النص المفهرس

صفحات 521-540

٥٢١
كِتَابُ الطِّبّ
=
٤٥- باب لَ هَامَةَ
٥٧٥٧- حَدَّثَنَا نُحَمَّدُ بْنُ الَحَكَم، حَدَّثَنَا النَّصْرُ، أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، أَخْبَرَنَا
أَبُو حَصِينٍ، عَنْ أَبِ صَالِحِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ قَالَ: ((لَا عَدْوِىُ،
وَلَا طِيَرَةَ، وَلَا هَامَةَ، وَلَا صَفَرَ)). [انظر: ٥٧٠٧- مسلم: ٢٢٢٠ - فتح ٢١٥/١٠]
ذكر فيه حديث أبي حصين وهو بفتح الحاء عثمان بن عاصم، عن
أبي صالح وهو ذكوان، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ه عبد الرحمن أو عبد الله، عَنِ
النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: (لَا عَدْوىُ، وَلَا طِيَرَةَ، وَلَا هَامَةَ، وَلَا صَفَرَ)). (وهو من
أفراده)(١).
هذا الباب أسقطه ابن بطال وغيره من هنا، وكأنه لتقدمه، ثم ترجم
البخاري أيضًا بعد بأبواب بعد قوله: باب الدواء بالعجوة للسحر: باب
لا هامة.
ثم ساق الحديث السالف من طريق الزهري، عن أبي سلمة، عن
أبي هريرة عل مرفوعًا (٢) كما سلف.
ثم قال: وعن أبي سلمة سمع أبا هريرة بعد يقول: قال النبي ◌َّ:
((لا يوردن ممرض على مصح)). وأنكر أبو هريرة الحديث الأول. قلنا :
ألم تحدث أنه قال: ((لا عدوى، ولا طيرة))؟ فرطن بالحبشية. قال
أبو سلمة: فما رأيته نسي حديثا غيره(٣)
قلت: ولا أدري ما وجه تكرار الترجمة بعينها، وترجم عليه أيضًا :
باب لا عدوى، كما ستعلمه، وقد سلف تفسير الحديث في باب
لا صفر (٤).
(١) من (ص٢).
(٣) سيأتي برقم (٥٧٧١).
(٢) سيأتي برقم (٥٧٧٠).
(٤) سلف برقم (٥٧١٧).

٥٢٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وقد زعم بعض البدعبين أن قوله: ((لا عدوى)) يعارض قوله: ((لا يورد
ممرض على مصح)) كما يعارض ((فر من المجذوم)) وقد سلف في باب
الجذام وغيره وجه الجمع(١).
قال الطبري: وليس في قوله: ((لا عدوى)) خلاف لقوله: ((لا يورد
ممرض على مصح))، و(ذلك أن)(٢) قوله: ((لا عدوى)) إعلام منه أمته
أن لا يكون لذلك حقيقة، وقوله: ((لا يوردن)) نهي منه الممرض أن
يورد ماشيته المرضى على ماشية أخيه الصحيح لئلا يتوهم المصح إن
مرضت ماشيته الصحيحة أن مرضها حدث من أجل ورود المرضى
عليها فيكون داخلا بتوهمه ذلك في تصحيح ما قد أبطله الشارع من
أمر العدوى(٣)، والممرض: ذو الماشية المريضة، والمصح: ذو
الماشية الصحيحة، وقد تأوله يحيى بن يحيى الأندلسي تأويلا آخر،
قال: لا يحل من أصابه جذام محلة الأصحاء فيؤذيهم برائحته وإن
كان لا يعدو، والأنفس تكره ذلك، قال: وكذلك الرجل يكون به
المرض لا ينبغي له أن يحل محل الأصحاء إلا أن لا يجد عنها غنى
فيرد، وقد أسلفنا عنه الكلام في الماء.
وقوله: (فرطن بالحبشية). أي: رطن بها، والرطانة: التكلم
بالعجمية، (وقد تراطنا)(٤). وقوله: بالحبشية، بيان ما نطق به؛ لأن
(رطن): تكلم بالعجمية، ولعله أبان عن الأعجمية؛ لأنه يحتمل أن
يتكلم بالفارسية أو غيرها من الأعاجم. ورطن بفتح الطاء على وزن
ضرب .
(١) سلف برقم (٥٧٠٧).
(٢) في (ص٢): كذلك.
(٣) ((تهذيب الآثار)) مسند علي ابن أبي طالب ص ٣٤.
(٤) من (ص٢).

٥٢٣
= ڪِتَابُ الطِّبِّ
وقول أبي سلمة: فما رأيته نسي حديثا غيره. لعله كان سمع هذا
الحديث قبل أن يسمع من رسول الله وَ﴾ ((من بسط ردائه، ثم ضمه
إليه عند فراغي من مقالتي لم ينس شيئا سمعه من مقالتي))(١). وقيل:
يريد من ((مقالتي)) تلك: الذي قال اليوم. وقيل: يحتمل أن يكون
حديثه الآخر ناسخا للأول فسكت عن المنسوخ.
(١) سلف برقم (٢٠٤٧) كتاب: البيوع، باب: ما جاء في قول الله تعالى ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ
الصَّلَوَةُ فَأَنتَشِرُواْ فِى الْأَرْضِ وَابْنَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠].

٥٢٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٤٦- باب الكَهَائَةِ
٥٧٥٨- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ،
عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ نََّ قَضَى فِي آَمْرَأَتَيْنِ مِنْ
هُذَيْلِ أَقْتَتَلَتَا، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرِى بِحَجَرٍ، فَأَصَابَ بَطْنَهَا وَهْيَ حَامِلٌ، فَقَتَلَتْ
وَلَدَهَا الذِي فِي بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِيِّ ◌ََّ، فَقَضَى أَنَّ دِيَةَ مَا فِي بَطْنِهَا غُرَّةٌ
عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ، فَقَالَ وَلِيُّ المزْأَةِ التِي غَرِمَتْ: كَيْفَ أَغْرَمُ يَا رَسُولَ اللهِ مِنْ لَا شَرِبَ،
وَلَا أَكَلَ، وَلَ نَطَقَ، وَلَا أَسْتَهَلَّ؟ فَمِثْلُ ذَلِكَ بَطَلَ فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: «إِنِّمَا هذا مِنْ
إِخْوَانِ الكُمَّانِ)). [٥٧٥٩، ٥٧٦٠، ٦٧٤٠، ٦٩٠٤، ٦٩٠٩، ٦٩١٠ - مسلم: ١٦٨١ - فتح ١٠/
٢١٦]
٥٧٥٩- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةً، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
◌َّ أَنَّ أَمْرَأَتَيْنِ رَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرِى بِحَجَرٍ فَطَرَحَتْ جَنِينَهَا، فَقَضَى فِيهِ النَّبِيُّ
وَلِّ بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ وَلِيدَةٍ. [انظر: ٥٧٥٨ - مسلم: ١٦٨١ - فتح ٢١٦/١٠]
٥٧٦٠- وَعَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَضَى فِي
الجَنِينِ يُقْتَلُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ بِغُرَّةٍ عَبْدِ أَوْ وَلِيدَةٍ، فَقَالَ الذِي قُضِيَ عَلَيْهِ: كَيْفَ أَغْرَمُ
مَا لَا أَكَلَ، وَلَ شَرِبَ، وَلَا نَطَقَ، وَلَا أَسْتَهَلَّ؟ وَمِثْلُ ذَلِكَ بَطَلْ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ أَّ:
((إنّمَا هذا مِنْ إِخْوَانِ الكُهَّانِ)). [انظر: ٥٧٥٨- مسلم: ١٦٨١ - فتح ٢١٦/١٠]
٥٧٦١- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا ابن عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الَحَارِثِ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ◌ََّ عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ، وَمَهْرِ
البَغِيّ، وَحُلْوَانِ الكَاهِنِ. [انظر: ٢٢٣٧ - مسلم: ١٥٦٧ - فتح ٢١٦/١٠]
٥٧٦٢- حَدَّثَنَا عَلَّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ يَجْيَى بْنِ عُزْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ:
سَأَلَ رَسُولَ اللهِ وَِّ نَاسٌ عَنِ الكُهَّانِ، فَقَالَ: ((لَيْسَ بِشَيْءٍ)). فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ،
إِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَا أَحْيَانًا بِشَيْءٍ فَيَكُونُ حَقًّا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَّهِ: ((تِلْكَ الكَلِمَةُ مِنَ

٥٢٥
كِتَابُ الطَّبِّ
=
الحَقِّ ، يَخْطَفُهَا مِنَ الجِنِّيِّ، فَيَقُرُّهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ، فَيَخْلِطُونَ مَعَهَا مِائَةً كَذْبَةٍ)).
قَالَ عَلِيّ: قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: مُزْسَلٌ ((الْكَلِمَةُ مِنَ الحَقِّ). ثُمَّ بَلَغَنِي أَنَّهُ أَسْنَدَهُ بَعْدَهُ.
[انظر: ٣٢١٠ - مسلم: ٢٢٢٨ - فتح ٢١٦/١٠]
ذكر فيه ثلاثة أحاديث :
أحدها :
حديث أبي هريرة من طريقين أنه ◌ّ قضى في امرأتين من هذيل
اقتتلتا، وفي آخره: ((إنّمَا هذا مِنْ إِخْوَانِ الكُهَّانِ)). (وهو من أفراده
في الأول، والثاني يأتي في الديات، وأخرجه معه مسلم والنسائي
قريبًا في آخر الثاني عن ابن شهاب، عن ابن المسيب أنه وَّ قضى
في الجنين. وهذا مرسل، وأخرجه كذلك النسائي(١)، وأسنده
الإسماعيلي من طريق ابن المسيب وأبي سلمة، عن أبي هريرة وقال:
أسنده ابن أبي ذئب ويونس، وأرسله مالك وفليح)(٢).
ثانیھا :
حديث أبي مسعود عقبة بن عمرو قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ وَّهِ عَنْ ثَمَنِ
الكَلْبِ، وَمَهْرِ البَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الكَاهِنِ. وقد سلف (في البيوع
والإجارة والطلاق، وأخرجه مسلم والأربعة)(٣) (٤).
(١) سيأتي برقم (٦٩٠٤) باب: جنين المرأة، ورواه مسلم (١٦٨١) كتاب: القسامة
والمحاربين، باب: دية الجنين ... ، ورواه النسائي ٤٨/٨، ومرسلاً ٤٩/٨.
(٣) من (ص٢).
(٢) من (ص٢).
(٤) سلف في البيوع برقم (٢٢٣٧) باب: ثمن الكلب، وفي الإجارة برقم (٢٢٨٢)
باب: كسب البغي والإماء وفي الطلاق برقم (٥٣٤٦) باب: مهر البغي والنكاح
الفاسد، ورواه مسلم برقم (١٥٦٧) كتاب: المساقاة.
باب تحريم ثمن الكلب ... ، وأبو داود (١٢٧٦)، والترمذي (٣٤٢٨)، والنسائي
٣٠٩/٧، وابن ماجه (٢١٥٩).

٥٢٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
ثالثها :
حديث عائشة رضي الله عنها قالت: سَأَلَ رَسُولَ اللهِ وَّ نَاسٌ عَنِ
الكُهَّانِ، فَقَالَ: (لَيْسَ بِشَيْءٍ)) .. الحديث. وفي آخره: قَالَ عَلِيٍّ :
قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: مُرْسَلٌ ((الْكَلِمَةُ مِنَ الحَقِّ)). ثُمَّ بَلَغَنِي أَنَّهُ أَسْنَدَهُ بَعْد.
(ويأتي في الأدب والتوحيد، وأخرجه مسلم أيضًا)(١) (٢).
وفي هذِه الأحاديث ذم الكهان، وذم من تشبه بهم في ألفاظهم؛ لأنه
وَل١٤ كره قول ولي المرأة لما أشبه سجع الكهان الذي يستعملونه في
الباطل ودفع الحق، ألا ترى أنه أتى بسجعة (سجعها)(٣) على الشارع
في دفع شيء قد أوجبه عليه، فاستحق بذلك غاية الذم وشدة العقوبة
في الدنيا والآخرة، غير أنه وَّ جبله الله على الصفح عن الجاهلين
وترك الانتقام لنفسه فلم يعاقبه في اعتراضه عليه، كما لم يعاقب الذي
قال له: إنك لم تعدل منذ اليوم، ولم يعاقب موالي بريرة في
اشتراطهم ما يخالف كتاب الله وأنفذ حكم الله في كل ذلك.
فإن قلت: فالسجع كله مكروه؟
قلنا: لا، قد وقع في كلام الرسول وَله حيث يقول: ((يقول العبد
مالي مالي، وما لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت،
أو أعطيت فأبقيت)) (٤). نبه عليه ابن النحاس.
(١) من (ص٢).
(٢) يأتي برقم (٦٢١٣) باب: قول الرجل للشيء ليس بشيء، ورقم (٧٥٦١) قراءة
الفاجر والمنافق، ومسلم ١٢٣/٢٢٢٨ كتاب: السلام، باب: تحريم الكهانة.
(٣) في (ص٢): (متبجحا).
(٤) رواه مسلم (٢٩٥٨) كتاب: الزهد والرقائق.

٥٢٧
- ڪِتَابُ الطِّبّ
فصل :
قوله: (فرمت إحداهما الأخرى بحجر فأصابت بطنها وهي حامل
فقتلت ولدها فقضى فيه بالغرة). فصلت المالكية فقالوا: إذا ضربها
في بطنها وخرج الجنين بعد حيا ثم مات بعد أن استهل فعليه القود
عند ابن القاسم، خلافا لأشهب، وإن ضربها في ظهرها فعليه القود
عند ابن القاسم، وإن ضرب رأسها فخلاف بين ابن أبي زيد وأبي
موسى بن مياس، فألحقه الأول بالرجل واليد، وألحقه الثاني بالبطن
والظهر(١).
فصل :
قوله: (فقتلت جنينها الذي في بطنها). وقال بعد: فطرحت جنينها .
يريد ميتا، كما فسره في مسلم.
فصل :
قال كافة العلماء بالغرة، وخالف فيه قوم فقالوا : لا شيء فيه؛ حكاه
في ((المعونة))(٢)، وهو منابذ للنص فلا يلتفت إليه.
فصل :
الغرة: الخيار، فعبر عن الجسم كله بها، قال مالك: الحمران أحب
إلي من السودان. يريد البيض، فإن لم يكن في البلد فالسود؛ قاله
الأبهري.
وقال أبو عمرو بن العلاء: لا يؤخذ إلا من البيض؛ لقوله: غرة،
وإلا لقال عبدًا أو وليدةً.
(١) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ١٣ / ٤٦٦، ٤٦٧.
(٢) ((المعونة)) ٢٩٢/٢.

٥٢٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
فصل :
قال مالك عن ربيعة: يقوم بخمسين دينارا أو ستمائة درهم.
قال أشهب: ولا يؤخذ من أهل الإبل غيرها كالدية وهي خمس
فرائض: بنت مخاض، وبنت لبون، وابن لبون، وحقة، وجذعة(١).
وفي ((المدونة)): لا تؤخذ الإبل (٢).
وقال ابن القاسم: تؤخذ من أهل الإبل، والعين من أهله.
وقال أشهب: كل جنس عليهم كسبهم(٣).
وقال عيسى: القاتل مخير بين إعطاء غرة قيمتها ما سلف، أو يعطي
الدراهم أو الدنانير.
ونقل ابن شعبان في ((زاهيه)) عن بعض أصحابهم أن الغرة أيضًا:
الخيل .
فصل :
قوله: (غرة عبد أو أمة). يروى بالتنوين والإضافة، وعزي الأول
إلى سائر رواة ((الموطأ))(٤)، ورواية ( ((بغرة عبد أو وليدة)) )(٥) يحتمل
-كما قال ابن التين- أن يكون شكا من الراوي، لكن مالكا قال:
أو وليدة، قال: وهذا المعول عليه، زاد الشعبي: أو مائة وعشرين
من الشاء. وقال مرة: قيمتها مائة من الغنم. زاد طاوس: أو فرس،
وهو يؤيد ما سلف، (وجاء: أو فرس أو بغل.
(١) ((الموطأ)) ص ٥٣٤.
(٢) ((المدونة)) ٤٨٤/٤.
(٣) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٤٦٣/٣: ٤٦٦ بتصرف.
(٤) ((الموطأ)) ص٥٣٣.
(٥) في الأصل: (بعبد أو وليدة).

٥٢٩
كِتَابُ الطِّبّ
=
قال البيهقي: وهي زيادة غير محفوظة وإن أخذ بها بعض
السلف(١) .
وقال ابن القطان: صحيحة لضعف الاعتلال(٢).
قلت: وأخرجها ابن حبان في ((صحیحه)) من حديث محمد بن عمرو
عن أبي سلمة عن أبي هريرة)(٣) (٤).
فصل :
وقوله: (فقال ولي المرأة التي غرمت كيف أغرم يا رسول الله من
لا شرب ولا أكل) .. إلى آخره. يريد من لم يشرب ولم يأكل، مثل قوله
تعالى: ﴿فَلاَ صَدَّقَ وَلَا صَلَى
فصل :
هذا دليل على أن الجانية غرمت الغرة وحدها، قال ابن التين: وهو
مشهور مذهب مالك، وعنه أنها على العاقلة؛ لأنها دية، وبه قال
الشافعي، وحجته رواية البخاري (فقال الذي قضي عليه: كيف
أغرم .. ؟) إلى آخره، و(الذي قضي عليه) رجل من العصبة.
فصل :
وقوله: (بطل). روي بالموحدة وبالمثناة تحت، أي يهدر ولا تكون
فيه دية .
قال الخطابي: والذي سمعت الأول.
(١) ((سنن البيهقي)) ١١٤/٨.
(٢) (بيان الوهم والإيهام)) ٤٥٩/٥.
(٣) من (ص٢).
(٤) ((صحيح ابن حبان)) ١٣/ ٣٧٤.

٥٣٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قال صاحب ((الأفعال)): طَل الدم وطُل: إذا هدر (١)، قال الشاعر:
وما مات منا ميت في فراشه ولا طل منا حيث كان قتيل
وقد قيل: أطل الدم، بمعنى طل، ولم يعرفه الأصمعي.
(قال أبو زيد: ظُل دمه فهو مطلول، وأطل دمه)(٢) وطله الله وأطله،
قال: ولا يقال طل دمه بالفتح، وأبو عبيدة والكسائي يقولانه، قال
أبو عبيدة: فيه ثلاث لغات: طُل دمَه وطَل دمُه وأطل دمه(٣) .
وقال ابن دريد: أهل الحديث يقولونه بالباء وهو تصحيف، وإنما هو
بالياء .
فصل :
معنى استهل: صاح عند الولادة وهو البكاء.
فصل :
قد أسلفنا أنه ليس لم يعبه لأجل السجع، إنما كره سجعه بالباطل؛
لأن الكهان يموهون أباطيلهم بالأسجاع فيظن أن تحتها حقا وإلا فقد قال
وَ له: «قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق)). وسلف
غيره أيضًا (٤).
فصل :
واختلف فيمن يرث الجنين، فقال مالك: هي موزونة على فرائض
الله. وقال أيضًا: هو كبضعة من أمه ترثه وحدها. وقال أيضًا: هو بين
(١) ((الأفعال)) لابن القوطية ص١١٦.
(٢) من (ص٢).
(٣) ((غريب الحديث)) ٢٩٧/١.
(٤) سلف برقم (٢١٦٨) كتاب: البيوع، باب: إذا اشترط شروطًا في البيع لا تحل.

٥٣١
= كِتَابُ الطِّبّ
أبويه، الثلثان للأب، وللأم الثلث. وبه قال أبو حنيفة والشافعي. وأيهما
خلا به فهو له. كذا في ابن التين، وإنما يخلو به الأب إذا ماتت المرأة
من الضرب، ثم خرج الجنين ميتا، على قول أشهب والشافعي، وأما
ابن القاسم فيقول: لا شيء فيه؛ لأنه مات بموت أمه، وتخلو به الأم
إذا مات الأب قبل أن تطرحه. كذا فيه أيضًا .
فصل :
واحتجاج العلماء بهذا الحديث وهو (سببها قضية في عين معلوم
بشخصها)(١) فعدوها، وهو كرجم ماعز لما علم سببها، فالعلم
بالسبب كالتعليل، يرد إليه ما شابهه، وهذا فعل من يقول بالقياس في
الأحكام على العلل، وهو كثير.
فصل :
استدل أبو سعيد الهروي (٢) بهذا الحديث على صحة قول مالك أن
الرجل والمرأة سواء في عقل الجراح حتى تبلغ دية جرح المرأة بثلث دية
الرجل، فيكون حينئذ للمرأة نصف ما للرجل، ووجهه أنه وَّ قضى في
الجنين بغرة عبد أو أمة، ولم يفصل بين الذكر والأنثى؛ لأنه قليل من
(١) من (ص٢)، وفي الأصل: (عين معلوم سببها).
(٢) هو أبو سعد يحيى بن منصور الهروي وقيل: أبو سعيد ولد سنة ٢١٥ هـ.
سمع من: علي بن المديني، أحمد بن حنبل، وابن راهويه.
حدث عنه: عبد الصمد الطستي، وأبو بكر أحمد بن خلف، وأبو بكر الشافعي.
قال أبو بكر الخطيب: توفي بهراة في سنة ٢٨٧هـ قال: وكان ثقة، حافظًا، زاهدًا.
قال الذهبي: بل الصحيح وفاته في ذي الحجة، سنة ٢٩٢هـ.
من مصنفاته: ((أحكام القرآن))، ((شرف النبوة))، ((الإيمان)) أنظر: ((تاريخ بغداد))
٢٢٥/١٤، ((طبقات الحنابلة)) ٥٤٤/٢ (٥٣٧)، ((المنتظم)) ٢٦/٦، ((سير أعلام
النبلاء)) ١٣/ ٥٧٠ (٢٩٣).

٥٣٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
الدية، فكذا ما حل محله في كونه قليلا دون الثلث، فالذكر والأنثى فيه
سواء، فإذا بلغ الثلث صار كثيرًا؛ لقوله: ((الثلث والثلث كثير)). وليس
ظاهرًا لما استدل له.
فصل :
النهي عن ثمن الكلب عندنا على العموم، وقال ابن التين: قيل: هو
على كلب الدور، وقيل: على العموم.
و(البغي): الزانية، سمي ما يعطى لها مهرا من كونه قوبل بالوطء،
وإلا فلا مهر لها .
و(حلوان الكاهن): ما يعطاه على كهانته، وقام الإجماع على
تحريمه؛ لأنهم يأخذون أجرة ما لا يصلح فيه أخذ عوض، وهو
الكذب الذي يخلطونه مع ما يسترقه الجني، فيفسدون تلك الكلمة
بمائة كذبة أو أكثر، كما جاء في بعض الروايات، فلا ينبغي أن يلتفت
إليهم، ولهذا قال وَلّ: (ليسوا بشيء)).
وقد جاء فيمن أتى الكهان آثار شديدة، فروينا من حديث أبي هريرة
عن رسول الله وَّل قال: ((من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد برئ من
محمد مَالٍ))(١).
وأخرجه ابن جرير بلفظ: ((فقد كفر))(٢)، بدل: ((برئ)).
(١) رواه أحمد في ((مسنده)) ٤٠٨/٢، وابن الجارود في ((منتقاه)) (١٠٧) وصححه
الألباني في ((صحيح الجامع)) (٥٩٤٢).
(٢) رواه الترمذي في ((سننه)) (١٣٥) والحاكم في ((المستدرك)) ٨/١ وقال: هذا حديث
صحيح على شرطهما.
قال الشيخ أحمد شاكر: وهذا إسناد صحيح متصل: ((سنن الترمذي)) (١٣٥).

٥٣٣
كِتَابُ الطِّبَّ
وروى أيضًا بإسناده من حديث عمر أنه وَّةٍ قال: ((من أتى عرافا لم
تقبل له صلاة أربعين ليلة ولم ينظر الله إليه أربعين ليلة))(١).
فصل :
قوله وقال: ((تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني)). بينه في الخبر
الآخر: ((إذا قضى الله الأمر تكلم به حملة العرش، فيسمعه الذين
يلونهم ثم الذين يلونهم إلى الملائكة، فتسترق الجنة السمع بعضهم
فوق بعض، فيقذفون بالشهب، فربما ألقى الأعلى الكلمة إلى من دونه
قبل أن يصيبه الشهاب فيلقيها الجني إلى الكاهن، فيخلط معها مائة
كذبة أو أكثر)). كما ذكرنا (٢).
وقوله: ((فيقرها في أذن وليه)). ضبط بضم الياء وكسر القاف على أنه
رباعي من أقر، قال ابن التين: وكذا قرأناه. وقال الجوهري: قررت
على رأسه دلوا من ماء، أي: صببته. قال: وقر الحديث في أذنه يقره
كأنه صب فيها(٣). وقال ابن الأعرابي: القر: ترديد الكلام في أذن
الأبكم حتى يقضيه (٤)(٥). ومن رواه: ((كقر الدجاجة)) أراد صوتها إذا
قطعته، يقال: قرت الدجاجة تقر قرا وقريرا، فإن رددته قلت: قد
قرت قرقرة.
(١) ((المعجم الأوسط)) ٧٦/٩، وهو في مسلم (٢٢٣٠) كتاب: السلام، باب: تحريم
الكهانة وإتيان الكهان. عن صفية، عن بعض أزواج النبي ◌ُّر عن النبي وليس فيهما
زيادة (ولم ينظر الله إليه أربعين ليلة).
(٢) سلف برقم (٣٢١٠) كتاب: بدء الخلق، باب: ذكر الملائكة.
(٣)
((الصحاح)) ٢/ ٧٩٠ مادة (قرر).
(٤) كذا بالمخطوط، وفي ((تهذيب اللغة)) (حتى يفهمه).
(٥) ((تهذيب اللغة)) ٢٩٢٣/٣ مادة (قرر).

٥٣٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
٤٧- باب السِّحْرِ
وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ
السّحَرَ﴾ إلى قوله: ﴿مِّنْ خَلَقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢]. وَقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَنَى﴾ [طه: ٦٩]. وَقَوْلِهِ: ﴿أَفَتَأْتُنَ
السّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٣]. وَقَوْلِهِ: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن
سِحْرِهِمْ أََّ تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]. وَقَوْلِهِ: ﴿وَمِن شَرِّ النَّفَّشَتِ فِى
اَلْعُقَدِ ﴾﴾ [الفلق: ٤] وَالنَّفَّاثَاتُ: السَّوَاحِرُ. ﴿ُْحَرُونَ﴾
[المؤمنون: ٨٩]: تُعَمَّوْنَ.
٥٧٦٣- حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: سَحَرَ رَسُولَ اللهِ وَّهَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُرَبِقِ يُقَالُ
لَهُ: لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ، حَتَّى كَانَ رَسُولُ اللهِ وَِّ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا فَعَلَهُ،
حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ - أَوْ ذَاتَ لَيْلَةٍ - وَهْوَ عِنْدِي، لَكِنَّهُ دَعَا وَدَعَا ثُمَّ قَالَ: ((يَا
عَائِشَةُ، أَشَعَرْتِ أَنَّ اللّهَ أَفْتَانِ فِيمَا اُسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ؟ أَتَانِي رَجُلَانِ فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا
عِنْدَ رَأْسِي، وَالآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟
فَقَالَ: مَطْبُوبٌ. قَالَ: مَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ. قَالَ: فِي أَي شَىء؟
قَالَ: فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ ، وَجُفِّ طَلْعِ نَخْلَةٍ ذَكَرٍ. قَالَ: وَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ : فِي بِثْرِ
ذَرْوَانَ». فَأَتَاهَا رَسُولُ اللهِ بَلَه فِي نَاسَ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَجَاءَ فَقَالَ: ((يَا عَائِشَةُ، كَأَنَّ
مَاءَهَا نُقَاعَةُ الحِنَّاءِ، أَوْ كَأَنَّ رُءُوسَ نَخْلِهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ)). قُلْتُ: يَا رَسُولَ
اللهِ، أَفَلَا أَسْتَخْرِجُهُ؟ قَالَ: ((قَدْ عَافَانِي اللهُ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَنَّوِّرَ عَلَى النَّاسِ فِيهِ
شَرًّا)). فَأَمَرَ بِهَا فَدُفِنَتْ.
تَابَعَهُ أَبُو أُسَامَةَ وَأَبُو ضَمْرَةَ وَابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ هِشَامٍ. وَقَالَ اللَّيْثُ وَابْنُ عُيَيْنَةً،
عَنْ هِشَامٍ: ((فِي مُشْطٍ وَمُشَاقَةٍ)). يُقَالُ: المُشَاطَةُ مَا يَخَّرُجُ مِنَ الشَّعَرِ إِذَا مُشِطَ،
وَالْشَاقَةُ مِنْ مُشَاقَةِ الكَثَّانِ. [انظر: ٣١٧٥ - مسلم: ٢١٨٩ - فتح ١٠/ ٢٢١]

٥٣٥
كِتَابُ الطِّبّ
=
وقول الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾
إلى قوله: ﴿مِّنْ خَلَقٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَنَى﴾
وقوله: ﴿أَفَتَأْتُوُنَ السّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ وقوله: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ
أََّ تَسْعَى﴾ وقوله: ﴿وَمِن شَرِّ النَّفَّشَتِ فِى الْعُقَدِ ﴾﴾ والنفاثات:
السواحر. وقوله: ﴿تُسْحَرُونَ﴾ : يعمون.
قلت: وحكى الثعلبي: ﴿فأنى تسحرون﴾: تخدعون وتصرفون عن
توحیده وطاعته.
وقال ابن عطية: السحر هنا مستعار، وهو تشبيه لما وقع منهم من
التخليط، ووضع الأفعال والأقوال عن موضعها بما يقع من المسحور،
عبر عنه بذلك.
وقالت فرقة: ﴿تسحرون﴾ يمنعون(١).
ثم ساق حديث عِيسَى بْن يُونُسَ، عَنْ هِشَام، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ
رضي الله عنها قَالَتْ: سَحَرَ رَسُولَ اللهِ وَّهِ رَجُلٌ مِّنْ بَنِي زُرَيْقِ .. الحديث
بطوله .
ثم قال: تَابَعَهُ أَبُو أُسَامَةَ وَأَبُو ضَمْرَةَ وَابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ هِشَامٍ.
وَقَالَ اللَّيْثُ وَابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ هِشَامٍ: ((فِي مُشْطٍ وَمُشَاقَةٍ)). يُقَالُّ:
المُشَاطَةُ مَا يَخْرُجُ مِنَ الشَّعَرِ إِذَا مُشِطَ، وَالْمُشَاقَةُ مِنْ مُشَاقَةِ الكَتَّانِ.
وذكر الدارقطني في ((علله)) من هُذِه المتابعات متابعة الليث وابن
عيينة وأبي أسامة وأبي ضمرة، وأسند البخاري متابعة أبي أسامة قريبًا
في باب السحر أيضًا عن عبيد بن إسماعيل عنه(٢)، وأبي ضمرة عن
(١) ((المحرر الوجيز)) ٣٩٣/١٠.
(٢) سيأتي برقم (٥٧٦٦).

٥٣٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
إبراهيم بن المثنى عنه، وابن عيينة عن عبد الله بن محمد عنه. والحديث
سلف في الجهاد(١) مع الجواب عن اعتراض الملحدين عليه. ثم السحر
له حقيقة عندنا وعند مالك وأبي حنيفة، وقد يمرض من يفعل به ويموت
خلافا لمن نفاه وقال إنه تخييل وشعوذة، والحجة عليه هذه الآية؛ لأنه
جعلهم كفرة بتعليمه، فثبت أن له حقيقة، فإذا تاب قبلت توبته عندنا،
خلافا لمالك، قال: ولا يستتاب، وإن قال: تبت فلا تقبل منه،
قالوا: لأنه مستسر فلم تقبل كالزنديق؛ ولأن علمه به وفعله له كفر
عملا بالآية السالفة، فلا تكفر (أي: بتعلمه والآلام الحاصلة بفعل
الله، واعتقاد أنه من فعله وأنه قادر عليه كفر)(٢). وبقول مالك قال
أحمد، وروي قتله عن عمر وعثمان وابن عمر وحذيفة وحفصة وأبي
موسى وقيس بن سعد وعن سبعة من التابعين.
وقال الشافعي: لا يقتل إلا أن يقتل بسحره. وروي عنه أيضًا أنه
يسأل عن سحره، فإن كان كفرا أستتيب منه. وعن مالك: فإن جاء
الساحر أو الزنديق تائبا قبل أن يشهد عليهما بذلك قبلت توبتهما،
والحجة لذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَنُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَّ﴾ فدل
على نفعه قبله، فكذا هذان. وقال مالك في المرأة تعقد زوجها عن
نفسها أو عن غيرها: تنكل ولا تقتل.
وقرأ الحسن وابن عباس: (وما أنزل على الملِكَين)، بكسر
(٣)
اللام(٣).
(١) سلف برقم (٣١٧٥) باب: هل يعفى عن الذمي إذا سحر.
(٢) من (ص٢).
(٣) أنظر: ((المحرر الوجيز)) لابن عطية ١/ ٤١٧، وهي قراءة شاذة.

٥٣٧
كِتَابُ الصِّبِّ
=
والحديث يدل على أنهما من الملائكة، وأبعد من قال: إن (ما) في
وَمَا أُنزِلَ﴾ نافية، وهو مذهب علي بن سليمان، وقال: المعنى:
وما أنزل السحر على الملكين، ويكون ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ﴾ أن
يعلما ولم ينزل عليهما، ولا يصح، كما قاله الزجاج؛ لأن ما جاء في
الحديث والتفسير في قصة الملكين أشبه.
وقال غيره: لم يتقدم أحد قال هذا، ولا ما يدل عليه فينفى،
والحجة لمن قاله أن تكون الشياطين قالت ذلك.
قال أبو إسحاق: ومن جعل (ما) جحدًا جعل هاروت وماروت من
الشياطين وجمعا على الجنس، أو لأن التثنيه جمع.
وقال الحسن: هاروت وماروت علجان من أهل بابل(١).
وقال علي: الملكان يعلمان تعليم إنذار لا تعليم دعاء. وعلى هذا
أكثر اللغويين.
فصل :
زريق بتقديم الزاي على الراء.
وقوله: ( ((أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته))). أي: أجابني فيما
دعوته، سمى الدعاء استفتاء لأن الداعي طالب والمجيب مسعف،
فاستعير أحدهما للآخر.
وقوله: ( ((جاءني رجلان))). أي: ملكان في صورة رجلين، وظاهره
يقتضي أن يكون يقظة، وإن كان مناما فرؤياه وحي.
وقوله: ( (ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب، قال: من طبه؟)))
(١) ذكره ابن قتيبة في ((تأويل مختلف الحديث)) ص ٢٧٠، ورواه ابن أبي حاتم في
(التفسير)) ١٨٩/١ عن الضحاك.

٥٣٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
مطبوب، أي: مسحور، وطبه: سحره، وقيل: كنى عنه كما كنى عن
اللديغ بسليم، قاله الفراء، وطبه بفتح الطاء وقد سلف أنه مثلث،
وفي ((الصحاح)): والطب والطب لغتان في الطب(١).
وقوله: ((في مشط ومشاطة)). المشط بضم الميم و(سكون)(٢) الشين
المعجمة وضمها وبكسر الميم وسكون الشين وممشط و(مشقأ) بالهمز
وتركه ومشقاء ممدود وملد ومرجل وقيلم بفتح القاف؛ ذكره الزاهد
في ((يواقيته)). والمشط: بيت صغير يقال له مشط الذئب، والمشط:
سلاميات ظهر القدم، ومشط الكتف: العظم العريض. فله عدة معان
على غير الآلة المعروفة.
وقال القرطبي: ويحتمل أنه وَ له سحر في أحد هؤلاء الأربعة(٣).
وقال ابن سيده في ((محكمه): والمشط: سمة من سمات البعير
تكون في العين والخد والفخذ، والمشط: سبحة فيها أسنان وفي
وسطها هراوة يقبض عليها ويعطى بها الحب (٤).
وأما الجف فبجيم مضمومة ثم فاء، وهذا هو المشهور. وقال
أبو عمر: روي بالباء الموحدة. قال الهروي: أي: في جوفه. وقال:
وجف البئر: جوانبها، وهو من أعلاها إلى أسفلها .
وقال النووي: أكثر نسخ بلادنا عليه، وفي بعضها بالفاء، وهما
بمعنى واحد وهو الغشاء الذي يكون على الطلع، وإذا أنشق الجف
ظهر، ويطلق على الذكر والأنثى، ولهذا قيد في الحديث بقوله:
((طلعة ذكر)))، بإضافة (طلعة) إلى (ذكر)(٥).
(١) ((الصحاح)) ١/ ١٧٠ (طبب).
(٣) ((المفهم)) ٥٧٢/٥.
(٥) ((شرح مسلم)) ١٤ / ١٧٧.
(٢) في (ص٢): (كسر).
(٤) ((المحكم)) ٢١/٨.

٥٣٩
- ڪِتَابُ الطَّبِّ
وذكر القرطبي أن الذي بالفاء هو وعاء الطلع هو الغشاء الذي يكون
عليه، وبالباء قال شمر: أراد به داخل الطلعة إذا خرج منها
(الكُفُرى)(١)، كما يقال: لداخل الرَّكِيَّة(٢) من أسفلها إلى أعلاها
جب، وقد قيل فيه: إنه من القطع؛ يعني: ما قطع من قشورها(٣)،
وعبارة ابن بطال: قال المهلب: الجف: غشاء الطلع. وقال أبو عمرو
الشيباني: شيء يند من جذوع النخل.
فصل :
قوله: ( ((في بئر ذروان)) ). كذا في البخاري، وفي بعض نسخه:
((ذي أروان))، وهو ما في مسلم(٤) .
وقال القتبي عن الأصمعي: إنه الصواب، وهو واد بالمدينة في بني
زريق من الخرزج. وفي الدعوات منه: ذروان في بني زريق (6). وعند
الأصيلي عن أبي زيد: ذي أوان، من غير راء، وهو وهم كما قاله
في ((المطالع))، إنما ذو أوان موضع آخر على ساعة من المدينة، وبه
بني مسجد الضرار.
وقال ابن التين: ذروان ضبط في بعض الكتب بفتح الراء، وهو الذي
قرأته، وفي بعضها (بسكونها)(٦)، وهو أشبه في العربية؛ لأن حروف
العلة إذا تحركت وانفتح ما قبلها قلبت ألفا .
(١) الكُفُرى: وعاء طلع النحل أنظر ((الجمهرة)) لابن دريد ٧٨٦/٢ .
(٢) ((الرَّكِيَّة)): البئر وجمعها: ركيُّ وركايا كما في ((الصحاح)) ٢٣٦١/٦.
(٣) ((المفهم)) ٥٧٢/٥.
(٤) مسلم ٢١٨٩/ ٤٣.
(٥) سيأتي برقم (٦٣٩١) باب: تكرير الدعاء.
(٦) في الأصل: بكسرتها.

٥٤٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وفي كتاب البكري: قال القتبي: هي بئر أروان، بالهمز مكان
الذال .
وقال الأصمعي: وبعضهم يخطئ فيقول: ذروان.
فصل :
قوله: (كأن ماءها نقاعة الحناء). هو بضم النون ثم قاف. والحناء
ممدود جمع حناءة، ونقاعتها حمراء، أخبر وص له بلون مائها .
وقال الداودي: هو الماء الذي يكون من غسالة الإناء الذي تعجن
فيه الحناء.
وقوله: ( ((كرهت أن أثور على الناس شرا))). قيل: إن السحر إذا
خرج تعلمه من لا يتقي الله. وقيل: إن لبيدا منافق، فربما احتمى له قومه
إن هو طولب. وقيل: إنه حليف ليهود، وهو ما في البخاري، وللنسائي:
رجل من اليهود.
وقال ابن الجوزي: وهذا يدل على أنه كان أسلم وهو منافق.
قال الداودي: وفيه أنه يخشى من السحر إذا استخرج على سائر
الناس، وأن دفنه يذهب مضرته. قال: وقوله: ((كأن رءوس نخلها
رؤوس الشياطين)). يعني: أن السحر عمل في النخل حتى صار
أعلاها وأعلا طلعها كأنه رؤوس دابة ذلك وهي الحيات.
وقال الفراء في الآية من العربية ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يشبه طلعها في قبحه برؤوس الشياطين؛ لأنها
(موصوفة)(١) بالقبح.
(١) في الأصل: موضوعة.