، وقال أحمد بن عبيد: هو الجموع المنوع.
فصل :
قوله: (﴿عِطْفِهِ﴾: رقبته) عبارة الجوهري: عِطْفًا الرجل: جانباه
من لدن رأسه إلى وركيه، وثنى عَنِّي عِطْفَه أي: أعرض (٣).
وقوله: ( ((كُلَّ ضَعِيفٍ مُتَضَاعِفٍ)) ) قال الداودي: الضعيف في
جسمه وماله و(لسانه)(٤)، والمتضاعف: المتواضع. وفي (الصحاح)):
الضعيف في بدنه، (والمُضعف)(٥) في ذاته (٦). وقال القزاز: ضعيف
في جسمه؛ لاجتهاده في عبادته، قوي في طاعته وتصرفه.
وقوله: ((لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ)) أي: لو أقسم عليه: لتفعلن
ما أحب لأَبرَّ قسمه. أي: فعل له ما يكون بفعله قد أبر قسمه.
(١) في الأصل: العطين.
(٢) ((الصحاح)) ١١٧١/٣، ((مجمل اللغة)) ٢٠٣/١.
(٣) ((الصحاح)) ٤/ ١٤٠٥.
(٤) في (ص٢): شأنه.
(٥) في الأصل: والمصدق.
(٦) ((الصحاح)) ١٣٩١/٤. ولفظه: (والمضعف في دابته).

٤٢٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٦٢- باب الهجرةِ
وَقَوْلِ النّبيّ نَّهِ: ((لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ
ثَلاثٍ)).
٦٠٧٣، ٦٠٧٤، ٦٠٧٥- حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ:
حَدَّثَنِي عَوْفُ بْنُ مَالِكِ بْنِ الطَّفَيْلِ - هُو ابن الحَارِثِ وَهُو ابن أَخِي عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ
وَثَ لِأُمُّهَا - أَنَّ عَائِشَةَ حُدِّثَتْ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ قَالَ فِي بَيْعِ أَو عَطَاءِ أَعْطَتْهُ
عَائِشَةُ: والله لَتَنْتَهِيَنَّ عَائِشَةُ، أَو لأَحْجُرَنَّ عَلَيْهَا. فَقَالَتْ: أَهُو قَالَ هذا؟ قَالُوا: نَعَمْ.
قَالَتْ: هُو لله عَلَيَّ نَذْرٌ أَنْ لَا أُكَلِّمَ ابن الزُّبَيْرِ أَبَدًا. فَاسْتَشْفَعَ ابن الزُّبَيْرِ إِلَيْهَا حِينَ
طَالَتِ الهِجْرَةُ، فَقَالَتْ: لَا والله لَا أُشَفِّعُ فِيهِ أَبَدًا، وَلَا أَتَحَنَّثُ إِلَى نَذْرِي. فَلَمَّا طَالَ
ذَلِكَ عَلَى ابن الزَُّيْرِ كَلَّمَ الِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ -
وَهُمَا مِنْ بَنِي زُهْرَةَ- وَقَالَ لَهُمَا: أَنْشُدُكُمَا بِاللهِ لَا أَدْخَلْتُمَانِي عَلَىْ عَائِشَةَ، فَإِنَّهَا
لَا يَجِلُّ لَهَا أَنْ تَنْذُرَ قَطِيعَتِي. فَأَقْبَلَ بِهِ اِسْوَرُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ مُشْتَمِلَيْنٍ بِأَزْدِيَتِهِمَا حَتَّى
اسْتَأْذَنَا عَلَى عَائِشَةَ فَقَالَا: السَّلَامُ عَلَيْكِ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، أَنَدْخُلُ؟ قَالَتْ عَائِشَةُ:
ادْخُلُوا! قَالُوا: كُلُّنَا؟ قَالَتْ: نَعَم، اذْخُلُوا كُلَّكُمْ. وَلَا تَعْلَمُ أَنَّ مَعَهُمَا ابن الزُّبَيْرِ، فَلَمَّا
دَخَلُوا دَخَلَ ابن الزُّبَيْرِ الِحِجَابَ، فَاعْتَنَقَ عَائِشَةَ، وَطَفِقَ يُنَاشِدُهَا وَيَبْكِي، وَطَفِقَ
اِسْوَرُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ يُنَاشِدَانِهَا إِلَّ مَا كَلَّمَتْهُ وَقَبِلَتْ مِنْهُ، وَيَقُولَانِ: إِنَّ النَّبِيَّ وَ نَّهَى
عَمَّا قَدْ عَلِمْتِ مِنَ الهِجْرَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لُسْلِمِ أَنْ تَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ. فَلَمَّا
أَكْثَرُوا عَلَى عَائِشَةَ مِنَ التَّذْكِرَةِ وَالتَّحْرِيجِ طَفِقَتْ تُذَكِّرُهُمَا [نَذْرَهَاأَ وَتَبْكِي وَتَقُولُ:
إِنِّ نَذَرْتُ، وَالنَّذْرُ شَدِيدٌ. فَلَمْ يَزَالَا بِهَا حَتَّى كَلَّمَتِ ابنِ الزُّبَيْرِ، وَأَعْتَقَتْ فِي نَذْرِهَا
ذَلِكَ أَزْبَعِينَ رَقَبَةً. وَكَانَتْ تَذْكُرُ نَذْرَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَتَبْكِي، حَتَّى تَبُلَّ دُمُوعُهَا خِمَارَهَا.
[انظر: ٣٥٠٣ - فتح: ٤٩١/١٠]
٦٠٧٦- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ
مَالِكِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِّ قَالَ: ((لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا

٤٢٧
كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ
=
عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ)). [انظر:
٦٠٦٥ - مسلم: ٢٥٥٩ - فتح: ١٠/ ٤٩٢]
٦٠٧٧- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ
يَزِيدَ اللَّيْثِيّ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنَّصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ قَالَ: ((لَا يَحِلُّ لِرَجُلِ أَنْ
يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هذا وَيُعْرِضُ هذا، وَخَيْرُهُمَا
الذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ)). [انظر: ٦٢٣٧ - مسلم: ٢٥٦٠ - فتح: ١٠ /٤٩٢]
هذا الحديث أسنده قريبًا في باب ما ينهى عن التدابر، من طريق
أنس : ((لا تباغضوا)) وفي آخره: ((ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق
ثلاثة أيام)) وذكر في الباب حديث أنس وأبي أيوب. وفي أثناء حديث
عائشة الطويل (أيضًا)(١)، وهو صريح في تحريم الهجران فوق ثلاث،
وكذا العداوة والإعراض عن المسلم حرامان، وهذا فيمن لم يجن
على الدين جناية، فأما من جنى عليه، وعصى ربه، فجاءت الرخصة
(في عقوبته)(٢) بالهجران، كالثلاثة المتخلفين عن غزوة تبوك، أمر
الشارع بهجرانهم، فبقوا كذلك خمسين ليلة، حتَّى نزلت توبتهم(٣).
وآَلَى الَّ من نسائه شهرًا(٤). وهذا تخصيص لعموم الخبر.
فإن قلت: أيأثم من كلم الفجار والعصاة على علم منهم بها بغير
تأويل؟ قلت: إن كلمهم بالتقريع والوعظ لم يأثم، وإن كلمهم على
غير ذَلِكَ خشيت عليه الإثم، قاله ابن جرير، إلا أن يكلم من لا يجد
من كلامه بدًّا، فيكلمه وهو كاره لطريقته وعليه واجد، كالذي كان من
(١) من (ص٢).
(٢) من (ص٢).
(٣) سلف برقم (٤٤١٨) كتاب: المغازي، باب: حديث كعب بن مالك.
(٤) سلف برقم (٢٤٦٨) كتاب: المظالم، باب: الغرفة المشرفة في السطوح.

٤٢٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =-=
أبي قتادة في كعب، إذ ناشده الله: أهل تعلمني أحب الله ورسوله؟ كل
ذَلِكَ لا يجيبه، ثم أجابه بأن قال: الله ورسوله أعلم، ولم يزده على
ذلك. وقيل: كلامهم مكروه.
فرع :
اختلف هل يخرج (بالسلام)(١) وحده من الهجران؟ فقالت البغاددة:
(نعم)(٢)؛ لقوله العليا: ((وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)) وقاله مالك مرة،
وقال: إنه حري إن كان يؤذيه برئ من الشحناء، قال ابن القاسم:
وإن كان غير مؤذٍ له لم يخرجه منه إذا اجتنب كلامه. وقال أحمد:
ينظر إلى حالهم قبل، فإن علم منه مكالمته والإقبال عليه، فلا يخرجه
ذَلِكَ، لا يخرجه السلام ليس معه إعراض. قيل: وروي نحوه عن
مالك(٣).
ثم ذكر البخاري في الباب أحاديث:
أحدها :
حديث عَوْفِ بْنِ الظُّفَيْلِ - هُو ابن الحَارِثِ وَهْو ابن أَخِي عَائِشَةَ زَوْج
النَّبِّ وَِّ لأُمِّهَا - أَنَّ عَائِشَةَ حُدِّثَتْ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ قَالَ فِي بَيْعِ أَوْ
عَطَاءٍ أَعْطَتْهُ عَائِشَةُ: والله لَتَنْتَهِيَنَّ عَائِشَةُ، أَو لِأَحْجُرَنَّ عَلَيْهَا. فَقَالَتْ:
أَهُو قَالَ هذا؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَتْ: هُو لله عَلَيَّ نَذْرٌ أَنْ لَا أُكَلِّمَ
ابن الزُّبَيْرِ أَبَدًا .. الحديث بطوله.
عوف هذا هو ابن الحارث بن الطفيل بن عبد الله بن الحارث بن
(١) في الأصل: بالكلام.
(٢) من (ص٢).
(٣) انظر: ((المنتقى)) للباجي ٢١٥/٧، و((الاستذكار)) ١٥٠/٢٦، ((شرح ابن بطال))
٩/ ٢٧٠.

٤٢٩
ـ كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ
سخبرة بن جرثومة بن عادية بن مرة بن جشم بن أوس بن عامر بن حنين بن
النمر بن عثمان بن نصر بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن
عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد. هكذا ساقه ابن الكلبي. وقال:
الطفيل أخو عائشة لأمها أم رومان بنت عمير الكناني.
وكانت عائشة رضي الله عنها من أجود الناس، أعطت القاسم بن
محمد وابن أبي عتيق ابني أخويها ما أعطت فيه مائة ألف(١)،
وأعانت المنكدر في كتابته بعشرة آلاف. وإنما كره لها ابن الزبير بيع
رباعها، وتأولت هي في هجرانه أنها كانت أمه؛ لأنها أم المؤمنين،
فهي أم له لا (خالة)(٢).
وذكر أنها قالت لرسول الله وجهله: ألا تكنيني؟ فقال: ((تكني بابنك
عبد الله))(٣) فكانت تكنى بأم عبد الله، فرأت (عائشة رضي الله
عنها)(٤) أنه عقها، وأنه أتاها بما يوجب هجرته، فتنكر له الناس إذا
هجرته عائشة، وكان هذا قبل أن يلي؛ لأن عائشة ماتت سنة سبع
وخمسين، في خلافة معاوية، وكان ابن الزبير حينئذ لم يلٍ.
(١) ورد في هامش الأصل: الذي ساقه البخاري في الهبة أن التي أعطت القاسم وابن
أبي عتيق مالًا بالغابة أعطت فيه مائة ألف هي أسماء بنت أبي بكر أخت عائشة،
وقد نقل شيخنا المؤلف عن الداودي أن ظاهر إيراده أنه قال ذلك في عائشة،
واعترضه، فإن صح هذا المكان فلعل كل واحدة -منها ومن أختها - أعطت
القاسم وابن أبي عتيق مائة ألف. والله أعلم.
(٢) في (ص٢): محالة.
(٣) رواه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٨٥١)، والحاكم ٢٧٨/٤. ورواه بنحوه
أبو داود (٤٩٧٠)، وأحمد ٦/ ١٠٧.
وانظر: ((السلسلة الصحيحة)) (١٣٢).
(٤) من (ص٢).

٤٣٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
فصل :
ومعنى (الْهِجْرَة) كما قال الطبري: ترك الرجل كلام أخيه إذا
اجتمعا، وأعرض كل واحد منهما عن صاحبه مصارمةً له، وتركًا
للكلام له والسلام عليه إذا تلاقيا. وعائشة لم تكن ممن تلقى
ابن الزبير، وإنما كانت من وراء حجاب، لا يدخل عليها إلا بإذن،
وكان لها منعه من دخوله منزلها (وليس ذلك هجرةً منهيًّا عنها كما لو
كانت في بلد آخر، وقيل: إنها تأولت أنه عصى بتنقيصه لها)(١)
فهجرته لأنها أم له ولسائر المؤمنين يجب توقيرها رضي الله عنها (٢).
فصل :
قولها: (لله عَلَيَّ نَذْرٌ أَنْ لَا أُكَلِّمَ ابنِ الزُّبَيْرِ أَبَدًا) هذا نذر في غير
طاعة، فلا يجب عليها شيء عند مالك وغيره(٣)، أو يكون تقدير
الكلام: عليَّ نذر إن كلمت ابن الزبير، وظاهر الكلام لا شيء عليه؛
لأن المنذور ترك كلام ابن الزبير؛ لأن (أن) مع الفعل في تأويل
المصدر، وإنما يوفى هذا فيما كان طاعة، كالعتق والصلاة والصوم،
أما نذر المعصية كالزنا، والمكروه كترك النوافل، والمباح، فلا يلزم
الوفاء به (٤) .
واختلف إذا قال: عليَّ نذر لأفعلن كذا. فكفارته كفارة يمين، كما
جاء في مسلم(٥)، وهو قول مالك وغير واحد من التابعين (٦).
(١) ساقط من (ص٢).
(٣) ((المدونة)) ٣٥/٢.
(٢) أنظر: ((ابن بطال)) ٢٧٠/٩.
(٤) أنظر: ((المدونة)) ٣٤/٢-٣٥.
(٥) مسلم (١٦٤٥) كتاب: النذر، باب: في كفارة النذر، من حديث عقبة بن عامر
مرفوعًا: ((كفارة النذر كفارة اليمين)).
(٦) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٢٥/٤-٢٦.

٤٣١
= كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ
وعن ابن عباس: عليه أغلظ الكفارات كالظهار؛ لأنه لم يسم اليمين
بالله، ولا نواها. وقيل: إن شاء صام يومًا، أو أطعم مسكينًا، أو صلى
ركعتين؛ لأنه لا يقم ذمته إلا بالأقل، وكل ما يصح أن ينذر.
فصل :
قوله: (أَنْشُدُكُمَا باللهِ) أي: أسألكما. وهو ثلاثي من نشده بالله، إذا
سأله.
وقولها: (ولا أتحنث إلى نذري) أي: لا أخالف ما نذرت؛ لأن
الحنث: الخلف في اليمين، تقول: أحنث الرجل في يمينه، فحنث.
و(التحريج): الإثم والتضييق، يقال: تحرج. أي: تأثم. وأحرجه
إليه أي: ألجأه إليه.
وقوله: (لما أدخلتماني على عائشة) حكى سيبويه(١): لما فعلت
- مشددة- أي: إلا فعلت(٢). وقد قرئ: ﴿إِن كُلُّ نَفْسِ لََّ عَلَيْهَا حَافِظٌ
[الطارق: ٤] بالتشديد(٣)، تقديره: ما كل نفس إلا عليها حافظ. فتكون
(إن) بمعنى: ما. وفي ((الصحاح)): وقول من قال: لمّا بمعنى إلا ، غير
معروف في اللغة(٤) .
الحديث الثاني :
حديث أنس السالف في باب: ما ينهى عن التدابر، إلا أنه قال:
(فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ)) بدل (أيام)).
(١) وقع هنا في (ص٢): نشدتكما الله.
(٢) ((الكتاب)) ١٠٥/٣-١٠٦.
(٣) قرأها كذلك عاصم وابن عامر وحمزة، وقرأ باقي السبعة بالتخفيف، أنظر
(الحجة)) للفارسي ٣٩٧/٦، ((الكشف)) لمكي ٣٦٩/٢.
(٤) ((الصحاح)) ٢٠٣٣/٥، مادة: (لمم).

٤٣٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
الحديث الثالث :
حديث أَبِي أَيُّوبَ عَظُه: ((لَا يَحِلُّ لِرَجُلِ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ،
يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هذا وَيُعْرِضُ هذا، وَخَيْرُّهُمَا الذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ» .
قال الطبري: في حديث أنس وأبي أيوب البيان الواضح أنه غير
جائز لمسلم أن يهجر مسلمًا أكثر من ثلاثة أيام، (وأنه إن هجره أكثر
من ثلاثة أيام)(١) أثم، وكان أمره إلى الله، إن شاء عذبه، وإن شاء
عفا عنه؛ لأنه التَّ أخبره أنه لا يحل ذَلِكَ، ومن فعل ما هو محظور
علیه فقد اقتحم حمى الله، وانتهك حرمته.
وفيه: دليل أن هجرته دون ثلاثة أيام مباح (لهما)(٢) ولا تبعة عليهما
فيها. وقال غيره: وتجاوز الله لهما عما يعرض لهما من ذَلِكَ في ثلاثة
أيام؛ لما فطر الله العباد عليه من ضعف الجبلة وضيق الصدر، وحرَّم
عليهما ما زاد على الثلاث؛ لأنه من الغل الذي لا يحل. وروى
عيسى، عن ابن القاسم، في الرجل يهجر أخاه إلا أنه يسلم عليه من
غير أن يكلمه بغير السلام، هل يبرأ من الشحناء؟ فقال: سمعت
مالكًا يقول: إن كان مؤذيًا، إلى آخر ما (أسلفنا. وقال به أحمد
أيضًا. كذا نقله عنه ابن بطال(٣)) (٤). وما أسلفناه عنه نقله ابن التين.
وقيل لابن القاسم: هل ترى (شهادته عليه)(٥) جائزة باجتنابه كلامه
وهو غير مؤذ له؟ قال: لا تقبل شهادته.
(١) ساقطة من الأصل.
(٣) ((شرح ابن بطال)) ٢٦٩/٩- ٢٧٠.
(٢) من (ص٢).
(٤) ساقط من (ص٢).
(٥) في الأصل: (عليه شهادته)، والمثبت هو الملائم للسياق، وانظر ((شرح ابن بطال))
٩/ ٢٧٠.

٤٣٣
كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ
=
فإن قلت: فحديث عائشة في الباب لما هجرت عبد الله بن الزبير،
وحلفت أن لا تكلمه أبدًا، فتحيل عليها بالشفعاء حتَّى كلمته.
قيل: معنى الهجرة: هو ترك كلام الرجل أخيه مع تلاقيهما
واجتماعهما، وإعراض كل واحد منهما عن صاحبه مصارمة له،
وتركًا للسلام، وذلك أن من حق المسلم على المسلم إذ تلاقيا أن
يسلم كل واحد منهما على صاحبه، فإذا تركا ذَلِكَ بالمصارمة فقد
دخلا فيما حظر الله، واستحقا العقوبة إن لم يعف الله عنهما، فعائشة
لم تكن ممن تلقى ابن الزبير فتعرض عن السلام عليه صرمًا له، وإنما
كانت من وراء حجاب، ولا يدخل عليها أحد إلا بإذن، وكان لها
منع ابن الزبير الدخول كما سلف.
وأخبر القليئة بسبب حظر الله تعالى هجرة المسلم أخاه أن ذَلِكَ إنما
هو من أجل تضييعهما ما أوجب الله عليهما عند تلاقيهما، فأما إذا لم
يلتقيا فيفرط كل واحد منهما في واجب حق أخيه عليه فذلك بعيد من
معنى الهجرة.
وقد تأول غير الطبري في هجرة عائشة رضي الله عنها لابن الزبير
وجهًا آخر، فقال: إنما ساغ لعائشة ذَلِكَ؛ لأنها أم المؤمنين ولازم
توقيرها وبرها لجميع المؤمنين، وتنقصها كالعقوق لها، فهجرت
ابن الزبير أدبًا له، ألا ترى أنه لما فرغ نزع عن قوله، وندم عليه،
وتشفع إليها، رجعت إلى مكالمته، وكفرت يمينها. وهذا من باب
إباحة هجران من عصى والإعراض عنه حتَّى يفيء إلى الواجب عليه.

٤٣٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٦٣- باب مَا يَجُوزُ مِنَ الهِجْرَانِ لِمَنْ عَصَى
وَقَالَ كَعْبٌ حِينَ تَخَلَّفَ عَنِ النَّبِيِّ وَّهَ: وَنَهَى النَّبِيُّ
المُسْلِمِينَ عَنْ كَلَامِنَا. وَذَكَرَ خَمْسِينَ لَيْلَةً.
مَكَلىالله
وسلم
٦٠٧٨- حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُزْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ
رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَله: ((إِنِّي لأَعْرِفُ غَضَبَكِ وَرِضَاك)). قَالَتْ:
قُلْتُ: وَكَيْفَ تَغْرِفُ ذَاكَ يَا رَسُولَ الهِ؟ قَالَ: ((إِنَّكِ إِذَا كُنْتِ رَاضِيَةً قُلْتِ: بَلَى
وَرَبِّ مُحَمَّدٍ. وَإِذَا كُنْتِ سَاخِطَةً قُلْتِ: لَا وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ)). قَالَتْ: قُلْتُ: أَجَلْ،
لَسْتُ أُهَاجِرُ إِلَّ أَسْمَكَ. [انظر: ٥٢٢٨- مسلم: ٢٤٣٩ - فتح ١٠ /٤٩٧]
وسلف مسندًا(١).
وذكر بإسناده حديث عائشة قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنِّي لأَعْرِفُ
غَضَبَكِ (من)(٢) رِضَاك)). قَالَتْ: وَكَيْفَ تَعْرِفُ ذلك يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ:
((إِنَّكِ إِذَا كُنْتِ رَاضِيَةً قُلْتِ: بَلَى وَرَبِّ مُحَمَّدٍ. وَإِذَا كُنْتِ سَاخِطَةً قُلْتِ:
لَا وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ)). قَالَتْ: قُلْتُ: أَجَلْ، لَسْتُ أَهَاجِرُ إِلَّ أَسْمَكَ.
الشرح:
(أَجَلْ): جواب مثل نعم. قال الأخفش: إلا أنها أحسن من نعم
فإذا قال: سوف نذهب، قلت: أجل، كان أحسن من نعم، وإذا
قال: أنذهب؟ قلت: (نعم)، كان أحسن من أجل. والحديث على
هذا؛ لأنه أخبرها بصفة حالها معه ولم يستفهمها، فقالت: أجل.
قال المهلب: غرض البخاري في هذا الباب أن يبين صفة (٣)
(١) برقم (٤٤١٨).
(٢) في (ص٢): (و)، والمثبت من الأصل.
(٣) في الأصل بعدها: (حالها معه) وعليها: (لا .. إلى).

٤٣٥
- كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ
الهجران الجائز، وأن ذَلِكَ متنوع على قدر الإجرام، فمن كان جرمه
كبيرًا فينبغي هجرانه واجتنابه وترك مكالمته كما في أمر كعب بن مالك
وصاحبيه. وما كان [من](١) المغاضبة بين الأهل والإخوان فالهجران
الجائز فيها هجران التحية والتسمية وبسط الوجه، كما فعلت عائشة
في مغاضبتها مع رسول الله ◌َالآن .
قال الطبري: في حديث كعب بن مالك أصل في هجران أهل
المعاصي والفسوق والبدع؛ ألا ترى أنه القيّ نهى عن كلامهم
بتخلفهم عنه، ولم يكن ذَلِكَ كفرًا ولا ارتدادًا، وإنما كان معصية
ركبوها فأمر بهجرهم، حتَّى تاب الله عليهم، ثم أذن في مراجعتهم.
فكذلك الحق في كل من أحدث ذنبًا خالف به أمر الله ورسوله فيما
لا شبهة فيه ولا تأويل، أو ركب معصية على علم أنها معصية لله، أن
يهجر غضبًا لله ولرسوله ولا يكلم حتَّى يتوب وتعلم توبته علمًا
ظاهرًا، كما قال في قصة الثلاثة الذين خلفوا.
فإن قلتَ: أفيحرج مكلم أهل المعاصي والبدع على كل وجه؟
قلتُ: أجبنا عنه فيما سلف بتفصيل.
فإن قلتَ: فإنك تبيح كلام أهل الشرك بالله ولا توجب على
المسلمين هجرتهم، فكيف ألزمتنا هجرة أهل البدع والفسوق وهم بالله
ورسوله مُقِرُّون؟
قيل: إن حظرنا ما حظرنا وإطلاقنا ما أطلقنا لم يكن إلا عن أمر من
لا يسعنا خلاف أمره، وذلك نهيه التفيه عن كلام النفر المتخلفين عن تبوك
وهم بوحدانية الله مقرون، وبنبوة نبيه معترفون. وأما المشركون فإنما
(١) من ابن بطال ٩/ ٢٧٢.

٤٣٦
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
أطلقت لأهل الإيمان كلامهم؛ لإجماع الجميع على إجازتهم البيع
والشراء منهم والأخذ والإعطاء. ولقد يلزم في هجرة كثير من المسلمين
في بعض الأحوال ما لا يلزم في هجرة كثير من أهل الكفر، وذلك
أنهم أجمعوا على أن رجلًا من المسلمين لو لزمه حد من حدود الله
في غير الحرم ثم استعاذ به أنه لا يبايع ولا يكلم ولا يجالس حتَّى
يخرج من الحرم فيقام عليه حد الله -كذا أدعاه الطبري ولا يسلم له؛
فالخلاف ثابت- (ولله أحكام في خلقه جعلها)(١) بينهم في الدنيا
مصلحة لهم، هو أعلم بأسبابها وعليهم التسليم لأمره فيها؛ لأن له
الخلق والأمر(٢).
(١) في الأصل: (وفيه أحكام في خلقه جلهم)، والمثبت من (ص٢).
(٢) ابن بطال ٩/ ٢٧٢-٢٧٣.

٤٣٧
كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ
=
٦٤- باب هَلْ يَزُورُ صَاحِبَهُ كُلَّ يَوْمٍ
بُكْرَةً وَعَشِيًّا؟
٦٠٧٩- حَدَّثَنَا إِنْرَاهِيمُ، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ مَعْمَرٍ.
وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ: قَالَ ابنِ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَبِي عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ
-َزَّوْجَ النَّبِيِّ ◌ََّ- قَالَتْ: لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ إِلَّ وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ، وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْهِمَا يَوْمٌ إِلَّ
يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللهِ وَ طَرَفِي النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، فَبَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ فِي بَيْتِ أَبِي
بَكْرِ فِي نَحْرِ الظَّهِرَةِ قَالَ قَائِلٌ: هذا رَسُولُ اللهِ وَّهَ فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِنَا فِيهَا. قَالَ
أَبُو بَكْرٍ: مَا جَاءَ بِهِ فِي هذِهِ السَّاعَةِ إِلَّ أَمْرٌ. قَالَ: ((إِنِّي قَدْ أُذِنَ لِي بِالْخُرُوجِ)).
[انظر: ٤٧٦- فتح: ٤٩٨/١٠]
ذكر فيه حديث عائشة قَالَتْ: لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ إِلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ،
وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْهِمَا يَوْمٌّ إِلَّا يَأْتِيْنَا فِيهِ رَسُولُ اللهِ وَ طَرَفَي النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيًا،
فَبَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ فِي بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ قَالَ قَائِلٌ: هذا رَسُولُ
اللهِ وَله .. الحديث.
فيه: ما ترجم له، وهو زيارة الصديق الملاطف مرتين كل يوم،
وليس بمعارض لحديث أبي هريرة: ((زر غِبًّا تزدد حبًّا))(١) (ذكره أبو عبيد
(١) رواه الطبراني في ((الأوسط)) ٢/ ٢١٠ (١٧٥٤)، و٩/٦ (٥٦٤١)، من طريق عن
أبي هريرة، وكذا رواه غير واحد عنه، وفي الباب أيضًا عن أنس وجابر وحبيب بن
سلمة وابن عباس وابن عمرو، وعلي وعائشة وآخرين.
والحديث أورده ابن حجر في ((الفتح)) ٤٩٨/١٠ - في نفس الباب الذي يشرحه
المصنف- وقال: وكأن البخاري رمز بالترجمة إلى توهين الحديث المشهور ..
فذكره ثم قال: وقد ورد من طرق أكثرها غرائب لا يخلو واحد منها من مقال، وقد
جمع طرقه أبو نعيم وغيره .. وقد جمعتها في جزء مفرد، وأقوى طرقه ما أخرجه
الحاكم في ((تاريخ نيسابور)) .. فذكره من حديث عائشة ثم قال: ولا منافاة بين هذا =

٤٣٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
في ((الأمثال)). وأما في قوله هذا إعلام منه أن إغباب الزيارة أزيد في
المحبة)(١)، وأثبت في المودة؛ لأن مواترة الزيارة والإكثار منها ربما
أدت إلى الضجر وأبدت أخلاقًا كامنة لا تظهر عند الإغباب، فآلت
إلى البغضة وكانت سببًا للقطيعة (أو)(٢) للزهد في الصديق.
وفي حديث عائشة في هذا الباب جواز زيارة الصديق الملاطف
لصديقه كل يوم على قدر حاجته إليه والانتفاع به في مشاركته له،
فهما حديثان مختلفان ولا تعارض؛ إذ لكل واحد معنى، وما أحسن
قوله :
فزره ولا تخف منه ملالاً
إذا حققت من شخصٍ ودادًا
ولا تك في زيارته هلالًا
وكن كالشمس تطلع كل يوم
ردًّا على قول الآخر:
غير يوم ولا تزده عليه
لا تزر من تحب في كل شهر
ثم لا تنظر العيون إليه
فاجتلاء الهلال في الشهر يومًا
فصل :
قولها: (فبينا نَحْنُ). قال الجوهري: بينا فعلى أُسقطت الفتحة
فصارت ألفًا. وبينا زيدت عليه ما، والمعنى واحد(٣)، وكان
الأصمعي يخفض بعد بينا (إذا صلح في موضعه بين) (٤) وغيرهُ يرفع
= الحديث وحديث الباب؛ لأن عمومه يقبل التخصيص. اهـ وقال السخاوي في
((المقاصد)) (٥٣٧): بمجموعها يتقوى الحديث، وإن قال البزار: إنه ليس فيه
حديث صحيح، فهو لا ينافي ما قلناه. اهـ أي أنه قوي بمجموع الطرق، وانظر
((صحيح الجامع)) (٣٥٦٨).
(١) ليست في الأصل.
(٢) في الأصل: (و).
(٣) ((الصحاح)) ٢٠٨٤/٥ مادة (بين).
(٤) ساقطة من الأصل.

٤٣٩
كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ
ما بعد بينا، وبينما على الابتداء.
والظهيرة: الهاجرة، ونحرها: أولها، قال الجوهري: نحر النهار:
أوله(١) .
ومعنى: (يدينان الدين): يطيعان الله، ولم تولد عائشة إلا بعد مبعثه
التَّ بسنتين على قول مالك بن أنس، وعلى قولها وقول ابن عباس بعد
المبعث بخمس، وقيل: بسبع. وهذا قول ابن عباس الآخر أنه الكليالا توفي
ابن خمس وستین.
والبكرة: من طلوع الشمس إلى نصف النهار.
والعشي: ما بعد نصف النهار، قاله الداودي. وقال الجوهري:
العشاء والعشية من صلاة المغرب إلى العتمة، قال: والعشاء بالكسر
والمد(٢). وزعم قوم أن العشاء من الزوال إلى طلوع الفجر، وقال
ابن فارس: ويقال العشاء من الزوال إلى الصباح والعشاء (من)(٣)
صلاة المغرب (إلى) (٤) العتمة (٥).
فائدة: فيه: زيارة الفاضل المفضول.
فإن قلت كان الصديق أولى بالزيارة، ولدفع مشقة التكرار عنه.
قلت: لم يكن إتيان الشارع له للزيارة، وإنما كان لما يتزايد عنده من
المعالم.
(١) ((الصحاح)) ٧٣١/٢ مادة (ظهر)، ٨٢٤/٢ مادة (نحر).
(٢) المصدر السابق ٢٤٢٦/٦ مادة (عشا).
(٣) في الأصل: (في)، والمثبت من (ص٢)، وهو الصواب.
(٤) من (ص٢).
(٥) ((مجمل اللغة)) ٢ /٦٦٨، ٦٦٩.

٤٤٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٦٥- باب الزِّيَارَةِ،
وَمَنْ زَارَ قَوْمًا فَطَعِمَ عِنْدَهُمْ
وَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ نََّ فَأَكَلَ عِنْدَهُ.
٦٠٨٠- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، عَنْ خَالِدِ الَذَّاءِ، عَنْ
أَنَّسِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ ◌َ﴾ُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ زَارَ أَهْلَ بَيْتٍ فِي الأَنَّصَارِ
فَطَعِمَ عِنْدَهُمْ طَعَامًا، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ أَمَرَ بِمَكَانٍ مِنَ البَيْتِ، فَنُضِحَ لَهُ عَلَى
بِسَاطِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ وَدَعَا لَهُمْ. [انظر: ٦٧٠ - فتح ١٠/ ٤٩٩]
وقد سلف مسندًا .
ثم ساق حديث أنس: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ زَارَ أَهْلَ بَيْتٍ فِي الأَنْصَارِ
فَطَعِمَ عِنْدَهُمْ طَعَامًا، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ أَمَرَ بِمَكَانٍ مِنَ البَيْتِ، فَنُضِحَ لَهُ
عَلَى بِسَاطِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ، ودَعَا لهم.
لا شك أن من تمام الزيارة إطعام الزائر ما حضر، وإتحافه بما
تيسر، وذلك من كريم الأخلاق: وهما مما يثبت المودة ويؤكد المحبة.
وفيه: أن الزائر إذا أكرمه المرء أنه ينبغي له أن يدعو له ولأهل بيته
ويبارك في طعامهم وفي رزقهم.
وهذا البيت هو بيت جدته (مليكة)(١).
ومعنى (طَعِمَ): أكل، وهو بكسر العين؛ قال تعالى: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ
فَانْتَشِرُواْ﴾ [الأحزاب: ٥٣] وقد يكون بمعنى: ذاق؛ قال تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ
يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّيَ﴾ [البقرة: ٢٤٩] والبساط: هنا هو الحصير كما جاء في
حدیث آخر.
(١) ورد بهامش الأصل: هي أم أنس، لا جدته على الصحيح، والله أعلم.