النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
كِتَابُ الأَشرِبَةِ
=
وحديث جابر بن عبد الله أَنَّه ◌َّهِ دَخَلَ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَمَعَهُ
صَاحِبٌ لَهُ .. وفيه: ، فَسَكَبَ فِي قَدَحِ، ثُمَّ حَلَبَ عَلَيْهِ مِنْ دَاجِنٍ لَهُ.
وفي إسناده أبو عامر وهو العقدي عبد الله بن عمرو.
ومعنى ( ((وإلا كرعنا)) ) يقال: كرع في الماء تكرع كرعًا وكروعًا:
إذا تناوله بفيه من غير أن يشرب بكفه ولا بإناء كما تشرب البهائم؛ لأنها
تدخل فيه بأكارعها يقال: أكرع في هذا الإناء نفسًا أو نفسين.
وترجم لحديث جابر باب الكرع في الحوض(١)، وفيه: فقال:
يا رسول الله بأبي وأمي وهي ساعة حارّة.
وشرب اللبن بالماء هو أصل في نفسه وليس من باب الخليطين في
شيءٍ(٢)، والحكمة - كما قال المهلب- في شرب الماء: البارد ما فعله
الشارع من الجرع لاستلذاذ برودته، وكان ذلك في يوم حر، ألا ترى قوله
في باب الكرع وهي ساعة حارة؛ ولذلك صب له اللبن على الماء ليقوي
برده لاجتماع برد اللبن مع برد الماء البائت، وفيه أنه لا بأس بطلب
البارد في سموم الحر، وقصد الرجل الفاضل بنفسه فيه حيث يعرف
مواضعه عند إخوانه، وقد روى أبو هريرة عن النبي وَله: ((إن أول
ما يحاسب به العبد يوم القيامة أن يقال له: ألم أصح جسمك وأروك
من الماء البارد))(٣).
(١) سيأتي عند حديث (٥٦٢١).
(٢) ذكره ابن المنير في ((المتواري)) ص٢١٧.
(٣) رواه الترمذي (٣٣٥٨)، وابن حبان ٣٦٤/١٦ -٣٦٥ (٧٣٦٤) والحاكم ١٣٨/٤،
وغيرهم وقال الترمذي: غريب، وقال الحاكم: صحيح الإسناد. وصححه الألباني
في («الصحيحة» (٥٣٩).

١٨٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وقوله: ( ((وإلا كرعنا))) يريد: إن لم يكن عندك ماء بارد ولا عذب
كان الأولى في شربه الكرع لئلا يعذب نفسه لكراهته في كثرة الجرعات،
والكرع: شرب الرجل بفيه كما سلف، وكرع أيضًا في الإناء إذا مال
نحوه بفیه فشرب منه.
قال الجوهري: وفيه لغة أخرى: كرع بالكسر، يكرع كرعًا (١).
وذكر أبو عبد الملك قولًا شاذًا في معنى كرع: شرب بيده، وأهل
اللغة على خلافه .
فرع :
خلط اللبن بالماء إنما يجوز عند الشرب لطلب اللذة والحاجة إلى
ذلك، وأما عند البيع؛ فإنه لا يجوز لأنه غش، ذكره ابن بطال وهو
ظاهر(٢).
فصل :
معنى (فشيب لرسول الله وَله من البئر) أي: خلط.
وقوله: (وعن يساره أبو بكر وعن يمينه أعرابي فأعطى الأعرابي
فضله) هو خالد بن الوليد كما سلف، وفيه البُداءة باليمين.
قيل: وفيه هبة المجهول؛ لأنه القّه وهب لكل واحد من جلسائه قَدْرَ
رَيَّةٍ ولا نعلم مبلغه وهو مشهور مذهب مالك خلافًا للشافعي وفيه جواز
هبة المتاع خلافًا لأبي حنيفة، وفيه: هبة الواحد للجماعة.
قيل: وفيه أن من قدم إليه بطعام لا يلزمه أن يسأل من أين صار إليه
ولعله علم طيب كسبه، وفيه مواساة الجلساء من الهدية واشتراكهم فيها ،
(١) ((الصحاح)) ١٢٧٥/٣ مادة: [كرع].
(٢) ((شرح ابن بطال)) ٦/ ٧٠.

١٨٣
= ڪِتَابُ الأَشْرِبَةِ
وقد سلف مرفوعًا: ((جلساؤكم شركاؤكم في الهدية)) (١) ولا يصح، وإن
صح فعلى الندب إلى التحاب وبر الجلساء، وفيه مجالسة أهل البدو؛
لأن العرب جيل من الناس ينسب إليهم عربي وهم سكان الأنصار
وأهلها، والأعراب منهم سكان البادية والنسبة إلى الأعراب أعرابي؛
لأنه لا واحد له، وليس الأعراب جمعًا لعربي كالأنباط جمع للنبط
وإنما العرب اسم جنس.
والشنة بفتح الشين: القربة الخلقة والشنّ أيضًا وكأنها صغيرة.
وقال الداودي: هي التي زال شعرها من القدم.
وقوله: (فانطلق إلى العريش): هي خيمة من خشب وثمام وهو نبت
ضعیف له خُوصٌ.
وقال الداودي: العريش شيء يجعل من الجريد كالقبة، والجمع:
عُرُش مثل قليب وقُلُب، ومنه قيل لبيوت مكة: العُرُش؛ لأنها عيدان
تنصب ويظلل عليها .
وقوله: (فسكب في قدح) أي: صبّ فيه.
(١) لم أقف عليه بهذا اللفظ وروى نحوه البيهقي في ((سننه)) ٦/ ١٨٣ وقال البخاري في
(صحيحه)) قبل حديث (٢٦٠٩): ويذكر عن ابن عباس: أن جلساءه شركاؤه. ولم
يصح.

١٨٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
١٥ - باب شَرَابِ الحَلْوَاءِ وَالْعَسَلِ
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَا يَحِلُّ شُرْبُ بَوْلِ النَّاسِ لِشِدَّةٍ تَنْزِلُ؛ لأَنَّهُ
رِجْسٌ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الَِّبَتُ﴾ [المائدة: ٥]،
وَقَالَ ابن مَسْعُودٍ فِي السَّكَرِ: إِنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا
حَرَّمَ عَلَيْكُمْ.
٥٦١٤ - حَدَّثَنَا عَلِّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا أَبُو ◌ُسَامَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ يُعْجِبُهُ الحَلْوَاءُ وَالْعَسَلُ. [انظر: ٤٩١٢
- مسلم: ١٤٧٤- فتح ٧٨/١٠]
ثم ساق من حديث عائشة رضي الله عنها: كَانَ النَّبِيُّ نَّهَ يُعْجِبُهُ
الحَلْوَاءُ وَالْعَسَلُ وقد سلف(١) .
وقول الزهري: أخرجه عبد الرزاق عن معمر، عنه(٢).
وعندنا لا يجوز التداوي بالبول وغيره من النجاسات(٣) خلا الخمر
والمسكرات.
قال ابن التين: وشرب البول إن كان لغير ضرورة فهو حرام؛ لأن
الشارع سماه خبثًا، فقال: (وهو يدافعه الأخبثان)) (٤) .
وقال تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَيْثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وعند
الشدة هو كالميتة قال: وتعليل الزهري بأنه رجس غير ظاهر؛ لأن
الميتة والدم ولحم الخنزير رجس أيضًا ولعله يريد أن الرخصة لم ترد
فيه بخلافها فبقي على أصله في التحريم وما ذكره غير ظاهر، وقيل
(١) سلف برقم (٤٩١٢) كتاب: التفسير، باب: ﴿يَأَيُهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحُرِّمُ﴾.
(٢) لم أقف عليه في ((مصنفه)) ولا في ((تفسيره)).
(٣) ورد بهامش (س) ما نصه: بشرطين عندنا معروفين.
(٤) رواه مسلم (٥٦٠) من حديث عائشة.

١٨٥
كِتَابُ الأَشرِبَةِ
=
أنهما يخبثان النفس، والبول لا يقطع العطش، فإن صح هذا فلا يباح
لانتفاء الفائدة.
وعن الحسن: أنه كان يكره الدواء يجعل فيه البول.
وقال ابن بطال: أبوال الناس مثل الخمر والميتة في التحريم، ولم
يختلفوا في جواز أكل الميتة عند الضرورة، فكذلك البول والفقهاء على
خلاف قول ابن شهاب وإنما اختلفوا في جواز شرب الخمر عند الضرورة
فقال مالك: لا يشربها لأنها لا تزيده إلا عطشًا وجوعًا، وأجاز أبو حنيفة
أن يشرب منها مقدار ما يمسك به رمقه(١).
والأصح عندنا أنه لا يجوز تعاطيها لعطش ولا لتدارٍ، واحتج المانع
بقول ابن مسعود في الكتاب، وقد روي هذا عن رسول الله وله
كما ستعلمه، واحتج الكوفيون بأن الضرورة أباحت أكل ما حرم
الشرع من الميتة والدم ولحم الخنزير والبول وما لا ينقلب إلى حالة
أخرى، فأن تبيح الخمر كان أولى؛ لأنها قد تنتقل من حالها إلى
حال التخليل.
وكان الشيخ أبو بكر فيما حكاه ابن القصار يقول: إن دفعته إليها
ضرورة تغلب على ظنه أنه يتخلص بشربها جاز؛ لأنه لو تغصص
بلقمة في حلقه فلم يجد ما يدفعها به واضطر أن يردها بالخمر جاز له
ذلك ولم يجز أن يمنعه من هذه الحال فيصير كالميتة عند الضرورة
والأمر كما قال إن شاء الله(٢).
قلت: مسألة الغصة النفع بها محقق وهذا مظنون فافترقا.
(١) ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣٦٣/٤.
(٢) ((شرح ابن بطال)) ٦/ ٧٠-٧١.

١٨٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
فصل :
وأثر ابن مسعود أخرجه ابن أبي شيبة عن جرير، عن منصور، عن
أبي وائل أن رجلًا أصابه الصفر فسأل عبد الله عن ذلك فقال: إن الله لم
يجعل شفاءكم فيما حرم(١). وعند أحمد: اسم الرجل خثيم بن العداء،
قال ابن أبي شيبة: وحدثنا محمد بن فضيل عن العلاء عن أبيه عن
ابن مسعود قال: إن أولادكم ولدوا على الفطرة فلا تسقوهم السكر
فإن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم(٢).
ورواه ابن حبان في ((صحيحه)) مرفوعًا(٣).
ولأحمد من حديث غنية بنت رُضي الجرمية، عن عائشة رضي الله
عنها أنها سئلت عن صبي وصف له نبيذ في جريرة صفرة، فقالت: أي
شيء تريدين به الشفاء، لا هو سقم(٤).
وقال ابن التين عن أبي الحسن: إن كان ابن مسعود أراد سكر الأشربة
فيمكن أن يكون سقط من الكلام ذكر السؤال عن ذلك، وإن كان أراد
السكر بسكون الكاف فهو الذي ينتبذ به السكر فيمكن أن يكون
الساقط عنه، وأحسبه هذا أراد لأني أظن عند بعض المفسرين هذه
الحكاية، وسئل ابن مسعود وهو قائم عن النهي عن التداوي بشيء من
المحرمات، فقال ذلك، فالله أعلم بما أراد البخاري من ذلك.
(١) ((المصنف)) ٣٧/٥ (٢٣٤٨٢) وقال العيني في ((عمدة القاري)) ١١/١٧: إسناده
صحيح على شرط الشيخين.
(٢) لم أقف عليه في ((المصنف)) ولا في المطبوع من ((مسنده)).
(٣) رواه ابن حبان بلفظ: ((إن الله لم يجعل شفاءكم في حرام)) من حديث أم سلمة
رضي الله عنها ٢٣٣/٤ (١٣٩١).
(٤) رواه في ((الأشربة)) ص ٦٠ (١٢٠).

١٨٧
كِتَابُ الأَشرِبَةِ
=
قلت: قد أسلفنا المراد صريحًا، قال أبو داود: قول ابن مسعود في
السكر هو الحق؛ لأن الله حرم الخمر ولم يذكر فيها ضرورة وأباح في
الضرورة الميتة ولحم الخنزير، ففهم الداودي أن ابن مسعود تكلم عن
استعمال الخمر عند الضرورة وليس كذلك، وإنما تكلم على التداوي
به، وذلك أن التداوي به يجد الإنسان مندوحة عنه بغيره، ولا يقطع
بنفعه بخلاف استعمال الميتة وأخواتها للضرورة وهي الجوع، وقد
اختلف في السكر فقيل: هو الخمر وبه جزم الدمياطي وقيل: ما كان
شربه حلالًا كالنبيذ والخل، وقيل: هو النبيذ.
قال الجوهري: هو نبيذ التمر(١).
فصل :
وحديث عائشة رضي الله عنها في إسناده أبو أسامة وهو حماد بن
أسامة مات سنة إحدى ومائتين وفيها مات معروف الكرخي، وقد
سلف أن الحلواء فيها ثلاثة أقوال: قول الخطابي: أنها ما تصنع من
العسل ونحوه (٢).
وقال الداودي: هو النقيع الحلو، وعليه يدل تبويب البخاري شرب
الحلواء، وقال أيضًا: هو التمر ونحوه من الثمار، وتقدم أن الأصمعي
قصرها وتكتب بالياء، والفراء يمدها، وابن فارس والجوهري
حكياها(٣)، وعبارة ابن بطال: الحلواء: كل شيء حلو، وفيه من
الفقه أن الأنبياء والصالحين والفضلاء يأكلون الحلاوات والطيبات
ولا يتركونها تقشفًا ، وقد نزع ابن عباس أكل الطعام الطيب بقوله
(١) ((الصحاح)) ٢/ ٦٨٧ مادة: [سكر].
(٢) ((أعلام الحديث)) ٢٠٥٣/٣.
(٣) أنظر ((مقاييس اللغة)) ص٢٥٩، و((الصحاح)) ٦/ ٢٣١٧.

١٨٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِىّ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ [الأعراف: ٣٢] الآية،
ومدارها على أن الطيبات الحلال وكل ما كان حلالًا حلوًا كان
أو حامضًا فهو طيب لمن استطابه(١) .
قال ابن المنير: ترجم البخاري على شيء وأعقبه بضده يشير إلى
أن الطيبات هي الحلال لا الخبائث والحلواء من الطيبات، وأشار
بقول ابن مسعود إلى أن كون الشيء شفاءً ينافي كونه حرامًا، والعسل
شفاء فوجب أن يكون حلالا، ثم عاد إلى ما يطابق الترجمة [نصًّا،
ونبه بقوله: شرب الحلواء. أنها ليست الحلواء] (٢) المعهودة التي
يتعاطى المترفون، وإنما هي شيء يشرب إناء عسل بماء أو غير ذلك
مما شاكله(٣).
ويجوز أن يقال: شرب الحلواء والعسل، وربما هو الصحيح؛ لأن
العرب لا تعرف الحلواء المعقودة التي هي الآن معهودة، وإن أطلقوا
الأسم فما أظنهم -والله أعلم- أطلقوه إلا على الحلو كالعسل والماء
المنبوذ فيه التمر وغيره.
وقد نبه عليه البخاري في الترجمة باب: شرب الحلواء والعسل،
والحلواء التي بأيدي الناس التي يطلقون عليها هذا الاسم لا تشرب
فتعين أن المقصود ما يمكن شربه وهو الماء المنبوذ فيه التمر ونحوه،
وكذلك العسل.
(١) ((شرح ابن بطال)) ٦/ ٧٠.
(٢) ما بين المعقوفين ليس في الأصل، وما أثبتناه من كلام ابن المنير؛ ليستقيم السياق.
(٣) ((المتواري)) ص٢١٨.

١٨٩
بِ كِتَابُ الأَشْرِبَةِ
فإن قيل: قد قال في الترجمة: والعسل والحلو يشمل كل حلو عسلًا
وغيره فتقول هذا من قبيل التخصيص بعد التعميم وهي قاعدة معروفة
[الرحمن: ٦٨] ولا يخلو
لقوله تعالى: ﴿فِهِمَا فَكِهَةٌ وَنَخْلُ وَرُمَّانُ هَـ
هذا النوع من التخصيص من فائدة، ويحتمل أن تكون الفائدة البينة
على جواز شرب العسل إذ قد يتخيل أن شربه من السرف.
قلت: ودعواه له أن العرب لا تعرف هذِه الحلواء ليس كما قال، هم
يعرفون الفالوذج وهو لباب البُر بسمن البقر يعقد بالعسل الماوي، وهو
الذي نسميه الآن الصابونية، وفيه شعر أمية بن أبي الصلت في ابن جدعان
المعروف، إلا أن يقال: تسميته بالفالوذج محدثة.

١٩٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
١٦ - باب الشّرْبِ قَائِمًا
٥٦١٥ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمِ، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنِ النَّزَّالِ قَالَ:
أَتَّى عَلِيّ ◌َّهُ عَلَى بَابِ الرَّحَبَةِ، فَشَرِبَ قَائِمًا فَقَالَ: إِنَّ نَاسًا يَكْرَهُ أَحَدُهُمْ أَنْ يَشْرَبَ وَهُوَ
قَائِمٌ، وَإِي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌َِّ فَعَلَ كَمَا رَأَيْتُمُونٍ فَعَلْتُ. [٥٦١٦ - فتح ١٠/ ٨١]
٥٦١٦ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الَلِكِ بْنُ مَيْسَرَةَ، سَمِعْتُ
النَّزَّالَ بْنَ سَبْرَةَ يُحَدِّثُ عَنْ عَلِّ ◌َّ أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ قَعَدَ فِي حَوَائِجِ النَّاسِ فِي رَحَبَةِ
الكُوفَةِ حَتَّى حَضَرَتْ صَلَاةُ العَصْرِ، ثُمَّ أُنِيَ بِمَاءِ، فَشَرِبَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ - وَذَكَرَ
رَأْسَهُ وَرِجْلَيْهِ - ثُمَّ قَامَ فَشَرِبَ فَضْلَهُ وَهُوَ قَائِمٌ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ نَاسًا يَكْرَهُونَ الشُّرْبَ
قَائِمًا، وَإِنَّ الَّبِيَّ وَ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُ. [انظر: ٥٦١٥ - فتح ٨١/١٠]
٥٦١٧ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَاصِمِ الأَحْوَلِ، عَنِ الشَّغْبِيِّ، عَنِ
ابن عَبَّاسِ قَالَ: شَرِبَ النَّبِيُّ وََّ قَائِمًا مِنْ زَمْزَمَ. [انظر: ١٦٣٧ - مسلم: ٢٠٢٧ - فتح
١٠/ ٨١]
٥٦١٨ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا
أَبُو النَّضْرِ، عَنْ عُمَيْرٍ - مَوْلَى ابن عَبَّاسٍ - عَنْ أُمِّ الفَضْلِ بِنْتِ الَحَارِثِ أَنَّهَا أَرْسَلَتْ إِلَى
النَّبِيِّ ◌َِّهُ بِقَدَحِ لَبَنٍ وَهُوَ وَاقِفٌ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَشَرِبَهُ. زَادَ مَالِكٌ، عَنْ أَبِي
النَّضْرِ: عَلَى بَعِيرِهِ. [انظر: ١٦٥٨ - مسلم: ١١٢٣ - فتح ٨٥/١٠]
ذكر فيه حديث شيخه أبي نعيم، وهو الفضل بن دكين، ثنا مسعر
-وهو ابن کدام بن ظهير الهلالي- عن عبد الملك بن قيس، عن
النَّزَّالِ - وهو ابن سبرة الهلالي. انفرد به البخاري- قَالَ: أَتَى عَلِيٍّ
عَلَى بَابِ الرَّحَبَةِ، فَشَرِبَ قَائِمًا فَقَالَ: إِنَّ نَاسًا يَكْرَهُ أَحَدُهُمْ أَنْ يَشْرَبَ
وَهْوَ قَائِمٌ، وَإِنِّي رَأَيْتُ رسول الله وََّ فَعَلَ كَمَا فَعَلْتُ.
ثم رواه من طريق آخر عنه، وفيه عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ صَلَّى الْظُهْرَ، ثُمَّ قَعَدَ
فِي حَوَائِجِ النَّاسِ فِي رَحَبَةِ الكُوفَةِ حَتَّى حَضَرَتْ صَلَاةُ العَصْرِ، ثُمَّ أَتِيَ

١٩١
- كِتَابُ الأَ
بِمَاءٍ، فَشَرِبَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ - وَذَكَرَ رَأْسَهُ وَرِجْلَيْهِ- ثُمَّ قَامَ فَشَرِبَ
فَضْلَهُ وَهْوَ قَائِمٌ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ نَاسًا يَكْرَهُونَ الشُّرْبَ قَائِمًا، وَإِنِّي رأيت
رسول الله وَّهِ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُ.
ثم ساق حديث ابن عباس: شَرِبَ النَّبِيُّ وََّ قَائِمًا مِنْ زَمْزَمَ.
ثم ترجم باب: باب مَنْ شَرِبَ وَهْوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ .
ثم ساق حديث أبي النضر سالم، عَنْ عُمَيْرٍ - مَوْلَى ابن عَبَّاسٍ - عَنْ
أَمِّ الفَضْلِ بِنْتِ الحَارِثِ -وهي لبابة - أَنَّهَا أَرْسَلَتْ إِلَى رسول الله وَلِه
بِقَدَحِ لَبَنٍ وَهُوَ وَاقِفٌ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَشَرِبَهُ. زَادَ مَالِكٌ، عَنْ
أَبِي النَّصْرِ: عَلَى بَعِيرِهِ.
الشرح :
الذي أراه تقديم الأحاديث الواردة في الباب، ثم أجمع بينها
فأقول: روى الترمذي مصححًا، عن كبشة: دخل عليَّ رسول الله
فشرب من في قربة معلقة(١).
وروته كلثم أيضًا أخرجه أبو موسى المديني في كتابه ((معرفة الصحابة))
من حديث يزيد بن جابر، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن جدته كلثم
قالت: دخل عليَّ رسول الله فشرب من قربة معلقة وهو قائم.
ورواه ابن عمر: كنّا نأكل على عهد رسول الله وَّه ونحن نمشي
ونشرب ونحن قيام. أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح غريب، من
حديث عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر. قال: وروي هذا
الحديث أبو البزري، عن ابن عمر(٢).
(١) ((سنن الترمذي)) (١٨٩٢)، وصححه الألباني في ((صحيح الترمذي)) (١٥٤٢).
(٢) ((سنن الترمذي)) (١٨٨١)، وصححه الألباني في ((صحيح الترمذي)) (١٥٣٣).

١٩٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وهذا أخرجه (صاحب ((المنتقى)) ابن الجارود)(١)(٢) الذي زاده على
الصحيحين، وابن حبَّان في ((صحيحه))(٣).
ورواه سعد بن أبي وقاص أنه الشَّيْئا كان يشرب قائمًا، أخرجه
الضياء (٤) في ((صحيحه)) (٥).
وعبد الله بن أنيس أخرجه الطبراني عن الحسن بن عبد الأعلى،
وآخر معه عن عبد الرَّزاق، عن عبد الله بن عمر، عن عيسى بن عبد الله
ابن أنيس، عن أبيه أنَّ النبي ◌َّ أنتهى إلى قربة معلقة فخنثها ثم
شرب وهو قائم(٦).
وعمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: رأيت رسول الله شرب
قائمًا وقاعدًا. أخرجه الترمذي وقال: حسن (٧).
وعائشة: أنه الثَّ شرب قائمًا وقاعدًا أخرجه أبو عليٍّ الطوسي من
حديث الزبيدي قال: حدثني مكحول: أن مسروق بن الأجدع حدثه عن
(١) في الأصل: (صاحب ((المنتقى)) في جاروده) وهو تحريف؛ ولذا ورد بهامش الأصل
ما نصه: ((المنتقى)) لابن الجارود كذا أعرفه) قلت: والمثبت الأنسب للسياق.
(٢) رواه ابن الجارود في ((المنتقى)) (٨٦٧).
(٣) ((صحيح ابن حبان)) ١٢/ ١٤١ (٥٣٢٢).
(٤) ورد بهامش الأصل ما نصه: ضياء الدين المقدسي محمد بن عبد الواحد صاحب
الصناعة بصالحية دمشق.
(٥) ((المختارة)) ٢١٥/٣ (١٠١٦، ١٠١٧).
(٦) لم أقف على طريق الحسن بن عبد الأعلى، عن عبد الرزاق في المعاجم الثلاثة،
ثم وجدت الطريق الآخر عنده في ((الأوسط)) ٨/٣ (٢٣٠٦) قال: ثنا إبراهيم قال:
أنا عبد الرزاق به. وقال: لا يروى هذا الحديث عن عبد الله بن أنيس إلا بهذا
الإسناد، تفرد به عبد الرزاق. اهـ
(٧) رواه الترمذي في ((سننه)) (١٨٨٣)، وحسنه الألباني في ((صحيح الترمذي)) (٤٢٧٦)،
وحسنه في ((مختصر الشمائل)) (١٧٧).

١٩٣
كِتَابُ الأَشرِبَةِ
=
عائشة، ثم قال: حديث غريب.
وأم سليم أخرجه ابن شاهين من حديث ابن أبي عاصم، عن
ابن جريج، عن عبد الكريم -يعني: الجزري- عن البراء ابن بنت
أنس، عن أنس: أن أم سليم حدثتهم: أن رسول الله وَلل دخل عليهم
فأتي بقربة فشرب قائمًا (١) .
وعنده أيضًا أنه التَِّ مرَّ ببرمة تفور بلحم فأخذ منهم قطعة، فلم يزل
يلوكها حتى دخل في الصف.
وأم المنذر قالت: دخل عليَّ رسول الله وَّ، ولي دوالٍ معلقة فقام
فأكل منها، أخرجه أبو داود بإسناد حسن (٢) .
وأخرجه ابن أبي عاصم من حديث ابن عباس أنه القَّ كان يمر
بالقدر فيتناول منها العرق فيصيب منه وهو يريد الصلاة.
ولأبي محمد بن أبي حاتم الرازي بإسناد جيدٍ من حديث عبد الله بن
السائب بن خباب، عن أبيه، عن جده قال: رأيت رسول الله وَّ قام إلى
فخار فيها ماء فشرب قائمًا .
وفيه آثار عن الصحابة، وغيرهم أيضًا:
ففي ((الموطأ)): أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﴾، وعثمان بن
عمَّان وعليَّ بن أبي طالب رضي الله عنهم كانوا يشربون قيامًا، وكان
سعد بن أبي وقاص وعائشة رضي الله عنهما لا يريان بذلك بأسًا(٣).
وعن أبي جعفر القاري قال: رأيت عبد الله بن عمر يشرب سويقًا قائمًا .
وعن عامر بن عبد الله بن الزبير: أن أباه شرب وهو قائم.
(١) ((الناسخ والمنسوخ)) (٥٧٢).
(٢) (سنن أبو داود)) (٣٨٥٦) وحسنه الألباني في ((الصحيحة)) (٥٩).
(٣) ((الموطأ)) ٥٧٦/١.

١٩٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وفي ((المصنف)) لوكيع بن الجراح، عن عباد بن منصور قال: رأيت
سالم بن عبد الله شرب وهو قائم.
وحدثنا ابن عجلان قال: سألت إبراهيم عن الشرب قائمًا؟
فقال: لا بأس به، إن شئت قائمًا، وإن شئت قاعدًا (١).
وفي ((مصنف بن أبي شيبة)) حدثنا ابن مهدي، عن سفيان، عن
واقد، عن زاذان أنه قال: لا بأس بالشرب قائمًا .
وحدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا أبو سعيد الهمذاني قال: رأيت
الشعبي يشرب قائمًا وقاعدًا .
وحدثنا غندر، عن شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة قال: سألت
طاوسًا وسعيد بن جبير عن الشرب قائمًا، فلم يريا به بأسًا .
وحدثنا يحيى بن يمان، عن عبد الملك بن أبي سليمان قال: قال لي
سعيد بن جبير: أشرب قائمًا .
وحدثنا أبو الأحوص، عن عبد الله بن شريك، عن بشر بن غالب
قال: رأيت الحسين بن عليٍّ يشرب قائمًا. وحدثنا حفص بن غياث،
عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال:
كنّا نشرب ونحن قيام، ونحن نمشي على عهد رسول الله وَالية (٢)،
وسلف عن الترمذي(٣) .
وقد روي خلاف ذلك؛ وكأن البخاري لمحه بالترجمة مما ليس على
شرطه، ففي أفراد مسلم من حديث همَّام، عن قتادة، عن أنس أنه العَّ
(١) رواه عنه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) ١٠٠/٥.
(٢) هذه الآثار بتمامها رواها ابن أبي شيبة ٩٩/٥ -١٠٠.
(٣) سبق تخريجه آنفًا.

١٩٥
كِتَابُ الأَشرِبَةِ
=
زجر عن الشرب قائمًا(١). وله أيضًا عن همَّام، ثنا قتادة، عن أبي عيسى
الأسواري، عن أبي سعيد مثله(٢). وله أيضًا من حديث أبي غطفان
المري سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله وَ لـ: ((لا يشربن
أحدكم قائمًا من نسي فليستقى))(٣).
وللأثرم، عن معمر، عن الأعمش، عن أبي صالح عنه مرفوعًا: ((لو
يعلم الذي يشرب قائمًا لاستقاءه)) (٤).
وفي حديث أبي زياد، عن أبي هريرة: أن رجلًا شرب قائمًا، فقال
له التَّ: ((أتحب أن يشرب معك الهرُّ؟)) قال: لا. قال: ((قد شرب معك
من هو شر منه الشيطان))(٥).
وللترمذي من حديث سعيد، عن قتادة، عن أبي مسلم الجذمي، عن
الجارود بن المعلى أنه التّ نهى عن الشرب قائمًا .
ثم قال: حسن غريب، وهكذا روى غير واحد هذا الحديث(٦).
وروي عن قتادة، عن يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن أبي مسلم،
عن الجارود أنه التَّه قال: ((ضالة المؤمن حرق النار))(٧) وقد سلف عن
أم قيس خلافه، وذكر أنه روى ذلك أيضًا عن رسول الله وَل من رواية
(١) مسلم (٢٠٢٤) كتاب: الأشربة، باب: كراهية الشرب قائمًا.
(٢) مسلم (٢٠٢٥) كتاب: الأشربة، باب: كراهية الشرب قائمًا.
(٣) مسلم (٢٠٢٦) كتاب: الأشربة، باب: كراهية الشرب قائمًا.
(٤) «ناسخ الحدیث ومنسوخه)) ص ٢٢٨.
(٥) رواه أحمد ٣٠١/٢، والدارمي ١٣٥١/٢ (٢١٧٤).
(٦) ((سنن الترمذي)) (١٨٨١).
(٧) أحمد ٥/ ٨٠ ورواه النسائي في ((الكبرى)) ٤١٥/٣، وغيرهم وصححه الألباني في
((الصحيحة)) (٦٢٠).

١٩٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ===
شريك، عن حميد عنه وهو مروي في ((مسند البزار)): أنه شرب لبنًا،
فقال: فقد يدعى النسخ لكن يحتاج إلى معرفة التاريخ.
قال الأثرم في ((ناسخه)): حديث أنس في الكراهة جيد الإسناد إلا أنه
قد جاء عنه خلافه وأنه الكَيْئا شرب وهو قائم، فلما جاءت عنه أحاديث
الرخصة فقد يمكن أن يكون هذا أصح الخبرين، وإن كان حديث
الكراهة أثبت، ألا ترى أنه ربما روى الليث حديثًا فيخالفه فيه من هو
دونه فتكون رواية من هو دونه أصوب، وليس ذلك في كل شيء،
وسيفتح لك منه بابًا قد كان سالم يقدم على نافع، وقد قدم نافع في
أحاديث على سالم فقيل: نافع هو فيها أصوب. وكان سفيان بن
سعيد يقدم على شريك في صحة الرواية تقديمًا شديدًا، ثم قضي
لشريك على سفيان في حدیثین ومثله نمير.
وأمَّا حديث أبي عيسى الأسواري، عن أبي سعيد فليس هو بالمشهور
بالعلم ولا نعرف له عن أبي سعيد غير هذا الحديث وآخر(١). وقال
أحمد: لا أعلم روى عن أبي عيسى غير قتادة(٢) ومن كان موصوفًا
بهذا من غير أصحابه، كما لا يقبل حديثه جماعة من العلماء.
وأمَّا حديث أبي هريرة فقد سلف في لفظ ما يوجب التوقف عن
العمل به لاسيَّما ورواية عمر بن حمزة(٣) وهو ممن قال فيه أحمد:
(١) ((الناسخ والمنسوخ)) ٢٢٩/١ - ٢٣٠.
(٢) انظر: ((الجرح والتعديل)) ٩/ ٤١٢.
(٣) يشير المصنف إلى ما رواه مسلم في ((صحيحه)) (٢٠٢٦) بلفظ ((لا يشربن أحد منكم
قائمًا، فمن نسي فليستقيء)) ورد النووي على من قال بتضعيف الحديث أو نسخه
فقال في ((شرح مسلم)) ١٣ / ١٩٥ : وليس في هذه الأحاديث (يقصد أحاديث النهي
عن الشرب قائمًا) بحمد الله تعالى إشكال ولا فيها ضعف بل كلها صحيحة
والصواب فيها أن النهي محمول على كراهة التنزيه ..

١٩٧
= كِتَابُ الأَشْرِبَةِ
أحاديثه مناكير(١)، وضعفه جماعة منهم ابن معين والنسائي (٢).
ولمَّا ذكر الأثرم حديث معمر، عن الأعمش المذكور قبل، قال:
كان معمر يضطرب في حديث الأعمش ويخطئ فيه، وقد تفرد به
هنا، وأيضًا أبو زياد ليس المشهور في الحديث ولا أعرف له عن أبي
هريرة غيره، ثم أبين من ذلك أنه سُئل أبو هريرة عن الشرب قائمًا؟
فقال: لا بأس به، فكان هذا الخبر ساقطًا(٣)؛ إذ لا يجوز لأبي
هريرة ولا لغيره من المسلمين أن يسمع من رسول الله وَالر حديثًا
ويفتي بخلافه؛ إلَّا لشيء ظهر له.
وقد ذكر الطّحاوي في ((مشكله)) ما يبين العلة في كراهة الشرب
قائمًا، وهو أنه شرب ولم يسم، فقال له التقنية الحديث (٤).
وأمَّا قول المازري عن بعض الشيوخ: الأظهر أنه موقوف على أبي
هريرة(٥). فلا يساوي سماعه؛ لأن الأحاديث لا ترد بالاحتمالات،
قال: ولا خلاف بين أحد من أهل العلم أنه ليس عليه أن يستقيء.
وأمَّا حديث الجارود فقد رده الطوسي بأنه لمَّا ذكر حديث
ابن الشخير إثر حديث قتادة، عن أبي مسلم قال: هو أشبه.
قال الأثرم: ونرى مع هذا أنه إن كانت الكراهة بأصل ثابت أن
الرخصة بعدها؛ لأنَّا وجدنا العلماء من الصحابة على الرخصة(٦).
(١) ((علل الحديث)) ٥٠٦/٢ (٣٣٣٦).
(٢) (تاريخ يحيى بن معين)) برواية الدوري ٤٢٧/٢، و((الضعفاء)) للنسائي ص ٨٤
(٤٧٠).
(٣) ((ناسخ الحديث ومنسوخه)) ٢٢٩/١.
(٤) أنظر: ((شرح مشكل الآثار)) ٤٣٨/٦-٤٤٥ وليس فيه التصريح بذلك.
(٥) («المعلم بفوائد مسلم)) ٢/ ٢١٧.
(٦) ((ناسخ الحديث ومنسوخه)) ٢٣٠/١.

١٩٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
ولئن سلمنا صحة الكراهة فيكون محمولًا على الإرشاد والتأديب
لا على التحريم، كما ذكره الطبري في ((تهذيبه))؛ قال: ولم يرد
أحد الخبرين ناسخًا للآخر، ولا يجوز أن يكون منه القيا تحريم
شيء بعد إطلاقه أو عكسه، ثم لا يعلم أمته أي ذلك الواجب عليهم
العمل به.
وقد روي في سبب النهي عن ذلك حديث فيه نظر رواه بقية عن
إسحاق بن مالك، عن محمد بن إبراهيم، عن الحارث بن فضيل،
عن جعفر بن عبد الله، عن ابن عمر مرفوعًا: ((من أصابه داء في
إحدى ثلاث لم يشف: أن يشرب قائمًا، وأن يمشي في نعل واحدة
أو يشبِّك بين أصابعه)) (١).
وهذا الحديث وإن كان مما لا يعتمد عليه لضعفه، فإن كان في
الإجماع حجة على أن النَّهي عن الشرب قائمًا على غير وجه التحريم،
منهم من أوَّله وذكر أبو الفرج الثقفي في ((نصرة الصحاح)) أنه أراد بقوله:
قائمًا: ماشيًا، قال تعالى: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَبِمَا﴾ [آل عمران: ٧٥]
أي: مواظبًا بالمشي عليه، والعرب تقول: قم في حاجتنا. أي:
أمش فيها .
ويقال: قام في هذا الأمر وقعد. وتكون علته أنه لا يتمكن من
الشرب فندب الشارع إلى الطمأنينة للتمكن منه.
وذهب بعضهم - فيما حكاه القرطبي - إلى أن النهي عن ذلك؛ مخافة
(١) لم أقف عليه مسندًا .
وذكره صاحب ((الكنز)) (٤٤٣٥١) بلفظ: ((من أصابه في الجن إحدى ثلاث .. )).
الحديث وعزاه لابن جرير في ((تهذيب الآثار)) ولم أقف عليه في المطبوع منه. ثم
قال: سنده ضعیف واهٍ، لا يعتمد على مثله.

١٩٩
كِتَابُ الأَشْرِبَةِ
=
شرقة أو يمثل له وجع في كبده أو حلقه، وشربه قائمًا لأمنه من ذلك(١)،
وقال ابن بطال: إنما رسم البخاري هذا الباب؛ لأنه قد روي عن رسول
الله ◌َّ آثار فيها كراهة الشرب قائمًا، فلم يصح عنده وصحت عنده
أحاديث الإباحة في ذلك، وعمل بها الخلفاء بعد رسول الله وَ الّه،
وقال بها أئمة الفتوى.
وروى الطبري: عن عمر أنه شرب قائمًا، وعن عليٍّ وسعد وابن
عمر وعائشة وأبي هريرة مثله، وعن إبراهيم وطاوس وسعيد بن جبير
مثله أيضًا، وروي عن أنس كراهته، وعن أبي هريرة مثله، وبه قال
الحسن البصري. والدليل على جواز أن الأكل مباح قائمًا -وعلى كل
حال- فكذلك الشرب(٢) .
وقال ابن التين: فعله ذلك لبيان الجواز، وكذا قال الخطابي: إنه
نهي تأديب؛ لأنه أحسن وأرفق بالشارب.
وقال القرطبي: لم يصر أحد من العلماء إلى أن النهي للتحريم، وإن
كان جاريًا على أصول الظاهرية والجمهور على الجواز، فمن السلف
أبو بكر وعمر وجمهور الفقهاء متمسكين بشربه - القليل- قائمًا من
زمزم، وكلهم رأوا في هذا الفعل منه متأخرًا عن أحاديث النهي، فإنه
كان في حجة الوداع، ورواية ابن عباس وصحبته متأخرة عن صحبة
أولئك فهو ناسخ، وتحقق بذلك فعل الخلفاء الأربعة، ويبعد أن
يخفى عليهم تلك الأحاديث(٣).
(١) ((المفهم)) ٢٨٦/٥.
(٢) ((شرح ابن بطال)) ٦/ ٧٢.
(٣) ((المفهم)) ٢٨٥/٥.
٠

٢٠٠
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وقد قال أبو عمر، عن مالك: إذا أعيانا أمر ولا نعرف الناسخ فيه
من المنسوخ نظرنا إلى فعل الشيخين، فعلمنا أنه الآخر من الأمرين (١)،
فكيف بالصحابة الباقين وقد قال الليهي: ((اقتدوا بالذين من بعدي
أبي بكر وعمر)) (٢) وهذا وإن لم يصلح للنسخ فيصلح لترجيح أحد
الحديثين على الآخر، ويكون النهي هنا يقتضي التفرقة ومن خبّر وهو
ابن حزم وزعم أن حديث النهي نسخ الآخر بقوله: لا يحل الشرب
قائمًا فأمَّا الأكل مباح، ثم قال: فإن قيل: قد صحَّ عن عليٍّ وابن
عباس أنه القَّا شرب قائمًا .
قلنا: نعم، والأصل إياحة الشرب على كل حال من قيام وقعود
وإضجاع، فلمَّا صحَّ النهي عنه قائمًا كان ذلك -بلا شك- ناسخًا
للإباحة، مجال مقطوع به أن يعود المنسوخ ناسخًا ثم لا يثبته، وأقل
ما في هذا على أصول المخالفين أن لا يترك اليقين للمظنون وهم
على يقين من نسخ الإباحة السابقة، ولمَّ يأت في الأكل نهي إلّا عن
أنس من قوله(٣). فيتوقف.
في قوله كما قدمنا للجهل بالتاريخ، ولأنه لا يصار إلى النسخ إلّا مع
إمكان عدم الجمع بين الأحاديث.
(١) «التمهيد)) ٣٥٣/٣-٣٥٤.
(٢) رواه الترمذي (٣٦٦٢)، وابن ماجه (٩٧) وأحمد ٤٠٢/٥ وغيرهم، وقال
الترمذي: حسن. من حديث أبي حذيفة بن اليمان. وصححه الألباني في ((الصحيحة))
(١٢٣٣).
وفي الباب عن ابن مسعود، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمر وصحح الألباني
الحديث بشواهده في ((الصحيحة)) (١٢٣٣).
(٣) ((المحلى)) ٥١٩/٧-٥٢٠.