النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
- كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ
وصفت النصارى عيسى بما لم يكن فيه فنسبوه إلى (البنوة)(١)، فكفروا
بذلك وضلوا. فأما وصفه بما فضله الله به وشرفه فحق واجب على كل
من بعثه الله إليه من خلقه، وذلك كوصفه التعليمي نفسه بما وصفها فقال: ((أنا
سيد ولد آدم ولا فخر، وأنا أول من تنشق عنه الأرض))(٢) .
وفي هذا من الفقه: أن من رفع أمرا فوق حقه، وتجاوز به مقداره
بما ليس فيه فمتعدِّ آثم؛ لأن ذَلِكَ لو جاز في أحد لكان أولى الخلق به
نبينا عليه الصلاة والسلام، ولكن الواجب أن يقصر كل أحد على
ما أعطاه الله من منزلةٍ، ولا يعدى به إلى غيرها من غير قطع عليها،
ألا ترىُ قوله التَّ في حديث الباب: ((إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ مَادِحًا أخاه))
الحدیث .
(١) في (ص٢): (الربوبية).
(٢) رواه مسلم (٢٢٧٨) كتاب: الفضائل، باب: تفضيل نبينا ◌َّ على جميع
الخلائق، وأبو داود (٤٦٧٣) من حديث أبي هريرة.

٤٠٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٥٥- باب مَنْ أَثْنَى عَلَى أَخِيهِ بِمَا يَعْلَمُ
وقَالَ سَعْدٌ: مَا سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَِّ يَقُولُ لأَحَدٍ يَمْشِي عَلَى
الأَرْضِ إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ إِلَّا لِعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ. [انظر:
٣٨١٢]
٦٠٦٢- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ
سَالمٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ فَلِّ حِينَ ذَكَرَ فِي الإِزَارِ مَا ذَكَرَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ
اللهِ، إِنَّ إِزَارِي يَسْقُطُ مِنْ أَحَدِ شِقَّيْهِ. قَالَ: ((إِنَّكَ لَسْتَ مِنْهُمْ)). [انظر: ٣٦٦٥ - مسلم:
٢٠٨٥- فتح ٤٧٨/١٠].
وقال سعد: ما سمعت النبي ◌َّهُ يَقُولُ لأَحَدٍ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ
إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ إِلَّ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَام. هذا قد سلف في فضائله
مسندًا .
ثم ساق حديث ابن عمر رضي الله عنهما: أَنَّه وَ لِّ حِينَ ذَكَرَ فِي
الإِزَارِ مَا ذَكَرَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ إِزَارِي يَسْقُطُ مِنْ أَحَدِ
شِقَّيْهِ. قَالَ: (إِنَّكَ لَسْتَ مِنْهُمْ)).
فيه من الفقه: أنه يجوز الثناء على الناس بما فيهم، على وجه الإعلام
بصفاتهم؛ لتعرف لهم سابقتهم، وتقدمهم في الفضل، فينزلوا منازلهم
ويقدموا على من لا يساويهم، ويقتدى بهم في الخير، ولو لم يجز وصفهم
بالخير والثناء عليهم بأحوالهم لم يعلم أهل الفضل من غيرهم.
ألا ترى أنه الشّ خص أصحابه بخواص من الفضائل بانوا بها على
سائر الناس، وعرفوا بها إلى يوم القيامة، فشهد للعشرة بالجنة(١)،
كما شهد لعبد الله بن سلام.
(١) رواه الترمذي (٣٧٤٧)، وأحمد ١٩٣/١ من حديث عبد الرحمن بن عوف.

٤٠٣
ـ كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ
وليس عدم سماع سعد بمعارض (لمن سمعه يشهد) (١) بذلك لغيره،
بل يأخذ كل واحد بما سمع.
وكذلك قال التقلي للصديق له: ((كل الناس قال لي: كذبت وقال لي
أبو بكر: صدقت))(٢).
وروى معمر، عن قتادة، عن أبي قلابة: قال النبي ◌َّر: ((أرحم أمتي
بأمتي أبو بكر، وأقواهم في الله عمر، وأصدقهم حياءً عثمان، وأقضاهم
علي، وأمين أمتي أبو عبيدة بن الجراح، وأعلم أمتي بالحلال
(والحرام)(٣) معاذ بن جبل، وأقرؤهم أَبيٍّ، وأفرضهم زيد))(٤).
وقال العَّ في حديث آخر: ((ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء
أصدق لهجة من أبي ذر))(٥)
(١) مكررة في الأصل.
(٢) سلف برقم (٤٦٤٠) كتاب: التفسير، باب: ﴿قُلْ يَتَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّ رَسُولُ اللَّهِ
إِلَيْكُمْ﴾.
(٣) عليها في الأصل: (لا .. إلى).
(٤) ((جامع معمر)) ٢٢٥/١١ (٢٠٣٨٧) ورواه عن قتادة. وعن عاصم بن سليمان، عن
أبي قلابة. كلاهما مرسلًا.
(٥) رواه الترمذي (٣٨٠١) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وبرقم (٣٨٠٢)
من حديث أبي ذر.

٤٠٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -=
٥٦- باب قَوْلِ اللّهِ رَّ:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ﴾ الآية [النحل: ٩٠]
وقال تعالى ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَّ أَنْفُسِكُمْ﴾ [يونس: ٢٣] ﴿ثُمَّ
بُغِىَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اَللَّهُ﴾ [الحج: ٦٠] وَتَرْكِ إِثَارَةِ الشَّرِّ عَلَى
مُسْلِمٍ أَو كَافِرٍ .
٦٠٦٣- حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُزْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: مَكَثَ النَّبِيُّ ◌َ كَذَا وَكَذَا يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَأْتِ أَهْلَهُ
وَلَ يَأْتِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَالَ لِي ذَاتَ يَوْمٍ: ((يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللهَ أَقْتَانِي فِي أَمْرٍ
اُسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ، أَتَانِي رَجُلَانِ فَجَلَسَ أَحَدُّهُمَا عِنْدَ رِجْلَيَّ وَالآخَرُ عِنْدَ رَأْسِي،
فَقَالَ الذِي عِنْدَ رِجْلَيَّ لِلَّذِي عِنْدَ رَأْسِي: مَا بَالُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ - يَغْنِي:
مَسْحُورًا- قَالَ: وَمَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ ابن أَعْصَمَ. قَالَ: وَفِيمَ؟ قَالَ: فِي جُفِّ
طَلْعَةٍ ذَكَرٍ فِي مُشْطٍ وَمُشَاقَةٍ، تَحْتَ رَعُوفَةٍ فِي بِثْرِ ذَرْوَانَ)). فَجَاءَ النَّبِيُّ ◌َ
فَقَالَ: «هذِهِ البِتْرُ التِي أُرِيتُهَا كَأَنَّ رُءُوسَ نَخْلِهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ، وَكَأَنَّ مَاءَهَا
نُقَاعَةُ الحِنَّاءِ». فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ◌َِّ فَأُخْرِجَ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَهَلَّا
- تَغْنِي - تَنَشَّرْتَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((أَمَّا اللهُ فَقَدْ شَفَانِي، وَأَمَّا أَنَا فَأَكْرَهُ أَنْ أُثِيرَ
عَلَى النَّاسِ شَرًّا)). قَالَتْ: وَلَبِيدُ بْنُ أَعْصَمَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُرَبِقِ حَلِيفٌ لِيَهُودَ.
[انظر: ٣١٧٥ - مسلم: ٢١٨٩ - فتح ٤٧٩/١٠]
ذكر فيه حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها أنه الَّ سحره لبيد بن الأعصم
في مشط ومشاقة تحت راعوفة في بئر ذروان. فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ وَلَ فَأُخْرِجَ.
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هلّا تَنَشَّرْتَ، فَقَالَ: ((أَمَّا اللهُ فَقَدْ شَفَانِي، وَأَمَّا أَنَا
فَأَكْرَهُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا)). قَالَتْ: وَلَبِيدُ بْنُ أَعْصَمَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي
زُرَيْقٍ حَلِيفٌ لِيَهُودَ.

٤٠٥
ـ كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ
الشرح :
تأول البخاري من هذِه الآيات التي ذكرها: ترك إثارة الشر على
مسلم أو كافر، كما دل عليه حديث عائشة رضي الله عنها، ووجه
ذَلِكَ - والله أعلم - أنه تأول في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ
وَالْإِحْسَنِ﴾ [النحل: ٩٠] الندب إلى الإحسان إلى المسيء، أو ترك
معاقبته على إساءته. فإن قلت: فكيف يصح هذا التأويل في آيات
البغي التي ذكرها؟ قيل: وجه ذَلِكَ -والله أعلم - أنه لما أعلم الله
عباده أن البغي ينصرف على الباغي بقوله: ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾
[يونس: ٢٣] وضمن تعالى نصرة من بغي عليه بالنصرة، كان الأولى
لمن بغي عليه شكر الله على ما ضمن من نصره، ومقابلة ذَلِكَ بالعفو
عمن بغى عليه. وكذلك فعل الشارع باليهودي الذي سحره حين عفا
عنه، وقد كان له الانتقام منه بقوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا
عُوقِبْتُم بِهٍِ﴾ [النحل: ١٢٦] لكن آثر الصفح عنه، عملاً بقوله: ﴿وَلَمَنْ
صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (
[الشورى: ٤٣] وكذلك أخبرت
عائشة عنه: أنه كان لا ينتقم لنفسه ويعفو عمن ظلمه(١).
وفي تفسير الآية أقوال أُخر:
أحدها: أن العدل شهادة أن لا إله إلا الله، والإحسان أداء
الفرائض، قاله ابن عباس.
ثانيها: العدل: الفرض، والإحسان: النافلة.
ثالثها: العدل: أستواء السريرة والعلانية، والإحسان: أن تكون
السريرة أفضل من العلانية، قاله ابن عيينة. قال ابن مسعود: وهُذِه
(١) سلف برقم (٣٥٦٠) كتاب: المناقب، باب: صفة النبي ونَ﴾.

٤٠٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
الآية أجمع آية في القرآن لخير أو شر. (ويمكن)(١) أن يتخرج تأويل
البخاري على هذا القول.
وقوله: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُكَرِ﴾ [النحل: ٩٠] يعني: عن كل
فعل أو قول قبيح. وقال ابن عباس: هو الزنا والبغي. قيل: هو الكبر
والظلم. وقيل: التعدي ومجاوزة الحد(٢).
وقال ابن عيينة: ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُمْ مَّتَعَ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس:
٢٣] المراد بها: أن البغي تُعجَّل عقوبته لصاحبه في الدنيا، يقال: للبغي
مصرعة .
(فصل :
احتج بهذه الآية من نفى دليل القرآن؛ لأنه تعالى فرق بين العدل
والإحسان، والعدل واجب والإحسان مندوب نظيره ﴿كُلُواْ مِنْ
ثَمَرِهِةٍ إِذَا أَثْمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] ﴿فَكَاِبُهُمْ إِنْ
عَلِّمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَءَاتُوهُم﴾ [النور: ٣٣] وذكر المالكية فيه حديث: نهى
عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن(٣). قالوا ومهر البغي
ليس كثمن الكلب)(٤).
فصل :
قوله: ((مَطْبُوبٌ))) كنوا بالطب عن السحر تفاؤلًا بالبرء، كما كنوا
بالسليم عن اللديغ. والجف بالجيم وعاء الطلع.
(١) في الأصل: ويكره.
(٢) أنظر: ((تفسير الطبري)) ٦٣٤/٧ -٦٣٥.
(٣) سلف برقم (٢٢٣٧) كتاب: البيوع، باب: ثمن الكلب، من حديث أبي مسعود
الأنصاري.
(٤) ما بين القوسين ساقط من (ص٢).

٤٠٧
ـ كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ
وحكى ابن التين خلافًا في لبيد، فقيل: كان يهوديًّا، وقيل: منافقًا.
ورواية البخاري صريحة في الأول، وقد سلف أيضًا ما فيه.
وقوله: ((تحت رعوفة)) قال عياض: كذا جاء في بعض روايات
البخاري بغير ألف، والمعروف في اللغة الأخرى: أرعوفة أي:
بالضم، وراعوفة. ويقال: راعوثة، بالثاء أيضًا، وهي صخرة تترك في
أصل البئر عند حفرة ناتئة ليجلس عليها منقيه والمائح متى أحتاج،
ومثله لأبي عبيد(١). وقيل: هو حجر على رأس البئر يستقي عليه
المستقي. وقيل: حجر بارز من طيها يقف عليه المستقي والناظر
فيها. وقيل: حجر ناتئ في بعض البئر، لم يمكن قطعه لصلابته،
(فترك)(٢).
وقوله: (فهلا تنشرت) قال الجوهري: التنشير من النشرة، وهي
كالرقية، فإذا نشر المسموم فكأنما نشط من عقالٍ، أي: يذهب عنه
سريعًا(٣) .
وفي الحديث: لعل طبًا أصابه. يعني: سحرًا. ثم نشره بـ: ﴿قُلْ أَعُوذُ
بِرَبِّ النَّاسِ ﴾﴾ [الناس: ١] أي: رقاه، وكذا عند القزاز. وقال
الداودي: (معناه) (٤) هلا اغتسلت ورقیت.
وظاهر الحديث أن تنشرت: أظهرت السحر، توضحه الرواية
الأخرى: هلا استخرجته(٥).
(١) ((غريب الحديث)) ٣٥٤/١.
(٢) من (ص٢)، وانظر ((مشارق الأنوار)) ٢٩٤/١.
(٣) ((الصحاح)) ٨٢٨/٢ مادة: (نشر).
(٤) من (ص٢).
(٥) سلفت برقم (٥٧٦٣) كتاب: الطب، باب: السحر.

٤٠٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وروي أنه سئل عن النشرة، فقال: ((هي من عمل الشيطان))(١).
وقال الحسن: النشرة من السحر، وهو ضرب من الرقى والعلاج،
يعالج به من كان يظن أن به شيئًا من الجن.
وقال عياض: النشرة نوع من التطبب بالاغتسال على هيئات
مخصوصة بالتجربة لا يحتملها القياس الطبي، وقد اختلف العلماء في
جوازها(٢)، وقد أسلفناه.
(١) رواه أبو داود (٣٨٦٨) من حديث جابر.
(٢) ((مشارق الأنوار)) ٢٩/٢.

٤٠٩
ـ كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ
٥٧- باب مَا يُنْهَى عَنِ التَّدَابُرِ وَالتَّحَاسُدِ،
وَقَوْلِهِ رَّ: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ﴾﴾ [الفلق: ٥]
٦٠٦٤- حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهِ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ،
وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا،
وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا)). [انظر: ٥١٤٣ - مسلم: ٢٥٦٣ - فتح ١٠/ ٤٨١]
٦٠٦٥- حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَّسُ بْنُ
مَالِكِ ﴾ِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ قَالَ: ((لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا،
وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ)).
[٦٠٧٦- مسلم: ٢٥٥٩ - فتح ١٠ / ٤٨١].
ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عُ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ: ((إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ)) إلى
قوله: ((ولا تحاسدوا ولا تدابروا، ولا تحسسوا ولا تجسسوا))
وحديث أَنَسِ ﴾ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَلِّ قَالَ: ((لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا،
وَلَا تَدَابَرُوا)).
فيه: الأمر بالألفة والمحبة، والنهي عن التباغض والتدابر،
وما أمرهم الشارع فعليهم العمل به، وما نهاهم عنه فعليهم الأنتهاء
عنه، وغير موسع عليهم مخالفته، إلا أن يخيرهم أن مخرج أمره لهم
ونهيه على وجه الندب والإرشاد، وقد سلف في باب الحب في الله
قوله التفيئها: ((والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتَّى تؤمنوا،
ولا تؤمنوا حتَّى تحابوا))(١).
(١) رواه مسلم (٥٤) كتاب: الإيمان، باب: لا يدخل الجنة إلا المؤمنون، من حديث
أبي هريرة.

٤١٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
فدل ذَلِكَ أن أمره ونهيه في هذا الحديث على الوجوب، وقال
أبو الدرداء: ألا أخبركم بخير لكم من الصدقة والصيام صلاح ذات
البين، وإن البغضة هي الحالقة (١)؛ لأن في تباغضهم افتراق كلمتهم
وتشتت أمرهم، وفي ذَلِكَ ظهور عدوهم عليهم ودروس دينهم.
وفيه: النهي عن الحسد على النعم، وقد نهى الله عباده المؤمنين عن
أن يتمنوا ما فضل الله به بعضهم على بعض، وأمرهم أن يسألوه من
فضله. وسنزيد فيه في باب النهي - إن شاء الله- وقد أجاز الشارع
الحسد في الخير كما مضى، ويأتي.
وفيه: النهي عن التجسس وهو البحث عن بواطن الأمور للناس،
وأكثر ما يقال ذَلِكَ في الشر. وقال ابن الأعرابي وأبو عمرو الشيباني:
الجاسوس: صاحب الشر، والناموس: صاحب الخير.
قال الخطابي: وأما (بالحاء)(٢) فقيل كالجيم، وبه قرأ الحسن الآية،
ومنهم من فرق بينهما فقيل: بالجيم البحث عن عورات المسلمين،
(وبالحاء: الأستماع لحديث القوم. ورواه الأوزاعي عن يحيى بن
أبي كثير)(٣)، وقيل: بالحاء أن تطلب لنفسك، وبالجيم: أن تكون
رسولًا لغيرك، قاله أبو عمرو (٤).
وقال ابن وهب: بالجيم إذا تخبرها من غيره، وبالحاء إذا تولاها
بنفسه، وقيل: اشتقاقه من الحواس؛ ليدرك ذَلِكَ بها، وقيل: بالجيم:
في الشر خاصة، وبالحاء فيه وفي الخير.
(١) رواه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٤١٢)، والبيهقي في ((الشعب)) ٤٨٩/٧
(١١٠٨٩)، (١١٠٩٠).
(٢) من (ص٢).
(٤) ((غريب الحديث)) للخطابي ١ / ٨٤.
(٣) من (ص٢).

٤١١
كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ
=
وقد فسر البخاري في بعض الروايات الجيم بأنه البحث، وهو في
معنى ما سلف، وفي البخاري ذكر الجاسوس، وفسره من رواية الحموي
بأنه: البحث عن الخير، وقيل: عن العدو، وقال ابن الأنباري: إنما
سبق أحدهما على الآخر لاختلاف اللفظ؛ كقولهم بعدًا أو سحقًا.
قيل: وقد يكون الخير بالعين.
فصل :
معنى: ((لَا تَدَابَرُوا)): لا تهاجروا، وهو أن يولي كل واحد منهما
صاحبه دبره، وقيل: لا يتكلم أحد في غيبة أحد بما يسوءه، وقال
الهروي: التدابر: التقاطع يقال: تدابر القوم، أي: أدبر كل واحد عن
صاحبه(١).
وقال صاحب ((العين)): دابرت الرجل: عاديته، ومنه قولهم: جعلته
دبر أذني أي: خلفها (٢).
(١) أنظر: ((النهاية في غريب الحديث)) ٢/ ٩٧.
(٢) ((العين)) ٨/ ٣١، ٣٣.

٤١٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٥٨- باب
يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَجْتَنِبُواْ كَثِيرًا مِّنَ الَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الَّنِّ إِنْهٌ وَلَا تَسُواْ﴾﴾
ج
[الحجرات: ١٢]
٦٠٦٦- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَغْرَجِ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ لَّهِ قَالَ: ((إِنَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ
الحَدِيثِ، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا،
وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا)). [انظر: ٥١٤٣- مسلم:
٢٥٦٣ - فتح ١٠/ ٤٨٤]
ذكر فيه حديث أبي هريرة المذكور في الباب قبله بزيادة: ((ولا تناجشوا))
وقد سلف بيانه
ذكر فيه ابن بطال حديث أنس أيضًا. قال الخطابي: قوله ((إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ))
كأنه أراد النهي عن تحقيق ظن السوء وتصديقه دون ما يهجس في القلب
من خواطر الظنون فإنها لا تملك. قال تعالى: ﴿إِنَّ بَعْضَ الَّنِّ إِثْرٌ﴾.
[الحجرات: ١٢] فلم يجعل الظن كله إثمًا. قال غيره: فنهى التَّ أن تحقق
على أخيك ظن السوء، إذا كان الخير غالبًا عليه(١).
وقال الإسماعيلي في ((صحيحه)): إذا كان الظن لدلالة تدل عليه،
وشهادة تشهد بصحته فذلك ما لا أمتناع فيه، وعلى هذا ما روي في
الملاعنة إن وضعت كذا، فلا أراه إلا من الذي رميت به، وهذا من
المباح، ولكنه لا يجوز تحقيقه والحكم، والممنوع منه إعمال الظن
وتحقيقه أيضًا .
(١) (شرح ابن بطال)) ٢٦٠/٩، وانظر ((أعلام الحديث)) ٢١٨٩/٣.

٤١٣
ـ كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ
قلت: وروي عن عمر بن الخطاب ﴾ أنه قال: لا يحل لمسلم سمع
من أخيه كلمة أن يظن بها سوءًا، وهو يجد لها في شيء من الخير
مصدرًا، وقال علي: من علم من أخيه مروءة جميلة فلا يسمعن فيه
مقالات الرجال، ومن حسنت علانيته فنحن لسريرته أرجا .
وروى معمر عن إسماعيل بن أمية قال: ثلاث لا يعجزن ابن آدم:
الطيرة، وسوء الظن، والحسد. قال: فينجيك من سوء الظن أن لا تتكلم
به، وينجيك من الحسد أن لا تبغي أخاك سوءًا، وينجيك من الطيرة أن
لا تعمل بها (١).
فصل :
قد أسلفت لك أن حديث أنس ظ ذكره ابن بطال هنا ولم نره في
الأصول، ثم أورد سؤالًا فقال: إن قلت: ليس في حديث أنس ذكر
الظن، فما وجه ذكره؟ ثم أجاب بأن التباغض والتحاسد أصلهما سوء
الظن، وذلك أن المباغِض والمحاسِد يتأول أفعال من يبغضه ويحسده
على أسوأ التأويل، وقد أوجب الله أن يكون ظن المؤمن بالمؤمن
حسنًا أبدًا، إذ يقول ﴿لَّوْلاَ إِذْ سَمِعْتُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾.
[النور: ١٢]، فإذا جعل الله سوء الظن بالمؤمنين إفكًّا مبينًا فقد لزم أن
يكون حسن الظن بهم صدقًا بينًا (٢). وتبعه في ذَلِكَ ابن التين.
(١) ((جامع معمر)) ٤٠٣/١٠ (١٩٥٠٤).
(٢) ((شرح ابن بطال)) ٩/ ٢٦١.

٤١٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٥٩- باب مَا يَكُونُ مِنَ الظَّنّ
٦٠٦٧- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرِ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ
عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: «مَا أَظُنُّ فُلَانًا وَفُلَانًا يَعْرِفَانِ مِنْ دِينِنَا
شَيْئًا)). قَالَ اللَّيْثُ: كَانَا رَجُلَيْنٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ. [٦٠٦٨ - فتح ١٠ /٤٨٥]
٦٠٦٨ - حَدَّثَنَا ابن بُكَثِرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بهذا. وَقَالَتْ: دَخَلَ عَلَىَّ النَّبِيُّ وَّهِ يَوْمًا
وَقَالَ: ((يَا عَائِشَةُ، مَا أَظُنُّ فُلَانًا وَفُلَانًا يَعْرِفَانِ دِينَنَا الذِي نَحْنُ عَلَيْهِ)). [انظر:
٦٠٦٧ - فتح ٤٨٥/١٠]
ذكر فيه حديث عائشة رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رسول الله وَهِ: (مَا
أَظُنُّ أن فُلَانًا وَفُلَانًا يَعْرِفَانٍ مِنْ دِينِنَا شَيْئًا)) .
قَالَ اللَّيْثُ -يعني أحد رواته -: كَانَا رَجُلَيْنِ مِنَ المُنَافِقِينَ.
حَدَّثَنَا يحيى بْنُ بُكَيْرِ، ثَنَا اللَّيْثُ بهذا. وَقَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ◌َل
يَوْمًا وَقَالَ: ((يَا عَائِشَةُ، مَا أَظُنُّ فُلَانًا وَفُلَانًا يَعْرِفَانِ دِينَنَا الذِي نَحْنُ عَلَيْهِ)).
الشرح:
سوء الظن جائز عند أهل العلم إن كان مظهرًا للقبيح، ومجانبًا لأهل
الصلاح، وغير مشاهد للصلوات في الجماعة.
وقد قال ابن عمر: كنا إذا فقدنا الرجل في صلاة العشاء والصبح
أسأنا به الظن(١).
والظن هنا بمعنى اليقين؛ لأنه كان يعرف المنافقين حقيقةً بإعلام الله
له بهم في سورة براءة.
(١) رواه ابن أبي شيبة ٢٩٢/١ (٣٣٥٣)، وابن خزيمة في (صحيحه)) ٣٧٠/٢-٣٧١
(١٤٨٥)، وابن حبان ٤٥٥/٥-٤٥٦ (٢٠٩٩)، والحاكم ٢١١/١ وقال: صحيح
على شرط الشيخين.

٤١٥
كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ
=
وقال ابن عباس: كنا نسمي سورة براءة الفاضحة، ما زالت تنزل
ومنهم ومنهم حتَّى خشينا(١)؛ لأن الله قد (حكى)(٢) فيها أقوال
المنافقين، وأذاهم رسول الله وَّ، ولمزهم في الصدقات وغيرها،
إلا أن الله لم يأمره بقتلهم، ونحن لا نعلم بالظن مثل ما علمه؛ لأجل
نزول الوحي عليه، فلم يجب لنا القطع على الظن، غير أنه من ظهر منه
فعل منكر وقد عرض نفسه لسوء الظن والتهمة في دينه، فلا حرج على من
أساء الظن به. ونقل ابن التين هذا عن بعضهم، قال: واستبعده
الداودي، فقال: تأويل الليث بعيد، وإنما يظن بهذا (إلا ببين)(٣)
النفاق، ولم يحققه، ولم يكن يعلم المنافقين كلهم. قال تعالى:
﴿لَا تَعْلَمُونَهُمَّ اللَّهُ يَعْلَمُهُمَّ﴾ [الأنفال: ٦٠].
(١) سلف برقم (٤٨٨٢) كتاب: التفسير، سورة الحشر.
(٢) في الأصل: حكم، والمثبت من ((شرح ابن بطال)) وهو الأنسب.
(٣) في (ص٢): السيء.

٤١٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
=
٦٠- باب سَتِرِ المُؤْمِنِ عَلَى نَفْسِهِ
٦٠٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَغدٍ، عَنِ ابن أَخِي
ابن شِهَابٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ سَالمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ يَقُولُ: ((كُلُّ أُمَّتِي مُعَافَّى إِلَّ المُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنَ المَجَانَةِ
أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا، ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللهُ، فَيَقُولَ: يَا فُلَانُ عَمِلْتُ
البَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللهِ عَنْهُ)). [مسلم:
٢٩٩٠ - فتح ٤٨٦/١٠]
٦٠٧٠- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزِ،
أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ ابن عُمَرَ: كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ بِّهِ يَقُولُ فِي النَّجْوىُ؟ قَالَ:
((يَدْنُو أَحَدُكُمْ مِنْ رَبِّهِ حَتَّى يَضَعَ كَنَفَهُ عَلَيْهِ فَيَقُولُ: عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا.
فَيَقُولُ: نَعَمْ. وَيَقُولُ: عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا. فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيُقَرِّرُهُ ثُمَّ يَقُولُ:
إِنِّي سَتَرْتُ عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، فَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ)). [انظر: ٢٤٤١- مسلم:
٢٧٦٨ - فتح ١٠/ ٤٨٦]
ذكر فيه حديث أبي هُرَيْرَةَ عُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ لَ يَقُولُ: «كُلُّ
أُمَّتِي مُعَافَّى إِلَّ المُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنَ المجاهرة أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْل
عَمَلًا، ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللهُ، فَيَقُولَ: يَا فُلَانُ عَمِلْتُ البَارِحَةَ كَذَا
وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللهِ عَنْهُ)) .
وحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رجلًا سأله: كَيْفَ سَمِعْتَ
رَسُولَ اللهِ وَّهَ يَقُولُ فِي النَّجْوَى؟ قَالَ: ((يَدْنُو أَحَدُكُمْ مِنْ رَبِّهِ حَتَّى
يَضَعَ كَنَفَهُ عَلَيْهِ فَيَقُولُ: عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا. فَيَقُولُ: نَعَمْ. وَيَقُولُ: عَمِلْتَ
كَذَا وَكَذَا. فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيُقَرِّرُهُ ثُمَّ يَقُولُ: إِنِّي سَتَرْتُ عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا،
وأنا أَغْفِرُهَا لَكَ اليَوْمَ)).

٤١٧
= كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ
الشرح :
(حديث أبي هريرة أخرجه مسلم آخر كتابه، وحديث ابن عمر سلف
في المظالم والتفسير، ويأتي في التوحيد(١)، وأخرجه مسلم في
التوبة)(٢).
والحديث الأول دال على الستر وقبح الهتك. والثاني: من عظم
ما لهُذِه الأمة من الرجاء. وروي عن ابن مسعود أنه قال: ما ستر الله
على عبد في الدنيا إلا ستر عليه في الآخرة(٣)، وهو مأخوذ من حديث
النجوى. وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً
وَبَطِنَةٌ﴾ [لقمان: ٢٠] قال: أما الظاهرة: فالإسلام، وما حسن من
خلقك، وأفضل عليك من الرزق. وأما الباطنة: فما ستر عليك من
الذنوب والعيوب (٤).
وفي ستر المؤمن على نفسه منافع، منها : أنه إذا اختفى بالذنب عن
العباد لم يستخفوا به ولا يستذلوه؛ لأن المعاصي تذل أهلها، ومنها: أنه
إن كان ذنبًا يوجب الحد سقطت عنه المطالبة في الدنيا، أي: بالنسبة إلى
الباطن، أما إذا ثبت عليه فإنه يحد وإن قال: تبت. وفي المجاهرة
بالمعاصي الاستخفاف بحق الله وحق رسوله، وضرب من العناد
لهما؛ فلذلك قال اللّ: ((كل أمتي معافى إلا المجاهرين)).
(١) سلف في التفسير برقم (٤٦٨٥) باب: قوله ﴿وَيَقُولُ اُلْأَشْهَدُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُواْ
عَلَى رَبِّهِمْ﴾، وسيأتي في التوحيد برقم (٧٥١٤) باب: كلام الرب و يوم القيامة.
(٢) من (ص٢).
(٣) رواه عبد الرزاق في ((جامع معمر)) ١٩٩/١١ (٢٠٣١٨) ومن طريقه الطبراني
١٥٩/٩-١٦٠ (٨٧٩٩)، والبيهقي في ((الشعب)) ٤٨٩/٦-٤٩٠ (٩٠١٢).
(٤) رواه البيهقي في ((الشعب)) ٤/ ١٢٠ (٤٥٠٤، ٤٥٠٥) من حديث ابن عباس مرفوعًا
بنحوه.

٤١٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =-=
فصل :
قوله: ( ((إِلَّا المُجَاهِرِينَ)) ) ذكره ابن التين بلفظ: ((المجاهرون)) ثم
قال: كذا وقع، وصوابه عند البصريين: ((الْمُجَاهِرِينَ)) وأجاز الكوفيون
الرفع في الاستثناء المنقطع في قوله: ﴿فَسَجَدُوّا إِلَّ إِبْلِيسَ﴾ [الكهف: ٥٠]
ولم يجزه البصريون.
فصل :
الكنف -بالنون- الستر. ومعنى الدنو من الرب: القرب منه. قال
ابن فورك: معناه: يقرب من رحمته وكرمه ولطفه؛ لاستحالة حمله
على قرب المسافة والنهاية، إذ لا يجوز ذَلِكَ على الله؛ لأنه لا يحويه
مكان، ولا يحيط به موضع، ولا تقع عليه الحدود. والعرب تقول: فلان
قريب من فلان. يريدون به قرب المنزلة، وعلو الدرجة عنده(١).
وقوله: ( ((فيضع كنفه عليه))) يبين ما أشرنا إليه في معنى الدنو، وذلك
أن لفظ الكنف إنما يستعمل في مثل هذا المعنى، ألا ترى أنه يقال: أنا في
كنف فلان. إذا أراد أن يعرف إسباغ فضله عليه وتوقيره عنده، فعبر التقنية
بالكنف عن ترك إظهار جرمه للملائكة وغيرهم بإدامة الستر الذي مَنَّ به
على العبد في الدنيا، وجعله سببًا لمغفرته له في الآخرة، ودليلًا
للمذنب على عفوه، ودليلًا له على نعمة الخلاص من فضيحة الدنيا
(١) ((مشكل الحديث وبيانه)) ص١٦٤. والصواب في ذلك إثبات صفات الله ربك كما
جاءت في كتاب الله، وسنة رسوله ول# بلا تأويل ولا تشبيه، يقول أبو القاسم
إسماعيل بن محمد الأصبهاني: ومن مذهب أهل السنة والجماعة: أن كل ما سمعه
المرء من الآثار مما لم يبلغه عقله ... فعليه التسليم والتصديق والرضا، لا يتصرف
في شيءٍ منها برأيه وهواه، من فسَّر من ذلك شيئًا برأيه وهواه فقد أخطأ وضلَّ.
((الحجة في بيان المحجة)) ٤٣٥/٢.

٤١٩
= كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ
وعقوبة الآخرة، التي هي أشد من الدنيا؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ
أَشَدُّ وَبْقَ﴾ [طه: ٢٧] فيشكر ربه ويذِكر، وهذا الحديث كقوله: ((إن
رحمتي سبقت غضبي))(١)؛ لأن تأخير غضبه عنه عند مجاهرته ربه
(بالمعصية)(٢)، وهو يعلم أنه لا تخفى عليه خافية، مما يعلم بصحيح
النظر أنه لم يؤخر عقوبته عنه لعجز عن إنفاذها عليه، إلا لرحمته التي
حكم لها بالسبق لغضبه، إذ ليس من صفة رحمته التي وسعت كل شيء
أن تسبق في الدنيا بالستر من الفضيحة، ويسبقها الغضب من ذَلِكَ
الذنب في الآخرة، فإذا لم يكن بد من تغليب الرحمة على الغضب،
(فليسر) (٣) المذنبون المستترون بسعة رحمته، وليحذر المجاهرون
بالمعاصي وعيد الله النافذ على من شاء من عباده.
وفي قوله: ((سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم)) نص منه
على صحة قول أهل السنة في ترك إنفاذ الوعيد على العصاة من
المؤمنين. والحجة فيه من طريق النظر أنه ليس مذمومًا من وجب له
حق على غيره فوهبه له، والمرء قد يقول لعبده: إن صنعت كذا
عاقبتك بكذا، على معنى: إنك إن أتيت هذا الفعل كنت مستحقًّا
عليه هُذِه المعاقبة، فإذا جناها فالسيد مخير بين الإمضاء والترك، وإذا
قال: إن فعلت كذا وكذا فلك عليَّ كذا وكذا. ففعل ما كلفه، لم يجز
أن يخلفه بما وعده؛ لأن في تمام الوعد حقًّا للعبد، وليس لأحد أن
يدع حق غيره، كما له أن يدع حق نفسه، والعرب تفتخر بخلف
الوعيد، ولو كان مذمومًا لما جاز أن يفتخر بخلفه ويمتدح به.
(١) سيأتي برقم (٧٤٢٢) كتاب: التوحيد، باب: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ, عَلَى الْمَآءِ﴾.
(٢) من (ص٢).
(٣) في الأصل: فليستر. ولعل الصواب ما أثبتناه.

٤٢٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
أنشد أبو عمرو الشيباني :
وإني إن أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
فإن أخذ الله المنفذين للوعيد بحكمهم أنفذه عليهم دون غيرهم؛
لقطعهم على الله الواسع الرحمة بإنفاذه الوعيد؛ لظنهم بالله ظن السوء
فعليهم دائرة السوء، وكان لهم عند ظنهم كما وعد، فقال: ((أنا عند
ظن عبد بي، فليظن بي (ما شاء)(١))(٢).
فصل :
قوله: ( ((وإن من المجاهرة))). كذا في الأصول، وذكره ابن التين
بلفظ: ((إن من المجانة))(٣). ثم قال: والمجانة: أن لا يبالي المرء بما
صنع، وهي مصدر مجن يمجن مجونا ومجانة، بفتح الميم. (وفي
مسلم: ((إن من الإجهار)) ) (٤).
وقوله: ((الْبَارِحَة))) هي أقرب ليلة مضت، تقول: لقيته البارحة،
والبارحة الأولى، وهو من برح، أي: زال.
(١) في الأصل: (خيرًا)، والمثبت من (ص٢) ومصادر التخريج.
(٢) رواه أحمد ٤٩١/٣، والدارمي ٣/ ١٧٩٦ (٢٧٧٣)، وابن حبان ٤٠١/٢ (٦٣٣)
من حديث واثلة بن الأسقع.
(٣) في ((اليونينية)) ((المجانة))، وبهامشها: ((المجاهرة)) وعزيت إلى رواية أبي ذر عن
الكشميهني. وقال الحافظ في ((الفتح)) ١٠ / ٤٨٧: ((المجاهرة)) كذا لابن السكن
والكشميهني، وعليه (شرح ابن بطال))، وللباقين: ((المجانة)) بدل ((المجاهرة)).
ووقع في رواية يعقوب بن إبراهيم بن سعد: (وإن من الإجهار)). كذا عند مسلم،
وفي رواية له: ((الجهار)) وفي رواية الإسماعيلي: ((الاهجار)) وفي رواية لأبي نعيم
في ((المستخرج)) ((وأن من الهجار)) فتحصلنا على أربعة.
(٤) من (ص٢).