النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ كِتَابُ البِرِّ والصِّلَّةِ = ٣٧- باب قَوْلِ اللّهِ رَّ: ﴿مَّن يَشْفَعْ شَفَعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا ﴾ إلى آخر الآية [النساء: ٨٥] كِفْلٌ﴾ [النساء: ٨٥]: نَصِيبٌ. قَالَ أبو موسى: ﴿كِفْلَيْنِ﴾ [الحديد: ٢٨]: أَجْرَيْنِ بِالْحَبَشِيَّةِ. ٦٠٢٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ، عَنْ أَبِي بُزْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ وََّ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَتَاهُ السَّائِلُ أَوْ صَاحِبُ الَحَاجَةِ قَالَ: ((اشْفَعُوا فَلْتُؤْجَرُوا، وَلْيَقْضِ اللهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ مَا شَاءَ)). [انظر: ١٤٣٢ - مسلم: ٢٦٢٧ - فتح: ١٠/ ٤٥١] ذكر فيه حديث أبي موسى السالف في الباب قبله. معنى قوله (بالحبشية) يعني: أن لغتهم في ذلك وافقت لغة العرب. وقوله: (﴿كِفْلٌ﴾: نَصِيبٌ)، هو ما حكاه أهل اللغة، واشتقاقه من (الكساء)(١) الذي يحويه راكب البعير على سنامه إذا ارتدفه لئلا يسقط. فتأويله: يؤتكم نصيبين تحفظا بكم من هلكة المعاصي كما يحفظ الكفل الراكب. وقال ابن فارس: الكفل: الضعف(٢)، وقاله في ((الصحاح)) وزاد: ويقال: إنه النصيب(٣). وفيه: الحض على الشفاعة للمؤمنين في حوائجهم، وأن الشافع مأجور وإن لم يشفع في حاجته. (١) في (ص٢): الكفاء. (٢) ((مجمل اللغة)) ٧٨٧/٢، مادة (كفل). (٣) ((الصحاح)) ١٨١٠/٥، مادة (كفل). ٣٤٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وقال أهل التأويل في قوله: ﴿مَّن يَشْفَعْ شَفَعَةً حَسَنَةً﴾ يعني: في الدنيا يكن له نصيب منها في الآخرة. وقال مجاهد وغيره: نزلت هذه الآية في شفاعة الناس بعضهم لبعض (١)، وقد قيل في الآية: إن الشفاعة الحسنة الدعاء للمؤمنين، والسيئة الدعاء عليهم، وكانت اليهود تدعو عليهم. وقيل: هو في قول اليهود: السام عليكم. وقيل: المعنى: من يكن شفيعًا لصاحبه في الجهاد يكن له نصيب من الأجر، ومن يكن شفيعًا لآخر في باطل يكن له نصيب من الوزر. والكفل: الوزر والإثم، عن الحسن وقتادة. والقول الأول أشبه بالحديث وأولاها بتأويل الآية كما نبه عليه ابن بطال(٢). (فائدة غريبة : روى الحافظ المنذري في جزء ((غفران الذنوب ما تقدم منها وما تأخر)) حديث ابن عباس رفعه: ((من سعى لأخيه المسلم في حاجة قضيت له أو لم تقض غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وكتبت له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق)) ثم قال: غريب، ورجال إسناده معروفون سوى أحمد بن بكار)(٣). (١) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٤/ ١٨٨ (١٠٠٢١). (٢) ((شرح ابن بطال)) ٢٢٨/٩. (٣) من (ص٢). ٣٤٣ = كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ ٣٨- باب لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ وَلَ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًّا ٦٠٢٩ - حَدَّثَنَا حَقْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ، سَمِعْتُ أَبَا وَائِلِ، سَمِعْتُ مَسْرُوقًا قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو. حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَغْمَشِ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ مَشْرُوقٍ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو حِينَ قَدِمَ مَعَ مُعَاوِيَةَ إِلَى الكُوفَةِ، فَذَكَرَ رَسُولَ اللهِ وَ فَقَالَ: لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشَا. وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهَ: ((إِنَّ مِنْ أَخْيَرِكُمْ أَحْسَنَكُمْ خُلُقًا)). [انظر: ٣٥٥٩- مسلم: ٢٣٢١ - فتح: ١٠ / ٤٥٢] ٦٠٣٠- حَدَّثَنَا يُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ يَهُودَ أَتَوْا النَّبِيَّ ◌َ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: عَلَيْكُمْ، وَلَعَنَكُمُ اللهُ، وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْكُمْ. قَالَ: ((مَهْلَا يَا عَائِشَةُ، عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ، وَإِيَّاكِ وَالْعُنْفَ وَالْفُحْشَ)). قَالَتْ: أَوَمْ تَسْمَغْ مَا قَالُوا؟ قَالَ: ((أَوَلَمْ تَسْمَعِي مَا قُلْتُ؟ رَدَدْتُ عَلَيْهِمْ، فَيُسْتَجَابُ لِي فِيهِمْ، وَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِيَّ)). [انظر: ٢٩٣٥ - مسلم: ٢١٦٥ - فتح: ١٠/ ٤٥٢] ٦٠٣١- حَدَّثَنَا أَصْبَغُ قَالَ: أَخْبَرَبِي ابن وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو نَخْيَى - هُو فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ - عَنْ هِلَالِ بْنِ أُسَامَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ ﴾ِهِ قَالَ: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ◌َِّ سَبَّابًا وَلَا فَخَاشًا وَلَا لَغَانًا، كَانَ يَقُولُ لِأَحَدِنَا عِنْدَ المغْتَبَةِ ((مَا لَهُ تَرِبَ جَبِينُهُ)). [٦٠٤٦ - فتح: ١٠/ ٤٥٢] ٦٠٣٢ - حَدَّثَنَا عمرو بن عِيسَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَوَاءِ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ القَاسِمِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَجُلًا أَسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ ◌َِّ، فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: ((بِتْسَ أَخُو العَشِيرَةِ، وَبِثْسَ ابن العَشِيرَةِ)). فَلَمَّا جَلَسَ تَطَلَّقَ النَّبِيُّ فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَطَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا أَنْطَلَقَ الرَّجُلُ قَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللهِ، حِينَ رَأَيْتَ الرَّجُلَ قُلْتَ لَهُ كَذَا وَكَذَا، ثُمَّ تَطَلَّقْتَ فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَطْتَ إِلَيْهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ مَّ: (يَا عَائِشَةُ، مَتَى عَهِدْتِي فَخَّاشًا؟ إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ القِيَامَةِ مَنْ ٣٤٤ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح تَرَكَهُ النَّاسُ أَتَّقَاءَ شَرِّهٍ)). [٦٠٥٤، ٦١٣١ - مسلم: ٢٥٩١ - فتح ١٠ / ٤٥٢] ذکر فيه أحاديث: أحدها : حديث: عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، ذَكَرَ رَسُولَ اللهِ وَلِفَقَالَ: لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا. وَقَالَ: ((إِنَّ مِنْ أَخْيَرِكُمْ أَحْسَنَكُمْ خُلُقًا)). ثانیھا : حديث عائشة رضي الله عنها في السام. وقد سلف قريبًا بزيادة بعد: ((مَهْلًا يَا عَائِشَةُ، عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ، وَإِيَّاكِ وَالْعُنْفَ وَالْفُحْشَ .. )) إلى آخره: ((فَيُسْتَجَابُ لِي فِيهِمْ، وَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِيَّ)». ثالثها : حديث أَنَسِ بَّ قَالَ: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ وَ سَبَّابًا وَلَا فَخَاشًا وَلَا لَغَّانًا، كَانَ يَقُولُ لِأَحَدِنَا عِنْدَ المَعْتَبَةِ «مَا لَهُ تَرِبَ جَبِينُهُ)) . رابعها : حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها: ((بِتْسَ أَخُو العَشِيرَةِ)). فَلَمَّا جَلَسَ تَطَلَّقَ له .. الحديث. وفي آخره: ((يَا عَائِشَةُ، مَتَى عَهِدْتِي فَخَّاشًا؟ إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ القِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتَّقَاءَ شَرِّهِ)). وهذا الرجل هو مخرمة بن نوفل بن أهيب أخي وهب والد أمية (بنت)(١) وهب ابني عبد مناف أخي الحارث ابني زهرة بن كلاب والد المسور بن مخرمة، كان من المؤلفة. (١) من (ص٢). ٣٤٥ = كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ وشيخ البخاري فيه عمرو بن عيسى، وهو أبو عثمان الضبيعي البصري، من أفراده. الشرح : الفاحش ذو الفحش في كلامه وأفعاله، والمتفحش: الذي يتكلف ذلك ويتعمده. وقال الداودي: الفاحش: الذي من أخلاقه القول الفحش، وهو ما لا ينبغي من الكلام، والمتفحش هو الذي يستعمل الفحش فيضحك الناس، وهو نحوه، وقال جماعة من أهل اللغة: كل شيء جاوز حده، وأفحش في المنطق، أي: قال الفحش فهو فحاش ويفحش في كلامه، والعنف: ضد الرفق. وقوله: ( ((وَالْفُحْشَ)) ) لم يكن منها إلا الدعاء عليهم بما هم أهل لعنة وغضب الله وهم بدءوا بالسيئ فجازتهم. وَالْفُحْش: مجاوزة القصد. ومنه قول الفقهاء: إذا فحش الدم على الثوب لم یعف عنه. وعبارة الطبري: الفاحش: البذيء اللسان. وأصل الفحش عند العرب في كل شيء: خروج الشيء عن مقداره وحده حتى يستقبح، ولذلك يقال للرجل المفرط الطول الخارج عن حدِّ البائن المستحسن: فاحش الطول، يراد به قبيح الطول، غير أن أكثر ما استعمل ذلك في الإنسان - إذا وصف به غير موصول بشيء- في المنطق، فإذا قيل: فلان فاحش، ولم يوصل بشيء فالأغلب أن معناه أنه فاحش منطقه بذيء لسانه، ولذلك قيل للزنا: فاحشة؛ لقبحه وخروجه عما أباحه الله لخلقه. وقد قيل في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةٌ﴾ [الأعراف: ٢٨] معناه: والذين إذا زنوا . ٣٤٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = قال ابن بطال: والفحش والبذاء مذموم كله، وليس من أخلاق المؤمنين، وقد روى مالك، عن يحيى بن سعيد: أن عيسى العَيْئًا لقي خنزيرًا في طريق، فقال له: أنفذ بسلام، فقيل له: تقول هذا للخنزير؟ فقال عيسى ابن مريم: إني أخاف أن أعوّد لساني المنطق السوء(١). فينبغي لمن ألهمه الله رشده أن يجتنبه ويعوّد لسانه طيب القول، ويقتدي في ذلك بالأنبياء، فهم الأسوة الحسنة. فصل : في حديث عائشة رضي الله عنها: أنه لا غيبة الفاسق معلن بفسقه وإن ذكر بقبيح أفعاله. وفيه: جواز مصانعة الفاسق وإلانة القول له لمنفعة ترجى معه. فصل : قد أسلفنا أن هذا الرجل هو مخرمة بن نوفل، قد وجد ذلك بخط الدمياطي. وقال الداودي: يحتمل أن يريد بذلك عيينة بن حصن، لأنه الذي أستأذن. وصرح به ابن بطال أنه عيينة الفزاري قال: وكان سيد قومه، وكان يقال له الأحمق المطاع، فرجا العَيْئ بإقباله عليه أن يسلم قومه، كما رجا حين أقبل على المشرك وترك حديثه مع ابن أم مكتوم الأعمى فأنزل الله: ﴿عَبَسَ وَتَوٌَّ ﴿ أَن ◌ََّهُ الْأَعْمَى ﴾﴾ [عبس: ١-٢] وإنما أقبل اللّه عليه بحديثه رجاء أن تسلم قبيلته بإسلامه(٢). وستكون لنا عودة إليه في باب: المداراة والفرق بين المداراة والمداهنة إن شاء الله تعالى. (١) ((الموطأ)) ص ٦٠٩. (٢) ((شرح ابن بطال)) ٢٣٠/٩. ٣٤٧ كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ = فصل : في الحديث: أن من دعى على رجل بالهلاك لم يلحق بما فيه حد وتعزير؛ لأن دعاءه غير مقبول؛ لأنه دعاء ظالم، فلم يجد الدعاء منه محلًّا، كما يجد الشتم عرض المشتوم إذا أضاف الأمر القبيح إليه. وقد استعدى بنو عجلان عمر على النجاشي الشاعر حين هجاهم، فقال لهم: أنشدوني ما قال فيكم؟ فأنشدوه قوله : فَعَادیُ بَنِي العَجْلَانِ رَهْطَ ابن مقبل إِذَا اللهُ عَادِى أهْلَ لُؤْمٍ ورقة فقال عمر: إن كان ظالمًا فلا يستجاب له، وإن كان [مظلومًا](١) فسوف يستجاب (٢) له، وهذا على معنى قوله وَله: ((يستجاب لي فيهم ولا يستجاب لهم في)) (٣). فصل : والمعتبة - كما قال الخطابي- مصدر عَتَبْت عليه أعتِب عَتْبًا(٤). وقال الجوهري: وعتب عليه: وجد، يَعتُبُ ويَعتِبُ عتبًا ومعتبًا، قال: والتَّعَتُّب مثله، والاسم المعتبة والمعتَبة. قال الخليل: العتاب: مخاطبة الإدلال ومذاكرة الوجدة، تقول: عاتبته معاتبة. قال الشاعر : وَيَبقى الوُدُّ ما بَقِيَ العتاب(٥) (١) زيادة يقتضيها السياق. (٢) في (ص٢): فسوق فيستجاب. (٣) أنظر: ((أعلام الحديث)) ٢١٧٧/٣-٢١٧٨، وما بين المعقوفين منه. وأثر عمر ذكره أيضًا ثعلب في ((مجالسه)) ٢/ ٣٦٣ بنحوه. (٤) ((أعلام الحديث)) ٢١٨٥/٣. (٥) ((الصحاح)) ١٧٥/١-١٧٦، وانظر ((العين)) ٧٦/٢. ٣٤٨ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح فصل : وقوله: (ترب جبينه). قال الخطابي: الدعاء بهذا يحتمل وجهين: أحدهما: أن يخرَّ لوجهه فيصيب التراب جبينه. والثاني: أن يكون دعاءً له بالطاعة ليُصلي فيترب جبينه، والأول أشبه؛ لأن الجبين نفسه لا يُصلى عليه. قال أبو العباس: الجبينان: يكتنفان الجبهة من جنبيها، ومنه ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣](١). ويحتمل ما أبداه الداودي، وهو أن هذِه كلمة تقولها العرب جرت على ألسنتهم، وهي من التراب، أي: سقط جبينه للأرض، وربما قالوا: رغم أنفه. وهو متقارب وهو الاحتمال الأول. فصل : قوله: ( ((بِتْسَ أَخُو العَشِيرَةِ)) أو ((بِتْسَ ابن العَشِيرَةِ))). كذا هنا وفي رواية مالك الجزم بالثاني(٢). وفيه: أن من أظهر الجفاء وما لا يجب يجوز أن يقال ذلك في غيبته، ولا تكون غيبة إذا جاهر بذلك. قال الخطابي: وهذا ما يجب عليه بيانه وتعريفه للناس بذلك نصيحة وشفقة عليهم، ولكن لما أعطيه من حسن الخلق أظهر له البشاشة ولم يواجهه بمكروه لتقتدي به أمته في المداراة ليسلموا من الشر والغائلة(٣). (١) ((أعلام الحديث)) ٣/ ٢١٨٤. (٢) ((الموطأ)) ص ٥٦٣. (٣) ((أعلام الحديث)) ٣/ ٢١٨٠. ٣٤٩ = ڪِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ ومعنى تطلق في وجهه: أَنشرح. قال الجوهري: ما تَطلقُ نفسي لهذا الأمر: ما تنشرح(١)، وهو معنى وجده طلق الوجه، أي: طليقه مسترسل منبسط غير عبوس. (١) ((الصحاح)) ١٥١٩/٤. ٣٥٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ٣٩- باب حُسْنِ الخُلُقِ وَالسَّخَاءِ، وَمَا يُكْرَهُ مِنَ البُخْلِ وَقَالَ ابْنِ عَبَّاسِ كَانَ النَّبِيُّ وَّرَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَأَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ. وَقَالَ أَبُو ذَرِّ لَمَّا بَلَغَهُ مَبْعَثُ النَّبِيِّ وَّهِ، قَالَ لأَخِيهِ: أَرْكَبْ إِلَى هذا الوَادِي، فَاسْمَعْ مِنْ قَوْلِهِ. فَرَجَعَ فَقَالَ: رَأَيْتُهُ يَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الأَخْلَاقِ. [انظر: ٣٥٢٢] ٦٠٣٣ - حَدَّثَنَا عمرو بن عَوْنٍ، حَدَّثَنَا حَمَّدٌ -هُو ابن زَيْدِ- عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّ أَحْسَنَ النَّاسِ، وَأَجْوَدَ النَّاسِ، وَأَشْجَعَ النَّاسِ، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ المَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَانْطَلَقَ النَّاسُ قِبَلَ الصَّوْتِ، فَاسْتَقْبَلَهُمُ النَّبِيُّ ◌َلِِّ قَدْ سَبَقَ النَّاسَ إِلَى الصَّوْتِ وَهُو يَقُولُ: ((لَنْ تُرَاعُوا، لَنْ تُرَاعُوا)). وَهو على فَرَسِ لأَبِي طَلْحَةَ عُزيٍ مَا عَلَيْهِ سَرْجٌ، فِي عُنُقِهِ سَيْفٌ، فَقَالَ: (لَقَدْ وَجَدْتُهُ بَحْرًا)). أَوْ: ((إِنَّهُ لَبَحْرٌ)). [انظر: ٢٦٢٧ - مسلم: ٢٣٠٧ - فتح ١٠/ ٤٥٥] ٦٠٣٤- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابن المُنْكَدِرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا عَّهُ يَقُولُ: مَا سُئِلَ النَّبِيُّ وَّهَ عَنْ شَيْءٍ قَطَّ فَقَالَ: لَا. [مسلم: ٢٣١١ - فتح ١٠/ ٤٥٥] ٦٠٣٥- حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَقْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَغْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي شَقِيقٌ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو يُحَدِّثْنَا، إِذْ قَالَ: لمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ وَّهِ فَاحِشَا وَلَا مُتَفَحِّشًا، وَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ: ((إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا)). [انظر: ٣٥٥٩- مسلم: ٢٣٢١ - فتح ١٠ / ٤٥٦] ٦٠٣٦- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَزْيَمَ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: جَاءَتِ أَمْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ نََّ بِبُرْدَةٍ -فَقَالَ سَهْلٌ لِلْقَوْمِ: أَتَّدْرُونَ مَا البُرْدَةُ؟ فَقَالَ القَوْمُ: هِيَ شَمْلَةٌ. فَقَالَ سَهْلٌ: هِيَ شَمْلَةٌ مَنْسُوجَةٌ فِيهَا حَاشِيَتُهَا - ٣٥١ كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَكْسُوكَ هذِهِ. فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ وَِّ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، فَلَبِسَهَا، فَرَآهَا عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا أَحْسَنَ هذِه! فَاكْسُنِيهَا. فَقَالَ: (نَعَمْ)). فَلَمَّا قَامَ النَّبِيُّ وَّ لَامَهُ أَصْحَابُهُ قَالُوا: مَا أَحْسَنْتَ حِينَ رَأَيْتَ النَّبِيَّ صَلَى الَّ وسـ أَخَذَهَا مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، ثُمَّ سَأَلْتَهُ إِيَّاهَا، وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّهُ لَا يُسْأَلُ شَيْئًا فَيَمْنَعَهُ. فَقَالَ: رَجَوْتُ بَرَكَتَهَا حِينَ لَبِسَهَا النَّبِيُّ وَجِهِ لَعَلِّي أُكَفَّنُ فِيهَا. [انظر: ١٢٧٧ - فتح ١٠/ ٤٥٦] ٦٠٣٧ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ بَ له: « يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ وَيَنْقُصُ العَمَلُ، وَيُلْقَى الشُّحُّ وَيَكْثُرُ الهَرْجُ)). قَالُوا: وَمَا الهَرْجُ؟ قَالَ: ((الْقَتْلُ القَتْلُ)). [انظر: ٨٥- مسلم: ١٥٧ - فتح ١٠/ ٤٥٦] ٦٠٣٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، سَمِعَ سَلَّامَ بْنَ مِسْكِينٍ قَالَ: سَمِعْتُ ثَابِتًا يَقُولُ: حَدَّثَنَا أَنَسْ عَ﴾ قَالَ: خَدَمْتُ النَّبِيَّ ◌َ عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا قَالَ لِي: أُفٍّ. وَلَا: لَمَ صَنَعْتَ؟ وَلَا: أَلَّا صَنَعْتَ؟. [انظر: ٢٧٦٨ - مسلم: ٢٣٠٩ - فتح ١٠/ ٤٥٦] (السَّخَاءِ) ممدود: الجود، واختلف السلف فيه هل هو مكتسب أم لا؟ فقال ابن مسعود وغيره: هو غير مكتسب ولا يحمد عليها. وقال آخرون: هو مكتسب ولولا ذلك ما أمر الشرع به. ثم قال: وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: كَانَ رسول الله وَلّهِ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَأَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ. وهذا سلف متصلًا، ثم قال: وقَالَ أَبُو ذَرِّ لَمَّا بَلَغَهُ مَبْعَثُ النَّبِّ وَِّ لأَخِيهِ: أَرْكَبْ إِلَى هذا الوَادِي فَاسْمَعْ مِنْ قَوْلِهِ، فَرَجَعَ فَقَالَ: رَأَيْتُهُ يَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الأَخْلَاقِ، وهذا سلف أيضًا. ثم ساق ستة أحاديث مسندة : أحدها : حديث أَنَسِ ﴿ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَّهِ أَحْسَنَ النَّاسِ، وَأَجْوَدَ النَّاسِ، وَأَشْجَعَ النَّاسِ، الحديث وقد سلف. ٣٥٢ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح ومعنى: ((لم تُرَاعُوا)) لم تخافوا، من الروع، وأصله: لم تروعوا، تحركت الواو وقبلها حرف صحيح ساكن، فنقلت إليه الحركة وقلبت الواو ألفًا . وقوله: (على فرس عُري) هو بضم العين وإسكان الراء وتخفيف الياء على زنة فُعْل كذا في ((الصحاح)) وابن فارس(١). قال ابن التين: وقرأناه بكسر الراء وتخفيف الياء. وقوله: (ما عليه سرج) أتى به على طريق البيان؛ لأن قوله: (عُرْي) معناه: لا سرج علیه. وفيه: دلالة على طهارة عرق الفرس. وقوله: ( ((وجدناه بَحْرًا))). هو على الاتساع في الكلام، أي: واسع الجري. الحديث الثاني : حديث جابر: مَا سُئِلَ النَّبِيُّ وَّهِ عَنْ شَيْءٍ قَطْ فَقَالَ: لَا. الحديث الثالث : حديث عبد الله بن عمرو قَالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ نَّهِ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا، وَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ: ((إِنَّ خِيَارَكُمْ أحسنكم أَخْلَاقًا)). الحديث الرابع : حديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وفيه: وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّهُ لَا يُسْأَلُ شَيْئًا فَيَمْنَعَهُ. الحديث الخامس : حديث أبي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ النبيِ وَّهِ: ((يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ وَيَنْقُصُ العِلم، وَيُلْقَى الشُّخُ وَيَكْثُرُ الهَرْجُ)). وهو القتل. (١) ((الصحاح)) ٢٤٢٤/٦، ((مقاييس اللغة)) ص٧٣٨. ٣٥٣ = كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ الحديث السادس : حديث أنس : خَدَمْتُ النَّبِيَّ وَِّ عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا قَالَ لِي: أُفٍّ. وَلَا: لِمَ صَنَعْتَ؟ وَلَا: أَلَّا صَنَعْتَ؟. (وأخرجه مسلم في الفضائل)(١)، لا شك أن حسن الخلق من صفات النبيين والمرسلين وخيار المؤمنين، وكذلك السخاء من أشرف الصفات؛ لأن الله تعالى سمى نفسه الكريم الوهاب، وأما البخل فليس من صفات الأنبياء ولا الجلة الفضلاء، ألا ترى قوله الكليةلا يوم حنين: ((لو كان عندي عدد سَمُر تهامة نعمًا لقسمته بينكم ثم لا تجدوني بخيلا)»(٢) وقال ابن مسعود: أي داء أدوأ من البخل. وكان أبو حنيفة لا يجيز شهادة البخيل، فقيل له في ذلك، فقال: إنه نقص، ويحمله النقص على أن يأخذ فوق حقه. فصل : (الْبُرْدَةُ) قد فسرت في الأصل بأنها (الشملة منسوجة فيها حاشيتها). وقال الداودي: تكون من صوف وكتان وقطن وتكون صغيرة كالمئزر وكبيرة كالرداء، وقيل لها: الشملة؛ لأنها يشتمل بها . وقوله (منسوج فيها حاشيتها). يعني: أنها لم تقطع من بردة، ولكن فيها حاشيتها، وقال الجوهري: الشملة: (كل ما) (٣) يشتمل به (٤)، (١) من (ص٢). (٢) سلف برقم (٢٨٢١) كتاب: الجهاد، باب: الشجاعة في الحرب، من حديث جبير بن مطعم بنحوه، ورواه بلفظه الطبراني في ((الأوسط)) ٢٤٢/٢ (١٨٦٤) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. (٣) في (ص٢): كساء. (٤) ((الصحاح)) ١٧٣٩/٥. ٣٥٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == والحاشية واحدة حواشي الثوب، وهي جوانبه(١). وفي ((جامع القزاز)): حاشية الثوب: ناحيتاه، اللتان في طرفهما الهدب. فصل : قوله في حديث أبي هريرة : ((يتقارب الزمان)) قيل: أراد قرب الساعة، يقول: إذا كان آخر الزمان كان من علامة الساعة الهرج والشُّح، ونقص الآجال، وقيل: أراد قصر مدة الأزمنة ونقصها عما جرت به العادة وهو معنى الحديث الآخر: «تكون السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، واليوم كالساعة، والساعة كاحتراق السعفة))(٢). وقيل: أراد قِصَرُ الأعمار. وقيل: أراد تقارب أحوال الناس في الشر والفساد. وقيل: معناه: يستوي ليله ونهاره. وقال الداودي: يقال: عند قيام الساعة تقصر ساعات النهار ويقرب النهار من الليل. فصل : ( ((وينقص العلم))). أي: يقل، ويقل أهله، يريد عمل الطاعات. وقيل: ظهور الخيانة في الأمانات، والصناعات. وقوله: ( ((وَيَكْثُرُ الهَرْجُ)))، وهو القَتْلُ. قال الخطابي: هو بلسان الحبشة. وقال ابن فارس: إنه الفتنة والاختلاط، وقد هرج الناس یھرجون بالكسر هرجًا، وهكذا ذكره الهروي، وتأول الحدیث عليه. وذكر الجوهري الحديث، وأنه التَّه قال: ((هو القتل)) ولا يبعد أن (١) ((الصحاح)) ٦/ ٢٣١٣. (٢) رواه أحمد ٥٣٧/٢-٥٣٨ من حديث أبي هريرة، ورواه بنحوه الترمذي (٢٣٣٢) من حديث أنس. ٣٥٥ = كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ يسمى الشيء باسم ما يؤول إليه؛ لأن الفتنة والاختلاط يكون عنها الموت، وكلهم ضبطه بسكون الراء (١). وقوله: ( ((وَيُلْقَى الشُّخُ)) ) أي: البخل. فصل : (أفِّ): كلمة تقال عند تكرُّه الشيء، وفيها لغات عديدة ذكر الجوهري منها تثليث الفاء مع التنوين وعدمه(٢) . فصل : إن قلت: ما وجه قوله التَّه: ((خِيَارِكُمْ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا)) وهل الأخلاق مكتسبة فيتخير العبد منها أحسنها ويترك أقبحها؟ فإن كان كذلك فما وجه قوله الَّ: ((اللهم كما حسنت خَلقي فحسن خُلقي))(٣) ومثله ما سأل ربه من ذلك بتحسين خلقه وأنت عالم أنه لا يحسنه غير ربه، فإذا كان الخلق فعلًا له لم يكن أيضًا محسن غيره، وفي ذلك بطلان حمد العبد عليه إن كان حسنًا، وترك ذمه إن كان سيئًا، فإن قلت ذلك كذلك قيل له: فما وجه قوله اللّه: ((أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا))(٤) و((إن الرجل ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم))(٥) وقد علمنا أن العبد إنما يثاب على ما أكتسبه لا على ما خلق له من أعضاء جسده. قيل: قد اختلف السلف في ذلك، (١) ((أعلام الحديث)) ٢١٨٣/٣، ((مجمل اللغة)) ٩٠٤/٢، ((الصحاح)) ٣٥٠/١. (٢) ((الصحاح)) ١٣٣١/٤. (٣) رواه أحمد ٤٠٣/١، وابن حبان ٢٣٩/٣ (٩٥٩) من حديث ابن مسعود. (٤) رواه أبو داود (٤٦٨٢)، والترمذي (١١٦٢) من حديث أبي هريرة، وقال الترمذي: حسن صحيح. (٥) رواه أحمد ١٨٧/٦، وابن حبان ٢٢٨/٢-٢٢٩ (٤٨٠) من حديث عائشة. ٣٥٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - فقال بعضهم: الخلق حسنه وقبيحه جبلة في العبد كلونه وبعض أجزاء جسمه، وقد أسلفنا ذلك مختصرًا . ذكر من قال ذلك: روي عن ابن مسعود أنه ذكر عنده رجل فذكروا من خلقه، فقال: أرأيتم لو قطعتم رأسه أكنتم تستطيعون أن تخلقوا (١) رأسه؟ قالوا: لا. قال فلو قطعتم يده أكنتم تخلقون(٢) له يدًا؟ قالوا: لا. قال: فإنكم لن تستطيعوا أن تغيروا خلقه(٣). وقال ابن مسعود: فرغ من أربعة: الخَلق والخُلق والرزق والأجل(٤). وقال الحسن: من أعطي حسن الصورة وخُلقًا حسنًا وزوجة صالحة فقد أعطي خير الدنيا والآخرة. واعتلوا بما رواه الهمداني عن ابن مسعود، عن رسول الله وَّليل قال: ((إن الله تعالى قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم)» (٥) قالوا: فهذا الحديث يبين أن الأخلاق من إعطاء الله عباده، ألا ترى تفاوتهم فيه كتفاوتهم في الجبن والشجاعة، والبخل والجود، ولو كان الخلق أكتسابًا للعبد لم تختلف أحوال الناس فيه، ولكن ذلك غريزة. فإن قلت: فإن كان كذلك فما وجه ثواب الله على حسن الخلق إن كان غريزة؟ قيل: إنه لم يُئِبْ على خلقه ما خلق وإنما أثابه على استعماله (١) في الأصل: تجعلوا. (٢) في الأصل: تجعلون. (٣) رواه الطبراني ٩/ ١٧٨ (٨٨٨٤)، وقال الهيثمي في ((المجمع)) ١٩٦/٧: رجاله ثقات. (٤) رواه الطبراني ٩/ ١٩٣ (٨٩٥٣)، والدار قطني ٢٠٠/٤. (٥) رواه أحمد ١/ ٣٨٧، والحاكم ٤٤٧/٢ من طريق مرة الهمداني، عن ابن مسعود مرفوعًا، ورواه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٢٧٥) من طريق مرة أيضًا موقوفًا. وانظر ((السلسلة الصحيحة)) (٢٧١٤). ٣٥٧ = كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ ما خلق فيه من ذلك فيما أمر باستعماله فيه نظير الشجاعة المخلوقة فيه، وأمره باستعمالها عند لقاء عدوه، وأثابه على ذلك، وإن استعملها في غير لقاء عدوه عاقبه على ذلك، فالثواب والعقاب على الطاعة والمعصية لا على ما خلق الله في العبد. وقال آخرون: أخلاقه -حسنها وسيئها- مكتسبة فيحمد على الجميل منها، ويثاب على ما كان منها طاعة، ويعاقب على ما كان منها معصية. ولولا أنها للعبد كسب لبطل الأمر به والنهي عنه. قوله التعليم لمعاذ: ((اتق الله حيثما كنت وخالق الناس بخلق حسن)) (١) البيان عن صحة ما قلناه؛ لأن ذلك لو كان طبعًا في العبد هيأه الله عليه لاستحال الأمر به والنهي عن خلافه كاستحالة أمر (من)(٢) لا بصر له بأن یکون له بصر، ولذلك كان الحكماء یوصون بالحسن منه، وروى ابن عيينة عن عبد الملك بن عمير، عن قبيصة بن جابر قال: قال لي عمر بن الخطاب: يا قبيصة، أراك شابًا فصيح اللسان فسيح الصدر، وقد يكون في الرجل عشرة أخلاق، تسعة صالحة وخلق سيئ، فيفسد التسعة الصالحة الخلق السيئ، فاتق عثرات الشباب(٣). وقال الشعبي: قال صعصعة بن صوحان لابن أخيه زيد بن صوحان: خالص المؤمن وخالق الفاجر، فإن الفاجر يرضى منك بالخلق (٤) الحسن (٤). (١) رواه الترمذي (١٩٨٧)، وأحمد ١٥٣/٥ عن أبي ذر، ومعاذ. (٢) من (ص٢). (٣) رواه البيهقي ١٨١/٥. (٤) رواه إسحاق بن راهويه في ((مسنده)) ١٠١٧/٣. ٣٥٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ٤٠- باب كَيْفَ يَكُونُ الرَّجُلُ في أَهْلِهِ؟ ٦٠٣٩- حَدَّثَنَا حَقْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الَحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ: مَا كَانَ النَّبِيُّ ◌ٍَّ يَصْنَعُ فِي أَهْلِهِ؟ قَالَتْ: كَانَ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ. [انظر: ٦٧٦ - فتح ١٠ / ٤٦١] ذكر فيه حديث الأَسْوَدِ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ رضي الله عنها: مَا كَانَ النَّبِيُّ بَّهِ يَصْنَعُ فِي أَهْلِهِ؟ قَالَتْ: كَانَ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ. (هذا الحديث سلف في الصلاة)(١). المهنة -بكسر الميم وفتحها- قال شمر عن مشايخه: هي بنصب الميم، وكسرها خطأ، وكذا في ((الصحاح)) أنها بالفتح، وزاد: حكى أبو زيد والكسائي الكسر، وأنكره الأصمعي(٢). قال ابن التين: وبالكسر قرأناه، ولا شك أن أخلاق الأنبياء والمرسلين التواضع والتذلل في أفعالهم، والبعد عن الترفه والتنعم، فكانوا يمتهنون أنفسهم فيما تعين لهم؛ ليسنوا بذلك فُيُسلك سبيلهم وتُقْتَفَى (آثارهم)(٣). وقول عائشة رضي الله عنها: (كان في مهنة أهله)، يدل على دوام ذلك من فعله متى عرض له ما يحتاج إلى إصلاحه؛ لئلا يخلد إلى الدعة والرفاهية التي ذمها الله وأخبر أنها من صفات غير المؤمنين، فقال: ﴿وَذَرْنِ وَالْمُكَذِّبِينَ أُوْلِى النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١١]. (١) من (ص٢). (٢) ((الصحاح)) ٢٢٠٩/٦، مادة (مهن). (٣) من (ص٢). ٣٥٩ - كِتَابُ البِرِّ والصِّلَةِ روى سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها أنه سألها: ما كان عمل رسول الله وَّل في بيته؟ قالت: يخصف النعل ويرقع الثوب(١) . وفي حديث آخر: ((أما أنا فأتزر بالكساء وأجلس بالأرض وأحلب شاة أهلي)) وقال ابن مسعود: إن الأنبياء من قبلكم كانوا يلبسون الصوف، ويركبون الحمر، ويحلبون الغنم. وهُذِه كانت سيرة سلف هُذِه الأمة، ويأتي في باب التواضع من الرقاق جملة من سيرتهم في ذلك. (١) رواه أحمد ١٦٧/٦، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (٥٤٠). ٣٦٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == ٤١- باب المِقَةِ مِنَ اللهِ تَعَالَى ٦٠٤٠- حَدَّثَنَا عمرو بن عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابن جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َثَِّ قَالَ: ((إِذَا أَحَبَّ اللهُ عَبْدًا نَادِىُ جِبْرِيلَ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلَانًا، فَأَحِبَّهُ. فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلَانًا، فَأَحِبُّوهُ. فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ القَبُولُ فِي أَهْلِ الأَرْضِ)). [انظر: ٣٢٠٩ - مسلم: ٢٦٣٧ - فتح ١٠ / ٤٦١] ذكر فيه حديث مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ قَالَ: ((إِذَا أَحَبَّ اللهُ العبدَ نَادىُ جِبْرِيلَ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلَانًا، فَأَحِبَّهُ. فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلَانًا، فَأَحِبُّوهُ. فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ القَبُولُ فِي الأَرْضِ)). الشرح : (المقة) بكسر الميم وفتح القاف (المحبة)(١)، والهاء عوض من الواو مثل سَنة وسِنة، يقال: ومق یمق -بالكسر فيهما - أي: أحب، المراد: بوضع القبول المحبة في الناس، قيل: هو معنى قوله تعالى: وَسَيَجْعَلُ لَمُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦]، قال ابن عباس: يحبهم ويحببهم إلى الناس(٢)، وقال بعض أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَأَلْفَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةٌ مِّنِى﴾ [طه: ٣٩] أي: حببتك إلى عبادي، وروى مالك حديث أبي هريرة ، عن سهيل، عن أبيه، عنه، وقال فيه مالك: لا أحسبه إلا قال في البغض مثل ذلك(٣). (١) من (ص٢). (٢) رواه ابن أبي شيبة ١٥١/٧ (٣٤٧٧٦). (٣) ((الموطأ)) ص٥٩١ (١٥).