النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
كِتَابُ الأَشْرِبَةِ
=
محمد بن إسماعيل: أبان والد يزيد لم يصح حديثه(١)، وقال أبو حاتم
الرازي، روى حديثًا واحدًا ولا يصح(٢).
وقال الدارقطني: له حديث واحد(٣)، وقال ابن عدي: لا يحدث
عنه إلا أبيه يزيد بحديث مظلم المخرج (٤)، قلت: لعله هذا.
فصل :
ومنها مرسل سعيد بن المسيب أنه التَّه قال: ((الخمر من العنب
والسكر من التمر والمزر من الحنطة والبتع من العسل فكل مسكر حرام).
قال ابن حزم: فيه إبراهيم بن أبي يحيى وهو مذكور بالكذب، ولو
صح لكان حجة عليهم لأن فيه ((كل مسكر حرام))، وليس في قوله:
الخمر من العنب مانع أن يكون من غيره إذا صح بذلك نص، وقد
(٥)
صح (٥).
فصل :
ومنها مرسل مجاهد رواية ابن جريج عن رجل لم يسم عنه: أنه التعليمي
شرب من نبيذ سقاية زمزم فقطب وجهه ثم صب عليه الماء مرة بعد مرة ثم
شرب منه .
ومنها ما رواه سماك وهو ضعيف عن قرصافة أمرأة منهم وهي
مجهولة، عن عائشة أنها قالت: أشربوا ولا تسكروا(٦).
(١) ((التاريخ الكبير)) ٤٥١/١ (١٤٤٢).
(٢) ((الجرح والتعديل)) ٢٩٥/٢ (١٠٨٥).
(٣) ((الضعفاء والمتروكين)) ص١٤٩ (١٠٤).
(٤) ((الكامل في الضعفاء)) ٢٨٣/٧.
(٥) ((المحلى)) ٤٨٥/٧.
(٦) رواه النسائي ٣٢٠/٨.

٨٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
ورواه إسرائيل عن سماك بلفظ: ((اشربي، ولا تشربي مسكرًا)) قال:
وسماك عن قرصافة، ومرة [قال](١): لنا عليهم، ومرة: لا لنا ولا لهم (٢).
وقال أحمد(٣): الحديث الذي روته غير ثابت، وقرصافة لا ندري
من هي والمشهور عن عائشة رضي الله عنها خلاف ما روت(٤).
وقال النسائي بعد أن روى هذا الأثر: حديثها في الأوعية لا يصح
ومنها خبر رواه ابن جريج عن (الإسماعيلي)(٥) مرسلًا: (أن رجلًا عب
في نبيذ خمر فسكر فضربه عمر الحد لما أفاق، ومنها خبر من حديث
ابن أبي مليكة قال)(٢): حدثني وهب بن الأسود ولا ندري من هو
كما قال ابن حزم(٧) -وإن ذكره ابن حبان في ((ثقاته)) (٨) - قال: أخذنا
زبيبًا فأكثرنا منه في (أدواتنا)(٩) وأقللنا الماء فلم يلق عمر حتى عدى
طوره فأخبرنا بأنه قد عدى طوره وأريناه إياه، فوجده شديدًا وكسره
بالماء ثم شرب.
(١) ليست بالأصل، والمثبت من ((المحلى))
(٢) ((المحلى)) ٤٨٦/٧.
(٣) هو ابن شعيب، يعني النسائي.
(٤) ((سنن النسائي)) ٣٢٠/٨.
(٥) كذا بالأصول، ولعله إسماعيل بن أمية شيخ ابن جريج، كما في ((المحلى)) ٧/ ٤٨٧.
(٧) ((المحلى)) ٧/ ٤٨٧.
(٦) زيادة من (غ).
(٨) ((الثقات)) ٤٨٩/٥. قلت: كذا هنا: ولا ندري من هو، وقد ذكره ابن عبدالبر في
((الاستيعاب)) ١٢٠/٤؛ فقال: ابن خال رسول الله صل﴾. وذكر ابن حجر في
((الإصابة)) ٤٦/١ باسم الأسود بن وهب، وقال أبو نعيم في ((معرفة الصحابة))
٢٧١٨/٥: مختلف في صحبته. وقال مغلطاي في ((الإنابة)) ٢٣٩/٢: لا تصح له
صحبة. وقيل: فيه الأسود بن وهب. وقال البخاري في ((تاريخه)) ١٦٣/٨: لقي
عمر، وروى عنه ابن مليكة.
(٩) كذا في الأصل: وفي ((المحلى)): أداوانا.

٨٣
- كِتَابُ الأَشْرِبَةِ
ومنها خبر، رواه ابن شهاب عن عمر - ولم يسمع منه، ولا يمكن-
أتى بسطيحة فيها نبيذ قد اشتد بعض الشدة، فذاقه، ثم قال: بخ بخٍ،
(أكسروا)(١) بالماء، ومنها خبر رواه سعيد بن منصور، ثنا ابن عليه
عن الحذاء، عن أبي المعدل، عن ابن عمر رضي الله عنهما أن عمر
ينبذ له في ذي خمسة عشر قائمة، فجاء فذاقه، فقال: كأنكم أقللتم
عكره. قال ابن حزم: أبو المعدل مجهول(٢).
قلت: قد عرفه الحاكم أبو أحمد، ووثقه ابن حبان، ومنها خبر رواه
شريك عن فراس، عن الشعبي، عن علي.
قال ابن حزم: ولم يسمع منه أن رجلًا شرب من إدواة فسكر فجلد
الحد، ولو صح لم تكن فيه حجة لهم؛ لأنه ليس (فيه)(٣) أن عليًا شرب
من تلك الإدواة بعد ما أسكر ما فيها. وفي رواية مجالد عن الشعبي: أن
رجلًا شرب من طلاء فضربه على الحد، فقال الرجل: إنما شربت
ما أحللتم، فقال علي: إنما جلدتك؛ لأنك سكرت (٤).
قلت: عدم سماعه من علي فيه وقفة؛ لأنه محتمل فإن الشعبي ولد
سنة عشرين كما قال ابن السمعاني(٥)، أو سنة إحدى وعشرين كما قال
الشمشاطي، وقال ابن البطال: سِنَّهُ محتملة لإدراك علي (٦).
وقال الحاكم: رآه، وقال الدارقطني في ((علله)): سمع منه حرفًا،
وقد احتج به ابن حزم نفسه في حديث ذكره في الحيض، ومنها خبر
رويناه صحيحًا، كما قال ابن حزم عن أبي هريرة قال: إذا أطعمك
(١) في ((المحلى)): اكسره.
(٣) من (غ).
(٥) ((الأنساب)) ٣٤٢/٧.
(٢) ((المحلى)) ٤٨٧/٧.
(٤) ((المحلى)) ٤٨٨/٧.
(٦) ((علل الدار قطني)) ٤ / ٩٧.

٨٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
أخوك المسلم طعامًا فكل وإذا سقاك شرابًا فاشرب، فإن رابك فاسججه
بالماء، قال: ولا حجة لهم فيه؛ لأنه ليس فيه إباحة النبيذ المسكر
لا بنص ولا بدليل ولا إباحة ما حرم كالخمر وغيره ولا إباحة
الخمر، وإنما فيه لا تفتش على أخيك المسلم وأن يسج النبيذ إذا
خيف أن يسكر بالماء، وهم لا يقولون بهذا، وهو موافق لقولنا إذا
كان يحيله عن الشدة إلى إبطالها، وصح عن أبي هريرة تحريم
المسكر جملة (١) .
ولابن أبي عاصم بإسناد جيد من حديث أبي هريرة : أتيت رسول
الله وَّهُ بنبيذ فقال ((ادنه)) فإذا هو ينش، فقال: ((اضرب بهذا الحائط فإنه
شراب من لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر)) (٢).
ومن حديث مسلم بن خالد، عن زيد بن أسلم، عن شمر، عن أبي
صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا (٣): ((كل مسكر حرام)) فإن كان
الشراب مسكرًا فقد ثبت تحريمه بنص حديث أبي صالح أن يكسره
بالماء؛ لأنه یسکر أو لعله غير ذلك.
ولابن سعد: ثنا وكيع، عن على بن المبارك، عن يحيى بن أبي
كثير، عن سالم: سمع أبا هريرة يقول: من رابه من شدة فليشن عليه
الماء فيذهب حرامه ويبقى حلاله.
ومنها خبر رواه ابن أبي شيبة عن وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد،
عن عثمان بن قيس أن جرير بن عبد الله سقاهم عسلًا وشرب هو الطلاء،
(١) ((المحلى)) ٤٨٨/٧.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) ورد في هامش (غ): إذا دخل أحد على أخيه. الحديث، قال ابن أبي عاصم ( ... ).

٨٥
كِتَابُ الأَشْرِبَةِ
==
وقال: هذا يستنكر منكم ولا يستنكر مني، قال: وكانت رائحته توجد من
هنالك وأشار إلى أقصى الحلقة(١).
قال ابن حزم: عثمان مجهول (٢)، قلت: قد ذكره ابن حبان في
((ثقاته))(٣).
ومنها خبر رواه ابن أبي ليلى -وهو سيئ الحفظ- عن أخيه عيسى أنه
أبصر عند أنس بن مالك طلاءً شديدًا وهو مع ضعفه يحتمل أن يريد
بالتشديد الخاثر وهي صفة الزبيب المطبوخ الذي لا يسكر (٤).
قال ابن حزم: ومنها خبر رواه ابن أبي شيبة من حديث سماك عن
رجل أنه سأل الحسن بن علي عن النبيذ، فقال: اشرب فإذا رهبت أن
(٥)
تسکر فدعه(٥).
قال ابن حزم: لا يصح هذا عن الحسن أصلًا، قال: وعن
عبد الرحمن بن أبي ليلى من طريق أبي فروة أنه شرب معه نبيذ جر
فيه دردي.
وعن ابن أبي وائل مثله.
وعن النخعي والشعبي وعن الحسن أنه كان يجعل في نبيذ عكرًا،
وقد خالف هؤلاء ابن سيرين وابن المسيب فصح عنهم المنع من العكر.
قال ابن المسيب: هو خمر (٦).
(١) ((المصنف)) ٩٠/٥ (٢٣٩٨٩).
(٢) ((المحلى)) ٤٨٨/٧.
(٣) ((الثقات)) ١٥٨/٥.
(٤) ((المحلى)) ٤٩٨/٧.
(٥) ((المصنف)) ٧٨/٥ (٢٣٨٦٢).
(٦) ((المحلى)) ٤٨٩/٧، ٤٩٠.

٨٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
فصل :
وذكر إباحته ابن أبي شيبة في ((مصنفه))، عن أبي الدرداء وسويد بن
غفلة وزر بن حبيش وابن أبي ليلى عن جماعة من أهل بدر وأبي ذر
وعمرو بن شرحبيل وعبد الله بن ذئب وعمارة ومرة الهمذاني وعمرو بن
ميمون ومحمد وعلي بن الحسين والحسن بن أبي الحسن وهبيرة بن یریم
والحارث الأعور وعلقمة بن قيس وعبد الرحمن بن يزيد وماهان الحنفي
وإبراهيم وبكر بن ماعز والشعبي (١)، وقد أسلفنا عن ابن المبارك لم يصح
إباحة النبيذ عن أحد إلا عن إبراهيم النخعي وحده، وقد بسطنا هذا
الموضع على خلاف العادة لتدفع هذه المقالة العجيبة ويتقرر ردها
ولله الحمد.
(١) ((المصنف)) ٧٧/٥-٨١.

٨٧
= كِتَابُ الأَشْرِبَةِ
٢ - باب الخَمْرُ مِنَ العِنَبِ
٥٥٧٩ - حَدَّثَنَا الَحَسَنُ بْنُ صَبَّاحِ، حَدَّثَنَا نُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ - هُوَ
ابن مِغْوَلٍ - عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: لَقَدْ حُرِّمَتِ الَخَمْرُ، وَمَا
بِالْدِينَةِ مِنْهَا شَيْءٌ. [انظر: ٤٦١٦ - فتح ١٠/ ٣٥]
٥٥٨٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ يُونُسَ،
عَنْ ثَابِتِ البُنَائِّ، عَنْ أَنَسِ قَالَ: حُرِّمَتْ عَلَيْنَا الَخَمْرُ حِينَ حُرِّمَتْ، وَمَا نَجِدُ -
يَغْنِي: بِالْدِينَةِ - ◌َمْرَ الأَغْتَابِ إِلَّ قَلِيلًا، وَعَامَّةُ خَمْرِنَا البُسْرُ وَالتَّمْرُ. [انظر: ٢٤٦٤ -
مسلم: ١٩٨٠ - فتح ٣٥/١٠]
٥٥٨١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَخْيَى، عَنْ أَبِي حَيَّانَ، حَدَّثَنَا عَامِرٌ، عَنِ ابن عُمَرَ
رضي الله عنهما: قَامَ عُمَرُ عَلَى اِنْبَرِ فَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ، نَزَلَ تَحْرِيمُ الَخَمْرِ وَهْيَ مِنْ
خَمْسَةٍ: العِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالْعَسَلِ، وَالْخِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ العَقْلَ. [انظر:
٤٦١٩ - مسلم: ٣٠٣٢ - فتح ٣٥/١٠]
ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ رضي الله عنهما، قَالَ: لَقَدْ حُرِّمَتِ
(الْخَمْرُ) (١)، وَمَا بِالْمَدِينَةِ مِنْهَا شَيْءٌ.
وحديث أنس رضي الله عنهما قَالَ: حُرِّمَتْ عَلَيْنَا الخَمْرُ (حِينَ
حُرِّمَتْ) (٢)، وَمَا نَجِدُ -يَعْنِي: بِالْمَدِينَةِ - خَمْرَ الأَعْنَابِ إِلَّا قَلِيلًا،
وَعَامَّةُ خَمْرِنَا البُسْرُ وَالتَّمْرُ، وهما من أفراده.
وحديث أبي حيان حين حرمت واسمه يحيى بن سعيد بن حيان
التيمي ثَنَا (أبو عَامِرٍ)(٣)، قال: قَامَ عُمَرُ عَلَى المِنْبَرِ فَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ،
نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ وَهْيَ مِنْ خَمْسَةٍ: العِنَبِ، وَالثَّمْرِ، وَالْعَسَلِ،
وَالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ العَقْلَ.
(١) من (غ).
(٢) من (غ).
(٣) كذا بالأصل، والصواب: عامر، وهو الشعبي كما في كتب المتون.
'۴

٨٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
الشرح :
فيه رد على الكوفيين في قولهم: إن الخمر من العنب خاصة وأن كل
شراب يتخذ من غيره فغير محرم ما دون السكر منه، وهذا التفسير من
عمر مقنع كما قال المهلب: ليس لأحد أن يسود فيقول إن الخمر من
العنب وحده؛ فهؤلاء الصحابة فصحاء العرب والفهماء عن الله
ورسوله قد فسروا عين ما حرم الله، وقال: إن الخمر من خمسة
أشياء، وقد أخبر الفاروق بذلك حكاية عما نزل من القرآن وتفسيرًا
للجملة وقال: الخمر ما خامر العقل، وخطب بذلك على منبره العليا
بحضرة الصحابة من المهاجرين والأنصار وغيرهم ولم ينكره أحد
فصار كالإجماع.
وهذا ابن عمر يقول: حرمت الخمر وما بالمدينة منها شيء، يعني :
خمر العنب فإنه المشهور باسمها، وكذا قول أنس وما يجد خمر
الأعناب إلا قليلًا، وممن روي عنه من الصحابة أن الخمر تكون من
غير العنب وإن كان لا يخالف، فيهم عمر وابنه وعلي وأبو موسى
وابن عباس وأبو هريرة وسعد وعائشة.
ومن التابعين سعيد بن المسيب وعروة وعمر بن عبد العزيز في تابعي
أهل المدينة من أهل الكوفة ابن مسعود روى عنه في نقيع التمر أنه خمر،
وبه قال الشعبي وابن أبي ليلى والنخعي والحسن البصري وعبد الله بن
إدريس الأودي وسعيد بن جبير وطلحة بن مصرف، كلهم قالوا: المسكر
خمر، وهو قول مالك والأوزاعي والثوري وابن المبارك والشافعي
وأحمد وإسحاق وعليه أهل الحديث.
وروى صفوان بن محرز قال: سمعت أبا موسى على المنبر يقول:
ألا أن خمر أهل المدينة البسر والتمر وخمر أهل فارس العنب، وخمر

٨٩
بـ كِتَابُ الأَشْرِبَةِ
أهل اليمن البتع وهو العسل، وخمر الحبشة السكركة وهو الأرز(١).
قال إسماعيل بن إسحاق: فإذا تبين أن الخمر تكون من هذا كله
وجب أن يجري كله مجرًا واحدًا، وأن لا نفرق بين السكر من العنب
والسكر من غيره، والمزر يصنع من الشعير وهو الجعة أيضًا.
فصل :
أسلفنا أن الحكم في التحريم لا يتعلق بعين الخمر وكل ما أسكر
فهو ملحق به.
وقال أبو حنيفة: المحرم عصير العنب النيِّئ، فمن شرب منها ولو
نقطة حد، وما عداها لا يحد إلا مما أسكر منه (٢)، وموضع الرد عليه
من الحديث: أنهم كانوا يشربون بالمدينة الفضيخ وهو ما يتخذ من
البسر والتمر، فلما جاءهم منادي رسول الله: أن الخمر حرمت
امتنعوا وكسروا الجرار ولم ينكروا ولا قالوا: إنما كنا نشرب الفضیخ،
بل قبلوا وامتنعوا، فلولا أنهم عندهم خمر ما امتنعوا منه، فإذا ثبت
بالسنة وإجماع الصحابة أن هذِه الأشربة تسمى خمرًا فهي داخلة في
قوله تعالى: ﴿إِنََّا الْخَرُ﴾ [المائدة: ٩٠] إلى قوله: ﴿فَأَجْتِبُوهُ﴾
[المائدة: ٩٠] فهو حرام بنص القرآن وقد سلف.
قال الخطابي: وذهب غير واحد من فقهاء الكوفة إلى أن الخمر إنما
هي من العنب والرطب. وقول الفاروق: والخمر ما خامر العقل؛ دال
على جواز إحداث الأسم بالقياس، أخذه من طريق الاشتقاق، وزعم
قوم أن العرب لا تعرف النبيذ المتخذ من التمر خلًا، فقال: إن
(١) رواه ابن عبد البر في ((التمهيد)) ١٦٨/٥.
(٢) ((بدائع الصنائع)) ٤٩٦/٥.

٩٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
الصحابة الذين سموا الفضيخ خمرًا عرب فصحاء، فلو لم يصلح هذا
الاسم لم يطلقوه عليها(١).
فرع :
قال ابن حبيب: لا تشرب الفضيخ وإن لم تسكر؛ لأنه البسر
والرطب جميعًا يهشان لينتبذان، وهما الخليطان اللذان نهى الشارع
عنها .
قال ابن التين: والذي ذكر أهل اللغة أن الفضيخ شراب يتخذ من
بسر وحده من غير أن تمسه النار.
فصل :
ذكر صاحب ((الهداية)) من الحنفية أن الأشربة المحرمة أربعة: الخمر
وهو عصير العنب إذا غلا واشتد وقذف بالزبد، وهو قول أبي حنيفة،
والعصير إذا طبخ حتى يذهب أقل من ثلثيه وهو الطلاء، ونقيع التمر
وهو السكر، ونقيع الزبيب إذا اشتد وغلا، فأما الخمر فماهيتها أنها
من ماء العنب إذا صار مسكرًا وهذا عندنا وهو المعروف عند أهل
اللغة وأهل العلم.
وقال بعض الناس: هو اسم لكل مسكر؛ لقوله الفيفا: ((كل مسكر
خمر)) وقوله: ((إن الخمر من هاتين الشجرتين)) وأشار إلى الكرم
والنخلة(٢)؛ ولأنه من مخامرة العقل وهو موجود في كل مسكر قال:
ولنا أنه خاص بإطباق أهل اللغة على ما ذكرنا؛ ولهذا اشتهر
استعماله فيه وفي غيره، ولأن حرمة الخمر قطعية وهي في غيرها
(١) ((أعلام الحديث)) ٢٠٨٦/٣.
(٢) رواه مسلم برقم (١٩٨٥) كتاب: الأشربة، باب: تحريم التداوي بالخمر.

٩١
كِتَابُ الأَشرِبَةِ
=
ظنية. قال: وإنما سمي الخمر خمرًا لتخمره لا لمخامرته العقل على
ما ذكرتم، ولا ينافي كون الاسم خاصًا فيه، فإن النجم منشق من
(النجوم)(١)، ثم هو أسم خاص للنجم المعروف، لا بكل ما ظهر،
وهذا كثير النظير، قال: والحديث الأول طعن فيه يحيى بن معين،
قلت: لا يقبل منه فمن صححه حجة عليه، والثاني أريد لبيان الحكم
إذ هو اللائق بمنصب الرسالة، وعند الشيخين: لا يشترط القذف
بالزبد والخمر حرام غير معلولة بالسكر ولا موقوفة عليه، ومن الناس
من أنكر حرمة عينها، وقال: السكر بها حرام؛ لأن به يحصل
الفساد. وهذا لغو؛ لأنه جحود الكتاب لأنه سماه رجسًا، والرجس
ما هو محرم العين .
وقد جاءت السنة المتواترة بتحريمها، وعليه أنعقد إجماع الأئمة؛
ولأن قايله يدعو إلى كثيره وهذا من خواص الخمر ولهذا يزداد لشاربها
اللذة بالاستكثار منها بخلاف سائر المطعومات، ثم هو غير (معلول)(٢)
عندنا حتى لا يتعدى حكمه إلى سائر المسكرات، والشافعي يعديه إليها
قال: وهذا بعيد؛ لأنه خلاف السنة المشهورة.
قلت: بل الذي قاله هو البعيد، وما قاله الشافعي موافق للسنة
المشهورة كأحاديث الباب وغيره.
قال: وتعليله لتعدية الأسم والتعليل في الأحكام لا في الأسماء
قال: وهي نجسة نجاسة مغلظة كالبول؛ لثبوتها بالدلائل القطعية،
يكفر مستحلها؛ لإنكاره الدليل القطعي، ويسقط عوضها في حق
(١) في (غ): الظهور.
(٢) في الأصل: معلوم، والمثبت من ((الهداية)) ٤/ ٤٤٧.

٩٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
المسلم إذا (أتلفها)(١)، قال: والأصح أنه مال؛ لأن الطباع تميل
[إليها] (٢) وتضن بها(٣).
فرع :
قال ابن حزم: ولا يحل كسر أوانيها، ومن كسرها من حاكم أو غيره
فعليه ضمانها لكن يهريق ويغسل الفخار والجلود والعيدان والحجر،
وهو قول أبي حنيفة والشافعي. وقال مالك: يكسر الفخار والعود
وتشق الجلود ويغسل ما سوى ذلك.
دليل قولنا أن الشارع لما أخبر الرجل بتحريمها فتح المزادة وأهرقها
ولم يأمره بخرقها، وقد نهى عن إضاعة المال.
حجة المخالف أن عكرمة قال: كسر النبي ونَ﴿ كوزًا فيه شراب وشق
المشاعل یوم خيبر.
وروى ابن عمر أنه الكلية شق زقاق الخمر، وكذا رواه أبو هريرة
وجابر؛ ولا يصح كل ذلك.
حديث ابن عمر [أحد طرقه](٤) فيه ثابت بن يزيد الخولاني ولا ندري
من هو (٥)، والثاني: من رواية ابن لهيعة عن أبي طعمة نسير بن ذعلوق
(١) غير واضحة بالأصل، والمثبت من (غ).
(٢) ليست في الأصل، والسياق يقتضيها، والمثبت من المصدر المنقول منه.
(٣)
((الهداية)) للميرغيناني ٤ / ٤٤٦ - ٤٤٧.
(٤)
ليست بالأصل، والمثبت من ((المحلى)).
(٥) طريق ثابت بن يزيد الخولاني، أخرجها الطحاوي في ((شرح مشكل الآثار))
٣٩٧/٨، والحاكم في ((المستدرك)) ١٤٤/٤، والبيهقي في ((سننه)) ٢٨٧/٨، من
طريق ابن وهب، عن عبد الرحمن بن شريح وابن لهيعة والليث بن سعد عن
خالد بن يزيد، عن ثابت بن يزيد الخولاني، عن ابن لهيعة، وسقط من إسناد
الحاكم: ابن لهيعة والليث، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، واعترضه الألباني في =

٩٣
= كِتَابُ الأَشرِبَةِ
وهو لا شيء(١)، والثالث: من رواية عبد الملك بن حبيب الأندلسي وهو
هالك عن طلق وهو ضعيف(٢)، وحديث أبي هريرة فيه عمر بن صهبان
وهو ضعيف(٣)، ولا يصح في هذا الباب شيء (٤)، قلت: عمر ونسير
وثابت وطلق ثقات، وروى ابن أبي عاصم من حديث سفيان عن
السدي، عن يحيى بن عباد، عن أنس أن أبا طلحة سأل رسول الله
عن أيتام ورثوا خمرًا أيجعله خلًا فكرهه، قال: أبو عمر: هذا
صحيح(٥). وأخرجه مسلم في صحيحه أيضًا(٦).
فرع :
قال في ((الهداية)): ومن كان له على مسلم دين فأوفاه ثمن خمره
لا يحل له أن يأخذه ولا للمديون أن يؤديه؛ لأنه ثمن باطل وهو
غصب في يده أو أمانة على حسب ما اختلفوا فيه كما في بيع الميتة
ولو كان الدين على ذمي يؤديه من ثمن الخمر، والمسلم هو الطالب
يستوفيه؛ لأن بيعها فيما بينهم جائز.
= ((الإرواء)) ٣٦٧/٥؛ فقال: أما الصحة فلا، وأما الحسن فمحتمل.
(١) طريق نسير بن ذعلوق -أبي طعمة- رواها أحمد في ((المسند)) ٢/ ٧١، والطحاوي
في ((شرح مشكل الآثار)) ٣٩٩/٨-٤٠٠، قال الهيثمي في ((المجمع)) ٥٤/٥ :
أبو طعمة وثقه محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي، وضعفه مكحول، وبقية
رجاله ثقات.
(٢) طريق عبد الملك عن طلق لم أقف على من أخرجها، وإنما رواه الطحاوي في
((شرح مشكل الآثار)) ٤٠٠/٨، من طريق الربيع بن سليمان، عن طلق، به.
(٣)
لم أقف عليه.
(٤) ((المحلى)) ٥١٧/٧-٥١٨.
(٥) ((الاستذكار)) ٣١٦/٢٤.
(٦) مسلم (١٩٨٣) كتاب: الأشربة، باب: تحريم تخليل الخمر.

٩٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
فرع :
يحرم الانتفاع بها؛ لأن الانتفاع بالنجس حرام، ولأنه واجب
(الاجتناب)(١) وفي الانتفاع إقرار(٢).
قال ابن عبد البر: أجمع المسلمون على نجاسته وأنه كالدم والميتة
ولحم الخنزير إلا ما روى ربيعة بن أبي عبد الرحمن في لفظ من الخمر
شيء (لم أر له ذكرًا)(٣)؛ لأنه خلاف إجماعهم، وقد جاء عنه في مثل؛
رءوس الإبر من لفظ البول نحو ذلك(٤).
فرع :
يحد شاربها وإن لم يسكر؛ لقوله التلّة: ((من شرب الخمر فاجلدوه))
وعليه قام الإجماع، والطبخ لا يؤثر فيها لأنها للمنع من شرب الحرمة
لا لرفعها بعد ثبوتها، إلا أنه لا حد فيها بما لم يسكر منه على ما قالوا.
فرع :
لا يجوز تخليلها عندنا خلافاً لهم.
وعند مالك فيما حكاه ابن حزم عنه: إن تعمد تخليلها لم يحل أكل
ذلك الخل(٥) .
وقال أبو ثور: لا تؤكل تخللت أو خللت، قال ابن حزم: وقولنا هو
قول أبي حنيفة وأبي سليمان رُوي أن عليًا ﴾ كان يصطبغ بخل خمر.
(١) في الأصل: الانجذاب، والمثبت من المصدر المنقول منه، وهو المناسب
للسياق.
(٢) ((الهداية)) للمرغيناني ٤ / ٤٤٧.
(٣) في (غ): لم أر لذكره وجهًا.
(٤) ((التمهيد)) ٢٤٥/١.
(٥) ((المحلى)) ٥١٧/٧.

٩٥
-- كِتَابُ الأَشْرِبَةِ
وعن أبي الدرداء: لا بأس به، وكذا قالت عائشة وابن عمر وابن
سيرين وهو قول الحسن وابن جبير (١).
قال ابن القاسم فيما حكاه ابن عبد البر، عن مالك: لا يحل لمسلم
أن يخلل الخمر لكن يهريقها، وفي رواية أشهب عنه: إذا خللها
النصراني فلا بأس وكذا لو خللها مسلم، والصحيح رواية ابن القاسم،
وهُذِه رواية سوء ولا تصح في هذِه المسألة إلا بما ذهب إليه مالك
والشافعي وأحمد(٢).
فرع :
وأما العصير إذا طبخ حتى ذهب أقل من ثلثيه وهو المطبوخ أدنى
طبخه ويسمى الباذق والمنصف وهو ما ذهب نصفه بالطبخ، وكل
ذلك حرام عندنا إذا غلا واشتد وقذف بالزبد وإذا اشتد، على
الاختلاف.
وقال الأوزاعي: إنه مباح وهو قول بعض المعتزلة لأنه مشروب
طيب وليس بخمر، ولنا أنه رقيق مطرب، ولهذا أن الفساق تجمع
عليه فيحرم شربه دفعًا لفساد التعلق به.
فصل :
وأما نقيع التمر وهو السَّكَرُ وهو النيء(٣) من ماء التمر أي الرطب
فهو حرام.
(١) السابق ٧/ ٥١٧.
(٢) ((الاستذكار)) ٣١٣/٢٤-٣١٥.
(٣) هذا مقارب لما قاله أبو عبيد: السَّكَرُ نقيع التمر الذي لم تمسه النار. أنظر: ((لسان
العرب)) مادة: (سكر).

٩٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وقال شريك بن عبد الله: مباح؛ لقوله تعالى ﴿لَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا
وَرِزْقًا حَسَنَا﴾ [النحل: ٦٧] ولنا إجماع الصحابة (و)(١) ما رويناه من قبل،
والآية محمولة على الابتداء إذ كانت الأشربة مباحة كلها، وقيل: أراد به
التوبيخ معناه - والله أعلم- تتخذون منه سكرًا وتدعون رزقًا حسنًا .
فصل :
وأما نقيع الزبيب فهو حرام إذا اشتد وغلا، ويتأتى فيه خلاف
الأوزاعي إلا أن حرمة هذِه الأشربة دون حرمة الخمر حتى لا يكفر
مستحلها؛ لأن حرمتها اجتهادية وحرمة الخمر قطعية، واعترض هذا
ابن حزم بأن قال: هذا لا شيء؛ لأنا لو وجدنا إنسانًا غاب عنه
تحريم الخمر فلم يبلغه لما كفرناه إلا إذا بلغه وأصر، وكذا النبيذ
لا يكفر من جهله إلا بعد بلوغه والإصرار عليه، قال في («الهداية»:
ولا يجب الحد بشربها حتى يسكر، ويحد شارب قطرة من الخمر،
ونجاستها خفيفة في رواية، وغليظة في أخرى، ونجاسة الخمر غليظة
.(٢)
رواية واحدة(٢) .
(١) في (غ): هو.
(٢) ((الهداية)) ٤٤٩/٤.

٩٧
كِتَابُ الأَشْرِبَةِ
٣ - باب نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ وَهْيَ مِنَ البُسْرِ وَالتَّمْرِ
٥٥٨٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ
إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَّسِ بْنِ مَالِكِ ﴾ قَالَ: كُنْتُ أَسْقِي أَبَا عُبَيْدَةَ
وَأَبَا طَلْحَةَ وَأَبِيَّ بْنَ كَغْبٍ مِنْ فَضِيخِ زَهْوِ وَتَمْرٍ فَجَاءَهُمْ آَتِ فَقَالَ: إِنَّ الَخَمْرَ قَدْ
حُرِّمَتْ. فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: قُمْ يَا أَنَسُ فَأَهْرِقْهَا. فَأَهْرَقْتُهَا. [انظر: ٢٤٦٤ - مسلم: ١٩٨٠-
فتنح ٣٦/١٠]
٥٥٨٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَّا قَالَ: كُنْتُ
قَائِمًا عَلَى الَحَى أَسْقِيهِمْ - عُمُومَتِي وَأَنَّا أَصْغَرُهُمُ - الفَضِيخَ، فَقِيلَ: حُرِّمَتِ الْخَمْرُ.
فَقَالُوا: أَكْفِتْهَا. فَكَفَأْنَا. قُلْتُ لِأَنَّسِ: مَا شَرَابُهُمْ؟ قَالَ: رُطَبَّ وَيُسْرَ. فَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ
أَنَسِ: وَكَانَتْ خَمْرَهُمْ. فَلَمْ يُنْكِزْ أَنَّسٌ.
وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِي أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا يَقُولُ: كَانَتْ خَمْرَهُمْ يَوْمَئِذٍ. [انظر: ٢٤٦٤
- مسلم: ١٩٨٠ - فتح ٣٧/١٠]
٥٥٨٤ - حَدَّثَنَا نُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ أَبُو مَعْشَرِ البَرَّاءُ قَالَ:
سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ حَدَّثَهُمْ:
أَنَّ الَخَمْرَ حُرِّمَتْ، وَالْخَمْرُ يَوْمَئِذٍ البُسْرُ وَالتَّمْرُ. [انظر: ٢٤٦٤ - مسلم: ١٩٨٠ - فتح
٣٧/١٠]
ذكر فيه حديث أنس ﴾ قال: كنت أسقي أبا عبيدة وأبا طلحة
وأبي بن كعب من فضيخ وهو بسر وتمر، فجاءهم آت، فقال: إن
الخمر قد حرمت، فقال أبو طلحة قم يا أنس فأهرقها، فأهرقتها .
حدثنا مسدد، ثنا معتمر عن أبيه قال: سمعت أنسًا قال: كنت قائمًا
على الحي أسقيهم -عمومتي وأنا أصغرهم - الفضيخ، فقيل: حرمت
الخمر، فقالوا: أكفئها، قلت لأنس: ما شرابهم؟ قال: زبيب وبسر،
فقال أبو بكر بن أنس: وكانت خمرهم. فلم ينكر أنس، وحدثني

٩٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
بعض أصحابي أنه سمع أنسًا يقول: كانت خمرهم يومئذ، وعن أنس :
حرمت الخمر يومئذ البسر والتمر.
الشرح :
هذا الحديث يأتي أيضًا في خبر الواحد(١)، وأخرجه في الوليمة(٢)،
ومسلم هنا (٣) .
والقائل: (وحدثني بعض أصحابنا) هو سليمان التيمي والد معتمر،
وقد بينه مسلم؛ إذ رواه عن محمد بن عبد الأعلى، عن معتمر، عن أبيه
قال: حدثني بعض من كان معي أنه سمع أنسًا يقول: كانت خمرهم
يومئذٍ، وعنده أيضًا أنه كان يسقي أبا أيوب وأبا دجانة ومعاذ بن جبل
وسهيل بن بيضاء، وعند أحمد بن حنبل: وما نعدها يومئذٍ إلا خمرًا
وكانوا أحد عشر رجلًا، قال أنس: وكفأتها وكفأ الناس آنيتهم بما
فيها حتى كادت السكك أن تمتنع من ريحها .
قال أنس: وما خمرهم يومئذٍ إلا البسر والتمر مخلوطين وإن عامة
خمورهم يومئذٍ الفضيخ التمر والبسر(٤)، ولابن أبي عاصم: حتى مالت
رءوسهم فدخل داخل فقال: إن الخمر حرمت قال: فما خرج منا خارج
ولا دخل داخل حتى كسرنا القلال وأهرقنا الشراب واغتسل بعضنا
(١) برقم (٧٢٥٣) باب: ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق.
(٢) برقم (٤٦١٧) كتاب: التفسير (سورة المائدة)، باب: قوله: ﴿إِنََّ الْخَفُرُ وَالْمَيْسِرُ
وَاْأَصَابُ وَالْأَزُْ﴾ ورقم (٤٦٢٠) باب: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ
فِيمَا طَعِمُوا﴾. ولم أجد الحديث في باب فيه اسم الوليمة ولعل تخريجه في المائدة
هو ما أراده المؤلف.
(٣) مسلم (١٩٨٠) باب: تحريم الخمر.
(٤) أحمد في ((المسند)) ٢١٧/٣، وفي ((الأشربة)) (١٧٨، ١٧٩).

٩٩
كِتَابُ الأَشرِبَةِ
=
وتوضأ بعضنا وأصبنا من طيب (سليم)(١)، فأتينا النبي ◌َّله وهو يقرأ:
﴿إِنَّمَا الْخَّرُ وَالْبَيْسِيرُ﴾ الآية [المائدة: ٩٠]، فقال رجل: يا رسول الله
فكيف بمن مات من إخواننا وهم يشربونها، فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ﴾ [المائدة: ٩٣] وفي رواية قال:
فما عادوا لشربها حتى لقوا الله تعالى.
فصل :
الفضيخ عند أكثر أهل العلم فيما نقله أبو عمر: نبيذ التمر(٢) وقال
أبو عبيد بن سلام: هو ما افتضخ من البسر من غير أن تمسه النار(٣).
وقال ابن سيده في ((محكمه)): هو عصير العنب، وهو يتخذ من البسر
المفضوخ.
قال الراجز:
بال سهيل في الفضيخ ففسد (٤).
يقول: لما طلع سهيل ذهب زمن البسر وأرطب فكأنه بال فيه، وفي
((مجمع الغرائب)) هو فضيخ أو فضوخ أو لأنه يسكر صاحبه فيفضخه.
قال ابن عمر: وسئل عنه ليس بالفضيخ ولكنه الفضوخ.
وفي ((الصحاح)): هو من البسر وحده(٥).
(١) كذا بالأصل، وكتب فوقها الناسخ: كذا، ولعل الصواب: أم سليم.
(٢) ((الاستذكار)) ٣١٩/٢٤، ٣٢٠.
(٣) ((غريب الحديث)) ٣٠٣/١.
(٤) ((المحكم والمحيط)) ٢٨/٥ مادة (فضخ)).
(٥) ((الصحاح)) ٤٢٩/١.

١٠٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
فصل :
في كتاب أحمد بسند جيد عن جابر: حرمت الخمر يوم حرمت
وما كان شراب الناس إلا التمر والزبيب (١)، وكذا قاله هلال بن يزيد
ومعقل بن يسار وابن عمر وابن عباس، وسئل عكرمة عنه فقال: حرام
ما كان خليطًا وما لم يكن، وكان ابن عباس يكرهه وإن كان بسرًا
محضًا .
فصل :
هذا الباب أيضًا كالذي قبله حجة على العراقيين أن الخمر من
العنب وحده؛ لأن الصحابة القدوة في علم اللسان ولا يجوز عليهم
أن يفهموا أن الخمر إنما هي من العنب خاصة ويهريقوا حرام الفضيخ
وهي غير خمر، وقد نهى عن إضاعة المال وإنما هراقها لأنها الخمرة
المحرمة عندهم من غير شك، ولو شكوا في ذلك سألوا رسول الله
وَل* عن عيبها وما يقع عليه أسمها، وقد قال أنس: إنهم لم يعودوا
فيها حتى لقوا الله، قال إسماعيل بن إسحاق: جاء في الآثار من
تفسير الخمر ما هي واللغة المشهورة، والنظر يعرفه ذوو الألباب
بعقولهم أن كل شيء أسكر فهو خمر، وأما كتاب الله فقوله: ﴿وَمِن
ثَمَرَتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَبِ نَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾ [النحل: ٦٧] فعلم أن السكر
من العنب مثل السكر من النخيل وقال تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوةَ
وَأَنْتُمْ سُكَرَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ﴾[النساء: ٤٣] فنهي عن الصلاة في
حال السكر، واستوى في ذلك السكر من ثمرات النخيل، فكما كان
السكر من ثمرات الأعناب والسكر من ثمرات النخيل والأعناب منهي
(١) ((الأشربة)) ص ٢٧ (٢٨).