النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ = ڪِتَابُ الطِّبِّ لا یسترقون ولا یکتوون)»(١). وحديث ابن مسعود: ((فأمر الله الملك بثلاثة رزقه وأجله وأين يموت، وإنكم تعلقون التمائم على أبنائكم من العين)) ذكره إسماعيل القاضي موقوفًا، وقد روي هذا المعنى مرفوعًا(٢). ثم هذا فيمن استرقى واكتوى قبل حصول مرض يوجبه فإذا وقع ندب إلى التداوي لقوله: (تداووا)) هذا أمر مع اعتقاد أن الفاعل الرب جل جلاله، فالدواء لم يحدث شفاء ولا ولَّده كما أن الداء لا يحدث سقمًا . فائدة تتعلق بحديث ((يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا)) ذكرناها استدراكًا: من هو الذي قيل له: ((سبقك بها عكاشة؟)). قال ثعلب: كان منافقًا. وهو مردود بما ذكره الخطيب عن مجاهد أنه سعد بن عبادة(٣)- وهو بعيد منه. ويجاب بأنه لم يبلغ منزلته لشهوده بدرًا، وهو من معاريض الكلام والرفق بالجاهل في الخطاب إذ أنه لم يهتم كما اهتم عكاشة بل سمع فطلب، ولحسم المادة. (١) كذا ذكره أبو عمر ولم يسنده ورواه ابن الأعرابي في ((معجمه)) ٢٥٤/١ (٤٧١) وابن حبان في ((صحيحه)) ٥٠٥/٢ والطبراني في «الأوسط)) ٨/ ٩٧ من طرق عن شعيب بن حرب، عن عثمان بن واقد، عن سعيد بن أبي سعيد مولى المهري عن أبي هريرة عن النبي ◌ُّر به. وقال الهيثمي في ((المجمع)) ١٠٩/٥: رواه الطبراني في ((الأوسط))، وفيه من لم أعرفه. وضعفه الألباني في ((الضعيفة)) (٤٦١٣) وذكر فيه فوائد جمة فراجعه فإنه مفيد. (٢) رواه إسماعيل بن أسحاق القاضي موقوفًا كما في ((التمهيد)) ٢٦٨/٥. (٣) رواه الخطيب في ((الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة)) ص١٠٦ (٥٨) عن مجاهد. ٣٤٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ٢- باب هَلْ يُدَاوِي الرَّجُلُ المَرْأَةَ أَوِ المَرْأَةُ الرَّجُلَ؟ ٥٦٧٩- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ ذَكْوَانَ، عَنْ رُبَيِّعَ بِنْتِ مُعَوَّذِ ابن عَقْرَاءَ قَالَتْ: كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللهِ وََّ نَسْقِي القَوْمَ وَنَخْدُمُهُمْ، وَنَرُدُّ القَتْلَى وَالْجَرْحَى إِلَى المَدِينَةِ. [انظر: ٢٨٨٢ - فتح ١٣٦/١٠] ذكر فيه حديث الرُبَيِّعَ بِنْتِ مُعَوِّذٍ قَالَتْ: كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللهِ وَ نَسْقِي القَوْمَ وَنَخْدُمُهُمْ، وَنَرُدُّ القَتْلَى وَالْجَرْحَى إِلَى المَدِينَةِ. هذا الحديث سلف في الجهاد(١). قال ابن بطال: وإنما يجوز هذا للنساء اللاتي لا يخشى من قبلهن فتنة، وأما الجواري فلا يباشرن الرجال غير ذوي المحارم منهن(٢). وعندنا إنما تجوز المداواة عند عدم المعالج من كل صنف. (١) سلف في الجهاد برقم (٢٨٨٢) باب: مداواة النساء الجرحى في الغزو. (٢) ((شرح ابن بطال)) ٩/ ٣٩٤. ٣٤٣ كِتَابُ الطَّبِّ ٣- باب الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثٍ ٥٦٨٠- حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا مَزْوَانُ بْنُ شُجَاعِ، حَدَّثَنَا سَالَمِ الأَفْطَسُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: ((الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ: شَرْبَةٍ عَسَل، وَشَرْطَةٍ مِحْجَم، وَكَيَّةِ نَارٍ ، وَأَنْهَى أُمَّتِي عَنِ الكَيِّ)). رَفَعَ الَحَدِيثَ. وَرَوَاهُ القُمِّيُّ، عَنْ لَيْثِ، عَنَّ ◌ُجَاهِدٍ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهَ فِي العَسَلِ وَالْحَجْم. [٥٦٨١- فتح ١٣٦/١٠] ٥٦٨١- حَدَّثَنِي نُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، أَخْبَرَنَا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ أَبُو الحَارِثِ، حَدَّثَنَا مَزْوَانُ بْنُ شُجَاعٍ، عَنْ سَالمِ الأَفْطَسِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسِ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ِ قَالَ: ((الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثَّةٍ: فِي شَرْطَةٍ مِحْجَم، أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ، أَوْ كَيَّةٍ بِنَارٍ ، وَأَنْهَى أَمَّتِي عَنِ الكَيِّ)). [انظر: ٥٦٨٠ - فتح ١٠ /١٣٦] ذكر فيه حديث سَعِيدٍ بْنِ حُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما : ((الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ: شَرْبَةٍ عَسَلٍ، وَشَرْطَةٍ مِحْجَم، وَكَيَّةِ نَارٍ ، وَأَنْهَى أُمَّتِي عَنِ الكَيِّ)). رَفَعَ الحَدِيثَ وَرَّوَاهُ القُمِّيُّ، عَنَّْلَيْثِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِّ ◌َِّ فِي العَسَلِ وَالْحَجْمِ. ثم ساقه من حديث سَالِمِ الأَفْطَسِ، عَنْ ابن جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنِ رسول الله وَّةِ: ((الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ: في شَرْطَةٍ مِحْجَمِ، أَوْ شَرْبَةٍ عَسَلٍ، أَوْ كَيَّةٍ بِنَارِ ، وَأَنْهَى أُمَّتِي عَنِ الكَيِّ)). الشرح : روى البخاري الأول عن الحسين، هو ابن محمد بن زياد أبو علي (النيسابوري)(١) القباني الحافظ. قال الكلاباذي: كان عنده مسند أحمد بن منيع. (١) ليست في الأصل، والمثبت من (ص٢). ٣٤٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وبلغني أنه كان يلزم البخاري ويهوى هواه. وقال الحاكم: هو الحسين بن أبي جعفر البيكندي، فرواه ابن ماجه عن أحمد بن منيع بغير واسطة (١) وهو عزيز من أفراد الصحيح لا نعرفه إلا من رواية مروان بن شجاع هو الجرزي عن سالم الأفطس، وليس لأحمد بن منيع في صحيح البخاري غير هذا الحديث الواحد، ولا لمروان بن شجاع ولا لسالم الأفطس فيه غير هذا الحديث، وحديث آخر عن سعيد بن جبير: سألني يهودي من أهل الحيرة: أي الأجلين قضى موسى؟(٢). ولا لهما عند ابن ماجه غير هذا الواحد. و(القُمِّيُّ) بقاف مضمومة، ووقع في بعض النسخ: الشعبي، فاحذره. قال الجياني: وهو يعقوب بن عبد الله بن سعد ذكره هنا استشهادًا(٣) وأسنده أبو نعيم في ((الطب)) من حديث أحمد بن عبد الله بن يوسف (عن) (٤) جبارة بن المغلس، عنه بذلك بلفظ: ((احتجموا لا يتبيغ بكم الدم فيقتلكم)) (٥) . ووقع في الحميدي في أفراد البخاري: رواه مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس، وبعض الرواة يقول فيه: عن مجاهد، عن ابن عباس، عن النبي ◌ُّيم أنه قال: ((في العسل والحجم الشفاء)) (٦). (١) ((سنن ابن ماجه)) (٣٤٩١). (٢) سلف برقم (٢٦٨٤) كتاب الشهادات، باب من أمر بإنجاز الوعد. (٣) ((تقييد المهمل)) ٣٩١/٢. (٤) في الأصل: بن، والمثبت من هامش الأصل وهو الصواب. (٥) رواه أبو نعيم في ((الطب النبوي)) ٢٩٠/١ (١٨٧) وغيره وضعفه الألباني في ((الضعيفة)) (١٨٦٣). (٦) ((الجمع بين الصحيحين)) ٢/ ٧٧ وتعقبه الحافظ في ((الفتح)) ١٣٨/١٠ فقال: وأغرب الحميدي في ((الجمع)) فقال في أفراد البخاري: عن طاوس، عن ابن عباس من = ٣٤٥ = كِتَابُ الطّبّ وقد ذكره بعد - أعني البخاري- من حديث جابر، ومن حديث أبي سعيد أيضًا(١)، وفي الحجامة عن أنس، أخرجه ابن ماجه بإسناد ضعيف(٢) . ويسير بن عمرو أخرجه ابن سعد، وابن أبي ليلى، وأبي سمرة(٣)، وابن عباس، ورجل من الأنصار، أخرجها ابن سعد. وترجم البخاري على حديث جابر وحديث أبي سعيد، وفي آخره: فسقاه عسلًا فبرأ. = رواية مجاهد عنه. قال: وبعض الرواة يقول فيه: عن مجاهد، عن ابن عباس، عن النبي ◌َّ (في العسل والحجم الشفاء)) وهذا الذي عزاه للبخاري لم أره فيه أصلًا، بل ولا في غيره، والحديث الذي اختلف الرواة فيه هل هو عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس أو عن مجاهد، عن ابن عباس، بلا واسطة إنما هو في القبرين اللذين كانا يعذبان وأما حديث الباب فلم أره من رواية طاوس أصلًا وأما مجاهد فلم يذكره البخاري عنه إلا تعليقًا. اهـ (١) حديث جابر وأبي سعيد يأتيان في الباب التالي. (٢) يشير المصنف إلى ما رواه ابن ماجه في ((سننه)) (٣٤٧٩) من طريق جبارة بن المغلس عن كثير بن سليم عن أنس بن مالك، وقال البوصيري في ((زوائده)): قلت: وإن ضعف كثير وجبارة فقد رواه من حديث الترمذي في ((الجامع)) و(الشمائل)) وقال: حسن غريب، ورواه الحاكم في ((المستدرك)) من حديث ابن عباس وقال: صحيح الإسناد، وإسناد حديث أنس فيه: جبارة بن المغلس وهو ضعيف، وكذا شيخه كثير بن سليم، ورواه البزار في ((مسنده)) حديث ابن عمر. اهـ قلت: وحسنه الألباني في ((الصحيحة)) (٢٢٦٣) بشواهده فراجعه. (٣) كذا في الأصل وفي (ص٢) أبي وسمرة. ٣٤٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ٤- باب الدَّوَاءِ بِالْعَسَلِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾. [النحل: ٦٩] ٥٦٨٢- حَدَّثَنَا عَلَّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َِّ يُعْجِبُهُ الحَلْوَاءُ وَالْعَسَلُ. [انظر: ٤٩١٢- مسلم: ١٤٧٤ - فتح ١٣٩/١٠] ٥٦٨٣- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الغَسِيلِ، عَنْ عَاصِمٍ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَ يَقُولُ: ((إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ - أَوْ يَكُونُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ - خَيْرٌ، فَفِي شَرْطَةٍ مِحْجَم، أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ، أَوْ لَذْعَةٍ بِنَارٍ تُوَافِقُ الدَّاءَ، وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ)). [٥٦٩٧، ٥٧٠٢، ٥٧٠٤- مسلم: ٢٢٠٥ - فتح ١٠/ ١٣٩] ٥٦٨٤- حَدَّثَنَا عَيَّشُ بْنُ الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَغْلَىِ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَجُلًا أَتَّى النَّبِيَّ وَِّ فَقَالَ: أَخِي يَشْتَكِي بَطْنَهُ. فَقَالَ: ((اسْقِهِ عَسَلًا)). ثُمَّ أَتَى الثَّانِيَةَ فَقَالَ: ((اسْقِهِ عَسَلًا)). ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ: فَعَلْتُ. فَقَالَ: ((صَدَقَ اللهُ، وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيَكَ، أَسْقِهِ عَسَلًا)). فَسَقَاهُ، فَبَرَأَ. [٥٧١٦- مسلم: ٢٢١٧ - فتح ١٣٩/١٠] ثم ساق فيه من حديث عائشة رضي الله عنها كَانَ وَّهِ يُعْجِبُهُ الحَلْوَاءُ وَالْعَسَلُ. وقد اختلف أهل التأويل فيما عادت عليه الهاء التي في قوله ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾، فقال بعضهم: على القرآن وهو قول مجاهد وقال آخرون: العسل. روي ذلك عن ابن مسعود وابن عباس وهو قول الحسن وقتادة وهو أولى بدليل حديثي الباب(١) . (١) هُذِه الأقوال رواها الطبري في ((تفسيره)) ٦١٤/٧. ٣٤٧ كِتَابُ الطَّبِّ = وقال قتادة من حديث أبي سعيد: ((صدق القرآن وكذب بطن أخيك))(١) وفي البخاري عن قتادة: ((صدق الله). وقال بعضهم المعنى: فيه شفاء لبعض الناس، وتأولوا الآية وحديثي جابر وأبي سعيد على الخصوص، وقالوا: الحجامة وشرب العسل والكي إنما هو شفاء لبعض الأمراض دون بعض. ألا ترى قوله: ((أو لذعة بنار توافق الداء)) فشرط و * موافقتها للداء فدل هذا أنها إذا لم توافق الداء فلا دواء فيها . وقد جاء في القرآن ما لفظه لفظ العموم والمراد به الخصوص كقوله ﴾ يريد المؤمن، كقوله: ٥٦ تعالى: ﴿وَمَا خَلَفْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِّ﴾ أي: خلقنا. وقال تعالى في بلقيس: ﴿وَأُوِيَتْ مِن كُلِّ شَىْءٍ﴾ ولم تؤت ملك سليمان، ومثله كثير. وقال المازري: هذا الكلام من بديع صناعة الطب، وذلك أن سائر الأمراض الامتلائية إما أن تكون دموية أو صفراوية أو سوداوية أو بلغمية، فالأول: شفاؤه إخراج الدم، والباقي: الإسهال بما يليق بالخلط منها فكأنه نبه بالعسل على المسهلات وبالحجامة على الفصد (وضع)(٢) العلق وغيرهما مما في معناهما. وقد قال بعضهم: الفصد يدخل في قوله: ((شرطة محجم))، وإذا أعيا الداء فآخر الطب الكي، فذكره في الأدوية؛ لأنه يستعمل عند غلبة الطباع لقوى الأدوية وحيث لا ينفع الدواء المشروب، فيجب أن يُتأمل ما في كلامه من هذِه (الأساليب)(٣) وتعقيبه بقوله: ((لا أكتوي)) إشارة إلى أن (١) رواه عبد الرزاق ١٥٣/١١. (٢) في الأصل: وجع. والمثبت من ((المعلم)). (٣) وقع في ((المعلم)): الإشارات. ٣٤٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح يؤخر العلاج به حتى تدفع الضرورة إليه ولا يوجد الشفاء إلا فيه؛ لما فيه من استعجال الألم الشديد في دفع ألم قد يكون أضعف من ألم الكي. ثم أجاب عن شبه من ألحد واعترض، وأن هذا الذي أصابه الإسهال حصل من امتلاء وهيضة فدواؤه تركه والإسهال أو تقويته، فلما أمره ولو بشرب العسل فزاد منه فزاده فزاد منه إلى أن فنيت المادة فوقف الإسهال، فيكون الخلط الذي كان بالرجل يوافق منه شرب العسل . والأطباء مجمعون على أن المرض الواحد يختلف علاجه باختلاف السن والعادة والزمن والغذاء المتقدم والتدبير المألوف وقوة الطباع. والإسهال يعرض من ضروب كثيرة محلها كتب أهله، منها: الإسهال الحادث من التخم والهيضات، وهم مجمعون في مثل هذا على أن تترك الطبيعة وفعلها وإن احتاجت إلى معين على الإسهال أُعينت ما دامت القوة باقية فأما حبسها فضررٌ عندهم واستعجال مرض. ولسنا نستظهر على قول رسول الله بأن تصدقه الأطباء؛ بل لو كذبوه لكذبناهم وكفرناهم وصدقناه حتى يوجدوا المشاهدة لصحة ما قالوه فنفتقر حينئذٍ إلى تأويل كلامه وتخريجه على ما يصح، وكذا القول في الماء للمحموم، فإنهم قالوا عنه مالم يقل، وهو لم يقل أكثر من قوله ((أبردوها بالماء)) ولم يبين الصفة والحالة فمن أين فهم أنه أراد الانغماس؟ قلت: قد ذكر الانغماس عدة أيام في جرية الماء، والحديث إسناده جيد(١) - والأطباء يسلمون أن الحمى الصفراوية (قدم)(٢) (١) يشير إلى حديث رواه الترمذي برقم (٢٠٨٤)، وأحمد ٢٨١/٥. (٢) كذا بالأصل، وفي ((المعلم)): يدبر. ٣٤٩ كِتَابُ الطَّبِّ = صاحبها بسقي الماء البارد الشديد البرد، نعم ويسقونه الثلج ويغسلون أطرافه بالماء البارد، فغير بعيد أن يكون 18 أراد هذا النوع من الحمى فلا يبقى للملحد إلا أن يتقول الكذب ويعارض كذبه بنفسه، وهذا مما لا يلتفت إليه (١). وقال ابن بطال: قوله ((صدق الله وكذب بطن أخيك)) يدل أن الكلام لا يحمل على ظاهره، ولو حمل على ظاهره لبرئ المريض عند أول شربة، فلما لم يبرأ دل على أن الألفاظ مفتقرة إلى معرفة معانيها وليست على ظواهرها(٢). وقال ابن الجوزي: يجاب عما أعترض به على قوله لصاحب الإسهال ((اسقه عسلًا)) من أربعة أوجه. أحدها: أنه تأول الآية وهي: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِِ﴾ ولم يلتفت إلى اختلاف الأمراض. ثانيها: أن ما كان يذكره وَلّ من الطب على مذاهب العرب وعاداتهم كما في حديث إبراد الحمى بالماء. ثالثها: أن العسل كان يوافق ذلك الرجل، فقد قال الخطابي: كان استطلاقه من الامتلاء وسوء الهضم (٣). قلت: عند أبي نعيم أنه كان به هيضة، ومعناها قريب. رابعها: أن يكون أمره بطبخ العسل قبل سقيه وهو لعقد البلغم. وذكر ابن سعد عن على : إذا اشتكى أحدكم شيئًا فليسأل أمرأته ثلاثة دراهم من صداقها، فتشتري به عسلًا، ويشربه بماء السماء، فيجمع (١) ((المعلم بفوائد مسلم)) ٢٦٥/٢-٢٦٧. (٢) ((شرح ابن بطال)) ٤١٦/٩. (٣) ((أعلام الحديث)) ٢١١٠/٣. ٣٥٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح الله له الهنيء المريء والماء المبارك والشفاء(١). وقال ابن مسعود: عليكم بالشفائين القرآن والعسل(٢)، وقال الربيع بن خثيم: ما للمريض عندي إلا العسل ولا للنفساء إلا التمر(٣). فصل : ذكر الموفق البغدادي في كتابه ((الأربعين الطبية)) (٤) منفعة العسل فأوضح، ذكر أنه يمنع من لسع الهوام ومن السموم القاتلة ويحفظ جثث الموتى وكل ما يودع فيه، ولذلك يسمى الحافظ الأمين، ومن (١) لم أقف عليه في ((طبقات ابن سعد)) وعزاه الحافظ في ((الفتح)) ١٠/ ١٧٠ لابن أبي حاتم في (تفسیره)) وقال: سنده حسن. (٢) كذا رواه أبو عبيد في ((فضائل القرآن)) ص٥٧ وابن أبي شيبة في ((المصنف)) ١٢٧/٦ (٣٠٠١٠) موقوفًا على ابن مسعود من طريق الأعمش، عن خيثمة، عن الأسود عنه، ثم رواه من طريق سفيان عن أبي أسحاق، عن أبي الأسود عنه بلفظ العسل شفاء من كل داء، والقرآن شفاء لما في الصدور. ومن طريق شعبة عن أبي إسحاق به رواه الطبراني ٩/ ١٨٤-١٨٥ وفيه قصة. ورواه ابن ماجه في ((سننه)) (٣٤٥٢)، وابن عدي في ((الكامل)) ١٦٦/٤، والحاكم في ((المستدرك)) ٤/ ٢٠٠. والبيهقي في ((الشعب)) ٥١٩/٢ من طريق زيد بن الحباب عن سفيان عن أبى إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله مرفوعًا. وقال البيهقي : والصحيح موقوف على ابن مسعود، وضعفه الألباني في «الضعيفة)) (١٥١٤). (٣) رواه ابن أبي شيبة ٥٩/٥. (٤) هو الشيخ الإمام الفقيه النحوى الطبيب: موفق الدين أبو محمد عبد اللطيف الموصلي ثم البغدادي الشافعي نزيل حلب، ويعرف بابن اللباد. ولد ببغداد في أحد الربيعين سنة سبع وخمسين وخمسمائة، حدث بدمشق ومصر والقدس وحلب، وصنف في اللغة والطب، وله مصنفات كثيرة منها كتاب (رب))، ((شرح بانت سعاد))، ((شرح أربعين حديثا طبية)) وله كتاب ((غريب الحديث الكبير)) الذي جمع فيه ((غريب)) أبي عبيد، وابن قتيبة والخطابي، ومات ببغداد في ثاني عشر المحرم سنة تسع وعشرين وستمائة، أنظر: ((سير أعلام النبلاء)) ٣٢٠/٢٢، ((تاريخ الإسلام)) ٤٥/ ٣٥٢. ٣٥١ كِتَابُ الطَّبِّ = نهش الهوام ذوات السموم، ومن عضة الكلب الكَلِبِ ولم يخلق لنا شيء فيه معانيه، ولا أفضل منه وأنفع للمشايخ وأرباب العثالة ومضرته للصفراويين ودفع مضرته بالخل ونحوه، وهو في أكثر الأمراض والأحوال أنفع من السكر، وقد كان ◌َلر يشرب كل يوم قدح عسل ممزوجًا على الريق، وهي حكمة عجبية في حفظ الصحة، ولا يعقلها إلا العالمون. وروى أبو نعيم من حديث الزبير بن سعيد الهاشمي، عن عبد الحميد بن سالم، عن أبي هريرة مرفوعًا: ((من لعق العسل ثلاث غدوات في كل شهر لم يصبه عظيم من البلاء))(١) . قال الموفق: وقد كان بعد ذلك يفتدي بخبز الشعير مع الملح أو الخل ونحوه، ويصير شظف العيش فلا تضره لما سبق من شربه العسل على الريق، وقد كان يراعى أمورًا في حفظه الصحة، منها هذا، ومنها بتقليل الغذاء وشرب المنقوعات والتطيب والادِّهان والاكتحال، فكان يغذي الدماغ بالمسك والقلب، وروح الكبد والقلب بماء العسل، ويقلل الغذاء الأرضي الجسماني بالنقيع فما (أنفس)(٢) هذا التدبير وأفضله. (١) ((الطب النبوي)) ٢٦٨/١ (١٦٢)، ورواه ابن ماجه في ((سننه)) (٣٤٥٠) وابن الجوزي في ((الموضوعات)) ٥٠٩/٣ (١٧٣٤) كلهم من طريق سعيد بن زكريا المدائني عن الزبير به، وقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح. قال يحيى: الزبير ليس بشيء وقال العقيلي: ليس لهذا الحديث أصل عن ثقة، وقال البوصيري في «زوائده)) ٤٤٨/١: هذا إسناد فيه لين، ومع ذلك فهو منقطع، قال البخاري: لا نعرف لعبد الحميد سماع من أبي هريرة، وقال ابن حجر في ((الفتح)) ١٠/ ١٤٠ : سنده ضعيف من حديث أبي هريرة وضعفه الألباني في «الضعيفة)) (٧٦٢). (٢) في (ص٢): أيقن. ٣٥٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == فصل : قد أسلفنا كلام ابن بطال في قوله: ((صدق الله وكذب بطن أخيك)) وذكر الخطابي فيه احتمالين : أحدهما: أن يكون أخبر عن غيب أطلعه الله عليه وأعلمه بالوحي أن شفاءه في العسل فكرر عليه الأمر بسقيه ليظهر ما وعد به. الثاني: أن يكون قد علم أن ذلك النوع من المرض يشفيه بسقيه العسل . فصل : ذكر ابن الأثير في ((جامعه)) عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان إذا خرجت به قرحة أو شيء لطخ الموضع بالعسل، ويقرأ الآية، وكان يقول: عليكم بالشفائين القرآن والعسل. وقال شقيق قال التاجر: ((المبطون شهيد ودواء المبطون العسل))(١) . فصل : العسل يذكر ويؤنث، ذكره أبو حنيفة في ((النبات)) ويجمع عُسولًا وأعسلًا وعسلانًا وعسلًا، إذا أردت فرقًا منه وضروبًا، وله أسماء فوق المائة منها: الأري والسلوى والدوب والدواب والشهد والبسل والسيلة والطرم وجنى النحل ولعابُ النحل وريقه ومجاجُه. فصل : ذكر ابن الجوزي أن النهي عن الكي على خمسة أضرب: كي الصحيح لئلا يسقم كفعل الأعاجم، وكثير من العرب يعظمون أمره على الإطلاق، ويقولون: أنه يحسم الداء، وإذا لم يفعل عطب (١) لم أقف عليه. ٣٥٣ كِتَابُ الطَّبِّ = صاحبه، فالنهي عنه إذًا لذلك، ويكون للإباحة لمن طلب الشفاء، ورجاء البرء من عضله عند الكي، فيكون سببًا لا علةً. وقد يكون نهى عنه في علمه علم أن الكي لا ينجح فيها، وقد كان عمران بن حصين به علة الباسور، فيحتمل أن يكون نهاه عن الكي في موضع من البدن لا فرق فيه الخطر. وكي الجرح إذا نفذ، والعضو إذا قطع، فهذا مأمور به كما يؤمر بإتقاء (الحر)(١) والبرد، وكي الأيادي هل ينجح فيه أم لا كما في الدواء؟ فهذا يخرج المتوكل عن توكله وعندنا أن ترك التداوي (في)(٢) مثل هذِه الحال أفضل. وكذا قال ابن حبان في حديث عمران بن حصين: هذا في الابتداء بالكي من غير علة توجيه(٣) كما كانت العرب تفعله يريدون بذلك الوسم، وفي خبر جابر إباحة استعماله لعلة تحدث من غير الأتكال عليه في برئها (٤). وقال ابن التين: هو نهي كراهة لما يخاف أن يتراقى إليه، يدل عليه قوله بعدها: ((وما أحب أن أكتوي))، وحديث: ((لا يكتوون)) على من أتخذه عادة وإلا فقد (اكتوى)(٥)، وهم أفضل هذه الأمة. فصل : قال الخطابي: هُذِه القسمة في التداوي منتظمة جملة ما يتداوى به (١) ليست في الأصل، والمثبت من (ص٢). (٢) ليست في الأصل وفي هامشها: لعله سقط (في). (٣) في الأصل: توجد، والمثبت من هامش الأصل. (٤) ((صحيح ابن حبان)) ٤٤٧/١٣. (٥) في هامش الأصل: لعله: أكتووا .. ٣٥٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = الناس، وذلك أن الحجم يستفرغ الدم، وهو أعظم الأخلاط وأنجحها شفاء عند الحاجة إليه، والعسل مسهل، ويدخل أيضًا في (العمومات)(١) المسهلة ليحفظ على تلك الأدوية قواها، فيسهل الأخلاط التي في البدن، وأما الكي، فإنما هو في الداء العضال، والخلط الباغي الذي لا يقدر على حسم مادته إلا به، وقد وصفه الشارع ثم نهى عنه كراهة لما فيه من الألم الشديد، والخطر العظيم، وقد كوى الشارع سعد بن معاذ علی أکحله(٢). وقال الداودي: كوى أسعد بن زرارة من الذّبحة، وأمر بالكي وقال: إن فيه شفاء. فصل : وقوله: في حديث جابر: ((أو لذعة بنار)) يقال: لذعته النار لذعًا، أي: أحرقته، وقوله فيه: ( ((إن كان في شيء من أدويتكم - أو- يكون في شيء من أدويتكم ففي كذا) ). قال ابن التين: صوابه: أو يكن؛ لأنه مجزوم بـ(إن)، ولعل هذا قبل أن يعلم أن لكل داء شفاء. فصل : وقوله في حديث أبي سعيد: (أخي يشتكي بطنه فقال: ((اسقه عسلًا))) قال ابن التين: يجوز أن يكون شكوى أخيه من برد أو فضل بلغم فيضعفه العسل وقيل: ببركة أمره وَّلّ له، فيكون خاصًا بذلك الرجل. وقوله: (فبرأ) هو بفتح الراء ويجوز برئ، ذكرهما ابن التين. (١) في ((أعلام الحديث)): المعجونات. (٢) ((أعلام الحديث)) ٢١٠٥/٣ -٢١٠٦. ٣٥٥ كِتَابُ الطَّبِّ = فصل : حديث أبي سعيد أخرجه البخاري من حديث سعيد، عن قتادة، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد، وأخرجه مسلم من حديث شعبة بدل سعيد(١)، وأبو المتوكل اسمه علي بن داود وقيل: دُؤاد، وفيه: فلم يزده إلا استطلاقًا، يعني: إلا إسهالًا. (١) مسلم (٢٢١٧) كتاب السلام، باب: التداوي بسقي العسل. ٣٥٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == ٥- باب الدَّوَاءِ بِأَلْبَانِ الإِلِ ٥٦٨٥- حَدَّثَنَا مُسلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا سَلَّامُ بْنُ مِسْكِينٍ، حَدَّثَنَا ثَابِتُ، عَنْ أَنَسِ أَنَّ نَاسَا كَانَ بِهِمْ سَقَمَّ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، آوِنَا وَأَطْعِمْنَا: فَلَمَّ صَحُوا قَالُوا: إِنَّ المَدِينَةَ وَجِمّةٌ. فَأَنْزَلَهُمُ الحَرَّةَ فِي ذَوْدٍ لَهُ فَقَالَ: ((اشْرَبُوا أَلْبَانَهَا)). فَلَمَّا صَخُوا قَتَلُوا رَاعِيَ النَّبِيِّ ◌ََّ وَاسْتَاقُوا ذَوْدَهُ، فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ، فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَرَ أَغْيُنَهُمْ، فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ مِنْهُمْ يَكْدُمُ الأَرَضَ بِلِسَانِهِ حَتَّى يَمُوتَ. قَالَ سَلَامٌ: فَبَلَغَنِي أَنَّ الحَجَّاجَ قَالَ لِأَنَسِ: حَدِّثْنِي بِأَشَدِّ عُقُوبَةِ عَاقَبَهُ النَّبِيُّ ◌ِِّ. فَحَدَّتَهُ بهذا، فَبَلَغَ الحَسَنَ، فَقَالَ: وَدِدْتُ أَنَّهُ لَمْ يُحَدِّثْهُ. [انظر: ٢٣٣ - مسلم: ١٦٧١ - فتح ١٠ / ١٤١] ٣٥٧ كِتَابُ الطَّبِّ ٦- باب الدَّوَاءِ بِأَبْوَالِ الإِبِلِ ٥٦٨٦- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ عَهُ أَنَّ نَاسًا أَجْتَوَوْا فِي المَدِينَةِ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ◌َ أَنْ يَلْحَقُوا بِرَاعِيهِ - يَغْنِي: الإِبِلَ - فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا، فَلَحِقُوا بِرَاعِيهِ فَشَرِبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا حَتَّى صَلَحَتْ أَبْدَاتُهُمْ، فَقَتَلُوا الرَّاعِيَ وَسَاقُوا الْإِبِلَ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ◌ََّ فَبَعَثَ فِي طَلَبِهِمْ، فَجِيءَ بِهِمْ، فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَزْجُلَهُمْ وَسَمَرَ أَعْيُنَهُمْ. قَالَ قَتَادَةُ: فَحَدَّثَنِي ◌ُحَمَّدُ بْنُ سِيِينَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الحُدُودُ. [انظر: ٢٣٣ - مسلم: ١٦٧١ - فتح ١٠ / ١٤٢] ذكر فيه حديث العرنيين السالف في الطهارة (١). ثم ترجم له باب: الدواء بأبوال الإبل، وذكره أيضًا. وذكر الخطيب في ((الفصل للوصل)) أن حميد بن أبي حميد - وأشار البخاري إلى متابعته في كتاب الطهارة (٢) - رواه عن أنس من غير قوله: ( ((وأبوالها))) فإنه رواها عن قتادة عن أنس أي كما هنا(٣). قال: ووقع في بعض الأحاديث الباطلة من حديث أبي هريرة # أن الله عاتبه لما قطع أيديهم وسمل أعينهم بالنار، فأنزل الله: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُاْ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآيات (٤). وذكر أبو نعيم في ((طبه)) أنه وَّر قال: ((عليكم بأبوال الإبل البرية وألبانها))(٥) وأخذ أصحابنا من هذا الحديث التداوي بالنجاسات، (١) سلف برقم (٢٣٣) باب: أبوال الإبل والدواب والغنم ومرابضها. (٢) قلت: بل ذكر البخاري متابعة حميد في كتاب الزكاة بعد حديث (١٥٠١)، باب استعمال إبل الصدقة وألبانها لأبناء السبيل. (٣) ((الفصل للوصل المدرج في النقل)) ٥٩١/٢-٥٩٤. (٤) ((الفصل للوصل)) ٢/ ٧٤٧-٧٤٨. (٥) ((الطب النبوي)) ١/ ٤١٧ من حديث عبد الحميد بن صيفي بن صهيب، عن أبيه عن = ٣٥٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وعند مالك: أبوال الإبل طاهرة، وكذا كل ما يؤكل لحمه، قيل له: فأبوال الخيل؟ قال: لا خير فيه. قيل له: تحلب فتبول في اللبن؟ قال أرجو ألا يكون بذلك بأس(١) . والقول الصحيح في ذلك قول من شهدت له السنة الثابتة. فصل : قوله: (كان بهم سقم) هو بضم السين وفتحها مثل حُزن وحَزَن ومعنى: ( (يكدم)(٢) الأرض بلسانه)(٣) يلعقها من شدة العطش وألم الجراح، يقال: كدم يكدم إذا عض بادئ الفم. وقوله: (فقال: سلَّم -يعني: ابن مسكين -: فبلغني أن الحجاج قال لأنس: حدثني بأشد عقوبة عاقب فيها النبي وَّ﴾، فحدثه بهذا فبلغ الحسن فقال: وددت أنه لم يحدثه بهذا) يريد: لئلا يجترئ الحجاج ويزيد في العقوبة ويحتج بذلك على ما يحب فعله. ومعنى (اجتووا المدينة) كرهوها واستوخموها واستوبلوها لمرض أصابهم فيها وقد جاء مفسرًا. قال الجوهري: أجتويت البلدة إذا كرهتها وإن كنت في نعمة(٤)، = جده صهيب الخير به ورواه البزار في ((مسنده)) ٢٩/٦ - ٣٠ عن طريق عبد الحميد به وقال: لا نحفظه عن صهيب إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد، وضعفه الألباني في ((الضعيفة)) (١٤٠٧). (١) ((المدونة)) ٤/١-٥. (٢) ليست في الأصل، والمثبت من (ص٢). (٣) في هامش الأصل: قوله: (بلسانه) قال ابن قرقول: هو مغير من (أسنانه) لا يكون باللسان كما جاء في الرواية الأخرى: (يعضون الحجارة). (٤) ((الصحاح)) ٢٣٠٦/٦ مادة [جوا]. ٣٥٩ كِتَابُ الطَّبِّ وفرق بعضهم بين اجتووا واستوخموا فجعل (اجتووا) كرهوا الموضع وإن وافق و(استوبلوا) إذا لم يوافقه وإن أحبه، يقال: وبل الموضع -بالضم وبلا ووبالًا - فهو: وبيل، أي: وخيم. و(صلَحت) بفتح اللام قال الجوهري: يقول صلح الشيء يصلح صلوحًا(١). وحكى الفراء الضم. قوله: (وسمر أعينهم) هو بالتخفيف، أي: كحلها بالمسامير المحماة، يقال: سمرت الشيء تسميرًا وسمَّرت أيضًا، ويروى: وسمل باللام أي: فقأها بالشوك، وقيل بالحديدة (المحماة)(٢) تدنى من العين حتى يذهب بصرها . فصل : قوله: (قال قتادة: فحدثني محمد بن سيرين أن ذلك كان قبل أن تنزل الحدود) يريد حد المحارب، والذي فعله الشارع لهم كان الحد ثم نسخ بالقرآن، وقيل: إنهم فعلوا بالراعي مثل ذلك فعوقبوا بمثل ما أتوه. وقد سلف إيضاح ذلك أجمع في الطهارة، وأعدناه لبعده. (١) المصدر السابق ٣٨٣/١ مادة [صلح]. (٢) ليست في الأصل، والمثبت من (ص٢). ٣٦٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ٧- باب الحَبَّةِ السَّوْدَاءِ ٥٦٨٧- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: خَرَجْنَا وَمَعَنَا غَالِبُ بْنُ أَنْجَرَ فَمَرِضَ فِي الطَّرِيقِ، فَقَدِمْنَا المَدِينَةَ وَهُوَ مَرِيضٌ، فَعَادَهُ ابن أَبِي عَتِيقِ فَقَالَ لَنَا: عَلَيْكُمْ بِهِذِه الْحُبَيْبَةِ السَّوْدَاءِ، فَخُذُوا مِنْهَا خَمْسَا أَوْ سَبْعَا فَاسْحَقُوهَا، ثُمَّ أَقْطُرُوهَا فِي أَنْفِهِ بِقَطَرَاتِ زَيْتٍ في هذا الجَانِبِ وَفِي هذا الْجَانِبِ، فَإِنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْنِي أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ ◌َ يَقُولُ: ((إنَّ هذِهِ الحَبَّةَ السَّوْدَاءَ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّ مِنَ السَّام)). قُلْتُ: وَمَا السَّامُ؟ قَالَ اَوْتُ. [فتح ١٠/ ١٤٣] ٥٦٨٨- حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ بُكَثِرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ وَ يَقُولُ: ((فِي الحَبَّةِ السَّوْدَاءِ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّ السَّمَ)). قَالَ ابن شِهَابٍ: وَالسَّامُ: الَوْتُ، وَالْحَبَّةُ السَّوْدَاءُ: الشُّونِيزُ. [مسلم: ٢٢١٥ - فتح ١٠/ ١٤٣] ذكر فيه حديث عائشة رضي الله عنها بقصته أَنَّهَا سَمِعَتِ النَِّيَّ وَل قال: ((إنَّ هذِهِ الحَبَّةَ السَّوْدَاءَ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّ السَّام)). قُلْتُ: وَمَا السَّامُ؟ قَالَ المَوْتُ. وحديث أبي هريرة مرفوعا: ((إن الحَبَّة السَّوْدَاء شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا السَّامَ)). قَالَ ابن شِهَابٍ: وَالسَّامُ: المَوْتُ، وَالْحَبَّةُ السَّوْدَاءُ: الشُّونِيزُ. الشرح : حديث عائشة هو من رواية خالد بن سعد، عن ابن أبي عتيق، عنها، وقد أخرجه ابن ماجه(١)، وليس لخالد عندهما غيره، وهو حديث غريب، هذا الحديث من طريقها، وطريق أبي هريرة دال (١) ((سنن ابن ماجه)) (٣٤٤٩).